تحميل رواية الشيخ والمراهقة بقلم سارة علي pdf
بقلم سارة علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جلس على حافة سريره، واضعا رأسه بين كفي يديه. جسده الضخم جامد، لا يتحرك. مشاعره مبهمة. عيناه مغمضتان، وكأنهما تهربان من هذا الواقع المحيط بهما. ورغما عن كل هذا الجمود والثبات، هناك شيء في داخله محطم. ليس لكونه قد خسرها فقط، بل لكونه أدرك بخسارته لها مدى قوته وجبروته الذي طغى على الجميع. وأدرك بأنه حطم بهما قلوب الكثير، وأولهم قلبها هي. هل كانت تعاني؟ هل كانت تتعذب وهو لا يعلم؟ أسئلة كثيرة تدور داخل عقله، أسئلة تتعب وتزيد من عذابه. رفع رأسه أخيرا ما إن سمع صوت طرقات على باب غرفته. نهض من مكانه وسا...
رواية الشيخ والمراهقة الفصل الأول 1 - بقلم سارة علي
جلس على حافة سريره، واضعا رأسه بين كفي يديه. جسده الضخم جامد، لا يتحرك. مشاعره مبهمة. عيناه مغمضتان، وكأنهما تهربان من هذا الواقع المحيط بهما. ورغما عن كل هذا الجمود والثبات، هناك شيء في داخله محطم. ليس لكونه قد خسرها فقط، بل لكونه أدرك بخسارته لها مدى قوته وجبروته الذي طغى على الجميع. وأدرك بأنه حطم بهما قلوب الكثير، وأولهم قلبها هي.
هل كانت تعاني؟ هل كانت تتعذب وهو لا يعلم؟ أسئلة كثيرة تدور داخل عقله، أسئلة تتعب وتزيد من عذابه.
رفع رأسه أخيرا ما إن سمع صوت طرقات على باب غرفته. نهض من مكانه وسار نحو باب غرفته بخطوات واهية ليفتح الباب، فتظهر الخادمة أمامه وهي متشحة بالسواد.
تنحنحت الخادمة بحرج وقالت موضحة سبب مجيئها:
"السيد عادل وزوجته في الخارج ينتظران مجيء حضرتك..."
أومأ برأسه دون أن يرد عليها، ثم أغلق الباب في وجهها. اتجه نحو الحمام الملحق بغرفته. وضع رأسه أسفل صنبور المياه بعدما فتحه. لم يشعر بالماء يغسل روحه أو يبرد قلبه كما ظن. رفع رأسه من أسفل صنبور المياه وأعاد شعره المبلل إلى الخلف. ثم حمل المنشفة وأخذ يجفف شعره.
خرج من الحمام واتجه إلى خزانة ملابسه. أخرج ملابسه وارتداها. ثم خرج من غرفته متجها إلى صالة الجلوس حيث ينتظرانه ضيوفه.
دلف إلى صالة الجلوس ليجد والدته تترأس المكان. ترتدي ملابس سوداء أنيقة مع شال أسود يغطي شعرها. ومن الجهة الأخرى يوجد عادل وزوجته. اقترب من والدته، انحنى نحوها وقبل يدها وجبينها، ثم حيا الضيوف ببرود وجلس على الكنبة المقابلة لهما.
"نعم...؟!" سألهما ببرود.
ليتنحنح عادل حرجا من بروده الواضح معهما ويقول بصوت مبحوح:
"نحن في الحقيقة جئنا ل..."
هنا تدخلت زوجته وقاطعته قائلة نيابة عنه:
"جئنا لنأخذ سيف معنا..."
اتجه ببصره نحو والدته التي رفعت حاجبها بسخرية مما تسمعه، ثم عاد ببصره نحوهما متسائلا:
"أي سيف؟ سيف ابني؟!"
"بل ابن ابنتي..." كان هذا رد الزوجة، والتي تدعى رجاء.
عاد وتحدث بدوره قائلا بنبرة متحفزة:
"وهل تظنين بأنني سأمنحك ابني؟!"
قالت رجاء بنبرة حادة وقد بدأت تفقد أعصابها تدريجيا:
"أخبرتك بأنه ابن ابنتي..."
هنا تدخل عادل في الحوار وقال موجها حديثه لزوجته:
"آخرسي أنتِ..."
ثم التفت إليه وقال بنبرة محرجة:
"فارس يا بني، سيف حفيدنا، إنه ابن نشوى رحمها الله. ونحن كنا نطمع بكرمك وأن تسمح لنا بأخذه وتربيته وتعويضه عن فقدان والدته..."
صوت شيء ما ضرب الأرض أثار انتباههم جميعا. لقد كان صوت العصا التي تستند عليها والدته.
"اسمعوني جيدا... سيف ابننا، ومكانه هنا بيننا. شرعا وقانونا مكانه معنا وبيننا." كان هذا تصريح الأم (صفية)، والتي كانت حازمة صارمة فيما تقوله.
تحدثت رجاء بنبرة جاهدت لتجعلها هادئة، كما أنها أضافت عليها القليل من الرجاء والتوسل:
"ولكن يا صفية خانم، أنت تعرفين أن نشوى كانت ابنتي الوحيدة. أنا لا أمتلك غيرها. ومن حقي أن أربي ابنها وأراه يكبر أمامي..."
ردت صفية بجدية:
"بعيد عن والده... تريدنه يصبح يتيم الأم والأب أيضا."
تدخل عادل في الحوار قائلا:
"ولكن سيف طفل رضيع، من سيهتم به؟ أعلم أن لديكم خدم كثير، ولكن طفل صغير بحاجة إلى أم تعتني به، تعوضه فقدان أمه الحقيقية..."
"أنا قادر على أن أمنح ابني كل ما يحتاجه..." قالها فارس، بينما يتابع ابتسامة رجاء التهكمية، والتي قالت بعدها:
"وماذا إن تزوجت؟! هل سيتربى حفيدي لدى زوجة اب... الله وحده يعلم ما ستفعل به؟!"
قاطعتها صفية:
"ولكن الزواج سنة الله ورسوله، وبالتأكيد ابني لا ينوي البقاء عازبا لفترة طويلة..."
"أنتِ قلتيها... ابنك سيتزوج عاجلا أم آجلا، وسينجب بدل الولد عشرة. ولكن أنا لم يتبق لدي سوى سيف. من حقي أن أطمئن عليه مع أم ترعاه وتعتني به..."
هزت صفية رأسها وقالت:
"أتفق معك في جميع ما قلتيه..."
نقل فارس بصره بين الاثنتين بعدم تصديق. من المستحيل أن توافق والدته على شيء كهذا. إنه حفيدها ولن تتخلى عنه لأيا كان. سمعها تردف بنبرتها الحكيمة:
"أنت تريدين أم ترعى حفيدك وتربيه جيدا. وأنا أيضا أريد كذلك لحفيدي. لهذا فأنا قد وجدت الزوجة المناسبة والتي ستجعلك تطمئنين على حفيدك معها..."
تطلع كلا من عادل ورجاء إلى بعضيهما بعدم فهم، بينما أخذ فارس يتابع حديث والدته بملامح مستغربة. هو يعلم والدته ومدى حكمتها في حل أكثر الأمور تعقيدا، ولكن يشعر أن هذه المرة لن يعجبه حلها.
"سيد عادل، أنا أطلب يد ابنتك الصغرى لإبني فارس..."
اتسعت عينا فارس بعدم تصديق، ولم تكن دهشة عادل ورجاء أقل من دهشة وصدمة فارس. انتفضت رجاء من مكانها بعدما استوعبت ما قالته صفية فقالت بصوت جهوري صاخب:
"ماذا تقولين أنت؟!"
بينما قال عادل بعدم استيعاب:
"سيدة صفية، هل أنت متأكدة مما تقولينه؟!"
التفتت رجاء نحوه ترمقه بنظرات حادة، بينما التزم فارس الصمت وأخذ يتابع ما يجري بملامح جامدة ونظرات خالية المعنى لا توحي بشيء.
تولت صفية مهمة الحديث فقالت بنبرة عقلانية:
"ألم تقولا بأنكما تبحثان عن أم ترعى سيف وتعاملله جيدا وتعوضه عن فقدان أمه؟ أظن أنه لا يوجد أفضل من خالته أخت والدته لتؤدي هذه المهمة..."
صمت عادل ولم يقل شيئا، مما جعل رجاء تصرخ به بنفاذ صبر:
"عادل قل شيئا..."
هنا نهضت صفية من مكانها مستندة على عكازها وقالت بنبرة صارمة لا تقبل جدال:
"لا يوجد شيء يقوله يا سيدة رجاء. سيف ابننا ومكانه هنا. ونحن لأجل راحتكما قدمنا لكما عرضا يناسب الجميع. أنتم لكم حرية قبوله من رفضه. لكن بكل الأحوال ابننا لن يتحرك من هنا انش واحد..."
كان هذا الكلام النهائي والقاطع، والذي جعل رجاء تتحرك خارج الغرفة وهي تسب وتلعن بتلك العائلة، يتبعها عادل الذي أصابه دوار شديد من هول ما سمعه.
في مكان آخر وتحديدا في العاصمة. تجلس على الكرسي واضعة حاسوبها الشخصي على فخذيها. تلعب إحدى الألعاب الإلكترونية بحماس شديد. تقترب منها والدتها وتقول بنبرة مؤنبة:
"لمار ابنتي، كم مرة علي أن أخبرك ألا تضعي الحاسوب على فخذيكِ هكذا حتى لا تؤذيكِ فيما بعد؟!"
وضعت لمار الحاسوب بجانبها ونهضت من مكانها واتجهت نحو والدتها وقالت بجدية:
"ها قد وضعته بجانبي. أي أوامر أخرى؟!"
أجابت الأم بنفس الجدية:
"واتركي هذا الحاسوب قليلا وركزي على دروسك. لقد اقتربت امتحاناتك ويجب أن تجلبي علامات جيدة كما وعدتيني..."
حركت لمار خصلة من شعرها ووضعتها خلف أذنها، ثم قالت وهي تحك جانب رأسها بحذر:
"في الحقيقة أنا أردت إخبارك بأنني بحاجة لدرس خصوصي في مادة الرياضيات. أنا فعلا لا أستطيع أن أفهم شيئا من هذه المادة..."
"دروس خصوصية مرة أخرى... لقد صرفت جميع مرتبي هذا الشهر على دروسك الخصوصية..." قالتها الأم بحيرة شديدة، فمن أين ستجلب لابنتها تكاليف هذا الدرس أيضا.
تنحنحت لمار قائلة بتردد:
"ما رأيك أن أحدث والدي... لعله يساعدنا قليلا..."
إلا أنها والدتها صرخت في وجهها:
"لمار... كم مرة يجب أن أخبرك ألا تفكري في أن تطلبي أي شيء منه؟! نحن لسنا بحاجة إلى أمواله..."
ابتلعت لمار ريقها وقالت:
"ولكن نحن لا نأخذ منه سوى فلوس النفقة، وهو لديه الكثير من الأموال. لماذا لا يدفع لنا ويساعدنا..."
نهضت الأم من مكانها بصرامة وقالت منتهية الموضوع:
"لا تتحدثي مرة أخرى في هذا الموضوع يا لمار. أخبرتك أنني لا أريد شيئا منه... انتهى..."
أومأت لمار برأسها متفهمة، ثم نهضت من مكانها واتجهت نحو غرفتها، تاركة والدتها تفكر في حل تجد من خلاله الأموال التي تحتاجها للدرس الخاص بابنتها.
رواية الشيخ والمراهقة الفصل الثاني 2 - بقلم سارة علي
بعد مرور عدة أيام …
استيقظت لمار من نومها على صوت صراخ يملأ أرجاء المنزل. قفزت بسرعة من سريرها وخرجت من غرفتها متجهة إلى صالة الجلوس لتجد والديها يتعاركان سويًا. كانت هذه المرة الأولى التي ترى فيها والديها بوضع كهذا، فهي منذ أن وعَت على هذه الدنيا ووالديها متطلقان. ولم تأتِ لها الفرصة أن ترى والديها يعيشان حياة زوجية طبيعية فيتشاجران سويًا مثلاً كأي زوجين طبيعيين.
تقدمت نحوهما مسرعة وهي تتساءل بخوف:
” ماما … بابا … ماذا يحدث هنا …؟!”
الا أن والدتها قالت بحزم:
” ادخلي إلى غرفتك يا لمار ولا تخرجي منها حتى أسمح لك …”
لكن والدها كان له رأي آخر:
” دعي لمار تسمع ما أريد قوله … ”
قالت الأم بعصبية:
” ماذا تريدها أن تسمع بالضبط …؟! ما تفوهت به من جنون قبل قليل …”
رد الأب بعصبية مماثلة:
” لا تثيري أعصابي يا امرأة … ما أريده سيحدث … شئت أم أبيت … وأنتِ عليكِ أن تفهمي هذا جيدًا … هل فهمت ..؟!”
الأم بتحدٍ:
” هذه ابنتي … وأنا لن أسمح لك أن تفعلِي بها شيئًا كهذا …”
أخذت لمار تنقل ببصرها بين الاثنين بحيرة شديدة وقلق أشد حتى صرخت فجأة بهما:
” يكفي توقفوا …”
ثم التفتت نحو الأب وسألته:
” اشرح لي من فضلك ما يحدث هنا …”
أخذ الأب نفسًا عميقًا قبل أن يجيبها بجدية:
” أنتِ ستتزوجين يا لمار … ”
” ماذا …؟!”
هتفت بها لمار بعدم تصديق.
بينما أكمل والدها حديثه الصادم:
” لا يوجد حل آخر أمامي … يجب أن تتزوجي زوج أختك نشوى … هو تقدم لخطبتك وأنا وافقت …”
” ماذا تقول يا أبي …؟! أنت بالتأكيد تمزح …”
هز الأب رأسه نفيًا وقال:
” أنا لا أمزح … هذا ما حدث … اسمعيني جيدًا … ”
الا أن الأم قاطعته بغضب ونفاذ صبر:
” ماذا تريدها أن تسمع …؟! هل جننت … كيف تطلب منها شيئًا كهذا …؟!”
سالت دموع لمار التي قالت بسرعة:
” أنا غير موافقة يا أبي … من المستحيل أن أوافق على شيء كهذا …”
اقترب عادل منها وأحاط وجنتيها بيده وقال بوداعة مفتعلة:
” أرجوكِ يا ابنتي … اسمعيني أولاً وأصدري حكمك بعدها …”
أشاحت لمار بوجهها بضيق بينما استرسل الأب في حديثه:
” يا ابنتي إذا لم تتزوجي من فارس سوف أخسر جميع أملاكي …. افهميني أرجوك …”
اتسعت عينا لمار بصدمة قبل أن تقول بدهشة:
” كيف يعني ستخسر جميع أملاكك ..؟!”
أجابها الأب بإختصار:
” عائلة صفوان يملكون علينا ديونًا كثيرة … وهم يريدون ديونهم … ونحن لا نمتلك رصيدًا كافيًا لتسديد ديوننا … لهذا فإننا سنضطر لأن نعطيهم أملاكنا مقابل الديون … الشركة والقصر …”
” أنت تبيع ابنتك من أجل الأموال …”
قالتها الأم بدهشة قبل أن تردف بسخرية:
” على العموم هذا ليس بجديد عليك … طوال عمرك وأهم شيء لديك المال … تبيعنا جميعًا وتبيع نفسك لأجله …”
” ولماذا يريد السيد فارس الزواج بي مقابل الأموال …؟! هل أنا مهمة وثمينة لهذه الدرجة حتى يتنازل عن ديونه لأجل الزواج بي …؟!”
قالتها لمار بمرارة.
لتصرخ الأم بها:
” لمار هذا الموضوع منتهي … لا تشغلي نفسك وتفكري به من الأساس …”
لكن الأب لم يهتم بما قالته بل وضح لها السبب:
” فارس يريد أمًا لابنه … ومن عاداتهم هناك في القرية حينما تموت الزوجة يتزوج زوجها بأختها فهي تكون أكثر واحدة مناسبة له وخصوصًا إذا كان لديه أولاد منها …”
” أنا غير موافقة يا أبي …”
قالتها لمار.
ليصرخ الأب بها:
” ماذا يعني غير موافقة …؟! أقول لك بأنني سأخسر جميع أملاكي وأنتِ ترفضين …”
” ابنتي لن تتزوج بهذا الرجل …. وأنت اخرج من بيتي …”
التفت عادل نحوها وقال بتهديد صريح:
” لا تعاندي كثيرًا يا إيمان … فأنا قادر على فعل الكثير … وأنتِ تعلمين هذا جيدًا …”
” تهددني يا عادل … هل وصل بك الجبروت إلى هذه الدرجة …؟!”
رد عادل بحسم:
” اسمعاني أنتما الاثنان جيدًا … لمار ستتزوج من فارس … أنا والدها وولي أمرها … غير هذا أنتِ تعرفين نفوذي جيدًا وماذا بإمكاني أن أفعل من خلاله بكِ وبابنتك … وافقي على الزواج أفضل لكِ من إثارة المشاكل …”
ثم خرج تاركًا لمار تبكي في أحضان والدتها.
***
أغلق فارس الهاتف واتجه نحو والدته التي تساءلت بلهفة:
” ماذا كان يريد منك عادل …؟!”
جلس فارس بجانب أمه وأجابها بجدية:
” يخبرني بأنه موافق على طلب خطبتي لابنته …”
زغردت الأم بسعادة. بينما أشاح فارس بوجهه بضيق لتتوقف الأم عن زغاريدها وقالت لابنها:
” ما بك يا بني …؟! تبدو منزعجًا …”
فارس بضيق واضح:
” لم يكن وقتها يا أمي … لم يكن وقتها أبدًا …”
صفية بتساؤل واستغراب:
” متى وقتها إذا …؟!”
أجابها فارس بنبرة جادة:
” كان علينا انتظار فترة من الزمن … كما أن الفتاة تبدو غير مناسبة لي …”
” ومن قال هذا …؟! الفتاة بالتأكيد مناسبة لك … يكفي أنها أخت زوجتك الراحلة …”
نهض فارس من مكانه واتجه نحو النافذة وقال بشرود وهو يتطلع من خلال النافذة نحو الأراضي الخارجية المحيطة بقصرهم:
” ولكننا لا نعرف عنها أي شيء …”
نهضت الأم من مكانها مستندة على عكازها وتقدمت نحوه. ربتت على كتفه قائلة:
” ستتعرف عليها قريبًا … وأنا متأكدة من كونها أنسب واحدة لك … وسترى هذا بنفسك …”
” أتمنى هذا … أتمنى هذا من كل قلبي …”
قالها فارس برجاء حقيقي.
ثم تحرك خارج المكان لتتقدم بعد لحظات شابة صغيرة وتقترب من صفية متسائلة:
” أمي ماذا يحدث هنا …؟! لماذا أخي فارس يبدو منزعجًا …؟!”
أجابتها صفية:
” فارس سيتزوج يا نورا … لا تنسي أن تباركي له …”
نورا بعدم تصديق:
” سيتزوج في هذا الوقت … لم يمر على وفاة زوجته الكثير …”
صرخت بها صفية مؤنبة إياها:
” وماذا يعني هذا …؟! هل تريدينه أن يبقى عازبًا لوقت طويل … ؟! ثانيًا ما علاقتك أنتِ بهذه الأمور …؟! انتبهي على أشياء أخرى أهم من أمور الكبار وأحاديثهم …”
” حسنا حسنا … لا داعي لكل هذه العصبية … الخطأ مني لأني سألت …”
قالتها نورا وهي تزم شفتيها بضيق قبل أن تتحرك خارجة من المكان لتبقى صفية لوحدها فتجلس على كرسيها مرة أخرى وهي تدعو في داخلها أن يهدي الله فارس ويقدم له الخير في كل خطوة يخطوها.
***
” وماذا إن رفضت …؟!”
قالتها رجاء وهي ترتشف رشفة صغيرة من فنجان قهوتها.
ليضع عادل فنجان قهوته على الطاولة الموضوعة أمامه ويقول بجدية:
” لا يمكن أن ترفض … لقد هددتها بشكل علني … هما لا يستطيعان الوقوف بوجهي … كما لا تنسي بأني أصرف عليهما وحتى المنزل الذي يمكثان به باسمي …”
” ليتني أمتلك ثقتك هذه … ولكن ما كان عليك أن تخبر فارس بموافقتك قبل أن تضمن موافقة ابنتك …”
عادل بثقة شديدة:
” لمار ستوافق … أنا واثق ومتأكد من هذا … لا تقلقي بشأن هذا الموضوع …”
تنهدت رجاء بقلة حيلة قبل أن تقول بألم:
” وحتى لو وافقت … ماذا سأستفيد أنا …؟! حفيدي سيبقى بعيدًا عن عيني …”
اقترب عادل منها وقال:
” سنراه متى ما نشاء … كما أن لمار طيبة وستعتني به جيدًا …”
” هل تمزح يا عادل … لمار ما زالت طفلة … كيف بإمكانها الاعتناء بطفل صغير ورعايته …؟!”
زفر عادل أنفاسه وقال بضجر:
” هناك العديد من الخادمات … سوف يقمن بالعناية والاهتمام به بكل تأكيد …”
” ألا يهمك حفيدك ولو قليلاً حتى …؟!”
سألته رجاء بألم واضح.
ليجيب عادل كاذبًا:
” بالطبع يهمني … وإلا ما كنت سأزوج فارس ابنتي حتى تعتني به وتراعيه …”
رجاء بمقت:
” كذبك هذا ينطلي على عائلة صفوان وليس علي … كلانا يعرف أنك ستزوج لمار لفارس حتى تضمن دعم عائلة صفوان الدائم لك …”
” يكفي يا رجاء … لقد مللت منك ومن كلامك …”
قالها عادل بنفاذ صبر.
لتنهض رجاء من مكانها وتقول وهي تتجه خارج صالة الجلوس:
” بل أنا من مللت من كل هذا … مللت حقًا …!!”
***
مرت أيام أخرى. كل ما حدث بها أن لمار وافقت على الزواج بعدما حاول عادل بكل الطرق إقناعها مستخدمًا مختلف أساليبه. فلم يكن أمام لمار سوى القبول.
اتفق فارس مع عادل أن يتم عقد القران بعد أسبوع على أن يأتي فارس مع عمه الكبير إلى المدينة ليتم عقد القران بهدوء ثم يأخذ زوجته معه ويعود إلى القرية.
جاء يوم عقد القران أخيرًا. كانت لمار جالسة على سرير واسع في غرفة واسعة تقع ضمن العديد من غرف قصر والدها تنتظر انتهاء عقد القران. فقد جاء القاضي إلى المنزل منذ قليل وسبقه العريس وعائلته.
انتهى عقد القران فوجدت والدتها تقترب منها وهي تقول بنبرتها الحزينة المتحسرة:
” انهضي يا لمار … والدك يريدك أن تنزلي أنتِ وأغراضك … فعريسك مستعجل على الذهاب …”
نهضت لمار من مكانها وأخذت تكفكف دموعها. بينما فوجئت إحدى الخادمات تقترب منها وهي تحمل كيسًا به ملابس سوداء. سألت إيمان باستغراب:
” ما هذه الملابس …؟!”
أجابت الخادمة موضحة:
” إنها عباءة طويلة ومعها حجاب … أرسلها السيد فارس طالبًا من العروس أن ترتديها …”
” ماما أنا لن أرتدي هذه الأشياء …”
قالتها لمار بعصبية شديدة.
لتقترب والدتها منها وتحتضن وجهها بين كفي يديها وتقول برجاء بالغ:
” لمار حبيبتي … لا تفتعلي المشاكل أرجوك … نفذي كلامه فهناك في القرية لن يقبلوا بأن ترتدي ملابس كهذه …”
أشاحت لمار بوجهها بضيق وهي تفكر في تلك الورطة التي تورطت بها. بينما أخرجت والدتها العباءة من الكيس وألبستها إياها ثم لفت الغطاء الأسود على رأسها مغطية شعرها بالكامل.
خرجت لمار منكسة الرأس تتبعها والدتها. اتجهت نحو صالة الجلوس حيث يجلس الجميع هناك في انتظارها. نهض الجميع ما إن وجدوها تقبل عليهم. اقترب الأب منها وطبع قبلة على رأسها قبل أن يهمس لها:
” مبارك لكِ حبيبتي …”
اتجه فارس نحوها ووقف بجانبها ثم أشار لعمه قائلاً:
” هيا يا عمي … يجب أن نذهب …”
ثم قال موجهاً حديثه لعادل:
” عن إذنك يا عادل بك … سآخذ زوجتي وأرحل …”
” لن أوصيك عليها يا فارس …. انتبه عليها جيدًا …”
أومأ فارس برأسه دون أن يرد. بينما اقتربت لمار من والدتها ورمت بنفسها بين أحضانها لتربت والدتها على ظهرها والدموع تنساب من عينيها.
تحركت بعدها لمار مع فارس ليتجه بها نحو سيارته. ركبت لمار في الكرسي الخلفي بينما ركب فارس وعمه في الكرسيين الأماميين. لينطلق فارس في سيارته متجهًا إلى القرية حيث ستبدأ لمار هناك حياتها الجديدة معه.
رواية الشيخ والمراهقة الفصل الثالث 3 - بقلم سارة علي
وصل فارس إلى القرية.
تأملت لمار شوارع القرية من خلال النافذة. الأراضي الزراعية الشاسعة الكبيرة المليئة بالأشجار العالية والحشائش ومختلف أصناف النباتات، إضافة إلى الحيوانات والماشية المنتشرة في أرجاء المكان.
وصلت السيارة إلى منزل كبير للغاية، أقرب بحجمه إلى قصر أو فيلا. اتسعت عينا لمار وهي ترى الأراضي الواسعة المحيطة بالمنزل من الجهتين. كان منظراً رائعاً مريحاً للنفس.
توقفت السيارة أمام الباب الرئيسي للمنزل. فتح فارس سيارته وهبط منها، وكذلك فعل عمه. وجدت لمار فارس يقترب من جهتها ويفتح الباب لها لتهبط من السيارة وهي ما زالت مخفضة رأسها أرضاً.
فُتح باب المنزل وخرجت منه صفية وهي تستند على عكازتها، تجاورها نورا ابنتها، وخلفهما خادمتان تطرقان الزغاريد. سارت لمار برأس منخفض نحو الباب، تتبع فارس الذي انحنى مقبلاً رأس والدته، ثم همس لها بنبرة آمرة:
"قبلي رأس ويد صفية هانم."
توقفت لمار للحظات تحاول استيعاب ما سمعته. ثم اضطرت في النهاية إلى تنفيذ ما قاله، فقبلت يدها، ثم رفعت وجهها وقبلت رأسها. رفعت صفية وجه لمار وأخذت تتأمله ببطء قبل أن تهمس بنبرة غير راضية:
"جميلة."
لم تهتم لمار لنبرتها ولا لكونها لم تعجب صفية هانم، التي أكملت قائلة:
"هيا يا ولدي، خذها إلى غرفتكما. لقد جهزنا لكما الغداء وأخذناه إلى غرفتكما."
أومأ فارس برأسه متفهماً قبل أن يهمس للمار:
"اتبعيني."
سارت لمار أمامه، بينما مسكت صفية فارس من ذراعه وقالت له بنبرة سريعة:
"لا تنسى أن تطمئني."
تحرك فارس تابعاً لمار وهو يزفر أنفاسه بغيظ من والدته وما قالته.
***
دخلت لمار الغرفة يتبعها فارس. أغلق فارس الباب خلفه ثم توقف في منتصف الغرفة يتطلع إلى لمار التي أخذت تتفحص الغرفة ببصرها.
تطلعت لمار بنظرات ذاهلة إلى الغرفة الواسعة وأثاثها الفخم. كانت تناقض غرفتها الصغيرة الضيقة بأثاثها القديم البالي. لم تشعر بنفسها وحجابها ينسدل من فوق رأسها ويقع على أرضية الغرفة ليظهر شعرها الطويل.
تأمل فارس شعرها بلونه الغريب بإعجاب واضح. كان بنياً مائلاً إلى اللون الأحمر قليلاً. شعر برغبة في رؤية وجهها، ولم تبخل لمار عليه حيث استدارت نحوه أخيراً ليحبس فارس أنفاسه للحظات يحاول استيعاب الكائن الطفولي الماثل أمامه. كانت لمار طفلة بحق ببشرتها البيضاء الناعمة كالقطن، وفمها وأنفه الصغيرين، وعينيها الخضراوتين. كانت تشبه الدمية. الأمر الذي صدم فارس بشدة، فهو لم يتخيل أنه سيتزوج بطفلة صغيرة ولم ينتبه إلى مواليدها حينما تم عقد القران.
لمار الأخرى أخذت تتأمل فارس بدهشة حقيقية. لم تتخيل أن يكون فارس بهذه الوسامة الرجولية الخشنة. كان طويلاً ذو جسد متناسق، ذو بشرة حنطية يزينها لحية خفيفة، يرتدي بنطالاً أسود اللون مع قميص أبيض.
"رباه، إنها طفلة." همسها فارس بفتور قبل أن يتحرك نحوها ويمسك ذقنها بأنامله رافعاً إياه متأملاً وجهها الطفولي بتمعن. شعر بأنه وقع بالفخ، لقد تورط وانتهى أمره. هل سيدخل بها الآن؟ هل سيجعلها زوجة حقيقية له؟ المنطق يقول لا، والعادات تقول نعم، وهو يقف محتاراً بين اللا والنعم. ابتلع ريقه للحظات قبل أن يقول بنبرة باردة:
"لمار."
"نعم." قالتها لمار بخفوت ليتنحنح فارس متسائلاً بتردد:
"هل أخبرتك والدتك بما سيحدث الآن؟"
احمرت وجنتاها خجلاً وهي تتذكر حديث والدتها ونصائحها لها. لقد ترجتها والدتها أن تنفذ ما قالته وألا تفتعل المشاكل، وهي وعدتها بهذا. أخفضت لمار بصرها أرضاً بينما أومأت برأسها كرد على جوابه.
"كم عمرك؟" سألها فارس محاولاً استيعاب الوضع الذي وضع به لترد لمار بخجل:
"16 عاماً."
زفر فارس نفسه بإحباط قبل أن يسمع طرقات على باب غرفته، فاتجه نحو الباب وفتحه ليتأمل والدته التي جاءت بنفسها إليه، والتي قالت بسرعة:
"أريد البشارة يا بني والآن."
ثم التفتت مبتعدة عن الغرفة ليفهم فارس أن والدته شعرت بتردده من إتمام تلك الزيجة.
عاد فارس نحو لمار واقترب منها. رفع ذقنها بأناملها ليتأمل عينيها الدامعتين وجسدها المرتعش من شدة الخوف.
"لا تخافي، أنا لن أؤذيكِ أبداً." قالها ثم سحبها من يدها وأجلسها على السرير. مسك كفي يديها المرتعشين واحتضنهما بين كفي يده. ثم أحاط وجنتها بكف يده قبل أن ينحني صوب شفتها ويطبع قبلة خفيفة عليها.
أغمضت لمار عينيها تستقبل قبلته الخفيفة. حاولت أن تستقبلها بروح خفيفة وأن تزيل الأفكار السلبية من رأسها. بعد أن طبع فارس قبلة خفيفة على شفتيها، أخذ يعمق قبلته، وبالرغم من جهلها لكل ما يحدث، إلا أن لمار حاولت أن تبادله قبلته بشكل صحيح.
***
كانت لمار تبكي بين أحضان فارس الذي أخذ يحتضنها بشدة مواسياً إياها.
"حسناً يا لمار، اهدئي. أنا آسف عزيزتي." قالها فارس معتذراً، بينما أخذت لمار تمسح دموعها بأناملها كالاطفال وهي تشعر بأنها أعطت الموضوع حجماً أكبر منه، فهي صحيح شعرت بالألم، لكنه كان ألماً خفيفاً ولم يستمر طويلاً.
"هل أصبحت أفضل الآن؟" سألها فارس بقلق لتومئ برأسها دون أن ترد، فيشدد فارس من احتضانها ويقول وهو يقبل رأسها:
"لن تشعري بالألم بعد الآن، أعدك بهذا."
رفعت لمار رأسها نحو فارس وأخذت تتأمله بخجل قبل أن تهمس بأسف:
"آسفة."
"لماذا تعتذرين؟" سألها مستغرباً لترد بخجل:
"لأنني أفسدت الليلة. لقد حذرتني والدتي من أن أزعجك أو..."
قاطعها وهو يضع كف يده على فمها:
"لا داعي لأن تعتذري، كما أنك لم تفسدي الليلة أبداً."
صمتت لمار بينما أردف فارس:
"هل أنت جائعة؟"
أومأت برأسها ليبتسم فارس قبل أن ينهض من مكانه ويرتدي سرواله. حمل صينية الطعام ووضعها أمامها لتتطلع لمار بلهفة إلى الطعام وتبدأ في تناوله بنهم وسرعة كبيرتين دون أن تنتبه لفارس الذي يتابعها باستمتاع. رفعت وجهها بوجنتيها المنفوختين نحوه لتبلع الطعام أخيراً وتهتف بارتباك:
"لماذا تتطلع إلي هكذا؟"
أجابها:
"هل تعلمين بأنك جميلة للغاية؟"
ابتسمت لمار قبل أن تقول بوجنتين غزاهما الاحمرار:
"حقاً؟"
"حقاً." قالها فارس وهو ينحني نحوها مرة أخرى قبل أن يلتقط شفتيها بقبلة عميقة.
رواية الشيخ والمراهقة الفصل الرابع 4 - بقلم سارة علي
صباح اليوم التالي.
استيقظت لمار من نومها على صوت زقزقة العصافير. فتحت عينيها الخضراوتين وابتسامة شقية تعلو ثغرها. رفعت جسدها قليلاً تتأمل الغرفة الفارغة لتقطب جبينها بحيرة. زفرت أنفاسها وهي تنهض من مكانها، وتلتقط ثوبها لترتديه بسرعة. ثم سارت على أطراف أصابعها متجهة نحو الحمام الملحق بالغرفة. طرقت على باب الحمام بخفة فلم يأتها الرد. فتحت باب الحمام وأخذت تتفحص داخله بإحباط. ثم ما لبثت أن خرجت من الحمام متجهة إلى باب الغرفة. فتحت باب الغرفة وخرجت إلى الخارج وأخذت تسير داخل الممر الطويل بلا وجهة محددة.
كل ما فكرت فيه أنها تريد فارس الآن وحالاً. شعرت لمار بالضيق الشديد وهي تتفحص الأماكن من حولها. كان هناك العديد من الغرف المغلقة المحيطة بها. قررت أن تهبط إلى الطابق السفلي وترى فارس علها تجده هناك. وبالفعل هبطت إلى هناك وسارت باتجاه إحدى الغرف حينما لمحت الخادمة تسير باتجاه تلك الغرفة. اتبعت لمار الخادمة ودلفت إلى داخل الغرفة لتنصدم بزوج من العيون التي تنظران إليها بصدمة شديدة.
تأملت صفية كنتها بملامح مذهولة سرعان ما تحولت إلى أخرى غاضبة. كانت لمار تقف أمامها وهي ترتدي فستانها القصير، شعرها الطويل ينساب على ظهرها من الخلف، حافية القدمين. نهضت صفية من مكانها مستندة على عكازتها واتجهت نحوها لتتبعها رؤية بسرعة وتسندها بينما تشعر بالأسف لتلك المسكينة التي ارتكبت إثماً كبيراً دون أن تنتبه. رفعت صفية عكازتها في وجه لمار وهي تقول بصوت مليء بالغضب:
"أنتِ... ماذا تفعلين هنا وأنتِ بهذا الشكل المخزي؟!"
ابتلعت لمار ريقها ثم قالت بتوتر واضح وملامح مرعبة:
"أنا... كنت أبحث عن فارس."
ضربت صفية الأرض بعكازها مما جعل جسد لمار يرتجف بسرعة:
"كيف تنزلين إلى هنا بهذا الشكل؟! ماذا سيقول عنكِ الخدم الآن؟!"
"أنا آسفة..."
قالتها لمار وهي تكاد تبكي من شدة الإحراج والإهانة، بينما أخذت صفية تهمهم:
"يا إلهي... الصبر... ماذا سأفعل الآن؟! هذه عروس هذه... إنها مصيبة وحلت علينا..."
أخفضت لمار وجهها أرضاً بينما حاولت رؤية تهدئة والدتها حينما دلف فارس أخيراً إلى غرفة الطعام. اتسعت عينا فارس لما يراه أمامه بينما تقدمت صفية منه وهي تهتف:
"تعال يا فارس... تعال وانظر إلى هذه المصيبة التي حلت علينا..."
"ما هذا الذي ترتدينه بحق الله...؟!"
قالها فارس بصوت يملؤه الغضب لتعض لمار على شفتها السفلى بقوة بينما تجيب بنبرة متلكئة:
"أنا... أنا لم أقصد... أنا آسفة..."
ثم هطلت الدموع من عينيها بغزارة ليتجاهل فارس والدته ويتقدم من لمار قابضاً على ذراعها جاراً إياها خلفه نحو غرفته.
كان يسير نحو غرفته وهو لا يرى أمامه من شدة الغضب. يده تقبض على ذراع لمار بأقصى قوتها، بينما يجرها وراءه كخروف يقاد إلى المذبح. أدخلها إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه. عقد ذراعيه أمام صدره وقال بنبرة هادئة تناقض الثورة المعتملة بداخله:
"هل لكِ أن تفسري لي ما يحدث هنا...؟!"
وقفت لمار أمامه كتلميذ أمسك بالجرم المشهود. ابتلعت ريقها وهي تقول باعتذار:
"أنا آسفة يا فارس... لقد نزلت إلى الأسفل بحثاً عنك... لم أقصد أن أتسبب بفوضى كهذه في المكان..."
"أنتِ لم تفهمي بعد أين تكمن المشكلة... أليس كذلك...؟!"
أومأت لمار برأسها ليتنهد فارس بقوة قبل أن يقبل عليها ويقف أمامها قائلاً:
"هل توجد فتاة عاقلة تخرج خارج غرفتها وهي ترتدي ملابس كهذه...؟!"
رفعت لمار بصرها نحوه ثم تأملته بحيرة قبل أن تهتف:
"أنا لا أفهم... ما بها ملابسي...؟!"
زفر فارس أنفاسه بتعب ثم قال بجدية:
"لا يجوز... لا يجوز أن تخرجي خارج غرفتنا بملابس كهذه..."
ردت لمار ببلاهة غير مستوعبة لما يقوله:
"أنا كنت أخرج من المنزل دوماً بملابس كهذه..."
فارس وهو يكاد يلطم على رأسه:
"يا فرحتي بك..."
ثم أردف وهو يقبض على ذراعها:
"اسمعيني يا هذه... أريد منكِ أن تنسي كل ما كنتِ تفعلينه هناك... وما كنتِ ترتدينه أيضاً..."
"كيف يعني...؟!"
سألته لمار بصوت مرتجف ليهتف فارس بها بنبرة قوية:
"يعني أنتِ الآن هنا في قريتي... كما أنكِ زوجة شيخ القرية... لا يجوز أن تخرجي من غرفتك بملابس كهذه... هذه الملابس ترتدينها فقط لي... أما حينما تخرجين من هنا فإنكِ ترتدين ملابس طويلة وفوقها حجاب طويل..."
"ولكنني غير محجبة..."
"كنتِ... كنتِ غير محجبة..."
قالها فارس مصححاً قبل أن يهتف بتحذير:
"ولكن بما أنكِ تزوجتني فقد أصبحتِ امرأة محجبة... هل فهمتِ...؟!"
وقبل أن تجيب لمار عليه كان صوت الخادمة قد جاء يخبره من خلف الباب بأن عائلة لمار قد جاءت لرؤيتها.
كادت لمار أن تركض خارج الغرفة لرؤية عائلتها لولا أن فارس أوقفها بإشارة من يده ثم أخبر الخادمة بأنهم قادمون في الحال. اقترب فارس من لمار وقال بلهجة آمرة:
"ارتدي عباءتك وحجابك التي أرسلتهم إليكِ البارحة حتى نشتري لكِ ملابس جديدة مناسبة للخروج..."
أومأت لمار برأسها وهي تجاهد لإخفاء دموع عينيها ثم ارتدت العباءة وفوقها الحجاب ليمد فارس لها كف يده فتمسكها بتردد وتهبط معه نحو الطابق السفلي.
ما إن رأت لمار والدتها حتى ركضت نحوها وعانقتها بقوة. احتضنتها والدتها بينما أخذت لمار تبكي داخل أحضان والدتها تحت أنظار صفية المستنكرة وعادل القلقة وفارس الباردة.
جلس الجميع في صالة الجلوس ولمار ما زالت تبكي داخل أحضان والدتها بينما تحاول والدتها إيقافها عن البكاء وهي تشعر بالحرج من جميع من حولها.
"حسناً يا ابنتي... توقفي... أنا هنا..."
كانت هذه كلمات والدتها التي تحاول تهدئتها بينما تحدثت رجاء التي جاءت معهم وقالت:
"أين حفيدي...؟! أريد أن أراه..."
أشارت صفية إلى رؤية لتجلب لها الصغيرة فنهضت رؤية من مكانها وفعلت ما أمرت به والدتها متجهة إلى غرفة الصغير. أما لمار فقد توقفت عن البكاء أخيراً لكنها ما زالت تحتضن والدتها بقوة.
جاءت رؤية بعد لحظات وهي تحمل الصغير داخل أحضانها. أخذته رجاء منها بلهفة واحتضنته بشوق وبدأت في تقبيله. أخذ الطفل يبكي فجأة داخل أحضانها لتنهض رؤية من مكانه تنوي أخذه إلا أنها توقفت في مكانها بإشارة من والدتها التي قالت بنبرة قوية:
"والدته تأخذه..."
تطلع الجميع إلى لمار التي لم تفهم لماذا ينظر الجميع إليها حتى نكزتها أمها وهمست لها:
"تقصدك أنت..."
ردت لمار وهي تشير إلى نفسها ببلاهة:
"أنا والدته..."
قالت صفية ساخرة منها:
"وهل توجد غيرك...؟!"
نهضت لمار من مكانها واتجهت نحو رجاء التي أعطتها الطفل على مضض. بالكاد استطاعت لمار أن تحمل الطفل بالشكل الصحيح ولا توقعه. بينما نهض عادل من مكانه وقال:
"نحن يجب أن نذهب الآن... لقد تأخرنا..."
اتسعت عينا لمار بعدم تصديق بينما نهضت والدتها واقتربت منها قائلة:
"حبيبتي... لقد جلبت لكِ الفطور الذي تحبينه... تناوليه كله..."
لكن لمار كان لها رأي آخر حيث قالت بنبرة أقرب للبكاء أمام أنظار الجميع:
"لا تذهبي ماما... خذيني معك..."
"لمار..."
صاح بها فارس بقوة لكنها لم تبال وهي تقول بتوسل ورجاء:
"أرجوك ماما... خذيني معك... أتوسل إليك..."
رواية الشيخ والمراهقة الفصل الخامس 5 - بقلم سارة علي
🤍رواية الشيخ والمراهقة🤍
💐بقلم : سارة على💐
الفصل الخامس …
.
.
.
دلف فارس الى غرفته وهو يجر لمار وراءه …
اغلق باب الغرفة ثم دفعها بقوة على السرير لتسقط عليه …
اخذ يسير داخل الغرفة ذهابا وايابا وهو يضع كفي يده على خصرها بينما اعتدلت لمار في جلستها واخذت تتابعه بقلق وتوجس …
التفت فارس اليها اخيرا وقال بنبرة عصبية مجنونة :
” ماذا افعل بك …؟! أخبريني …”
ارتعش جسد لمار خوفا من غضبه الواضح لتهمس اخيرا :
” ماذا فعلت انا …؟!”
رد فارس بنظرات مشتعلة :
” لم تفعلِ شيئا فقط تصرفتي كطفلة صغيرة … فضحتي نفسك وفضحتيني امام الجميع …”
” انا اسفة … ولكنني كنت مشتاقة لوالدتي كثيرا ….”
اقترب منها فارس وانحنى امامها مركزا عينيه على عينيها هاتفا بنبرة قوية :
” اعتذارك لا يكفي يا لمار … اسمعيني جيدا … تعقلي يا فتاة … تعقلي والا فأنني سأتصرف معك بطريقة لا تعجبك …”
ابتلعت لمار ريقها بخوف بينما ابتعد فارس قليلا عنها وقال :
” والان انهضي من مكانك واتبعيني …”
” الى اين …؟!”
سألته بفضول وهي تنهض من مكانه ليجيبها :
” الى غرفة سيف ابني … سوف تتعرفين عليه …”
زمت لمار شفتيها بعبوس وتبعته … وصل الاثنان الى غرفة الصغير ليجدانه نائما بعمق على سريره …
لم تستطع لمار اخفاء رغبتها برؤيته فهي تحب الاطفال الصغار كثيرا … اقتربت منه بلهفة واخذت تتطلع اليه بابتسامة …
” انه جميل للغاية …”
ابتسم فارس على ما قالته وعلى نظرات اللهفة في عينيها … ثم قال : ” ما رأيك ان تحمليه …؟!”
مطت لمار شفتيها بضيق :
” اخاف ان اوقعه … انه ما زال صغيرا …”
حمله فارس وتقدم به نحوها … اعطاه لها وقال بنبرة ذات مغزى : ” انت يجب ان تعتادي على حمله …”
حملته لمار بتردد شديد وقد اخذ قلبها ينبض بعنف … تأملته بحنان واضح ثم طبعت قبلة خفيفة على جبينه قبل ان تتجه نحو الكنبة وتجلس عليها وهي ما زالت تحمله بين يديها …
جلس فارس بجانبها وقال :
” عديني يا لمار انك ستعتبرين سيف ابنا لك وتعاملينه افضل معاملة …”
تطلعت لمار اليه بنظرات حائرة للحظات سرعان ما اختفت وهي تطالع الصغير الساكن بين يديها فقالت : ” اعدك …”
ابتسم فارس براحة ثم احاطها من كتفيها بحنو …
🤍🤍🤍
مرت ايام اخرى …
كانت العلاقة بين فارس ولمار تأخذ منحني جيد لا يعكرها سوى تدخلات صفية التي لا تنتهي …
استيقظت لمار من نومها على صوت طرقات عالية على باب غرفتها …
اتجهت بسرعة وفتحت الباب لتجد نورا امامها والتي قالت بابتسامة : ” صباااااح الخير …”
اجابتها لمار : ” صباح النور … تفضلي …”
دلفت نورا الى الداخل على استيحاء … اغلقت لمار الباب واتجهت نحوها لتقول نورا :
” هناك ضيوف في الخارج … خالتي وبناتها … وهم يرغبون برؤيتك …”
توترت لمار لا اراديا ثم قالت بابتسامة مصطنعة :
” اهلا بهم … سوف اجهز نفسي واخرج لهم …”
” حسنا …نحن في انتظارك ….”
قالتها نورا ثم خرجت من الغرفة لتسارع لمار بتغيير ملابسها حيث ارتدت فستان صيفي اصفر اللون وسرحت شعرها الطويل بسرعة …
🤍🤍🤍
خرجت لمار من غرفتها واتجهت الى صالة الجلوس لتجد صفية هناك ونورا ومعهما خالة فارس وبناتها …
القت التحية ثم تقدمت من خالة فارس وسلمت عليها لترد لها التحية ببرود ثم حيت الفتيات الثلاث وجلست على الكرسي المقابل لهن …
تحدثت صفية موجهة حديثها للمار :
” اين سيف …؟! لماذا لم تجلبيه معك …؟!”
ابتلعت لمار ريقها وقالت :
” اسفة … يبدو انني نسيته …”
سمعت لمار صوت همهمات وضحكات خفيفة جعلتها تشعر بالخجل والارتباك … نهضت من مكانها وقالت بسرعة :
” سوف اجلبه حالا …”
الا ان صفية اوقفتها بإشارة من يدها وقالت :
” ابقي في مكانك … ستجلبه الخادمة الى هنا …”
جلست لمار في مكانها مرة اخرى بينما بدأت صفية تتحدث مع اختها وكذلك مع بنات اختها … استمرت الاحاديث بينهن دون ان يعيرنها اي اهتمام … جاءت الخادمة بالصغير فحملته لمار واخذت تلاعبه وهي تتحاشى النظر اليهن …
بعد فترا قصيرة بدأ الصغير يبكي فنهضت لمار وقالت :
” يبدو انه جاع … سأخذه الى غرفته حيث يتناول طعامه …”
” سأتي معك …”
قالتها نورا وهي تتجه معها الى غرفة الصغير … اقتربت نورا من لمار وقالت : ” لا تتضايقي منهن ….”
ردت لمار بكذب :
” انا لست بمتضايقة … بالعكس انهن لطيفات للغاية …”
” هل تمزحين معي … من اين جائتهن اللطافة …”
ارتبكت لمار من حديثها بينما اكملت نورا :
” لقد رأيتهن وهن يتهامسن ويضحكن … لا بأس هذه طبيعتهن … لقد كن يفعلن نفس الشي مع بشرى …”
صمتت لوهلة قبل ان تكمل : ” انتبهي منهن … ”
” لماذا…؟!” سألتها لمار بنبرة حذرة لتجيبها نورا :
سوف اخبرك … ولكن لا تقولي لاحد بأنني اخبرتك … ابنة خالتي الكبرى كانت مخطوبة لفارس … لكن حدثت مشاكل بين العائلتين ادت لفسخ الخطوبة … وبعدها تصالحنا لكن فارس رفض ان يعيد خطبتها واختار بشرى كزوجة له ….
لهذا ستجديهن يتصرفن معكِ بطريقة سيئة وغير محببة …
اومأت لمار رأسها بتفهم ثم شردت في كلام نورا رغما عنها …
🤍🤍🤍
في المساء …
دلف فارس الى غرفته ليجد لمار جالسة على السرير شاردة لم تنتبه لمجيئه بينما سيف الصغير ممدد على السرير بجانبها …
اقترب منها عدة خطوات دون ان تنتبه له ايضا ليحرك يديه امام وجهها فتنتفض من مكانها شاهقة بقوة :
” متى اتيت …؟!”
سألته ليجيبها بسخرية : منذ وقت كبير … لكنك شاردة ولم تنتبهي لي …
” اسفة …”
غمغمت بها بخفوت ثم قالت بعدها :
” لقد جاءت خالتك وبناتها وسوف يبقين عدة ايام هنا …”
رد فارس بجدية : اعلم لقد التقيت بهن قبل مجيئي الى هنا…
حمحمت لمار بحلقها مصدرة صوت جعل فارس يسألها :
” تحدثي …ماذا هناك …؟!”
لمار بفضول لم تستطع تخبئته : هل التقيت بريم …؟!
اومأ فارس برأسه واجابها : نعم …هل توجد مشكلة …؟!
لمار بضيق واضح : كلا … لا توجد اي مشكلة …
ثم تحركت مبتعدة عنه لكن فارس اقترب منها واوقفها قائلل بتعجب : اخبريني ماذا هناك …؟!
لقد علمت بأنها كانت خطيبتك …
” ماذا …؟!”
صاح بها فارس بعدم استيعاب قبل ان يبدأ بالضحك عاليا بشكل اغاظها …
” لماذا تضحك …؟!”
سألته وهي تعقد ذراعيها امام صدرها بغضب ليجيبها :
” لانني كنت قد نسيت هذا الموضوع تماما …”
” ولكنها لم تنسَ… هي ما زالت تتذكر هذا ….”
” ومن اين علمت …؟!”
قالها فارس وهو يعبث بخصلات شعرها لترد :
” هذا واضح للغاية …”
” لمار … لا تفكري بهذا الموضوع … لقد مرت سنوات على فسخ خطبتي منها … ما لداعي لاعادة فتح موضوع قديم كهذا …؟!”
ثم اقترب منها اكثر وانحنى نحو شفتيها وقال :
” هناك مواضيع اهم يجب ان نتحدث بها …”
ابتعدت لمار عنه وقالت بعناد :
” ليس قبل ان تخبرني عن كل شيء …”
فارس بعدم فهم : ” اخبرك عن ماذا …؟!”
لمار باصرار : “عن علاقتك بريم …وكل شيء كان بينكما …”
هم فارس بالتحدث لكن رنين هاتفه قاطعه …
حمل هاتف وتطلع الى الاسم الذي يضيء الشاشة قبل ان يضغط بزر الرفض ثم يتجه نحو لمار ويحيطها من كتفيها ويقول : “عزيزتي لمار … هذا الموضوع انتهى منذ زمن طويل وانا لا ارغب بفتحه … كوني عاقلة ولا تفتحيه معي مرة اخرى … والا لا داعي لأن اخبرك ماذا بإمكاني ان افعل …”
ضربت لمار الارض بقدميها وقالت بملل :
” تهديد … تهديد … كل شيء لديك بالتهديد …”
ابتسم فارس على منظرها ثم قال :
” تبدين جميلة حينما تتعصبين …”
ارتبكت لمار خجلا بينما قال فارس بنبرة خبيثة :
” انا اشعر بالنعاس … ما رأيك ان ننام …؟!”
الا ان لمار كان لها رأي اخر :
” يبدو انك نسيت ان سيف ما زال مستيقظ …”
زفر فارس انفاسه باحباط وقال :
” اذا لننتظر سيف حتى ينام …” … نهاية الفصل
فالي اللقاء ؛؛؛
يتبع….
رواية الشيخ والمراهقة الفصل السادس 6 - بقلم سارة علي
صباح اليوم التالي…
جلس فارس أمام والدته وقال:
” خير يا ست الكل …؟!
أخبرتني الخادمة أنك تريدينني …”
” كل خير يا بني …
أريد أن أحدثك في موضوع مهم قليلاً …”
قطب فارس حاجبيه متسائلاً بحيرة:
” موضوع ماذا …؟!
تحدثي …”
أجابته صفية وهي تربت على كف يده:
” ريم …”
” ما بها …؟!”
” هل يرضيك وضعها الحالي …؟!”
” ماذا تقصدين …؟!”
تحدثت الأم موضحة مقصدها:
” إنها لم تتزوج حتى الآن يا فارس ….
وهذا كله بسببك …”
تراجع فارس إلى الخلف مذهولاً:
” وما علاقتي أنا بهذا يا أمي …؟!”
تنهدت الأم بقوة وقالت:
” لا أحد يقبل الزواج بها كونها مطلقة …
أنت تعرف طبيعة الرجال هنا …
لا يقبلون الزواج بامرأة مطلقة وإن كان عقد قران فقط ..”
اعترض فارس حديث والدته:
” ماذا تقولين يا أمي ..؟!
هل أصبحت أنا السبب في عدم زواجها …؟! ”
” اسمعني جيداً يا فارس ….
المشكلة ليست هنا فقط …”
” إذا أين تكمن المشكلة بالضبط …؟!”
أجابته صفية:
” ريم تعاني من مشكلة في الرحم …
يجب أن تتزوج وتنجب قبل سن الأربعين …
وهي في الثلاثين من عمرها …
فرصتها للزواج شبه معدومة …
هي من حقها أن تتزوج وتنجب أطفال ..”
صمت فارس وأخذ يفكر في حديث والدته بجدية قبل أن يقول:
” ومالذي يثبت لي صحة كلامك…؟!”
شهقت الأم بعدم تصديق:
” هل تكذبني يا فارس …”
فارس بسرعة:
” حاشا لله يا أمي …
لكن أنا لا أثق بكلام خالتي …
قد تفعل هذا فقط لأتزوج ابنتها …”
” خذها إلى الطبيب بنفسك وتأكد من كلامها ولكن بشرط …
إذا تبين أن كلامها صحيح فأنت عليك أن تتزوجها كونك السبب الرئيسي في بقائها بدون زواج إلى الآن …”
” ولكن يا أمي أنا متزوج بالفعل …”
صفية باعتراض:
” وهل تحسب زواجك هذا بزواج ….
لمار مجرد طفلة لا تفهم شيئاً …
هي لا تصلح لأن تكون زوجة …
أنت بحاجة لزوجة حقيقية …”
فارس بعدم اقتناع:
” لا أعلم …
قد يكون كلامك صحيحاً ولكن …”
” جميع رجال القرية متزوجون من اثنين وثلاثة ويعيشون حياة هادئة وسعيدة ….
مالذي ينقصك لتفعل مثلهم ….؟!”
زفر فارس أنفاسه بإحباط بينما أخذت صفية تربت على ذراعه وهي تقول:
” وافق يا فارس…
وافق من أجلي …”
إلا أن فارس قال منهياً الحديث:
” يجب أن أفكر جيداً يا أمي ….
أنا لن أتخذ قراراً كهذا بهذه السرعة…
كما أنني يجب أن أتأكد من صحة كلام خالتي وريم …”
” كما تريد …”
قالتها صفية بإمتعاض بينما تحرك فارس خارج المكان وهو يفكر في كلام والدته بجدية.
***
مساءً …
كان الجميع يجلس على طاولة الطعام حينما تقدمت لمار منهم وألقت التحية ثم جلست بجانب فارس وبدأت تتناول طعامها بصمت …
كانت صفية تراقبها وهي تتناول طعامها بشرود حينما حدثتها قائلة:
” لمار ابنتي…
ضعي الطعام لزوجك …
أرى أنه لا يتناول الكثير …”
نقل فارس بصره بين والدته ولمار التي قالت:
” ولما لا يضع هو الطعام لنفسه …؟!”
ردت صفية:
” عندنا السيدات يطعمن أزواجهن بأنفسهن …
ثانياً لا تردي علي …
نفذي كلامي دون نقاش …”
زفرت لمار أنفاسها بضيق ثم بدأت في وضع الطعام أمام فارس الذي لم يفتح فمه بكلمة واحدة …
انتهى الجميع من تناول الطعام فخرجت لمار من المكان واتجهت إلى غرفة سيف …
كان سيف ما زال مستيقظاً حينما حملته لمار وأخذت تلاعبه بصمت …
لم تشعر بفارس وهو يقترب منها ويطالعها بنظرات حائرة …
التفتت نحوه ما إن شعرت بوجوده ليغمز لها قائلاً:
” ما رأيك أن تنيميه بسرعة وتأتين إلى غرفتنا …؟!”
ابتسمت وقالت:
” كما تريد …
اذهب أنت أولاً وأنا سألتحق بك …”
بعد حوالي ساعة دلفت لمار إلى غرفتها لتجد فارس غارقاً في نومه وهو عاري الصدر …
تقدمت منه وجلست بجانبه وأخذت تهزه لكنه لم يستيقظ …
تطلعت إليه بإحباط وقررت أن تنام هي الأخرى …
وقبل أن تنام بالفعل وجدت فارس ينتفض من مكانه ويحتضنها من الخلف قائلاً بنبرة ماكرة:
” إلى أين يا حلوتي ….؟!
لدينا سهرة طويلة اليوم …”
” ظننتك نائماً …”
رد فارس وهو يقبل رقبتها:
” ما زال الوقت مبكراً على النوم …”
التفتت لمار بجسدها نحوه ليقبلها فارس من شفتيها ثم يغرقها بين أحضانه …
استجابت لمار لقبلاته ولمساته حتى غرقت تماماً معه في فوضى مشاعر باتت غريبة عليها وغير قادرة على تمييزها …
بعد فترة ليست بقصيرة كانت لمار ممددة بين أحضان فارس الذي يتمسك بها كشيء ثمين لا يعرف ماهيته لكنه لا يريد أن يخسره …
” فارس ..”
” نعم …”
” أريد الحديث معك في موضوع مهم …”
” تحدث …”
” متى سأذهب إلى المدرسة ..؟!”
عقد فارس حاجبيه متسائلاً:
” أي مدرسة …؟!”
نهضت لمار من مكانها بعدما لفت جسدها بالغطاء جيداً وقالت:
” هل نسيت أنني طالبة في المدرسة …؟!
ويجب أن أذهب إليها ..”
” وهل من الضروري ذهابك إلى المدرسة …؟!”
أومأت لمار برأسها ليهز فارس رأسه بضيق ويقول:
” أعطني فرصة لأفكر في هذا الموضوع جيداً …”
” ماذا يعني هذا …؟!
أنت لن ترفض بكل تأكيد…!”
قالتها لمار باعتراض ليرد فارس بحزم وهو يرتدي سرواله:
” قلت سأفكر …”
ثم ارتدى قميصه وخرج من الغرفة تاركاً إياها تتطلع إلى أثره بإحباط.
***
وقف فارس في حديقة المنزل يأخذ نفساً عميقاً ويفكر في موضوع ريم حينما شعر بأحد ما يقترب منه …
التفت ليجدها ريم التي اقتربت منه وقالت باستحياء:
” كيف حالك …؟!”
فارس ببرود:
” بخير …”
تنحنحت ريم قائلة بحرج:
” أريد الحديث معك …”
” تفضلي …”
ريم بجدية:
” تزوجني يا فارس …
تزوجني وانقذني من جحيم عائلتي …”
” هل جننت يا ريم …؟!
هل وصل بك الحال أن تعرضي الزواج علي …؟”
انسالت دموع ريم على وجنتيها وهي تقول:
” أنت لا تعرف ما أعيشه وما أعانيه …
أهلي يعايروني لأنني لم أتزوج حتى الآن …
ولا يوجد أحد تقدم لخطبتي كوني مطلقة …
أخواتي الأصغر مني سيتزوجن وأنا سأبقى كما أنا…
لقد قاربت على الثلاثين يا فارس …
فرصتي بالزواج انتهت …
إذا لم تتزوجني فإنني سأبقى في جحيم حقيقي …”
” وماذا عن زوجتي …؟!
هل نسيت بأنني متزوج..؟!”
ردت بسرعة:
” لمار سأعتبرها أخت لي …
كما أنني سأكون خير زوجة وأم لابنك …
ثق بي يا فارس …
وأنا أعدك بأنك لن تندم على هذه الزيجة …”
تطلع إليها فارس بتفكير قبل أن يهتف بها:
” الأمر ليس بهذه السهولة يا ريم …
أنا يجب أن أفكر في الموضوع أولاً …”
ابتلعت ريم ريقها وقالت:
” كما تشاء ….
كما تشاء يا ابن خالتي …”
ثم تحركت بإنكسار بعيداً عنه.
رواية الشيخ والمراهقة الفصل السابع 7 - بقلم سارة علي
اقترب فارس من لمار التي كانت ما زالت مستيقظة، متسائلاً بتعجب: "لماذا لم تنامي بعد؟!"
أجابته: "لا أشعر بالنعاس."
أومأ برأسه متفهماً، ثم جلس بجانبها على الكنبة يفكر فيما قالته ريم. لأول مرة يشعر بالشفقة تجاهها. هو يفهم جيداً معاناة من تمر بنفس وضع ريم وكيف يتعامل معها الجميع.
لكن ماذا عن لمار؟ كيف ستتقبل شيئاً كهذا؟ بالتأكيد لن تتفهم موقفه.
استغرب من الاتجاه الذي اتجهت إليه أفكاره. هل يعقل أنه بات يفكر بلمار وردة فعلها؟ منذ متى وهو يهتم بزوجته؟ كيف يفكر بها وبردة فعلها؟ لم يكن هكذا. لطالما تعامل مع نشوى كأنها شيء غير مرئي، لم يمنحها أي أهمية في حياته، ولم يفكر يوماً في مشاعرها. لماذا إذاً يفكر بلمار وردة فعلها ومشاعرها؟
أفاق من أفكاره على صوت لمار تسأله بإلحاح: "هل فكرت بأمر المدرسة؟"
زفر أنفاسه بملل من إلحاحها: "يا لمار، لقد أخبرتك بأنني سأفكر في هذا الأمر."
أشاحت وجهها بعيداً عنه بضيق، ليزفر أنفاسه بقوة مرة أخرى ويقول: "حسناً، اذهبي إلى المدرسة، طالما هذا الأمر يهمك إلى هذا الحد."
"حقاً؟"
سألته بعدم تصديق، ليومأ برأسه.
قفزت من مكانها ببهجة غير مصدقة لما قاله، قبل أن تحتضنه بقوة وتقبله من وجنته وهي تصرخ بسعادة: "شكراً.. أنت رائع."
ولا إرادياً ابتسم فارس وهو يتابعها.
مرت الأيام وبدأت لمار بالذهاب إلى المدرسة. كانت تلك أسعد أوقاتها التي تقضيها بين أسوار المدرسة، فهي تحب الدراسة كثيراً وتتفانى بها دائماً.
في أحد الأيام، كانت لمار تجلس في غرفتها تذاكر دروسها حينما شعرت برغبة كبيرة بالتقيؤ. ركضت بسرعة نحو الحمام الملحق بغرفتها وأخذت تتقيأ وتفرغ ما يوجد بجوف معدتها.
دلف فارس إلى داخل غرفته ليجدها تخرج من الحمام وهي تستند على الحائط بيدها، بينما تضع يدها الأخرى على بطنها. ركض فارس بسرعة نحوها وأسندها وأجلسها على السرير، قبل أن يسألها بقلق: "ما بكِ يا لمار؟ هل أنتِ بخير؟"
هزت برأسها نفياً قبل أن تجيب: "كلا.. لست بخير."
"بماذا تشعرين؟"
سألها بحيرة وخوف، لتجيبه بألم: "ألم قوي في معدتي." ثم أكملت ببكاء: "خذني إلى الطبيب أرجوك."
وبالفعل، أخذها فارس إلى الطبيب الذي فحصها بحذر قبل أن يقول: "أظن أن المدام حامل.. لنقم بتحليل الدم ونتأكد من حملها."
جحظت عينا لمار بصدمة ووضعت كف يدها على بطنها لا إرادياً، بينما اتسعت ابتسامة فارس فرحاً.
"طبعاً.. سنقوم بالتحليل فوراً."
قالها فارس وهو يتجه بلمار المصدومة إلى مركز تحليل الدم.
جلست لمار بعدها بجانب فارس دون أن تنطق بكلمة واحدة. كانت تنتظر النتيجة برعب. فكرة أن تكون حاملاً ترعبها بشدة. لماذا لم تأخذ احتياطاتها؟ كيف نسيت شيئاً كهذا؟
بعد فترة ليست قصيرة، ظهرت التحاليل التي تؤكد حمل لمار. كانت فرحة فارس كبيرة بهذا الخبر السعيد، عكس لمار التي كادت أن تبكي من شدة الصدمة.
عادا إلى المنزل ليجدا صفية تستقبلهما بالزغاريط. احتضنت صفية لمار وهي تهتف بحب: "مبارك.. مبارك لكِ حبيبتي." كما أنها احتضنت فارس وباركت له.
باركت لهما رؤية أيضاً، والتي لاحظت وجوم ملامح لمار ولكنها لم تعلق بشيء.
استأذنت لمار منهم وذهبت إلى غرفتها، بينما جلس فارس بجانب والدته السعيدة بهذا الخبر، لتهمس لها رؤية: "هل رضيت على الفتاة الآن يا أمي؟"
ابتسمت الأم وقالت براحة: "الحمد لله.. لقد انتظرت هذا الخبر طويلاً."
ربتت رؤية على كف يدها قبل أن تحتضنها بسعادة.
دَلفت لمار إلى غرفتها لتنهار على سريرها باكية. ظلت تبكي كثيراً.. تبكي حظها العاثر الذي أودى بها إلى هنا. لم تتخيل يوماً أن تحمل وتصبح أماً في سن كهذا. هي ما زالت صغيرة على شيء كهذا.
شعرت بشخص ما يقترب منها، فرفعت بصرها لتجد فارس يطالعها بنظرات مستغربة، قبل أن يسألها بقلق: "لماذا تبكين؟ هل حدث شيء ما؟"
أومأت برأسها دون أن ترد، ليجلس بجانبها ويسألها بلهفة: "لماذا البكاء يا صغيرتي؟ أخبريني."
ابتلعت ريقها وهي تجيبه بتردد: "لا أريده.. لا أريد هذا الطفل."
"ماذا يعني لا تريدينه؟"
سألها مدهوشاً، قبل أن ينفعل غاضباً: "ماذا يعني لا تريدينه؟ هل جننت؟"
نهضت من مكانها وقالت: "أنا لم أجن.. أنا ما زلت صغيرة.. ألا تفهم؟ كيف سأنجب وأصبح أماً في سن كهذا؟ أخبرني بالله عليك."
نهض فارس بدوره واقترب منها قائلاً: "أنتِ امرأة متزوجة يا لمار.. ومن الطبيعي أن تنجبي وتصبحي أماً."
هزت رأسها نفياً بعنف وقالت: "أنا لا أريده.. افهم هذا."
"لقد بات أمراً واقعاً.. لا مهرب منه."
"سأجهضه."
قالتها بجنون، ليقبض بكف يده على ذراعها ويهزها بعنف قائلاً بملامح غاضبة: "اخرسي.. إذا كررتِ ما قلتِه فسوف أقتلك.. هل فهمتِ؟"
"اقتلني.. اقتلني فهذا أفضل من أن أعيش هكذا."
رددتها بحزن كبير، ليبتعد فارس عنها وهو يقول بعدم تصديق: "يبدو أن الحمل قد أصابك بالجنون.. سأترككِ قليلاً علكِ تعودين إلى رشدك."
ثم تحرك خارج المكان تاركاً إياها تسقط على الأرض وهي تبكي بعنف.
مرت الأيام ولمار تلتزم الصمت والبقاء في غرفتها، لا تخرج منها نهائياً. حتى المدرسة امتنعت من الذهاب إليها. كانت تشعر بكآبة شديدة لما يحدث معها، تشعر بأنها محطمة.
تطلعت لمار إلى باب الغرفة الذي فُتح لتجد ريم تدلف إلى الداخل وهي تبتسم لها.
"ماذا تريدين؟"
اختفت ابتسامة ريم وهي تسمع سؤالها الجاف، لتجيبها ببرود: "جئت لأطمئن عليكِ."
"أنا بخير.. بإمكانكِ الذهاب الآن."
تعجبت ريم من أسلوبها البارد والقاسي معها، لتقول بحزن واضح: "لمار، لماذا تعامليني بهذا الشكل؟ إذا كان هذا بسبب أمر زواجي من فارس.. فأنا لا ذنب لي به."
"ماذا تقولين أنتِ؟ أي زواج؟"
ابتلعت ريم ريقها وشعرت بأنها أخطأت بما قالته، فردت بسرعة: "لا شيء.. أنا لم أقصد شيئاً."
وهمت بالتحرك بعيداً عنها، قبل أن تقف لمار في وجهها وتقول: "انتظريني هنا.. ماذا كنتِ تقصدين بحديثك؟ زواج من الذي تتحدثين عنه؟"
"لم يتم بعد."
لمار بعدم تصديق: "هل ستتزوجين من فارس؟"
"لمار، اسمعيني أولاً.. أنتِ يجب أن تفهميني."
صرخت لمار بها: "أفهم ماذا؟ أنكِ ستتزوجين من زوجي؟"
"أنا مجبرة.. أقسم لكِ."
"اخرسي."
هدرت لمار بها، قبل أن تهتف بجمود وهي تضع يدها على بطنها: "اخرجي.. لا أريد أن أراكِ."
"لمار.. هل أنتِ بخير؟"
سألتها ريم بقلق وهي تحاول لمسها، لتدفعها لمار بعيداً عنها وهي تقول: "لا تقتربي مني.. اغربي عن وجهي."
شعرت لمار بنفس الألم يعود إليها، لتصرخ أخيراً بوجع قبل أن تنهار على أرضية الغرفة.
رواية الشيخ والمراهقة الفصل الثامن 8 - بقلم سارة علي
ممددة على سريرها والدموع تهطل من عينيها بينما الطبيب يقوم بفحصها.
انتهى الطبيب من فحصها فقال موجها حديثه لفارس:
” إنها بخير … لا تقلقوا عليها …”
” هل توجد أي مشاكل على الحمل …؟!”
سأله فارس بقلق ليرد الطبيب بهدوء:
” بإذن الله سيمر هذا الحمل وينتهي على خير …”
تنهد فارس براحة ثم ودع الطبيب وعاد إلى غرفته ليجد لمار تحاول الاعتدال في جلستها.
اقترب منها وساعدها في هذا.
سألها فارس بعدما اعتدلت في جلستها:
” كيف أصبحتِ الآن …؟! هل تشعرين بالألم …؟!”
هزت رأسها نفياً وقالت:
” كلا …”
صمتت قليلاً قبل أن تكمل:
” هل ستتزوج ريم …؟!”
انصدم فارس بشدة مما سمعه فهو لم يتوقع أن تسأله لمار عن شيء كهذا. هو لم يخبرها بهذا، من أين علمت إذا؟!
” ما هذا الكلام يا لمار …؟!”
ردت بقوة:
” لا تكذب علي … أنا أعرف كل شيء …”
” يبدو أنك متعبة وبحاجة إلى الراحة …”
قالها وهو ينهض من مكانه ينوي الخروج من الغرفة، لكنها نهضت من مكانها بسرعة وسبقته حيث وقفت أمامه وقالت:
” لا تكذب علي يا فارس … لقد علمت بكل شيء … علمت بأنك تنوي الزواج بها …”
” نعم سأتزوجها …. هل لك عندي شيء …؟!”
قالها بلا مبالاة لتنقض عليه وتقول وهي تضربه على صدره:
” أيها الحقير … ماذا تظن نفسك …؟! هل أنا لعبة في يديك …؟!”
” يكفي …”
صرخ بها وهو يوقفها ممسكاً بكفي يديها الصغيرتين لتنهار بين أحضانه وتبكي بصوت مرتفع بينما تجمد هو مكانه من الصدمة.
بعد فترة قصيرة أفاقت لمار على نفسها فدفعته بعيداً عنها وقالت بجنون:
” تزوجها … تزوجها أيها اللعين … هل تظن بأنني سأبكي عليك ….؟! أنا لا أبكي على أمثالك …”
” لمار … انتبهي على حديثك معي …”
تهديداته تلك لم تعد تؤثر بها. لقد اكتفت منه ومن أوامره وتهديداته.
” اصمت… أنا لن أسمح لك بأن تتأمر عليَّ مرة أخرى … وليكن بعلمك إذا تزوجت بها فأنني سأحرم نفسي عليك ولن تلمسني سوى في أحلامك…”
قبض على ذراعها هادراً بقسوة:
” من تظنين نفسك لتتحدثي معي بهذا الشكل …؟! هل نسيت نفسك يا ابنة عادل … ترفعين صوتك وتهدديني … أنا سألمسك متى ما أردت … وأنت ستقبلين بالطبع …”
” حقير …. أنت رجل حقير …”
صفعها بقوة على وجهها لتسقط أرضاً باكية بينما خرج هو بسرعة من المكان.
تقدم فارس نحو والدته التي استقبلته بابتسامة:
” تعال يا فارس … تعال يا ولدي …”
فارس بنبرة جدية:
” أمي أريد الحديث معك بموضوع هام …”
” اجلس وتحدث…”
قالتها الأم وهي تشير إلى الكنبة التي تجلس عليها ليجلس فارس بجانبها ويبدأ حديثه:
” لقد فكرت بشأن موضوع زواجي من ريم …”
” جيد … وماذا قررت…؟!”
سألته بسرعة ليجيبها:
” أنا لا أريد الزواج منها يا أمي …. لا رغبة لي فيها …”
” ولكن يا فارس…”
فارس مقاطعاً إياها بحزم:
” لا يوجد ولكن يا أم فارس … لقد اتخذت قراري …. أنا لا أرغب بها كزوجة …. أبلغيها بهذا …”
” يبدو أن تلك الصغيرة بدأت تفرض رأيها عليك …”
قالتها الأم بعدم رضا ليرد فارس بسرعة:
” كلا يا أمي … الموضوع ليس هكذا …. ولكنني لا أريد ريم ولا أفكر بها … وإذا تزوجتها سأظلمها معي…”
تطلعت الأم إليه بعدم اقتناع ليقول فارس:
” صدقيني هذه هي الحقيقة …. لست أنا الذي يسير وراء كلمة امرأة وأنت أكثر من يعرف هذا …”
” معك حق يا بني …”
قالتها الأم باقتناع أخيراً ثم أردفت بحيرة:
” ولكن ماذا سأفعل مع ريم وخالتك …؟!”
أجابها فارس:
” تحدثي معهما بصراحة … أخبريهما بأنني رفضت …. هكذا أفضل يا أمي …”
هزت الأم رأسها بتفهم وقد عقدت العزم على فعل هذا.
نهضت لمار من فوق أرضية الغرفة وأخذت تمسح دموعها بيديها.
كانت تشعر بمرارة وألم فظيعين. لقد تعرضت لأسوأ أنواع الإهانة هنا في هذا المنزل. الجميع يهينها ويعاملها على أنها شيء غير مرئي. حتى فارس يهينها على طريقته الخاصة.
ازدادت دموعها أكثر بينما هي تفكر في ذلك الجنين الذي تحمله. هاهي ستصبح أم في هذا السن الصغير. قبل أن تعيش حياتها بشكل صحيح.
شعرت بالحسرة على حالها وما وصلت إليه.
وضعت يدها على بطنها تتلمس مكان الجنين وهي تفكر في كونه عبئ ثقيل عليها. عبئ هي لا تستطيع تحمله اطلاقاً.
توقفن دموعها عن الجريان وبدأت الأفكار الشيطانية تتسرب إلى عقلها حينما قررت فجأة أن تتخلص منه ووجدت في هذا الحل الأفضل لها والخلاص الوحيد من هذا الجحيم.
ففارس سيطلقها بكل تأكيد بعدما يعلم أنها أجهضت نفسها.
فكرت في طريقة تساعدها على الإجهاض ولم تجد سوى طريقة واحدة رأتها في أحد الأفلام القديمة.
وقفت لمار على السرير وقفزت منه.
شعرت بألم قوي يغزو بطنها لكنها لم تتراجع.
قفزت مرة ومرتان وثلاثة.
ظلت تقفز عدة مرات من فوق السرير حتى وهنت تماماً وفقدت قدراتها على تكرار هذا.
جلست لمار على السرير وهي تشعر بألم قوي لا يطاق في أسفل بطنها.
حاولت النهوض من مكانها والذهاب إلى الحمام إلا أنها سقطت أرضاً ولم تستطع الحراك.
حاولت الصراخ عالياً بينما بدأت الدماء تتسرب من جسدها.
بعد لحظات بدأت تفقد وعيها لكنها شعرت بآخر لحظاتها بفارس يقترب منها وصفية ورؤية و ريم فوق رأسها ينظرون إليها بقلق حتى فقدت وعيها تماماً.
في المستشفى
أخذ فارس يتحرك داخل ممر المشفى ذهاباً وإياباً.
كان يشعر بالقلق الشديد. لا يعرف إذا كان على لمار نفسها أم على الجنين. لكنه يشعر بالقلق وكفى.
مر الوقت بطيئاً عليه. كان قد جاء لوحده رافضاً أن يأتي أي أحد معه.
ما زال يتذكر منظرها وهي فاقدة الوعي غارقة في دمائها.
حملها مسرعاً وركض بها نحو سيارته وهو يشعر بقلبه يكاد يخرج من بين أضلعه من شدة الخوف.
اتجه بها إلى المشفى الخاص بالقرية ليستقبلها الأطباء بسرعة متجهين بها إلى غرفة العمليات.
بعد فترة قصيرة خرج الطبيب وملامح وجهه لا تنطق بالخير.
اقترب فارس منه مسرعاً وسأله:
” كيف حالها …؟!”
أجابه الطبيب:
” هي بخير ولكن…”
” ولكن ماذا …؟!”
ابتلع الطبيب ريقه وأجابه:
” سنها الصغير وجسدها النحيل لم يساعدانا في إنقاذ الجنين …. لقد فقدناه للأسف … ”
اخفض فارس رأسه إلى الأسفل بحزن بينما اعتذر منه الطبيب ورحل.
بعد فترة دلف فارس إلى الغرفة ليجد لمار ممددة على سريرها.
اقترب منها وجلس بجانبها.
” فارس …”
همستها بضعف وهي تحاول فتح عينيها ليميل فارس نحوها قائلاً بقهر:
” لقد فقدتي جنينك يا لمار …. بإمكانك أن تقيمي الآن الأفراح … لقد تخلصتي من ابنك الذي لا تريدنه … هنيئا لك …”
هطلت دمعة لا إرادية من عينيها وقالت بصوت مدمر:
” أنا من أجهضته … أنا بنفسي من قتلته …”
اتسعت عينا فارس بعدم تصديق قبل أن يسألها:
” ماذا تقصدين ….؟!”
أومأت برأسها وهي تكمل:
” لقد تعمدت أن أجهض نفسي …”
أخذ فارس يهز رأسه بعدم تصديق بينما تسرد لمار على مسامعه تفاصيل ما حدث.
رواية الشيخ والمراهقة الفصل التاسع 9 - بقلم سارة علي
"فارس قل شيئا …"
هتفت بها لمار إلى فارس الذي أخذ يتطلع إليها بملامح جامدة خالية من أية تعابير…
"فارس …"
همستها بنبرة باكية بينما جسدها يرتجف بالكامل من شدة البكاء …
نهض فارس من مكانه وتحرك متجها خارج الغرفة تاركا إياها لوحدها تبكي بصمت …
حمل فارس هاتفه واتصل بسائقه وأمره أن يطلب من الخادمة أن تجمع ملابس لمار وتضعها في حقيبة كبيرة وترسلها معه …
وبالفعل نفذ السائق ما قاله … وجاء وهو يحمل معه حقيبة تضم كل أشياء لمار الخاصة وملابسها ….
حل الصباح وأخذ فارس الموافقة من الطبيب بإخراج لمار من المشفى …
اتجه فارس إلى الغرفة التي تقطن بها … فتح الباب ودلف إلى الداخل ليجد الممرضة تساعدها في النهوض …
"فارس .."
همست بها لمار بنبرة متلهفة بينما اقترب فارس منها وسألها بنبرة باردة:
"هل أنت جاهزة لنخرج من هنا …؟!"
أومأت برأسها وهي تجاهد لتقاوم دموعها اللعينة …
"هيا بنا …"
قالها وهو يمسكها من ذراعها ويسير بها خارج الغرفة بل خارج المشفى بأكمله …
أركبها سيارته وركب هو في كرسي السائق خلف المقود وبدأ في قيادة السيارة …
أبعدت لمار بصرها بعيدا عنه وأخذت تتطلع من النافذة وهي تمسح دموعها التي بدأت تهطل من مقلتيها بغزارة …
مرت حوالي نصف ساعة لاحظت لمار خلالها بأن الطريق لا يشبه طريق المنزل …
ارتبكت لمار كثيرا وهي تسأله بأعصاب مشدودة:
"لماذا غيرت طريق العودة …؟!"
أجابها دون أن ينظر إليها:
"لن نذهب إلى المنزل …"
عادت وسألته بتوجس:
"إلى أين سنذهب إذا …؟!"
"ستعرفين بعد قليل …"
ابتلعت لمار ريقها وأشاحت ببصرها بعيدا عنه بينما أخذ جسدها يرتجف كثيرا من شدة الخوف …
مرت عدة ساعات غفت فيها لمار دون إرادة عنها … أوقف فارس سيارته أمام منزل والدها … تطلع إليها بملامح مترددة قبل أن يمد كف يده ويلمس شعرها بأنامل مرتجفة…
لحظات وابتعد عنها ثم أصدر صوتا عاليا أيقظها من نومها … انتفضت لمار من مكانها على صوته لتجد نفسها أمام منزل …
نقلت بصرها بينه وبين المنزل الذي أمامها بملامح مصعوقة قبل أن تسأله:
"ماذا نفعل نحن هنا …؟!"
هبط فارس من سيارته دون أن يجيبها … اتجه وفتح الباب لها ومسكها من كف يدها وأنزلها من السيارة …
قادها نحو المنزل بعدما أمر البواب بإنزال حقيبتها …
وجد عادل يفتح له الباب مرحبا به قبل أن يتغضن جبينه بحيرة من منظر ابنته المرهقة فيسأله بسرعة وقلق:
"ما بها لمار يا فارس …؟! هل هي بخير …؟!"
أجابه فارس وهو يحرر كف يدها من يده:
"إنها مجهدة قليلا …"
ثم أشار إلى حقيبة ملابسها التي جاء البواب بها:
"هذه حقيبة ملابسها وأغراضها …"
"فارس أرجوك …"
قالتها بضعف بينما سأل عادل بجدية:
"ماذا يحدث هنا بالضبط ..؟!"
أجابه فارس نيابة عنها:
"دعها هي من تشرح لك … أتمنى ألا تؤذها …"
ثم التفت إلى لمار التي أخذت تتطلع إليه بنظرات مترجية لكنه لم يبال وهو يقول:
"لمار … أنتِ طالق …"
"لاااا …"
صرخت بها ثم ما لبثت أن انهارت باكية بينما تحرك فارس متجها نحو سيارته وهو يجاهد لكي لا يفقد سيطرته ويستدير نحوها …
………………
"وهكذا انتهت حكايتي مع فارس …."
أغلقت لمار دفتر مذكراتها وتنهدت بصمت ….
حملت حقيبتها وتحركت خارج غرفة نومها لتجد والدتها تحضر طعام الإفطار …
"صباح الخير …"
هتفت بها لمار بمرح لتبتسم لها والدتها بسعادة وهي تقول:
"صباح النور … هيا اجلسي على الطاولة وتناولي طعامك …"
أذعنت لمار لكلام والدتها وجلست بالفعل على الطاولة بينما وضعت والدتها طعام الإفطار على الطاولة وبدأ الاثنان يتناولان طعاميهما …
"أشعر بالقلق …"
قالتها لمار وهي تمضغ الطعام داخل فمها لتقول والدتها بنبرتها الهادئة:
"لا تقلقي … سوف يضعونك في مكان قريب إن شاء الله…"
ردت لمار:
"لا أظن هذا … من الصعب أن يجعلونني أخدم في مكان قريب … أخاف أن يرمونني في إحدى القرى البعيدة …"
ارتشفت والدتها رشفة صغيرة من كوب الشاي ثم قالت بعدها بنبرة مترددة:
"لقد تحدث والدك معي …"
زفرت لمار أنفاسها بضيق وقالت:
"في نفس الموضوع … أليس كذلك …؟!"
أومأت الأم برأسها وقالت:
"نعم …"
"لماذا لا يفهم بأنني غير موافقة .."
قالتها فرح بضيق جلي من إصرار والدها وعناده لترد الأم بعفوية:
"إنه يفكر في مصلحتك … يريد تعويضك عما حدث في الماضي…"
"بهذه الطريقة … بأن يجبرني على الزواج من رجل لا أريده …"
"ليس هكذا …. هو يريد أن تعطي فرصة له … الشاب يحبك للغاية …"
تطلعت لمار إليها بنظرات غير مقتنعة لتقول والدتها بترجي:
"اعطي فرصة له …. من الممكن أن تغيري رأيك حينها …"
الا أن لمار ردت بعناد:
"كلا … لن أوافق … أخبريه بأن ينسى أمر هذا الموضوع تماما … هل فهمت ….؟!"
ثم حملت حقيبتها ونهضت متجهة خارج المنزل …
……………………..
في القرية …
استيقظ فارس من نومه على صوت ينادي عليه …
ابتسم بحبور وهو يتطلع إلى ابنه الذي أخذ يحاول إيقاظه …
نهض من وضعيته المتمددة واعتدل في جلسته قائلا بنعاس:
"صباح الخير …"
أجابه الابن:
"صباح النور أبي … جدتي طلبت مني أن أوقضك لتتناول الإفطار معنا …"
تنهد فارس بصوت مسموع ثم قال بنبرة ثقيلة وهو ينهض من مكانه ويتجه نحو الحمام:
"خمس دقائق وسوف تجدني معكم … اسبقني أنت إلى غرفة الطعام …"
ركض الصغير متجها إلى غرفة الطعام ليجد جدته هناك …
"جدتي جدتي …. أبي سيأتي بعد لحظات …"
"تعال هنا يا نور عيون جدتك …"
قالتها صفية وهي تحتضنه وتطبع قبله على جبينه …
أجلسته بجانبها وبدأت تطعمه من الطعام الكثير … دلف فارس بعد لحظات ملقيا تحية الصباح عليهم … اقترب من والدته وطبع قبلة على جبينها ويدها ثم جلس على الكرسي المقابل لها وبدأ في تناول طعامه …
انتهى من تناول طعامه وقال موجها حديثه لوالدته:
"سوف أذهب إلى العمل … هل تريدين مني شيئا…؟!"
أجابته الأم وهي تحرر الصغير من بين أحضانها:
"متى سنذهب إلى منزل سالم العمري …؟!"
"أمي لقد تحدثنا بهذا الموضوع مسبقا …"
الا أن الأم كانت مصرة على حديثها وهي تكمل:
"يقولون أن ابنته الكبرى تشبه البدر في جمالها … وأنا لا أريد أن أضيعها منك …"
"أمي ألا تملي من هذا الموضوع …. لقد تحدثنا به مسبقا …"
نهضت صفية من مكانها مستندة على عكازها ثم تقدمت ناحيته مقتربة منه قائلة بإصرار:
"نعم لا أمل … ولن أمل حتى أراك مستقر مع زوجة تحبك وتنجب لك الكثير من الأطفال …"
"حينما أجد الفتاة المناسبة سوف أتزوجها فورا … أعدك بهذا …"
"أرجوك يا فارس … وافق على رؤية الفتاة …"
"أرجوكِ أنتِ يا أمي … اتركي هذا الموضوع لوقته المناسب …"
قطع حديثهما دخول رؤية التي جاءت من بيت زوجها ليقول فارس بسرعة:
"ها قد جاءت رؤية … ستبقى معك اليوم بأكمله حتى لا تملي …"
ثم خرج مسرعا من المكان بينما تقدمت رؤية من والدتها واحتضنتها متسائلة:
"ماذا يحدث هنا …؟! ما به فارس ..؟!"
أجابتها الأم:
"نفس الموضوع…"
"أمي اتركيه وشأنه من فضلك …"
أومأت الأم برأسها وقالت على مضض:
"يبدو أنني سأتركه وشأنه بالفعل … فلا حل آخر أمامي…"
رواية الشيخ والمراهقة الفصل العاشر 10 - بقلم سارة علي
عادت لمار إلى منزلها وهي تشعر برغبة عارمة في البكاء.
دلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها وانهارت باكية على سريرها.
سمعت طرقات على باب غرفتها يتبعها دخول والدتها التي اتجهت نحوها بسرعة وقلق وسألتها: "ماذا جرى عزيزتي...؟! لماذا تبكين...؟!"
اندست لمار بين أحضانها على الفور وهي مستمرة في بكائها لتربت والدتها على ظهرها وهي تحدث نفسها قائلة: "يا إلهي... ما الذي حدث...؟!"
كفكفت لمار دموعها وابتعدت عن أحضان والدتها وقالت بنبرة متحشرجة: "لقد ظهر اسمي اليوم في قائمة الأطباء الذين سيخدمون في القرى... تخيلي في أي قرية وضعوني...؟!"
ابتلعت الأم ريقها وقالت بخوف حقيقي: "لا تقوليها... ليست تلك القرية..."
"بل هي... لقد وضعوني في تلك القرية اللعينة..."
"يا إلهي... ما هذه المصيبة...؟!" قالتها الأم بعدم تصديق لما تسمعه لتعاود لمار الانخراط في البكاء من جديد.
شعرت والدتها بالشفقة من أجلها فأقتربت منها والدتها وقالت لها: "لا بأس حبيبتي... ألا تستطيعين التبديل مع أحد زملائك في قرية أخرى...؟!"
هزت لمار رأسها نفياً وأجابت من بين دموعها: "للأسف لا أستطيع..."
"إذا لا يوجد أمامنا حل سوى القبول بما يريده القدر..."
"يعني سأذهب إلى هناك...؟!" سألتها لمار بحسرة لتجيب والدتها: "سوف أتحدث مع والدك... لعله يستطيع مساعدتنا... يتحدث مع أحد من معارفه لينقلك إلى قرية أخرى..."
تطلعت لمار إليها بلهفة وقالت: "أتمنى هذا بشدة... ارجوكِ تحدثي معه..."
أومأت الأم برأسها وقالت مهدئة إياها: "سأحاول معه... ولكن لا تتأملي كثيراً أن ينقلك إلى مكان آخر..."
"أعلم هذا... أنا لن أضع آمالي عليه... ولكن عسى ولعل يحدث شيئاً..."
ابتسمت الأم لها ثم أخذت تربت على وجنتها وقالت: "ما رأيك أن تتناولي طعامك...؟!"
"لا شهية لدي..."
إلا أن الأم أصرت عليها أن تتناول طعامها مما اضطر لمار إلى النهوض معها وتناول طعامها.
في القرية...
جلس فارس أمام والدته صفية التي تحدثت بجدية قائلة: "لقد تحدثت مع عمتك... نسرين ابنتها ستأتي من الخارج غداً..."
"حقاً...؟! هل كل شيء جاهز لاستقبالها...؟!"
أجابته صفية: "نعم... لقد جهزنا جناحاً كاملاً لها... قمنا بتنظيفه وترتيبه بشكل جيد..."
"جيد... هل هناك شيء معين مطلوب مني...؟!"
أومأت صفية برأسها وأجابته: "أريد منك أن تجعلها تعمل معك في المعمل..."
"ماذا تقولين يا أمي...؟! أي معمل...؟!"
"وما المشكلة يا بني...؟! إنها مهندسة زراعية وستساعدك كثيراً في عملك..."
"إلامَ تخططين بالضبط...؟!" سأله فارس بنبرة مشككة لتبتسم صفية وهي تجيب بغموض: "دع كل شيء لوقته... المهم أنك يجب أن توافق..."
زفر فارس أنفاسه بضيق ثم قال: "سأوظفها لدي... لكن يجب أن تعلمي أنني لن أرحمها في العمل أبداً... فأنتِ تعلمين بأنني لا أرحم موظفيني أبداً..."
"عاملها كما تشاء يا بني... أنا لن أتدخل في عملك..."
نهض فارس من مكانه واتجه إلى غرفة ابنه.
كان ابنه جالساً على سريره والذي ما إن رآه حتى قفز من فوق السرير وركض نحوه ليضمه فارس إليه ويشدد من احتضانه له.
"ماذا تفعل...؟!" قالها فارس وهو يجلس على سريره واضعاً إياه بين أحضانه ليجيبه ابنه: "كنت أذاكر دروسي..."
ثم سأله الابن مرة أخرى: "متى ستأخذني معك إلى المعمل...؟! لقد وعدتني بهذا منذ وقت طويل..."
أجابه الأب وهو يقبل جبينه: "في العطلة... الآن أنت اهتم بدروسك وعندما تأتي العطلة سأخذك معي يومياً حتى تمل من الذهاب إلى هناك..."
"ولكن ما زال الكثير على أن تأتي العطلة..." قالها الابن بضيق ليبتسم فارس وهو يقول بجدية: "حسناً... سآخذك يوم الإجازة الأسبوعية إلى هناك..."
"حقاً...؟!"
أومأ فارس برأسه ليضمه الطفل بسرعة وهو يهتف بسعادة: "حبيبي يا بابا..."
في صباح اليوم التالي
توقفت سيارة سوداء عالية أمام قصر عائلة صفوان.
هبطت منها فتاة شقراء جميلة ترتدي بنطال جينز أسود فوقه قميص أخضر اللون ذو أكمام مربعة.
فُتح باب القصر وخرجت منها إحدى الخادمات لاستقبال الفتاة التي أعطتها حقيبتها بسرعة ثم تحركت متجهة إلى داخل القصر.
دلفت الفتاة إلى الداخل وتحديداً إلى صالة الجلوس لتجد صفية هناك في انتظارها وبجانبها فارس ونورا.
تقدمت الفتاة بسرعة وانحنت نحو صفية مقبلة كف يدها لتربت صفية على ظهرها وهي تبتسم بسعادة.
اتجهت بعدها نحو نورا وحيتها ببشاشة ثم تقدمت نحو فارس وحيته أيضاً.
جلست نسرين بجانب صفية بعدما طلبت منها صفية ذلك.
تحدثت صفية متسائلة: "كيف حال والدك ووالدتك...؟!"
"بخير..." أجابتها نسرين وهي ما زالت محتفظة بابتسامتها: "بخير الحمد لله..."
ثم عادت وسألت صفية: "وأنت كيف حالك خالتي...؟!"
أجابتها صفية وهي تربت على يدها: "بخير..."
تحدثت نورا هذه المرة قائلة: "هل تحبين أن ترتاحي في جناحك قبل الغداء...؟!"
"بالتأكيد..."
نهضت نسرين مع نورا حيث ذهبتا إلى الجناح الذي خصصته صفية لها.
أما صفية فنهضت من مكانها واقتربت من فارس وجلست بجانبه ثم سألته بفضول: "ما رأيك بها...؟!"
فارس وهو يتذكرها بشعرها الأشقر القصير وعينيها الخضراوتين وملابسها المثيرة والأنيقة: "جميلة..."
"هل أعجبتك...؟!"
"أمي بالله عليك ألا تملين من فتح نفس المواضيع...؟!"
ردت الأم: "أنا من حقي أن أرى ابني وهو مرتاح في حياته..."
تنهد فارس وقال: "ومن قال إني غير مرتاح في حياتي...؟!"
"يا بني راحتك تكمن بوجود زوجة بجانبك ترعاك وتهتم بك..."
زفر فارس أنفاسه بضيق ثم ما لبث أن نهض من مكانه وطبع قبلة على جبينها وقال: "عندما أجد الزوجة المناسبة سأتزوجها على الفور..."
ثم تحرك بسرعة خارج المكان تاركاً والدته تدعو له أن يرزقه الله بالزوجة الصالحة.
كان فارس يسير في حديقة منزله حينما وجد نسرين تقترب منه بخطوات واثقة وهي تبتسم بحبور.
"مساء الخير..."
منحها فارس ابتسامة متكلفة وهو يجيبها: "مساء النور..."
تحدثت نسرين قائلة: "بصراحة أريد التحدث معك بشأن العمل...!"
تفهم فارس حديثها فسألها بجدية: "هل تنوين الاستقرار هنا...؟!"
أومأت برأسها وهي تجيب: "نعم... لقد مللت من الغربة... وأفكر جدياً بالاستقرار هنا..."
هز فارس رأسه بتفهم ثم قال: "قرار جيد... إذا هل تحبين أن تعملي معي في المصنع...؟!"
"سيكون رائعاً..."
ابتسم فارس على حماسها بينما أكملت هي بنفس الحماس: "لقد درست الهندسة الزراعية في أمريكا... وأستطيع أن أفيدك كثيراً في عملك..."
"جيد... متى تريدين أن نبدأ العمل...؟!"
أجابته: "غداً إذا أردت..."
"جيد... متفقين إذا..."
"اتفقنا..." قالتها نسرين وهي تمد يدها نحوه ليصافحها فارس بيده ثم أخذا يتحدثان في الأمور الأخرى التي تخص العمل.