تحميل رواية الصغيرة والقاسي بقلم اسماعيل موسي pdf
بقلم اسماعيل موسي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كنت عايشة في بيتنا مع والدي ومرات أبويا، اللي كانت ست متسلطة. كانت بتتعمد تضربني على أبسط الحاجات لما والدي ما يكونش في البيت، ولما والدي يرجع تخترع كذبات تخلي أبويا يقسى عليّ. لحد ما حياتي تحولت لجحيم. كنت بنت 16 سنة محرومة من حنان الأم والأب، بتتعرض لكل أنواع التعنيف الجسدي واللفظي. تعنيف وصل لحد حبسي لأيام في أوضة ضلمة من غير أكل ولا شرب. كنت بتعامل زي الكلبة. والدي ما كانش بيصفح عني غير لما مراته تترجاه يعفو عني. كانت بتبين له إنها طيبة وبريئة وخايفة على مصلحتي، مع إنها كانت عاملة زي الحية ك...
رواية الصغيرة و القاسي الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسي
كنت عايشة في بيتنا مع والدي ومرات أبويا، اللي كانت ست متسلطة. كانت بتتعمد تضربني على أبسط الحاجات لما والدي ما يكونش في البيت، ولما والدي يرجع تخترع كذبات تخلي أبويا يقسى عليّ. لحد ما حياتي تحولت لجحيم. كنت بنت 16 سنة محرومة من حنان الأم والأب، بتتعرض لكل أنواع التعنيف الجسدي واللفظي. تعنيف وصل لحد حبسي لأيام في أوضة ضلمة من غير أكل ولا شرب. كنت بتعامل زي الكلبة.
والدي ما كانش بيصفح عني غير لما مراته تترجاه يعفو عني. كانت بتبين له إنها طيبة وبريئة وخايفة على مصلحتي، مع إنها كانت عاملة زي الحية كلها شر.
فاكرة كويس اليوم اللي أبويا فتح باب الأوضة اللي كان حبسني فيها، وطلب مني أشكر مراته لأنها كانت السبب في عفوه عني. وارغمني أبوس إيدها، وهي بترفض وتسحب إيدها بعيد عني. اليوم ده قررت إني مش هعيش في البيت ده تاني، وإني حياتي أصبحت في بيت أبويا مستحيلة.
كنت عارفة إيه اللي منتظرني بعد ما والدي يروح الشغل. ضرب وإهانة. جمعت ملابسي البسيطة، ولما الليل نزل خرجت من البيت وأنا عارفة إني مش هقدر أرجع تاني، وإن مرات أبويا هتبخ سمها في ودان والدي عن تمردي وعهرى.
طلعت في نص الليل أسحب لحد ما بعدت عن البيت. ما كانش في بالي أي حاجة غير إني أهرب لأبعد مكان عن البيت، مكان والدي ميقدرش يوصله ولا أي شخص يعرفه.
الغابة اللي كان مجرد ذكر اسمها قدامي قبل كده بيخلي جسمي يرتعش من الخوف. مشيت بين الأشجار المرعبة في ضلمة كالحة، ما كنتش شايفة أي حاجة. صوت الريح كان مرعب. كل خطوة كنت بمشيها كانت بالنسبة ليا ممكن تكون آخر خطوة.
توغلت داخل الغابة. مشيت الليل بطوله وسط الأشجار والاحراش. كنت كل ما أسمع صوت حيوان أو طير أستخبى تحت دغل أو تحت شجرة كبيرة.
الليل خلص والشمس طلعت وأنا نايمة تحت شجرة. كنت عطشانة وجعانة. ما كانش قدامي غير فواكه الأشجار اللي قدرت أجيبها بصعوبة.
تسلقت شجرة كبيرة، ومن هناك شفت النهر. فرحت إني أخيراً هشرب ميه.
نزلت من على الشجرة وركضت نحو النهر. أكتر من ربع ساعة لحد ما وصلت هناك. أول ما وصلت رميت جسمي جوه الميه الجارية. قعدت ألعب في الميه وأشرب لحد ما تعبت.
وقبل ما أطلع من الميه سمعته. صوت جاي من بين الأشجار خلاني أموت من الخوف.
غطست في الميه وأنا متخيلة إني أول ما أظهر هيكون اختفى. لكن لما خرجت راسي بره الميه، شفت. شفت اللي خلى جسمي كله يتصلب ويتشنج.
رواية الصغيرة و القاسي الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسي
كان فيه حيوان زي الذئب، ضخم جدا واقف بين الأشجار بيبص عليا بعينين مبرقة كلها شَر.
حاولت أبعد بعيد عن الشاطيء، لكن التيار جرفني وكنت هغرق. على بال ما قدرت أرجع للضفة تاني، التيار كان جرفني مسافة طويلة. رغم كده، لما قدرت أوصل منطقة ضحلة لقيت نفس الذئب بين الأشجار بيراقبني. مكنتش عارفة أعمل إيه.
قلت: "هقرب من البر يمكن يكون ذئب لطيف". يدوبك قربت منه وشفت البشاعة في شكله وشميت ريحته المتعفنة. شكله كان وحش جدا لدرجة مقرفة، شفت أسنانه ولسانه الطويل المتدلي.
جسمي برد جدا من المية وكان بيرتعش من برودة الطقس. مكنتش قادرة أتحكم في نفسي، حسيت إن عضلاتي اتشنجت وإني ممكن أغرق في أي لحظة.
لكن من حسن حظي، الذئب اختفى فجأة. لحظتها حسيت بفرحة وسعادة وطلعت من المية ورميت جسمي على الأرض. كنت بردانة جدا وجسمي مثلج بيرتعش زي العصفور الصغير.
من بين الأشجار ظهر راجل بشري، مكنتش مصدقة إني ممكن أشوف إنسان بعد كل اللي شفته. كان لابس معطف طويل وقبعة فوق دماغه مخبية وشه وشكله.
قرب مني وشميت ريحة مش حلوة، لكن مقدرتش أتكلم.
الراجل قال: "واضح إنك بردانة وجعانة. أنا عندي كوخ قريب من هنا فيه أكل وهشعل النار وأديكي ملابس جديدة."
قلت له: "شكرا يا عم." لأن عمره كان قريب من 40 سنة.
مسك إيدي وقال: "امشي ورايا من غير ما تعملي صوت. الغابة خطيرة ومليانة حيوانات متوحشة. كوخي مش بعيد عن هنا فوق التلة هنا."
رغم إنه قال كده، مشينا مسافة طويلة بين الأشجار ومرّينا في وادي فيه مية ضحلة فيها طحالب وأعشاب.
الراجل قال: "بصي كوخي هناك."
طلعنا التلة وهناك كانت فيه مغارة وسط الجبل وصلتها بطلوع الروح.
الراجل قال: "ادخلي متخافيش."
لما بقيت داخل المغارة، الراجل ولّع نار وأداني هدوم جديدة وكانت مناسبة لمقاسي. حسيت إن فيه شخص كان لابسها قبلي.
قربت من النار بعد ما الراجل قال إنه هيغيب فترة صغيرة يجيب أكل ويرجع. كنت تعبانة جدا ونمت لما شعرت بالدفء.
أول ما فتحت عيني لقيت الراجل ده قاعد جنبي وبييبص عليا بنظرات غريبة. وقدرت أشوف شكله لأنه قلع المعطف والقبعة. شكله كان وحش جدا، تحس إنه مجرم هارب.
أداني أكل وطلب مني آكله. كنت جعانة وأكلت كتير أوي.
الراجل قال لي: "عايزة تنامي؟"
قلت له: "آه."
قال لي: "هتنامي، لكن فيه حاجة لازم نعملها الأول."
قلت له: "موافقة."
سخن حديدة عريضة وقالي: "اظهرى كتفك، هي هتوجعك شوية لكن مش كتير."
كنت محرجة لكن نفذت اللي طلبه مني، وحسيت بنار في كتفي وشميت ريحة جلدي. صرخت من الوجع، لكنه قال: "إحنا خلاص انتهينا." وحط حاجة زي كريم عليها وطمني إن الكريم ده هيخلي جلدي يشفى. فضلت أتألم مدة طويلة لحد ما نمت.
صحيت الصبح، الشمس جات في عيني. مكنش فيه أي شخص جنبي. حاولت أقوم لكن رجليه وإيديا كانت متكتفة.
رواية الصغيرة و القاسي الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسي
حاولت أقف أو أمشي لكن مقدرتش، فضلت جالسة في مكاني مدة طويلة.
ببص من باب المغارة على الوادي الشاسع. كان فيه حيوانات بتاكل العشب الأخضر وطيور محلقة فوق الأشجار.
وفي مكان بعيد نبح كلب مرة واحدة وصوته انقطع.
فضلت مستمتعة بجمال الطبيعة لحد ما لقيت الغزلان بتهرب من الوادي مع ظهور الراجل.
أنا جوه بيته.
رغم إن التلة مرتفعة والتضاريس صعبة، إلا إنه وصل عندي من غير أي قطرة عرق ولا أي دليل على الإرهاق والتعب.
كان ماسك في إيده أرنبين بريين رقبتهم مجروحة.
أول ما وصل عندي قلت له: "فيه شخص كتفني وأنا نايمة!"
قال بنبرة حسيتها ماكرة: "لما عملت كده عشان مصلحتك، خفت تنزلي الوادي تاكلك الحيوانات. الغابة هنا مليانة ضباع وذئاب متوحشة. احمدي ربنا إني لقيتك وجبتك معايا المغارة."
فك قيودي ورقد على الأرض بضهره وهو بيضحك.
قبل ما يأمرني: "نضفي الصيد واشويه."
نضفت الأرانب وجمعت الحطب. شويت الأرانب وكانت ريحتها شهية.
بعد ما الأكل نضج، قرب مني وحطه قدامه وقعد ياكل بطريقة بشعة.
لاحظت إنه مقليش، كبر معايا ولا أي حاجة.
فضل ياكل من غير ما يبص عليا. وأدبي منعني أقاطعه.
بعد ما خلص أكل، قال: "تقدري تاكلي دلوقتي."
مكنش فيه غير بقايا الطعام. وقرفت أكل منه، لكن الجوع أجبرني آكل.
وأنا باكل قلت له: "انت مش صغير، من فضلك بلاش تكتفني تاني. أنا عارفة مصلحتي."
بص لي بخبث وقال: "انتي شايفة كده؟"
قلت له: "آه، أنا مش خايفة من الحيوانات. أنا عبرت الغابة كلها لوحدي."
سمعته بيقول بنبرة غريبة: "افتكري إني حذرتك."
النهار طلع مرة تانية.
الشخص ده مكنش موجود رغم إن الوقت كان مبكر جداً.
البنت كانت سعيدة وفرحانة. الراجل ده وفى بوعده ليها ومكتفهاش.
جريت بسعادة على الوادي.
وكانت فيه حركة بعيدة بين الأشجار، لكنها محاولتش تشغل بالها.
عيون حمراء كانت بتراقبها من بين أشجار الغابة وبتتفرج عليها.
تمرغت البنت على العشب. كانت جميلة وبريئة. حتى الغزلان نفسها مخفتش منه.
نامت على الأرض وشها للسما تنعم بالهدوء.
وفجأة الحيوانات هربت من مرج العشب بفزع وفوضى.
البنت وقفت بسرعة مرعوبة وشافت قدامها الذئب المتوحش اللي كان موجود عند النهر.
جسمها كله ارتعش. وأنا قلبي كان هيقف من الخوف.
قعدت تبص يمين وشمال تبحث عن مساعدة. المرج كان خالي.
افتكرت كلام صاحب المغارة لما حذرها من حيوانات الغابة. واتمنت لو سمعت كلامه.
لكن خلاص الذئب هياكلها لأنه قرب منها جداً.
قعد يشم جسمها وعينيه بتشع نار وغضب ووحشية.
زقها برجله، مخالبه جرحت صدرها وقطعت ملابسها.
وقعت على الأرض مغطية وشها بإيديها.
الذئب وضعها بين رجليه وفتح فمه على اتساعه وصرخ صرخة مرعبة من قوتها شعر رأسها اتهز.
تخيلت إن أنيابه مغروسة في جسمها.
لحظات وهي مغمضة عينيها.
صوت الذئب اختفى.
لكنها متجرأتش تفتح عينيها.
لحد ما سمعت صوته. الراجل صاحب المغارة كان في إيده حربة وبيسأل وهو بيبص على الغابة برعب: "انتي كويسة؟ لازم نرجع المغارة بسرعة. الذئب مش بعيد عنا. أنا خوفته بالحربة لكنه هيرجع تاني."
جريت البنت على المغارة مش مصدقة إنها حية.
لما وصلت المغارة اعتذرت للراجل ده ووعدته إنها هتسمع كلامه كله وتكون مطيعة ليه.
قال: "لازم أكون مطمئن عليكي. عرفتي إن القيد مناسب ليكي؟"
قال: "آه، صدقت. أنا مش هغادر المغارة تاني ولو عايز تكتفني كتفني."
ابتسم الراجل بخبث وقرب منها: "انتي هتسمعي كلامي كله ولو بعدتي عن المغارة هعاقبك عقاب شديد."
كلامه كان صارم زي السيف. والبنت وافقت بطاعة.
مرت أيام محصلش فيها أي حاجة. البنت نسيت اللي حصل.
الراجل كان بيحررها لما يكون نايم في المغارة وهي وفّت بوعدها ومكنتش بتغادر المغارة.
لكن في يوم وهو الراجل نايم، شافت غزالة مصابة بتعرج على رجلها في المرج.
البنت أشـفقت عليها ونزلت عندها. الغزالة مهربتش وسابتها تدلك رجلها وتلف قماشة عليها.
الراجل فاق من النوم ملقاهاش موجود. عقله اتجنن خاف تكون هربت.
لكن شافها جاية من بعيد بتغني.
سابها لحد ما وصلت المغارة.
قرب منها بعيون كلها غضب وفجأة صفعها على وشها.
صفعة قوية رزعتها على الأرض لحد ما حست إن دماغها انفصلت عن جسمها.
صرخ فيها: "اسمعي يا بنت، انتي هتنفذي أي حاجة أطلبها منك، أوامري تتنفذ من غير كلام."
البنت وهي بتبكي قلت له: "حاضر، حاضر."
كتفها من إيديها وربطها في جذع شجرة يابس وقال: "أنا هنام، هريح شوية. مش عايز أسمع حتى نفسك؟"
بـخوف البنت قالت: "حاضر."
كانت خايفة وموجوعة ومش عارفة إيه بيحصل معاها.
نام الراجل ومفيش دقايق وسمعت صوت شخيره المقرف كأنه حيوان مش إنسان.
فضلت تبكي في صمت.
كان فيه نار قايدة في وشه.
لما الليل وصل فتح عينيه وصحى.
بص عليها بعينين مبرقة وقعد يستخدم حاسة شمه كأنه كلب.
وقف في باب المغارة وأطلق عواء ذئب. عواء حيواني.
بعدها بدقيقة وصل شخص تاني من نفس عمره، لابس معطف من الفرو زي الإسكيمو.
وكان نحيل جداً ووشه كله بثور وأسنانه صفراء ولسانه أصفر.
وكل شوية كان بيبصق على الأرض ويبص ناحية البنت.
البنت سمعته بيسأل الراجل اللي ضربها: "مين دي؟"
الراجل بص عليها وقال: "دي خادمتي الجديدة، جاريتي، مختومة بختمي وملكي."
البنت مكنتش عارفة الكلام ده معناه إيه، لكن الضيف قاعد يباركله ويقوله: "عرفت تختار. بنت صغيرة وجميلة هتمنحك الدفء في ليالي الشتاء الطويلة عندما ترتحل شمالاً."
"الغريب، مش خايف تهرب؟"
صاحب المغارة: "خليها تفكر تهرب، انت عارف إني أقدر أجيبها وأحسها من على بعد أميال."
الضيف قاله: "تسمح لي؟"
صاحب المغارة قال: "اتفضل."
الغريب قرب من البنت وطلع حبل كان ملفوف على كتفه وربطها من رقبتها وهو بيضحك.
البنت مكنتش مصدقة ودانها لكن كانت مرعوبة لدرجة إنها مكنتش قادرة تتكلم.
جرها من الحبل زي الحيوان وبص على صاحبه وقال: "شكلها جميل وهي زي الحيوانة."
رواية الصغيرة و القاسي الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسي
يقولون في عمر الرابعة تتفتح الأنثى ويصبح عالمها غير حقيقي، إنها تعيش الوهم، كل يوم، كل لحظة، على أمل أن تجد لها مكان في الحياة، صغيرة وجميلة، لكنها غير حقيقية على الإطلاق، مجرد وهم، ظل لكائن لم يتواجد أصلاً، ابتلعه العدم.
كنت أسمع كلام الرجل وأنا مش مصدقة وداني ولا عيني، كان بيتعامل معايا كأني حيوان.
فجأة التف نحو صاحبه وقال: "هي شافتك وانت متحول؟"
بص له الرجل بغرور وثقة: "لسه، لكن أنا واثق إنها هتقبلني بكل حالاتي، هي مضطرة لكده أصلًا، وإلا هربطها بالسلاسل وأكويها بالنار لحد ما نرتحل شمالًا وأبيعها لأي سيد يدفع فيها أكتر."
وبدأت أعرف حقيقة وضعي، إني مجرد صيد، عبد، اضحك عليا وبقيت في ورطة ملهاش نهاية.
ولقيتني من غير ما أشعر بقول: "أنا أقبلك سيدي بكل حالاتك. حل قيودي من فضلك وسأعمل على سعادتك."
بص لي صاحب المغارة بانبهار قبل ما يقول لصاحبه بغرور: "مش قلتلك إنها ملك إيدي وبقت لعبة في إيدي."
صرخ: "عارفة لو حاولتي تهربي هعمل فيكي إيه؟"
قلت له: "عارفة، كنت مستعدة لأي شيء نظير إنه يفك قيودي."
قال بصوت ضخم: "لا مش عارفة."
ولقيت جسمه أضخم وطلع له شعر طويل وتحول لمستذئب متوحش، شكله بشع، أنفاسه متعفنة، ونظراته كلها شر ولسانه متدلي قدامه بطريقة مقرفة.
قرب مني وهمس: "لو هربتي هعثر عليكي ومش هكتفي بتعذيبك، هأكلك زي ما أكلت اللي قبلك."
وجرني من الحبل المربوط في رقبتي بقسوة لمؤخرة المغارة وصاحبه ماشي وراه.
لحد ما وصلنا ستارة قطعها بأنيابه وظهرت هياكل عظمية لجثث بشرية وجماجم كانت مختفية وراه.
"ده هيكون مصيرك، كل بنت خطفتها وعصت أوامري قطعت جسمها بانيابي، مزقتها واستمتعت بصراخها. أما البنات المطيعة، استمتعت بيها ليالي طويلة قبل ما أبيعها للأسياد. إنت بقا هيكون مصيرك إيه؟"
زقني وقعت على الأرض، حطني وسط رجليه ولف ساقه حوالين جسمي وجذبني ناحيته.
ولعق خدي ورقبتي بلسانه المقرف اللي بيسيل منه لعاب مقرف.
غمضت نفسي أقول: "أنا ليك يا سيدي."
وكان واضح إن كل ما بقوله "سيدي" مزاجه بيتعدل.
بص لصاحبه وقال: "تقدر تغادر دلوقتي يا سران سين، عايز اختلي بجاريتي."
سمعت كلمته وجسمي كله رفضني، كنت لسه في حضنه وجسمي كله بيرتعش.
بص لي بقسوة وهو بيلعق خدي، وهمس: "خايفة ليه مني؟ أنا شامم خوفك وده بيتعارض مع كلامك إنك ملكي وطوع أمري."
قلت له: "سيدي انت مش خايفة منك، لكن أنا لازم أغسل جسمي، حاسة إني مش نظيفة."
صرخ: "مش مشكلة، الحاجات دي مش بتفرق معايا."
قلت له: "لكن تفرق معايا أنا يا سيدي، متنساش إنك لسه مكتفني بالحبال. أنا بطلب منك تحررني، أغتسل في النهر وأرجع بسرعة يا سيدي."
سكت لحظة وحسيت بتردده، اللي ما سمحتش بيه. قلت له: "انت خايف أهرب يا سيدي؟"
وكنت كل ما بقول "يا سيدي" أحس بحماسته وغروره وشهوته اللي ما بتنتهيش.
قال بكبرياء: "لا مش خايف، انتي عارفة إني أقدر أشم ريحة جسمك على بعد ميل. ثم إلى متعرفهش إني وسمتك بوسم العبودية وأصبحتِ عبدتي وملكي."
قلت: "يعني هتتركنى أذهب للنهر؟ عايزة أغتسل."
قفز قفزة كبيرة بقوة وصلته بباب المغارة، ورجع بقفزة تاني وصلته عني.
فك قيودي بعد ما عاين المرج وتأكد إن مفيش خطورة من ذهابي للنهر.
صرخ: "روحي وارجعي بسرعة."
قلت له: "لكن أنا خايفة، المرة اللي فاتت كان فيه ذئب بيراقبني من بين الأشجار هناك؟"
قعد يضحك بصوت مخيف وقال: "أنا كنت الذئب ده."
كنت متأكدة إنه هو نفسه بقذارته وتوحشه، بس كان لازم أبعده عني.
قلت له: "أنا كنت مرعوبة منك، دلوقتي يا سيدي توعدني متتلصصش عليا وأنا بسبح في النهر!؟"
بص لي بمكر وقال: "أوعدك."
نزلت من المغارة، كنت عارفة إنه بيراقبني ومش بعيد يكون مستخبي بين الأشجار لأني عارفة إنه كداب وقذر.
مكنتش ناوية أرجع تاني مهما حصل بعد ما عرفت اللي منتظرني، حتى لو مت.
وصلت النهر ونزلت فيه بسرعة.
وسمعت صوت خربشة بين الأشجار وعرفت إنه بيراقبني.
بصيت للضفة التانية من النهر كانت بعيدة جدًا وأنا مش بعرف أسبح كويس.
ورجعت بصيت على الأشجار والمغارة وعرفت اللي منتظرني، وبدأت أسبح ناحية الضفة التانية.
لما بعدت شوية ظهر بشكله المتوحش المقرف البشع من بين الأشجار، ذئب ضخم خبيث وصرخ: "إنتي بتعملي إيه؟ ارجعي هنا؟"
مقدرتش أتكلم، كلمت سباحة والتيار القوي بيجرفني، لحظتها صرخ، وأطلق عواء مرعب.
سمعت صوته المفزع: "مفكرة نفسك تقدري تهربي مني؟ إنتي لي في أي مكان وزمان."
وقفز قصادي مع التيار.
قوتي ضعفت وبدأ التيار القوي بيجرفني بسرعة خارقة ويقلبني معاه.
أنفاسي بدأت تتقطع والمية دخلت في بوقي.
الشط كان لسه بعيد لكن كان عندي أمل أقدر أوصل.
بطلوع الروح شفت الشط كان على بعد أمتار مني، حسيت إن روحي رجعت ليا، وإني هقدر أتحرر وأهرب منه.
لكن صدمتي كانت كبيرة لما لقيته واقف على الشط قدامي.
عنيه كلها غضب، بين إيديه سلسلة مجهزة عشان يكتفني.
صرخ بصوت مرعب: "قلتلك مش هتقدري تهربي مني. اخرجي من النهر وقابلي قدمي قبل ما التيار يجرفك وتغرقي؟"
كنت عارفة إني مش هقدر أسبح تاني، لكن رجوعي له كان بيمثل موتي كمان.
في لحظة اللا عودة بنقترف حماقات.
صرخت بكل صوتي اللي قدرت أجمعه……
رواية الصغيرة و القاسي الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسي
قبل أن أصرخ، امتلأ فمي بالماء. توقفت عن المقاومة وتركت التيار يجرفني. كنت أعرف أن الموت أفضل مما ينتظرني مع ذلك الذئب المتوحش.
المستذئب كان يراقبها بعينيه من على الضفة. التيار القوي جرفها وراح يركض بمحاذاتها.
"شايف يا يا أردين اللي أنا شايفه؟" قال أحد المستذئبين لصديقه الذي يمشي بجانبه بلا مبالاة.
بص أردين على ضفة النهر وبصق. "ده سانتس، ذئب قذر أعرفه."
صديقه سيمون بحيرة: "هو واقف ليه على ضفة النهر؟"
أردين بسخرية: "أعتقد إنه شايف جيفة حيوان داخل النهر."
سيمون بتركيز: "معتقدش يا أردين، أنا متأكد إن فيه حاجة تانية."
أردين بعصبية: "قلت لك سانتس ذئب قذر، خلينا نمشي في طريقنا ونبتعد عنه."
سيمون بطيبة: "مكن يكون فيه شخص محتاج مساعدة."
أردين: "ملناش دعوة يا سيمون."
سيمون بثقة: "مش هقدر أمشي غير لما أعرف فيه إيه."
أردين بعصبية: "أنا هواصل سيري، محتاج أقعد مع نفسي شوية. أنصحك ابعد عن سانتس، دا ذئب وقح وقذر وخاين."
سيمون بضحك: "متخافش عليّ."
ركض سيمون ناحية سانتس ووقف جنبه وسأله: "فيه إيه؟"
سانتس بمكر: "طفلة صغيرة جرفها التيار، وأنت عارف إني معرفش أسبح."
سيمون بلهفة: "هي فين؟"
رفع سانتس ساقه وشاور على جسم البنت.
سيمون قفز بهيئته البشرية في النهر وسبح ناحية البنت اللي كانت بتغرق. مسكها وسحبها معاه للضفة.
البنت كانت بتبص على الضفة وبتصرخ: "سيبني أموت، من فضلك مش عايزة أعيش."
لكن سيمون جرها لليابسة وقدر ينقذها. سانتس كان واقف على الضفة بعينين مرعبة.
سيمون أول ما وصل كان مرهق ورمى جسمه على الأرض.
البنت لما شافت سانتس حاولت تصرخ، لكن سانتس برق عينيه وشاور على رقبتها يعني لو صرختي هدبحك.
سيمون سأل البنت: "انتي من أي مكان عشان أرجعك لأهلك؟"
البنت راحت تتكلم، لكن سانتس رعبها بتكشيرة من أنيابه.
سانتس قال: "متقلقش أنت يا سيمون، أنا هوصلها لأهلها."
سيمون كان عارف إن سانتس قرصان وبيمارس تجارة النخاسة. وانتظر البنت تعترض، لكن البنت كانت واقفة بجسم مرتعش مش قادرة تنطق.
سيمون: "قولي انتي من أي مكان؟"
البنت مفتحتش بقها. سانتس كان غارس مخلبه في ضهرها من غير ما سيمون يشوفه.
لاحظ سيمون إن البنت جسمها بيرتعش، وقف وقال لسانتس: "أنا هوصلها لأهلها."
سانتس قال: "لأ، أنا اللي هوصلها."
سيمون قال: "ممكن نخليها تختار؟"
سانتس بنظرة مرعبة قال: "ماشي."
البنت اتحركت ووقفت جنب سيمون.
سيمون قال: "خلاص، هي اختارت. أنا هوصلها لأهلها."
سانتس بسخرية: "طبعاً هي اختارت، لكن عارف اختارت إيه؟"
سيمون بطيبة: "إيه؟"
سانتس وهو بيغرس مخالبه في صدر سيمون: "اختارت موتك."
حاول سيمون يقاوم، لكن سانتس قطع جسمه ورماه في النهر.
ربط سانتس البنت في رقبتها وجرها خلفه بقسوة وشدة خلتها تجري.
سانتس كان بيجري ويبص لورا لحد ما اطمن إن مفيش حد شاف اللي عمله.
وصل المغارة وهناك كتف البنت وقعد يعذبها ويضربها ويكويها بالنار. والبنت تصرخ من الألم.
لكن سانتس كان مصر على معاقبتها أشد عقاب. رماها في حفرة ضلمة وقفل عليها.
بعد كده قعد يجمع كل حاجاته بسرعة. أول ما الليل وصل، سحبها من الحفرة.
تحول لإنسان وجرها خلفه زي الحيوان. سانتس قرر الارتحال ناحية الشمال، عشان يبيع البنت ويتخلص منها.
وصل أردين مكانه المفضل، تلة خضراء تطل على البحيرة.
كان بيجد سكينة هناك ويتأمل النجوم. مرت أكتر من ساعة وسيمون موصلش.
أردين بدأ يحس بالقلق، ويبص على الوادي يمكن يلمح سيمون.
الساعة بقت عشرة بالليل وسيمون مظهرش. تحول أردين لذئب وركض ناحية النهر.
شاف في بقعه هناك آثار أكتر من قدم وقدر يتعرف على أقدام سيمون وسانتس وشخص بشري.
وكان فيه آثار في الوحل بتدل على نزاع أو مشاجرة.
ركض أردين ناحية مغارة سانتس. صعد التلة وقفز داخل المغارة. كان سانتس رحل من وقت طويل.
كان فيه شعور سيء قابض على صدر أردين. إحساس قاتم إن فيه حاجة مش كويسة حصلت. وكان بيغذيها اختفاء سيمون المفاجيء ورحيل سانتس اللي مش ممكن يكون صدفة.
ركض أردين مرة أخرى نحو بيت سيمون. والدته أخبرته إنها مشافتهوش منذ اللحظة اللي كان فيها معاه.
عاد أردين راكضاً ناحية النهر وهو بيفكر مين الشخص البشري اللي كان موجود هنا؟ وإزاي وصل للنقطة دي في عمق الغابة؟
المكان دا بالذات مفيهوش أي عائلات بشرية بتعيش فيه. المستذئبين احتلوه من زمان طويل والبشر هربوا منه بعد تعدد حوادث اختطاف لأبنائهم.
لكن سيمون اختفى فين؟
يعرف أردين إن صديقه سيمون طيب القلب والروح، وإن سانتس ذئب مخادع. لكن مجاش في باله إنه يكون قتل صديق الطفولة سيمون.
وأقنع نفسه إن سيمون في رحلة أو مشوار أو حتى بيبحث عن صيد داخل الأحراش أو في أرض الصقيع وهيرجع في أي لحظة.
نام أردين تلك الليلة داخل الغابة بين الأشجار. مقدرش يروح بيته من القلق.
اليوم التالي استقبلته سماء داكنة مغطاة بالغيوم، وكان نعيق الغربان زايد عن الحد.
ملامح سوداء خلت قلب أردين يتغير. هطل المطر ومعه سمع أردين صراخ قادم من قرية المستذئبين.
ركض أردين بكل قوته ناحية القرية. الصراخ كان قادم من بيت سيمون.
أول ما وصل أردين كان جسد سيمون ممدد على الأرض قدام بيته. عثر عليه أحد الصيادين غارقاً في النهر.
انتشلوا جثته وأحضروها لوالدته.
كان سانتس بيجر البنت خلفه والسوط بيده، كل شوية يلسعها بالسوط.
كان سانتس عبر الغابة ووصل للطريق الرئيسي، وشافت البنت بنات كتير زيها مربوطين من أعناقهم بحبال يركضون خلف أسيادهم زيها وهما بيصرخوا.
طريق أسقوين كان الطريق الرئيسي لنقل العبيد للشمال.
وكان مليان بقطاع الطرق والقراصنة اللي بيجروا صيدهم نحو العاصمة لبيعهم في سوق العبيد.
أطفال صغار، بنات شابات، نساء، تم اختطافهم من عالم البشر دون أن يعرف أحد إلى أين رحلوا.
ليصبحوا عبيداً في الشمال حيث عاصمة السادة المستذئبين.
رواية الصغيرة و القاسي الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسي
كان الطريق الرئيسي مليان بمستذئبين وأسرى من البشر.
مصيدة عظيمة للبشر.
البشر كانوا يصرخون من سياط القراصنة.
سانتس بعد مسافة كبيرة قرر أنه ينحرف عن الطريق الرئيسي.
هيمشي بمحازاته من الغرب خلال الأحراش والمستنقعات اللي هتوفره غطاء آمن لو كان فيه حد بيلاحقه.
عقله الخبيث أكد له إن أردين ممكن يقتص أثره ويمشي وراه بحثاً عن الانتقام.
أردين مقدرش يقعد في الغابة بعد اللي حصل لصديقه سيمون.
أقسم على الانتقام من سانتس حتى لو كان المقابل حياته.
ركض ناحية الشمال لحد ما عبر الغابة ووصل طريق أقيوسين.
في اعتقاده إن القراصنة بيمشوا ببطء وإنه ممكن يلحقهم لو واصل الركض.
بعد أيام لاحت أمامه أول جحافل القراصنة.
شاف بعينه كيف يعامل الأسرى من البشر بطريقة وحشية.
بحث أردين عن سانتس بين القراصنة.
سأل عنه في كل بقعة.
آخر مرة شوهد فيها سانتس كانت منذ أكثر من يوم.
بعد كده اختفى هو وعبده.
نظر أردين ناحية الأحراش والمستنقعات وفكر إن سانتس غير الطريق عشان محدش يقدر يوصله.
لكن الانتقام بداخله كان مستعر.
لازم ينتقم من سانتس.
ركض أردين خلال الأحراش مستخدم حاسة شمه الذئبية القوية.
قدر يلاقي أثر سانتس والبشري اللي معاه.
سانتس كان لئيم جداً.
كان عامل خطة ماكرة.
مشى ناحية الشمال أميال طويلة بعد كده رجع تاني ناحية الجنوب نفس الأميال.
وكان قاعد في كهف في الجبل لما لمح أردين بيركض في المياه المتعفنة متعقب رائحته.
ابتسم سانتس بسخرية.
أردين هيركض لحد آخر الأثر بعد كده هيضيع وسط التيه.
أردين ركض الأميال دي كلها بعد كده رائحة سانتس والبشرية اختفوا.
توقفت عند هذه النقطة.
كانت حاجة غريبة أول مرة تحصل لأردين.
الأثر اختفى فجأة.
كأن الأرض انشقت وبلعتهم.
فتش عن نفق أو جحر.
حفر الأرض بأقدامه من غير فايدة.
سانتس تبخر في الهواء.
لما اطمأن سانتس، ترك الكهف ومشى في طريق العلامات اللي كان وضعها في طريق وصوله.
تبع نفس الطريق بنفس الخطوات اللي يوصله للطريق الرئيسي.
وهناك كان استأجر عربية يجرها جوادين بمبلغ معتبر.
لكن سانتس مكنش زعلان.
خطته تستحق كده وأكثر.
انطلقت العربة واللي معاها اختفت رائحة سانتس والبشرية.
يقولون إن الصداقة الحقيقية تدفعنا لارتكاب الحماقات أحياناً.
وإن على المرء أن يتبع قلبه عندما يناديه.
ركض المستذئب أردين خلال الوحل، خلال المياه المتعفنة والمستنقعات.
يغرس مخالبه الطويلة خلال الأرض اللينة، يقفز ويركض شمالاً.
لقد اختار أن يتبع قلبه.
ومن يتبع قلبه لا يمكنه أن يعرف ما سوف يحدث أبداً.
سرعة أردين الخارقة مكنته أن يسبق سانتس.
لذلك عندما وصل طريق أقيونيس العام كان متقدماً على سانتس بأكثر من ميلين.
ميلين مكنوه من التفكير في ماذا سوف يفعل.
وقبل أن تتشتت أفكاره لمح العربة المسرعة التي يجرها جوادين.
الجياد توقفت على الطريق لما شافت مستذئب ضخم يعترض طريقه.
رفعت سيقانها من الخوف.
نزل سانتس من العربة لما شاف أردين.
أسوار عاصمة الذئاب الشمالية يمكن رؤيتها.
كل ما كان يحتاجه سانتس ربما نصف ساعة ليصل المدينة بسلام.
ما يفصله عن المتعة والنقود مستذئب شاب يعترض طريقه.
قانون المستذئبين الأول:
عندما يتقاتل اثنان من المستذئبين يمنع تدخل أي طرف ثالث مهما كانت النتيجة.
سانتس كان يعرف كده وكمان أردين.
لذلك عندما تواجهها كان قراصنة الذئاب بيمروا من جنبهم بلا مبالاة.
تحول سانتس لذئب متوحش بشع المظهر وهجم على أردين.
التحم الذئبان على الطريق وتمرغا في الوحل الجانبي.
نزلت البنت من العربة مكتفة بالسلاسل بتبص على المعركة اللي دايرة بين سانتس وأردين.
سانتس ذئب مخضرم خاض العديد من النزاعات وكان عارف إنه لازم ينهي المعركة بسرعة قبل ما قوته تستنزف.
عارف إن أردين ذئب شاب ومجهوده أكبر.
عشان كده ضرباته كانت محددة، قوية وصاعقة.
ضرب أردين وضغط عليه.
أردين كان بيتراجع بعيد عن الطريق العام.
حيث الوحل والمياه الضحلة عشان يضعف قوة سانتس.
دار الضرب داخل المستنقع، الضرب كان بيحتاج مجهود مضاعف.
الجروح ملت كل جسم أردين.
لكن الانتقام جواه كان بيحمسه يستمر.
الانتقام كان بيمنحه القوة اللي تساعده يقاتل حتى النهاية.
بدأ سانتس يترنح داخل المستنقع ويلهث بشدة.
لحظتها حاول يتراجع ناحية الطريق الرئيسي.
كان عايز يوصل لليابسة.
لكن أردين اعترض طريقه، وقف بينه وبين الخلاص.
بكل قوته اندفع سانتس على أردين.
عيونه المبرقة المشتعلة.
أنيابه الصفراء المرعبة.
قضم أردين من كتفه.
غرس أنيابه داخل جسده.
أردين عمل حركة غير متوقعة.
شق بمخالبه معدة سانتس.
وقبل ما سانتس يتماسك، قضم أردين رقبته وجره جثة ميتة ناحية الطريق.
رمى جثته على الأرض، وأطلق عواء حزين ينعى به صاحبه سيمون.
ثم ركض بعيداً عن الطريق.
لكن أردين ابتعد عنها، لم يستجب لصراخها.
قعدت البنت تبكي وتنوح ودماغها بين رجليها مدة طويلة.
لحد ما وصل قرصان مستذئب لقيها صيد سهل وجرها خلفه.
ثم وقف على صرخ أردين: اتركها.
كان أردين قد عاد مرة أخرى، وكان معروف إن صيد المستذئب المقتول يعود لقاتله.
حل أردين قيود البنت باستياء من غير ما يبص عليها.
كان زعلان إنها كانت السبب في مقتل صديقه سيمون.
أردين بصرامة: هوصلك مناطق البشر وأتركك هنا.
متنتظريش مني أي مساعدة بعد كده.
لكن البنت كان عندها وجهة نظر أخرى.
الشاب اللي أنقذها من العبودية يستحق أن يملكها.
مشوا وسط الأحراش والمستنقعات جنب بعضهم.
والمطر منهمر بشدة.
أردين بقلب: لازم نلاقي مكان ننام فيه الليلة لحد ما المطر ينتهي.
بحث لحد ما لقى جحر ذئب كبير واسع.
دخل فيه وساعد البنت تدخل معاه.
رواية الصغيرة و القاسي الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسي
لاحظ أردين أن يدي البنت متورمتان من القيد، معظم جسدها به جروح وقشطات، وأن رائحتها بشعة.
البنت أول ما دخلت الحفرة، نامت فورًا. كانت أول مرة ينظر فيها أردين للبنت.
مجرد طفلة عمرها 16 سنة، وسأل نفسه كيف تحملها موت صديقه سيمون وهي مجرد طفلة لا تعرف شيئًا.
كان لديه الوقت الكافي ليتفحص فانتونه الصغيرة، شعرها الأسود الطويل الناعم، وجهها الذي يشبه البلورة، عنقها العاجي.
وتصادف أن فتحت فانتونه عينيها ليرى فيهما أردين نفسه من فرط اتساعهما.
كانت في خدها شامة تشبه قطرة المطر، شفاه رقيقة دقيقة، وأنف متقزم طولي، جسد نحيل مائل للطول.
حاول أردين يفسح المكان عشان فانتونه تقدر تنام براحة، لكن الجحر كان ضيقًا.
فجأة وجد أردين دماغ فانتونه فوق رجله، ارتعش جسده.
أراح رأسها على الأرض وترك الحفرة.
خرج منها وجلس تحت شجرة وسمح للمطر أن يغمرهم.
مرت ساعات طويلة وفانتونه نائمة. كان المطر قد توقف.
لما فتحت عينيها، نادت فانتونه بصوت ضعيف: "أين أنت؟"
لما تأخر الرد، قالت بصوت ضعيف: "هو راح فين بس يا ربي؟"
خرجت فانتونه من الجحر. الأرض كانت وحل وأوراق الأشجار تنقط مياه تجمعت من المطر.
بصت يمين وشمال لحد ما فقدت الأمل.
"هو مكنش عايزني معاه أصلًا، ممكن يكون رحل وسابني هنا."
واستعدت فانتونه للرحيل، لكنها سمعت صوت أردين قادمًا من بين الأشجار.
أردين كان جايب معاه طعام، فاكهة وخضروات. فانتونه كانت جعانة جدًا ونفسها تأكل.
"مش هسمحلك تمدي إيدك غير لما تنظفي نفسك"، قال أردين بصرامة قبل ما فانتونه تمد إيدها على الفاكهة.
"سأموت قبل أن يحدث ذلك"، قال أردين بمزاح.
"فانتونه، أين يمكنني تنظيف نفسي؟"
"باعتقادي مفيش حاجة ممكن تنجح معاكي غير النهر!!"
"طيب تعالى معايا، أنا خايفة."
"يلا بينا نمشي."
أردين كان يتأمل جمالها وبرأتها.
مشوا لحد ما وصلوا النهر. اختار أردين بقعه ضحلة.
"يلا تقدري تغسلي نفسك هنا، أنا هقف بعيد لحد ما تخلصي."
نزلت فانتونه المية، نظفت نفسها، قشطت الوسخ من على جسمها وبدأت تشعر بالراحة.
اختفى أردين بين الأشجار، تحول لذئب وركض لبعيد حيث أحضر ملابس جديدة قبل أن تنتهي فانتونه من الاستحمام.
"ممكن آكل دلوقتي؟ ولا لسه فيه أوامر تانية؟"
"يكفي هذا للوقت الراهن"، قال أردين بنظرة متمعنة، وهو يتملى طراوتها في زيها الجديد.
أكلت فانتونه بنهم وأردين يراقبها ويسأل نفسه هيعمل فيها إيه.
يعرف أنها من البشر، وأردين من زمان جدًا بيحترم البشر وبيبتعد عنهم.
"أنا هرجعك لأهلك"، قال أردين وهو يأكل.
"مش هرجع أبدًا، حتى لو مت مش هرجع"، قالت فانتونه بزعيق.
"أنتِ مجرد طفلة متعرفيش مصلحتك، والدك هيعتني بيكي، تلاقي والدتك دلوقتي ميتة من الخوف عليكي."
"والدتي ميتة، أنا يتيمة."
"أنا أسف"، قال أردين بلطف.
"لكن والدك محتاجك؟"
"أنت مش عارف حاجة، بقلك مش هرجع مهما حصل."
"وبعدين أنا مش طفلة، أنا 16 سنة."
"مش عايز تاخدني معاك، سبني، أنا هعيش في الغابة."
"اختار كهف وأتخذه منزلي وأعيش فيه."
ضحك أردين ووقع على ظهره من الضحك.
"واحدة خايفة تستحمى في النهر بتقول هتعيش في الغابة لوحدها!"
"أرجوك متسخرش مني يا سيد أردين، ميغركش صغر عمري وحجمي."
"مش هقدر أتحمل قسوة والدي مرة تانية، أرجوك مترجعنيش؟"
"أنا ممكن أخدمك، أعتني بيك وأوضب أغراضك."
"أنتِ مش عبده ولا جارية عشان تعملي كده؟"
"طيب اعتبرني صديقتك؟"
"جربني يا سيد أردين؟"
بصرامة، بص أردين لفانتونه ورفع حاجبه بمكر.
تملى شكلها وجسدها كل قطعة فيها، حتى شعرت فانتونه بالخجل.
رواية الصغيرة و القاسي الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسي
انت عارفه ان حياتي أصعب مما تتخيلي، وكل ليلة هتقضيها معايا حياتك هتكون معرضة للخطر.
أنا رجل بلا مأوى، وبرتحل في مواسم كثيرة لمناطق بعيدة، يمكن تلاقيها صعبة أو مش منطقية، لكن أنا مش بحب أثبت في مكان واحد.
فانتونة بخجل: يعني فرصة إني أزور مناطق كثيرة وأشوف حاجات جديدة.
بطح أردين على الأرض: تظني بهيئتك دي وقوتك هتقدري تسافري معايا؟ بصي لنفسك يا فانتونة الصغيرة، انتي بتقطعي الفاكهة بصعوبة.
فانتونة بغضب: حذرتك قبل كده متسخريش مني يا سيد أردين.
بص أردين على فانتونة وشعر إن فيه ألفة عجيبة بتقربه منها.
كان فيها جاذبية مدهشة لشاب عمره ما شعر بالإعجاب ولا الحب قبل كده.
أردين بهمس: صعب يا فانتونة، صدقيني صعب.
فانتونة: علمني طيب، علمني إزاي أكون قوية وأدافع عن نفسي.
أردين وهو بيبص على المرتفعات: أنا مدرس فاشل، لكن!
وعلق أردين: مفيش مانع أجرب، لكن بشروطي.
فانتونة: شروطك إيه يا سيد أردين؟
أردين: لو وافقت أعلمك، هتطيعي أوامري بلا تذمر ومن غير أسئلة. أنا بطلب منك تسيبى نفسك ليا.
ابتسمت فانتونة. أردين ضم اسمها لاسمه وقال: ليا.
همست البنت بدلال: موافقة.
ولا يمكن لرجل أن يتمنع أمام دلال فتاة جميلة، شابة وجذابة.
أردين في النهاية رجل، حتى لو كان مستذئب.
أول حاجة هنعمل بيتنا، مش هينفع ننام في الغابة.
صعدوا التلة، اختاروا مكان مناسب تحيطه الصخور.
هنا سنقيم بيتنا.
قام أردين بقطع الأشجار ورصها فوق الصخور، سقف يحمي من الرياح والمطر.
أول حاجة هتتعلميها يا فانتونة، التأمل. هتعدي ساكتة، صامتة تتأملي الطبيعة، خلق الله.
لازم تسمحي للجمال يدخل جواكي وتشعرى بيه.
فانتونة: حاضر.
مرت أيام، أردين يحضر الطعام وفانتونة قاعدة زي ما طلب منها أردين.
بالليل، بالنهار، لكل وقت من نهار الله وليله.
مكان من الجمال.
الأمر كان ممل بالنسبة لفانتونة إنها تقعد بصمت من غير كلام، مغمضة العينين تسمح لعناصر الطبيعة إنها تتخللها.
أردين يتابع بصمت، بصبر، فانتونة الصامتة.
شعرت فانتونة بعد مضي الأسبوع الثاني إن الطبيعة تعاندها، وإنها مش قادرة تشعر بأي شيء يتخللها.
في مطلع الأسبوع الثالث، دقة أول نغمة داخلها. سمعت فانتونة شقشقة العصافير البعيدة بوضوح قبل طلوع الشمس.
كأنها تغني داخله.
رأت نسر يحلق في السماء. أغمضت عينيها وتمكنت من التحليق معه.
حلق النسر لبعيد ووجدت نفسها في عينيه تنظر للغابة.
استطاعت أن ترى كل شيء يراه النسر، وتسمع صوت رفرفة جناحيه.
وعندما حط النسر على الأرض، شعرت فانتونة بالتراب أسفل منها، رغم أنها داخل الجبل بين الصخور.
تورّد خدي فانتونة، كان وجهها يشبه لوحة مزركشة من الألوان الصفراء والبرتقالية.
عندما فتحت فانتونة عينيها رأت أردين جالس بجوارها.
لقد شعرت بجمال الطبيعة. أخبرت فانتونة أردين عن شيء رأته داخل الغابة في مكان بعيد.
ضحك أردين عليها: أنا متأكد إنك لم تذهبي لهذا المكان أبداً.
فانتونة بتحدي: أنا متأكدة.
أردين: مستحيل يا صغيرة.
فانتونة: اتبعني من فضلك.
قطعت فانتونة الغابة وأردين يتبعها. سارت مسافة كبيرة حتى وصلت المكان الذي كانت تعنيه.
نظر سيد أردين: هذا المكان الذي كنت أتكلم عنه.
تعجب أردين: إنتي عرفتي المكان ده إزاي؟
فانتونة: سمحت للطبيعة أن تتخللني، أنا صديقة للطيور يا سيد أردين الآن.
أردين: والآن ساعديني.
فانتونة: ساعدك إزاي؟
فانتونة: فيه عش فوق الشجرة فيه حماتين صغيرين أطفال. والدهم والدتهم خرجوا يجيبوا لهم أكل.
تسلق أردين الشجرة ووجد العش كما أخبرته فانتونة.
نزل أردين مصعوق.
فانتونة: قول لي عملتي كده إزاي؟ أنا حاولت أوصل للمرحلة دي لكن فشلت.
فانتونة بضحك: هبقى أعلمك.
لم تكتفِ فانتونة بهذا القدر، كانت مستقبل بكر.
زادت قواها الانطباعية وتوحدت مع الطبيعة.
في مطلع الشهر الثالث سمعت فانتونة صوت النهر الذي يبعد ثلاث أميال عن المسكن.
أيقظت أردين الناعس وقالت بعيون مغمضة: النهر يتحدث لي.
النهر يعرف كل شيء.
رواية الصغيرة و القاسي الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسي
كانت تجليات فانتونه جميلة حد الرعب. يقولون إذا جلست وسط الغابة مغمض العينين لمدة طويلة، يوم أو يومين، فإنك تستمع لكل أصوات الغابة. ليس صرير الصرصور، ونقيق الضفادع، وزمجرة الرياح، وأصوات الحيوانات، وخرير المياه، ودقات المطر، وحفيف الأشجار، بل أعمق من ذلك. هناك أشياء لا يمكن رؤيتها بالعين. ليس معنى أنك تمتلك عينين أنك مبصر. إن كل أصوات الغابة تصبح في داخلك، حتى أخفت الهمسات.
فانتونه كانت تجلس بالساعات مطرقة. إنها لا تشعر بالملل الآن، بل بجمال الطبيعة التي خلقها الله. لقد فتحت فانتونه قلبها وروحها لجمال الله الذي أسكنه مخلوقاته، فاستقر داخلها.
ولم يكن مستغربًا أن يسمعها أردين تبكي بحرقة منتصف الليل، متألمة لجرح حيوان أو عذاب طائر يغدو على رزقه. لقد أصبح جسدها نحيلًا. كان عذاب كل مخلوق يعيش في الغابة عذابها. وعندما تضحك فانتونه، يعلم أردين أن هناك أمرًا جيدًا قد حدث.
لقد أصبح أردين يفهمها ويحس بها. لقد تفوقت التلميذة على الأستاذ. لطالما تمنى أردين أن يصبح مثلها. منذ صغره كان يخرج لأماكن بعيدة معزولة ويراقب ويستمع للطبيعة، لكنه على حال يسمع كل ذلك من خلال فانتونه.
في صبيحة يوم مشمس، فتح أردين عينيه ووجد فانتونه تقف تحت أشعة الشمس القاسية. ظنها تلعب، لكن فانتونه ظلت واقفة. ساعة، ساعتين، ثلاثة، حتى تصلبت قدماها. كان جسدها يصرخ من الوجع. أغلقت فانتونه عينيها وسمحت للألم أن يصعقها.
في الرمق الأخير من النهار، اختفى الألم. توحدت فانتونه مع الطبيعة. لقد ظن أردين أنه سيفقدها. لكن فانتونه عادت بحماس للكهف، وبرغم أثر التعب.
أردين كان مهتمًا بنظافة الكوخ وإعداد الطعام. كان مهتمًا بفانتونه ويحرص أن لا ينقصها شيء.
في مساء تلك الليلة، بعد نوم أردين، سكنت فانتونه تحت النجوم المتلألئة. لقد ذهبت بروحها للشاطئ حيث يقبع هرم ميت. سكنت داخله وماتت معه. نُهش جسدها الضباع والطيور. تفسخ جسدها وتعفن. تحلل إلى التربة. أصبحت لا شيء.
كانت تشعر بكل هذا من مكانها، حتى أنها شعرت حقيقة أنها ميتة. سافرت فانتونه مئات الأميال. عاشت داخل الصخر والحيوان. كانت تقضي أيامًا ربما طالت، متوحدة مع ذاتها. الفناء من أجل الذات.
وبعد أكثر من بضعة شهور، أطلت فانتونه على أردين بفكرة جديدة. قالت إنها لن تأكل ولن تشرب. تريد أن تتعلم إنكار الذات مثل النساك والزهاد. ولأن أردين يعرف أن فانتونه تعشق الأكل والطعام والفاكهة المسكرة، كان متأكدًا أنها تمزح.
قرفص على الأرض وجعل يضحك بصوت مرتفع.
لكن فانتونه لم تبالِ بكلامه. وشعر أردين أنها جادة عندما وجد طعام الإفطار متروكًا مكانه.
لكن أردين قال: "وقت الغداء ستركض على الكهف".
مر الغداء والعشاء وفانتونه جالسة مثل التمثال من الطين، متوحدة مع ذاتها. يسمع أردين صوت طقطقة معدتها.
اندهش أردين. كيف لتلك الصغيرة أن تتحمل كل ذلك؟ ما الدافع الذي يحمسها؟
كان واثقًا أنه صباح اليوم التالي سيجد كل لقمة في الكوخ مأكولة، حتى بقايا الطعام.
في الصباح، كانت فانتونه متسمرة في مكانها لا تتحرك، حتى ظن أردين أنها ميتة. قرب منها وضربها في كتفها!
"هي يا قديسة! أنتِ حية؟ ألا تشعرين بالجوع؟"
الغريب أن فانتونه كانت بصحة جيدة، كأنها تعدت كل ذلك وتخلت عنه.
"فانتونه، كفاية؟ ممكن تموتي من الجوع؟"
"سأستمر. ابعد عني يا أردين، فأنا أشعر بالسعادة."
لكن قلق أردين خلاه يراقبها. لم يكن عقله يتصور أن هذا ممكن أن يحدث.
الليلة التالية، كانت فانتونه جالسة في مكانها وأردين يراقبها.
لما اقترب منها نمر.
أردين استعد للتدخل، لكن شيئًا خفيًا جواه قال له: "انتظر لحظة".
تذكر الحكيم أنتخ، المعلم الأول والقصص التي كان يسمعها عنها.
قرب النمر من فانتونه مكشرًا أنيابه، وفانتونه ثابتة لا تشعر بأي شيء.
دار النمر حولها وأردين على أعصابه. فجأة، جلس النمر جوار فانتونه. حك رأسه بكتفها ومشى، وكأنه مقدر لها أن تصبح شيئًا آخر.
قرب منها أردين، كان يريد أن يقول لها كلامًا جميلاً كاتمه في صدره.
قالت فانتونه: "اجلس للتأمل معي على بعد 15 خطوة".
قعد أردين يتأمل مثلها، وترك مكانه أكثر من مرة ليأكل ويشرب، من غير ما فانتونه تشعر بها.
آخر الليل، بكت فانتونه بكاء مر، بكاء محرق قاسٍ.
رواية الصغيرة و القاسي الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسي
نهض أردين مفزوعًا على بكاء فانتونه، التي كانت تبكي بحرقة موحشة.
"لازم ننقذهم يا أردين."
"ننقد مين!؟" قال أردين بغباء. "سلامتك يا فانتونه."
كان أردين فاكر فانتونه بتتكلم على طائر، أو حيوان، أصله كان اتعود على تحولات فانتونه الأخيرة.
فانتونه قربت من أردين، حطت إيدها على خده. ورغم قسوة إيدها وتصلبها، شعر أردين بطراوتها.
"لازم ننقذ البنات البشريات. أنا كل ليلة بسمع صراخهم وتوجههم. بيعذبوهم يا أردين، بالسوط، بالنار، بـ...."
"لازم نعمل حاجة، أرجوك."
ارتَمى أردين على الأرض، يفهم أن فانتونه وصلت لمكان بعيد ومستحيل. كان ممكن يتقبل توحدها مع الطبيعة، لكن إلى بتطلبه منه مستحيل.
"إلى هينقذهم يا فانتونه؟" قال أردين بيأس.
"فانتونه ممكن نشكل جيش أو فرقة محاربة."
أردين وهو بيبص لبعيد، "كلامك مش منطقي يا فانتونه. إزاي نشكل فرقة من المستذئبين ونطلب منهم يحرروا ناس بيعتقدوا إنهم عبيدهم؟"
في الفترة الأخيرة، أنشأ المستذئبين أكثر من مستوطنة بعيدة عن البشر. في الجبال، أو في الجليد، أو حتى الوديان البعيدة والبحار. بيستمتعوا ببنات البشر، بيع، اغتصاب، عبودية، خدمة في منازلهم، وبعد كده بيقتلوهم قبل ما يرجعوا لحياة البشر. قبل سنتين، أحصى اختفاء أكتر من 700,000 ألف بنت قاصر في أنحاء العالم.
فانتونه بحزن، "لازم نعمل حاجة. أنت أنقذتني، أكيد فيه ناس تاني زيك لسه بيحتفظوا بإنسانيتهم."
"صدقيني يا فانتونه،" قال أردين، "أنا أعرفهم أكتر منك. هنلاقي آلاف مؤلفة زيك. بس محدش مستعد يتخلى عن متعته بالساهل. الأمر شاق وصعب، ليس كلهم قديسين مثلك."
شعرت فانتونه بالحزن العميق. "ما فائدة التأمل إذا غير المتاعب والآلام؟ إذا كنت غير قادرة على فعل شيء، سأتخلى عن التأمل تمامًا."
نظرت فانتونه لأردين وقالت بصرامة، "علمني القتال يا أردين."
ضحك أردين، "بصي لحالك يا فانتونه، إنتي مجرد جلد على عضم. القتال محتاج عضلات وتدريب قاسي."
فانتونه بثقة، "إلى خلاني أستحمل التأقلم مع الذات، يخليني أستحمل التدريبات القتالية."
أردين بثقة، "لازم تتغذى الأول، ثم خلال التدريبات تكوني فتاة مطيعة. إنتي في ملعبي."
فانتونه بخجل، "سأفعل اللازم يا سيد أردين."
لم يترك أردين فانتونه في الأيام اللاحقة حتى امتلأت معدتها، وبدأت عافيتها ترجعها. وشها رجع ينور تاني، وبقت أجمل من الأول.
بعد الفجر، فانتوته كانت نايمة. صحاها أردين بعنف.
"إيلا يا حلوة، كفايا نوم. التدريبات بدأت."
طلبت فانتوته من أردين يستنى شوية لأنها لسه نايمة. ما كان من أردين إلا أن حملها فوق كتفه ومشى بيها لحد الأراضي المنخفضة ورماها في الوحل. تلطخت ملابس فانتونه وجسدها بالطين، وكانت تشبه الزومبي.
"يوم ما يا سيد أردين، سأرد لك الطاق طاقين، صدقني. بس وقتها مش هرميك في الوحل، هرميك في النهر، تذكر ذلك جيدًا."
أردين بسخرية، "يلا يا صغيرة، بلا دلع ومزاح. أجري."
"أجري لحد ما أطلب منك التوقف. اركضي يا صغيرة حول الوادي حتى أأمرك بالتوقف."
ركضت فانتونه حول المرج، وأردين منبطح وسط الخضرة، إيده تحت راسه. وكل ما يلاحظ توقفها، يصرخ، "استمري يا صغيرة."
نال التعب من فانتونه جدًا، رجليها مبقتش قادرة تتحرك. وقفت فجأة، غمضت عنيها. ابتلعت روحها، توحدت مع جسدها، وركضت بحيوية. لفت حول المرجع، شره، لحد ما الشمس ما غابت، وأردين بيراقبها مش مصدق نفسه.
أمرها أن تتوقف.
توقفت فانتونه، وكان بطن قدمها مليان جروح.
أردين بخوف، "إنتي إزاي مش حاسة بالوجع؟ رجليكي كلها جروح."
فانتونه بلا مبالاة، "كمل التدريب يا سيد أردين ولا تولول مثل النساء."
أردين، "لا، كفاية كده، بكرة نكمل."
بعد ما تناولوا طعامهم، نام أردين. بينما واصلت فانتونه الركض. كانت بتركض مستمتعة بجمال الطبيعة. الخضرة، العشب، الزهور، السماء والنجوم، الريح. كان العالم كله يركض معها في تناغم بديع.