غطت وجهها بيديها وهي تبكي بحرقة: ليه سبتيني يا ماما؟ انتي عارفه إني بخاف أقعد لوحدي. هعيش إزاي من غيرك؟ يا رب.. يا رب. مر شهر على وفاة والدتها وهي ما زالت على هذه الحالة من البكاء المتواصل. تظل تبكي حتى تذهب في سبات عميق. فبعد وفاة والدتها لم يعد لها أحد، فقد مات والدها منذ عدة سنوات ولحقته أمها وتركوه وحدها في هذا العالم القاسي.
دخل منزله وهو يدندن بمرح، يختال بنفسه وبوسامته. فهو اسم على مسمى. ألقى السلام ثم جلس على الكرسي المجاور لأخته الصغرى. عبث في شعرها وقال: عامله إيه يا قرده؟ ابتسمت بسمة وقالت: أحسن منك. ضحك وسيم بمرح وأردف: بقاش كدا؟ لعبت حاجبها بمرح: آه كدا. قطع حديثهم صوت والده الصارم من غرفة الصالون ينادي: وسيم.. يا وسيم. رد وسيم وهو يقوم من مكانه ليذهب إليه: نعم يا بابا. هتف الأب قائلاً: تعالى عاوزك. دخل وسيم واقترب من أبيه،
قبل رأسه ويده بمحبة وقال: خير يا بابا؟ تنحنح الأب ليجلي صوته: انت عارف إن بنت عمك من وقت وفاة والدتها وهي عايشة لوحدها. هز وسيم رأسه بمعرفة. استطرد والده قائلاً: أنا بصراحة مش عاجبني قعدتها لوحدها. وكمان مش هينفع تقعد معانا وأنت هنا. قطع وسيم كلامه قائلاً: طب مفيش مشكلة يا بابا. أنا هروح أقعد في شقتي وهي تنزل تقعد معاكوا. رد الأب: ده مش حل يا وسيم. هيا مش راضية أصلاً تسيب شقتها. تأفأف وسيم وقال:
طب وست هيا هانم عاوزة إيه؟ ابتسم الأب: هي بصراحة مش عاوزة حاجة أنا اللي عاوز. هتف وسيم: وحضرتك عاوز إيه؟ أردف الأب بصرامة قاطعاً أفكاره: عاوزك تتجوز بنت عمك. اتسعت عين وسيم وهو ينتفض واقفاً: نعم؟ بنت عمي مين دي اللي أتجوزها؟ هو حضرتك مش شايفها عاملة إزاي؟ دي عِجلة.. عاملة زي الغسالة المتحركة. صرخ الأب بغضب: وسيم.. احترم نفسك وأنت بتتكلم عن بنت عمك. أخفض وسيم رأسه بحرج وقال:
آسف يا بابا. بنت عمي على عيني ورأسي.. أما أتجوزها لا.. يعني لا. رد الأب ببرود: مش هاخد كلامك دلوقتي على إنه قرار نهائي. وهسيبك أسبوع تفكر. ثم تركه وغادر قبل أن يتفوه بكلمة أخرى. رمى وسيم جسده على الأريكة وهو يضع رأسه بين كفيه لا يصدق ما قاله والده. هل طلب منه أن يتزوج هيا؟ تلك السمينة.. القبيحة؟ ألا يدري والده أنها لا تليق به؟
فهو وسيم الذي تتصارع الكثير الفتيات من أجل نظرة واحدة منه. تكون نهايته مع تلك هيا. فهي ليست سمينة.. قبيحة وفقط.. بل مجنونة ومعقدة أيضاً. لا.. وألف لا.. لن يتزوجها أبداً مهما حدث. شعر بيد حانية تمس كتفه بحنان هامسة: وسيم. رفع نظره إليها. لتقول بسمة بحنو: هيا مش وحشة أوي كدا زي ما أنت متخيل. تكلم وسيم بغضب: كنتي عارفة؟ هزت رأسها بنعم. أردف بسخرية: ودي محتاجة سؤال. هي في حاجة بتخفى عنك؟ ابتسمت بسمة وقالت:
فكر يا وسيم. والله هيا طيبة جداً وعمرك ما هتلاقي زيها. صرخ وسيم بحده: بسمة.. مش عاوز أسمع اسمها. صمتت بسمة وهي تدعي الله في سرها أن يهدي أخيها. فهو لن يجد أفضل من هيا ولكنه يابس الرأس ولا يرى سوى نفسه ووسامته التي يختال بها. في الصباح استيقظت هيا من نومها. عيناها منتفخة من كثرة البكاء. ملامحها حزينة كطفلة ضائعة تاهت من أمها في أحد الأسواق. سمعت رنين الجرس فقامت بتعب لكي تفتح لبسمة. فلا أحد يأتي إليها في الصباح سواها.
فتحت الباب ليقابلها وجه بسمة المبتسم: صباح الخير يا ناس يا كسلانة. ردت هيا بشبه ابتسامة: صباح النور. أفسحت لها الطريق لتدخل وقالت وهي تتجه إلى المطبخ: روحي اغسلي وشك يلا.. عقبال ما أشوف عندك إيه نفطر بيه. هزت هيا رأسها وهي تشعر بعدم رغبتها في أي شيء. ولكن بسمة لن تتركها أبداً مهما فعلت. بعد قليل. حضرت بسمة الطعام ووضعته على الطاولة. وهي تنادي بصخب: هياااا.. يا بنتي.. بتعملي إيه كل دا؟ جاءت هيا وهي تقول: كنت بصلي.
ابتسمت بسمة: تقبل الله. ردت هيا بإبتسامة جميلة مثلها: منا ومنكم إن شاء الله. ثم جلسا يأكلان في صمت نوعاً ما. قطعت بسمة الصمت قائلة: بقولك إيه يا يويا.. بفكر أنزل أشتري لبس جديد. ما تيجي معايا؟ هزت هيا رأسها بنفي واعتذرت قائلة: آسفة يا بسمة.. بس مليش مزاج. رفعت بسمة حاجبها بعند: هتيجي معايا يعني هتيجي. وع فكرة أنا مش باخد رأيك أنا بعرفك بس. تكلمت هيا ببؤس: معلش يا بسمة بس مش هقدر. لم تعرها بسمة أي اهتمام وهي تقول:
يلا قومي البسي عشان نلحق وقتنا بدري. صرخت هيا: بسمة اسمعيني. لم ترد بسمة ولم تتحرك هيا من مكانها. ولكن في النهاية رضخت لألحاح بسمة المتواصل. نزلت بسمة تقفز على الدرج كعادتها. وهيا تنزل ورائها بهدوء تثبت عيناها على الأرض.
ومع آخر درجة التقوا بوسيم. الذي تكلم مع بسمة بهمس مرح. ولكن لم يعر هيا أي اهتمام. لم ترفع عيناها إليه. ولكن شعرت أن عيناه مثبتة عليها. كان ينظر إليها بغضب تحول إلى استهزاء وهي يراها ترتدي عباءة سوداء وطرحة من نفس اللون. وجهها مثبت بالأرض لا ترفعه أبداً. لا يتذكر أنه رأى لون عيناها من قبل. ما هذا الأفكار؟ فلتذهب هي وعيناها إلى الجحيم. تركهم وغادر. وذهبوا هم إلى طريقهم.
كان يوم مرهق لهيا. فبسمة لا يعجبها شيء أبداً. تدخل جميع المحلات. تدخل المحل تقلب رأساً على عقب وتخرج دون أن تشتري شيئاً. أخيراً وصلوا إلى بيتهم. لتصر بسمة على هيا أن تدخل معها إلى شقتهم. دخلت بسمة بصخب. أما هيا فألقت السلام بهدوء. ابتسم لها عمها قائلاً بمحبة: وعليكم السلام. تكلمت زوجة عمها بحنان: تعالي يا هيا.. حماتك بتحبك. ابتسمت هيا وأردفت: شكراً يا طنط مش جعانة. أصرت زوجة عمها:
والله ابداً لازم تاكلي معانا.. اغسلوا إيديكم ويلا. ردت بسمة: حاضر يا ماما ثواني. جلسوا على السفرة بجانب بعضهم البعض. تكلم الأب موجهاً حديثه لبسمة: اشتريتوا إيه بقا؟ ضحكت بسمة: ياااه حاجات كتيييير. ثم استطردت ببؤس: بس أنا بس اللي اشتريت. هيا مرضيتش تشتري حاجة خالص. نظر لها عمها وسأل: ليه كدا يا هيا؟ ردت هيا بحزن: أنا لسه شاريه لبس قريب أنا وماما الله يرحمها. أمن العم بحزن: الله يرحمها. تكلمت زوجة
العم موجهة حديثها لابنتها: بس ع الله تكوني جبتي حاجات تليق عليكي. رد وسيم بسخرية مبطنة: يا ماما بسبوسة عود فرنساوي وبيليق عليها أي حاجة. أحمر وجه هيا وهي تشعر أنه قصد هذه الكلمة. حتى يشعرها بالفرق بينها وبين بسمة. فبسمة عود فرنسي أما هي فعودها حدث ولا حرج. عم الصمت بعد جملته. فبالرغم من أن الكلام مدح لبسمة إلا أن الجميع شعر أنه يقصد به مضايقة هيا. بعد العشاء صعدت هيا مباشرة إلى شقتها. وبعد صعودها
نظر الأب بقسوة لابنه وهدر: انت امتى هتتعدل يا أخي وتتحمل المسؤولية؟ رد وسيم ببرود: في إيه يا بابا؟ هو أنا عملت حاجة؟ ضرب الأب كف بكف ورد بغضب: وكمان مش عارف انت عملت إيه؟ لم يرد. فأردف الأب بغضب: ليه قصدت تكسف بنت عمك؟ أجاب وسيم ببرود: أنا ما قصدتش حاجة. بس لو هي خدت الكلام على نفسها يبقى اللي على رأسه بطحة بقى. نظر له الأب بذهول. ثم قال بقوة بعد صمت دام لدقائق:
آخر كلام عندي. وأنت اللي جبته لنفسك. هتتجوز بنت عمك. وإلا والله لا هتكون ابني ولا أعرفك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!