تحميل رواية الشيخ والمراهقة بقلم سارة علي pdf
بقلم سارة علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جلس على حافة سريره، واضعا رأسه بين كفي يديه. جسده الضخم جامد، لا يتحرك. مشاعره مبهمة. عيناه مغمضتان، وكأنهما تهربان من هذا الواقع المحيط بهما. ورغما عن كل هذا الجمود والثبات، هناك شيء في داخله محطم. ليس لكونه قد خسرها فقط، بل لكونه أدرك بخسارته لها مدى قوته وجبروته الذي طغى على الجميع. وأدرك بأنه حطم بهما قلوب الكثير، وأولهم قلبها هي. هل كانت تعاني؟ هل كانت تتعذب وهو لا يعلم؟ أسئلة كثيرة تدور داخل عقله، أسئلة تتعب وتزيد من عذابه. رفع رأسه أخيرا ما إن سمع صوت طرقات على باب غرفته. نهض من مكانه وسا...
رواية الشيخ والمراهقة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سارة علي
توقفت لمار بسيارتها أمام إحدى المستشفيات الموجودة في القرية. بدأت الذكريات السيئة تعود إليها. قبل عدة أعوام حينما جاءت إلى هذه المستشفى محمولة بين أحضانه. هنا فقدت جنينها وهنا كانت نهاية قصتها معه. قصة هي اختارت نهايتها بنفسها.
مسحت بكفي يديها على وجهها محاولة السيطرة على تلك الدموع اللعينة التي تكونت في مقلتيها. لا تريد أن تبكي الآن، ولا تريد أن تضعف من جديد. لقد وعدت نفسها بأنها ستكون قوية، وسوف يظل الماضي طي النسيان. لن تفكر به من جديد.
هبطت من سيارتها واتجهت إلى داخل المشفى. اتجهت إلى موظفة الاستعلامات وعرفتها عن نفسها ثم سألتها عن مكان عملها فأخبرتها به. اتجهت مباشرة إلى مكان عملها. باشرت لمار عملها فورًا ولم تفكر فيما ينتظرها هنا، فهي اكتفت من التفكير والانشغال بنفس الموضوع.
كانت تعمل بجدية وهمة عالية حينما اقترب منها شاب يرتدي بالطو أبيض اللون وعرفها عن نفسه:
"مرحبا. أنا إبراهيم، زميلك في العمل. وماذا عنك؟"
تطلعت لمار إلى يده الممدودة بحرج، فهي لا تسلم باليد. ليفهم إبراهيم هذا على الفور، فسحب يده وابتسم بإحراج. منحته لمار ابتسامة متكلفة وقالت معرفة هي الأخرى عن نفسها:
"أنا لمار. لقد جئت إلى هنا بتكلفة من وزارة الصحة. أنا خريجة العام السابق."
"هذا رائع. العمل هنا مريح كثيرا."
تطلعت إليه لمار بنظرات غير مقتنعة ليهز رأسه ويؤكد ما قاله:
"صدقيني العمل هنا مريح وممتع. سوف ترين هذا بنفسك."
أطرقت لمار برأسها وقالت:
"أتمنى هذا."
عاد إبراهيم وسألها:
"هل وجدتِ مكانا لتعيشين به هنا؟ إذا أردت أنا بإمكاني مساعدتك."
"وجدت." أجابته لمار بإقتضاب ليتوقف إبراهيم عن ما قاله ثم يستأذن منها ويتحرك خارج الغرفة التي تعمل بها.
***
كان فارس يتابع عمله في مكتبه الخاص في المصنع الذي يملكه. فوجئ بنسرين تقتحم المكان وهي تحمل بيدها مجموعة ملفات. اقتربت منه ووضعت الملفات أمامه وقالت:
"هل بإمكانك أن تراجع هذه الملفات يا فارس؟"
"هل توجد بها مشكلة؟" سألها فارس بنبرة قوية لتجيب نسرين:
"كلا، ولكن أريد التأكد من كل ما فيها لأباشر العمل."
أغلق فارس الملف الذي كان يعمل عليه ثم نهض من مكانه وقال:
"سوف أراجعها بالتأكيد. ولكن ليس الآن. لقد حان موعد الغداء والسيدة صفية لن ترحمنا إذا تأخرنا عليها."
ابتسمت نسرين وقالت:
"معك حق. لا يجب أن نتأخر عليها."
حمل فارس الملفات وقال مشيرا لها:
"سوف أراجعها في المنزل."
ثم سار متجها نحو سيارته تتبعه نسرين. ركب الاثنان السيارة وبدأ فارس في قيادتها. كانت نسرين متحدثة لبقة وأخذت تتحدث في مختلف المواضيع. قاطعها رنين هاتف فارس الذي حمله على الفور وأجاب:
"أهلا سيد عادل. كيف حالك؟"
أجابه عادل:
"بخير. أنت كيف حالك؟ وما أخبار حفيدي؟"
"جميعنا بخير."
تنحنح عادل ثم قال:
"لمار تعمل الآن في قريتك. في مستشفى القرية."
"ماذا؟!" قالها فارس بعدم تصديق قبل أن يسأله بغضب:
"ولما لم تخبرني من قبل؟"
رد عادل بسرعة:
"إنها وصلت صباح اليوم إلى القرية."
زفر فارس أنفاسه بقوة ثم قال بغيظ:
"جيد. سأذهب لأراها وأطمئن عليها."
"كما تريد." قالها عادل بإختصار ثم أنهى المكالمة معه ليتطلع فارس إلى هاتفه بشرود قبل أن يفيق من أفكاره على صوت نسرين تسأله:
"ماذا حدث؟"
"لدي عمل مهم. سوف أوصلك إلى المنزل وأذهب إليه."
"ألن تتناول غداءك معنا؟"
"كلا. لا أستطيع." قالها وهو يستمر في قيادة سيارته متجها نحو منزله.
***
كانت لمار تمارس عملها بنشاط حينما اقترب إبراهيم منها وهو يحمل كوبين من الشاي. رفعت لمار رأسها نحوه وتطلعت إليه بإستغراب ليمد أحد الكوبين لها وهو يهتف بها:
"تفضلي."
أخذت لمار كوب الشاي منه ومنحته إبتسامة لطيفة ثم قالت:
"أشكرك."
بادلها إبراهيم ابتسامتها وأخذ يحاول فتح بعض المواضيع معها. شعرت لمار بالحرج منه كونها سبق وعاملته بإقتضاب وضيق، فبدأت تبادله أحاديثه ووجدت أن صحبته لطيفة وليست سيئة عكس ما ظنت.
كان الاثنان يتحدثان بمرح بينما هناك شخص ما يراقبهما من بعيد. شخص يرغب في خنق كليهما أو ارتكاب أي جريمة بهما. تقدم فارس بخطواته الواثقة والغضب يشع من عينيه نحوهما.
رفعت لمار رأسها نحوه لتتفاجئ به أمامها. ارتجف جسدها بالكامل وهي تراه يقترب منها وهو يرسم على شفتيه ابتسامة ساخرة. وجدته يقف أمامها ويمد يده نحوها قائلا:
"كيف حالك لمار؟ الحمد لله على سلامتك."
تطلعت لمار إليه بنظرات مصدومة. لم تصدق أن تراه أمامها هنا بعد كل هذه السنوات وبهذه السرعة. من أخبره بوجودها هنا؟ ولما جاء إليها؟
"مالذي جلبك إلى هنا؟" أخيرا خرجت تلك الكلمات المقتضبة من شفتيها. ليرد فارس ببرود:
"جئت لأخذك إلى المنزل."
"أي منزل؟" سألته بعصبية تمكنت منها ليجيبها وهو ما زال محتفظا ببروده:
"منزلي. ألم يخبرك والدك بأنك سوف تقضين فترة إقامتك هنا في منزلي؟"
إنه يتعمد إثارة جنونها. أي منزل الذي تسكن به؟
"يبدو أنك جننت. هل تظن بأنني سأسكن في منزلك؟"
قبض على ذراعها بقسوة وقال بتهديد خفي:
"انتبهي على طريقة حديثك."
اقترب إبراهيم منه وصرخ به:
"ابتعد عنها. بأي حق تلمسها هكذا؟"
هدر فارس به:
"اخرس أنت ولا تتدخل بيننا. نحن عائلة واحدة. اخرج أنت منها."
ثم التفت إلى لمار قائلا بنبرة أمرة:
"تعالي معي."
"لن آتي." قالتها بعناد وهي تسحب ذراعها من قبضته ثم أكملت بتحذير:
"كف عن إفتعال الفضائح."
وقف إبراهيم في وجهه وقال:
"اتركها فورا وإلا سأبلغ الحرس عنك."
"ًتبلغ من؟ يبدو أنك لا تعرفني. أنا فارس صفوان، شيخ هذه القرية التي تعمل أنت بها. بكلمة واحدة مني أطردك ليس من القرية هذه فقط بل من البلد بأكملها. لذا اخرس واسحب نفسك."
تراجع إبراهيم إلى الخلف لا إراديا وأخذ يتطلع إليه بنظرات مترددة. بينما التفت فارس نحو لمار وقال:
"أنا لن أتحرك من هنا حتى تجلبي أغراضك وتسكني عندي."
"هل تظن أنني ما زلت زوجتك لتتحكم بي؟" شهق إبراهيم بصدمة مما سمعه. بينما أكمل فارس بلا مبالاة:
"أنتِ خالة ابني ومكانك في منزلي. ليس من عاداتنا أن تبيت امرأة تخصنا خارج منزلنا."
"أنا لا أخصك أيها اللعين." صرخت به بغضب منه ومن استبداده. ليقول منهيا الموضوع:
"سوف نتحدث مع والدك وهو سيقرر."
ثم حمل هاتفه واتصل بوالدها الذي حدثها قائلا:
"لمار ابنتي اذهبي مع فارس. الأوضاع ليست أمان هناك. وأنا لن أرتاح إذا بقيتي لوحدك."
"بابا أرجوك. سوف أستأجر بيت وأسكن به."
"وهل يجوز هذا يا ابنتي؟ تسكنين في منزل لوحدك."
لمعت عينا لمار بالدموع وقالت:
"بابا أرجوك."
الا أن الأب أصر على موقفه:
"أرجوكِ ابنتي. لا تثيري المشاكل. اذهبي مع فارس من فضلك."
أعطت لمار الهاتف إلى فارس بغضب ثم أشاحت بوجهها بعيدا عنه. ليغلق فارس الخط مع عادل بعدما طمأنه بأنها في أمانته.
رواية الشيخ والمراهقة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سارة علي
هبطت لمار من السيارة واتجهت خلف فارس. تأملت المكان بعينين غائمتين، وأخذت الذكريات تتدفق إليها، ذكريات عاشتها في هذا المنزل. أغلبها كانت مرة، فحتى تلك اللحظات السعيدة التي عاشتها لم تكن كاملة، دوماً كان هناك ما يعكرها.
أفاقت من شرودها وأفكارها على صوت فارس يطلب منها أن تدلف إلى الداخل. دلفت بخطوات مترددة لتجد صفية وامرأة أخرى لا تعرفها.
نقلت لمار بصرها بين المرأتين بحيرة، قبل أن يلكزها فارس من ذراعها. اتجهت نحو صفية وحيتها قائلة:
"مرحبا… كيف حالك خالتي؟"
أجابتها صفية على مضض:
"بخير الحمد لله…"
تحدث فارس مشيراً إلى نسرين:
"هذه نسرين… ابنة عمتي."
منحتها نسرين ابتسامة مصطنعة. بادلتها لمار المثل وهي تحييها ببرود.
جلس الجميع في صالة الجلوس في صمت قطعه فارس وهو يقول:
"لمار ستبقى هنا طوال فترة تدريبها."
تطلعت صفية إليه بنظرات صامتة لكنها تحمل في طياتها الكثير. لم يبال فارس بنظراتها وهو يحدث لمار:
"هل تريدين أن تصعدي إلى غرفتك؟"
"نعم… بالتأكيد…"
نهض فارس من مكانه وأشار لها قائلاً:
"اتبعيني."
فعلت لمار ما أمر به، بينما اقتربت نسرين من صفية وجلست بجانبها بعدما رحلوا وقالت:
"هذه هي زوجته السابقة أليس كذلك؟"
أومأت صفية برأسها وأجابت:
"نعم… زوجة الشؤم. لم نرَ منها يوماً جيداً منذ أن وطأت أرضنا هذه."
"لماذا تقولين هذا خالتي؟"
"سأخبرك بكل شيء… لكن ليس الآن."
أومأت نسرين برأسها، ثم ما لبثت أن سألت بتردد:
"خالتي… هل يفكر فارس في إعادتها إلى عصمته؟"
نهرتها صفية بسرعة:
"فال الله ولا فالك. لا تقولي هذا."
اعتذرت نسرين بخجل، ثم استأذنت منها أن تذهب إلى غرفتها.
***
كانت لمار تسير خلف فارس بينما هو يقودها إلى غرفتها التي خصصها لها. في أثناء سيرهما سوياً، فوجئت بطفل صغير يجري نحو فارس وهو يصرخ بسعادة جلية:
"بابا لقد عدت!"
تلقفه الأب بين أحضانه بلهفة، بينما أخذت لمار تتطلع إليه بحذر. قبله فارس على وجنتيه، ثم التفت نحو لمار وهو يحمله وقال:
"دعني أعرفك على خالتك لمار."
كان الخجل واضحاً على الطفل، فهو لا يعرفها ولم يرها من قبل. ابتسمت لمار بحنو ومدت يدها نحوه وقالت بلطف:
"كيف حالك يا سيف؟ أنا لمار… خالتك."
مد الطفل يده الصغيرة نحوها، لتحتضن لمار يده ثم تحمله من فارس وتقبله على وجنتيه بحب، بشكل فاجأ فارس شخصياً.
"اشتقت إليك كثيراً."
قالتها بنبرة صادقة وهي تتذكر ذلك الرضيع الذي قضت معه أياماً طويلة. حررته لمار من بين أحضانه ليقف الطفل أرضاً، فتنزل لمار على قدميها إلى مستواه وتقول مكملة تعريف نفسها:
"أنا خالتك… أخت والدتك."
"خالتي…" قال الصغير محاولاً استيعاب ما تقوله. لتهز رأسها نفياً وهي تقول:
"بل قل لمار… لا تقل خالتي."
نقل فارس بصره بين الاثنين بتعجب من هذا التناغم اللطيف الذي جرى بينهما، ثم ما لبث أن قال مشيراً إلى لمار:
"ألن نذهب إلى غرفتك؟"
نهضت لمار وقالت:
"تمام… لنذهب."
أشار فارس للصغير:
"عزيزي اذهب إلى جدتك… فهي تريدك في أمر هام."
أومأ الطفل برأسه متفهماً، ثم ما لبث أن قال:
"لا تتأخر علي."
"لن أتأخر بكل تأكيد."
تحرك الطفل بعيداً عنه بخطوات راكضة متجهاً نحو جدته، بينما اتجه كلا من فارس ولمار نحو غرفتها.
***
دلفت لمار إلى الغرفة خاصتها يتبعها فارس الذي أغلق الباب خلفه. التفتت نحوه تسأله بتوتر:
"لماذا أغلقت الباب؟"
منحها ابتسامة خفيفة وهو يرد:
"لا تقلقي… لن أفعل شيئاً يؤذيك. أنا فقط أريد الحديث معك."
ابتلعت لمار ريقها وقالت بإباء:
"بل أنا من تريد الحديث معك."
رد فارس بتسلية:
"تحدثي إذا."
بللت لمار شفتيها بلسانها، ثم قالت بجدية:
"لماذا تفعل هذا بي؟ ما غايتك من كل هذا؟"
سألها مصطنعاً عدم الفهم:
"ماذا أفعل أنا؟ ماذا تقصدين؟"
صرخت به بنفاذ:
"لا تمثل علي الغباء الآن… ولا تستفزني وتختبر صبري."
إلا أنه كان مستمتعاً للغاية بإثارة غضبها فقال:
"أنا حقاً لا أفهم أي شيء مما تقولينه."
اقتربت منه وقالت:
"لماذا أجبرتني على المجيء معك والسكن في منزلك؟ ألم تخطط بالضبط؟"
رد ببرود أعصاب يحسد عليها:
"أنا لا أخطط لأي شيء… كونك زوجتي فهذا مكانك الطبيعي يا لمار."
صرخت بعنف:
"أنا لست زوجتك… لقد طلقت منذ سنوات."
"كلا أنتِ مخطئة… أنت زوجتي بالفعل. صحيح أنا طلقتك… لكنني رددتك إلى عصمتي في نفس اليوم."
تراجعت لمار إلى الخلف لا إرادياً، بينما اتسعت عيناها محاولة استيعاب ما يحدث.
"أنت تمزح معي بكل تأكيد."
قالتها بذهول غير مصدق، ليهز فارس رأسه نفياً ويجيب:
"أنا لا أمزح معك يا لمار… أنت كنت زوجتي طوال تلك الفترة… أنا لم أستطع أن أطلقك فعلياً."
"ولكن كيف…؟! كيف تركتني هكذا طوال السنوات الماضية؟!"
تنهد فارس بصوتاً مسموعاً، ثم ما لبث أن قال:
"لأنني لم أكن أريد ظلمك أكثر من هذا… أردت أن أعطيك فرصة لتستعيدي بها نفسك وصحتك… أنتِ كنتِ بحاجة للابتعاد… البدء من جديد… وأنا قررت أن أمنحك كل هذا… ولكن وأنت على ذمتي… منحتك حريتك وأنتِ زوجتي."
"لا أصدق… لقد كنت ضحيتكما… كنت لعبة في يدكما أنت وأبي الذي كان يعرف بكل تأكيد."
علا صوتها وهي تردد بصراخ بينما تضربه بقبضتي يديها على صدره بعنف:
"لقد كنت ضحيتكما من جديد… خدعتماني… استغللتم غبائي."
"لمار اهدئي…"
قالها وهو يحاول أن يوقفها عما تفعله، لتنهار هي على أرضية الغرفة باكية. اقترب فارس منها وانحنى بجوارها محتضناً إياها بقوة. أخذ يهمس لها:
"اهدئي لمار… أنا فعلت هذا من أجلك… كونني أحبك."
رفعت لمار بصرها نحوه تتطلع إليه بصدمة، قبل أن تهمس بذهول:
"تحبني…!!!"
أومأ برأسه وأكمل:
"نعم أحبك… لقد علمت بهذا ذلك اليوم الذي فقدتي به طفلك… كنت سأموت من الخوف عليك… أدركت حينها أن خسارتي لكِ لن أتحملها أبداً… أدركت وقتها أنني أعشقك… لمار أنتِ لا تعرفين كم تحملت وانتظرت طويلاً حتى تكبري وتفهمي."
مسحت لمار دموعها بعنف، ثم نهضت من مكانها لينهض هو بدوره. قالت بنبرة مريرة:
"معك حق… أنت تحملت الكثير بسببي. أشكرك كثيراً سيد فارس. لقد طلقتني ورميتني لأبي… وتقول أنك تحملت الكثير."
صمت فارس ولم يتحدث، بينما هي أكملت:
"وأنا ماذا تحملت…؟! تحملت كل شيء… تحملت قسوتك وبرودك… رغبتك في الزواج من أخرى… فوق هذا كله طلقتني… هكذا بدون تفسير… والآن تخبرني بأنك أعدتني إلى عصمتك في نفس اليوم… حقك شكراً لك."
"لمار أنا…"
قاطعته بحدة:
"لا تقل شيئاً… لكن عليك أن تعلم بأنني كبرت وتغيرت. لم أعد كالسابق… لمار التي تعرفها تغيرت كثيراً. أصبحت واحدة أخرى… لذا فأنا لن أبقى على ذمتك بعد الآن… أنت ستطلقني."
"مستحيل… انسي أمر الطلاق اطلاقاً."
قالها منهياً الموضوع وتحرك خارج المكان تاركاً إياها تبكي بصمت.
رواية الشيخ والمراهقة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سارة علي
المساء …
وقفت لمار أمام المرأة تتأمل ثوبها الطويل بملامح فخورة. لقد اختارت فستانًا مناسبًا ويليق بها لتخرج به أمام حماتها وابنة عمة زوجها. نعم، حماتها، فيبدو أن صفية تلك باتت أمرًا واقعًا في حياتها.
كان فستانها زهري اللون، طويل يصل إلى كاحلها، ذو أكمام قصيرة تصل إلى منتصف ذراعيها. ارتدت معه حذاءً ذا كعب عالٍ قليلًا. ولم تنس أن ترتدي قلادة ناعمة مع الفستان.
رفعت خصلات شعرها من الجانبين وجمعتهما إلى الخلف مع ترك خصلات شعرها الخلفية حرة، بتسريحة أبرزت ملامح وجهها الناعم بسخاء.
تنهدت براحة ثم خطت أولى خطواتها خارج الغرفة. اتجهت أولًا إلى غرفة الصغير فوجدتها خالية. زفرت بضيق، فهي كانت تريد التحدث معه قليلًا. قد لا يصدقها أحد إذا قالت أنها كانت تفكر دائمًا به، بوضعه وحياته بلا أم. كانت تتمنى أن تكون بجانبه، لكنها لم تكن مذنبًة يومًا بحقه. فصغر سنها وقلة خبرتها لم يسمحا لها برعايته كما يحب.
سارت لمار بخطوات متزنة نحو الطابق السفلي، وتحديدًا نحو صالة الجلوس، لتجد صفية هناك تتحدث مع نسرين بصوت خافت قليلًا، وبجانبهما سيف الصغير يلعب في ألعابه.
ألقت التحية باقتضاب، ثم جلست بجانب الصغير وبدأت تشاركه لعبه. توقفت عما تفعله حينما سألتها صفية:
” لمار… هل والدتك تعلم بأمر إقامتك هنا؟!”
التفتت لمار نحوها وأجابتها على مضض:
” لقد أخبرتها قبل قليل…”
” جيد… وهل هي موافقة…؟!”
أجابتها لمار ببديهية:
” بالطبع ستوافق…”
منحتها صفية ابتسامة باردة قبل أن تعاود استكمال حديثها مع نسرين بصوت أكثر خفوتًا. بينما هزت لمار كتفيها بلا مبالاة وعادت تشارك الصغير فيما يفعله.
دلف فارس بعد لحظات إلى المكان ليتفاجأ بلمار أمامه. آخر ما توقعه أن تهبط من غرفتها وتأتي إلى هنا دون أن يطلب منها هذا. شعر بالراحة، فيبدو أنها بالفعل كبرت وباتت تفهم ما عليها وما يجب أن تتصرف به.
” السلام عليكم…”
رفعت لمار رأسها ما إن سمعت صوته لترد تحيته بخفوت، كما رد كلا من صفية ونسرين تحيته.
جلس فارس بجانب ابنه وأخذ يتابع لمار وهي تلعب مع الصغير بعفوية وراحة غريبة عليها. ابتسم لا إراديًا وهو يراها تشاكس الصغير. هو يعرف لمار جيدًا ويثق بكونها ستكون أمًا جيدة لابنه. سترعاه وتهتم به جيدًا وتحبه من أعماق قلبها.
نهض الجميع من أماكنهم بعدما جاءت الخادمة تخبرهم أن الطعام جاهز. اتجه الجميع إلى غرفة الطعام.
جلست صفية في مقدمة السفرة، بينما اختارت نسرين أن تجلس بجانب فارس، الأمر الذي أغاظ لمار بشدة، لكنها لم تظهر هذا، بل جلست على الجهة الأخرى بجانب الصغير.
كانت نسرين متحدثة لبقة بشكل أثار غيرة لمار. كانت تتحدث بثقة وبشكل يثير البهجة في نفوس من حولها. حديثها كان ممتعًا. اعترفت لمار لنفسها بهذا. ورغمًا عنه اندمج فارس معها في حديثها، وبالطبع صفية. إلا لمار كانت صامتة طوال الوقت.
بعدما انتهوا من تناول الطعام، نهضت نسرين من مكانها وقالت موجهة حديثها لفارس:
” فارس… أريد الحديث معك في أمور تخص العمل… ما رأيك أن نذهب إلى غرفة مكتبك…؟!”
” حسنًا… لنذهب…”
قالها فارس بإذعان، ثم ما لبث أن نهض من مكانه واتجه خلف نسرين إلى مكتبه، لتجد لمار صفية تقول بنبرة ذات مغزى:
” يليقان ببعضيهما كثيرًا… أليس كذلك…؟!”
تطلعت إليها لمار بدهشة قبل أن تبتسم مجاملة وترد بذقن مرفوعة:
” كثيرًا… كثيرًا…”
ابتسمت صفية ببرود، بينما نهضت لمار من مكانها وأخذت الصغير معها واتجهت به إلى غرفته.
***
انتهى فارس من حديثه مع نسرين ليخرج بسرعة من مكتبه ويتجه إلى غرفة لمار. بحث بعينيه عنها ليجدها فارغة. عقد حاجبيه بتفكير قبل أن يسير متجهًا نحو غرفة ابنه ليجدها بالفعل هناك تهم بالخروج منها.
” ماذا تفعلين هنا…؟!”
سألها مستغربًا لتجيبه بلا مبالاة:
” كنت أساعد سيف لينام…”
” هل نتحدث سويًا…؟!”
قالها بجدية لتومئ برأسها موافقة، فيأخذها فارس ويتجه بها نحو غرفتها.
دلت لمار إلى غرفتها ودلف فارس خلفها بعدما أغلق الباب جيدًا. توترت لمار لا إراديًا من وجودهما سويًا في هذا المكان المغلق، لكنها حاولت ألا تظهر هذا له، فأدعت القوة أمامه.
اقترب فارس منها وقال متسائلًا:
” هل ما زلت متضايقة كونني رددتك إلى عصمتي دون إخبارك..؟!”
أجابته لمار بسخرية:
” وكأن ضيقي سوف يفرق معك…”
زفر فارس أنفاسه بقوة ثم قال:
” لمار… أنت كنت صغيرة… وأنا لم أشأ أن أزعجك…”
” فارس أنت قيدتني بك دون أن تأخذ رأيي حتى… ووالدي ساعدك بهذا…”
أومأ فارس برأسه وأكمل:
” معك حق… أنا أخطأت بما فعلته… لكن لم يكن أمامي خيار آخر لأحافظ عليك…”
لمعت عينا لمار بالدموع وقالت:
” ولماذا طلقتني من الأساس طالما أنك تريد الحفاظ علي؟!”
أخذ فارس نفسًا عميقًا وقال:
” وهل ما فعلتيه هيّن يا لمار؟! لقد قتلتِ ابني…”
هطلت دموعها من مقلتيها لا إراديًا وهي تتذكر ما فعلته. هي لن تسامح نفسها مطلقًا على جريمتها تلك. طوال السنين الفائتة كانت تؤنب نفسها وتحاسبها على فعلتها تلك. لكنها كانت صغيرة ومجروحة، غير واعية لحجم فعلتها.
” لمار أنا لم أقصد أن…”
قاطعتها بنبرة باكية:
” أنا عاقبت نفسي يا فارس… عاقبت نفسي كثيرًا… مرارًا… اعترف بمدى حجم خطئي… لكنني كنت صغيرة… تصرفت بطفولية رعناء… والنتيجة أنني خسرت ابني… هل تظن بأن الأمر كان سهلًا علي…؟! وفوق هذا جئت أنت وتخليت عني…”
” كنت بحاجة لأجعلك تعيدين حساباتك من جديد… كان يجب أن تعرفي مدى خطأك… لم يكن من السهل علي أن أتخلى عنك لكني فعلتها من أجلك وليس من أجلي…”
” لكن هذا لا يعطيك الحق أن تعيدني إلى عصمتك ثم تخبئ الأمر عني…”
قالتها بحرقة حقيقية ليرد فارس معتذرًا:
” أنا آسف لمار… أعترف بأنني أخطأت هنا… لكن رغبتي المتملكة نحوك هي من جعلتني أفعل هذا…”
منحته ابتسامة ساخرة من بين دموعها وقالت بألم:
” نعم فأنا يجب أن أكون دائمًا ملك لك…”
” أنت ملك لي بالفعل مثلما أنا ملك لك…”
هزت رأسها نفيًا بسرعة وقالت بوجع:
” أنت لم تكن يومًا ملك لي… أنت ملك نفسك… أنت لست لي يا فارس… دوما لم تكن لي…”
مسك يديها الاثنتين بيديه وقال بحزم:
” انظري إلي… أنا فارس صفوان… أقر وأعترف بأنني ملك لك… وأنت ملك لي…”
” فارس…”
ابتلعت كلماتها الأخيرة حينما وجدته ينحني نحوها ويعانقها بقوة، بينما شفاهه تهمس لها:
” اشتقت إليك يا لمار… اشتقت إليك يا صغيرتي…”
شعرت بنفسها تكاد تذوب بين يديه. ابتعدت عن أحضانه بعد لحظات لتلتقي عيناها بعينيه. كانت رغبته بها واضحة وضوح الشمس، وهي كانت تريده وبشدة.
شعر فارس بها فانحنى نحوها بنية تقبيلها، وبالرغم من خجلها استجابت له وبادلته قبلته بشكل أثار جنونه.
لحظات قليلة وفتحت الباب، ثم ما لبثا أن سمعا صوت صفية يصرخ بعدم تصديق:
” أنتما ماذا تفعلان…؟!”
رواية الشيخ والمراهقة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سارة علي
تراجعت لمار إلى الخلف مصدومة وخبأت وجهها بين كفيها.
أخذت صفية تتطلع إلى الاثنين بنظرات مشتعلة قبل أن تصرخ بصوت عالٍ:
"فارس، كيف تفعل شيئًا كهذا؟! هل جننت؟!"
"أمي، افهمي أولًا..."
صرخت بها الأم دون أن تعطيه مجالًا ليشرح:
"ماذا سأفهم؟! لقد كدت أن ترتكب الخطيئة مع زوجتك السابقة..."
"إنها ما زالت زوجتي..."
قالها فارس مقاطعًا والدته.
لتتسع عينا صفية بعدم تصديق قبل أن تقول:
"ماذا تقول أنت؟! كيف هذا؟! لقد طلقتها أنت..."
أجابها فارس موضحًا:
"ورددتها إلى عصمتي في نفس اليوم..."
تأملت صفية لمار بملامح قاتمة قبل أن تهمس بأسف:
"أسفي عليك يا فارس... لقد خيبت ظني بك..."
ثم اندفعت خارجة من المكان بأكمله.
اقترب فارس من لمار وقال:
"لمار، أنا أعتذر نيابة عن والدتي..."
"والدتك تكرهني يا فارس ولن تتقبلني أبدًا..."
قالتها لمار بحزن حقيقي.
ليعارض فارس قولها:
"لا تقولي هذا... إنها تحبك... ولكن..."
صمت لوهلة قبل أن يقول:
"هي ترى أنكِ غير مناسبة لي... لهذا أنتِ يجب أن تغيري فكرتها هذه عنك..."
عقدت لمار حاجبيها بتفكير قبل أن تقول بلا مبالاة:
"هي حرة فيما تفكر به... أنا لن أغير فكرة أحد عني..."
"لمار... تحدثي عن والدتي بشكل أفضل..."
قالها فارس بتحذير.
لتهز لمار كتفيها وتقول:
"أنا لم أقل شيئًا خاطئًا... بالعكس، أنا أقول إنها حرة فيما تفعله... أنا لست مضطرة لأغير فكرة أحد عني..."
رماها فارس بنظرات غير راضية قبل أن تكمل:
"والآن تفضل واخرج... فأنا لدي غدًا دوام ويجب أن أنام جيدًا الليلة..."
تطلع فارس إليها بنظرات مصدومة قبل أن يهمس:
"ظننت أننا سننام سويا في غرفة واحدة بعد الآن..."
"من قال هذا؟! هل تظن بأنني سأنسى لك ما فعلته بهذه السهولة؟! اخرج يا فارس... اخرج حالًا..."
خرج فارس من الغرفة وهو يشتم في داخله.
بينما جلست لمار على سريرها وهي تبتسم بانتصار.
دلف فارس إلى صالة الجلوس ليجد والدته هناك واجمة صامتة.
تنحنح، مصدرًا صوتًا يدل على وجوده.
فرفعت صفية بصرها نحوه ورمته بنظرات لائمة.
جلس فارس فورًا بجانبها وقال:
"أمي، بالله عليك لا تفعلي هذا... اسمعيني أولًا..."
"كذبت علي... رددتها إلى عصمتك بعد كل ما فعلته..."
قالتها صفية بنبرة متحسرة.
ليرد فارس بجدية:
"كانت صغيرة وغير واعية لمقدار خطأها..."
إلا أن صفية لم تبال بحديثه وهي تكمل:
"كيف فعلت هذا بي؟! وكيف سامحتها بهذه السهولة؟!"
"أمي، أنا أيضًا أخطأت..."
تطلعت إليه الأم بنظرات مصدومة مما يقوله.
ليومئ برأسه وهو يكمل:
"نعم، أخطأت حينما تزوجت طفلة صغيرة لا تعي شيئًا... طفلة لا تفهم شيئًا من الزواج والحمل والإنجاب... لكن أنتِ أجبرتني على هذا..."
"طالما أنك كنت مجبر، لماذا أعدتها إلى عصمتك؟!"
صمت فارس للحظات قبل أن يقول:
"أحببتها... أحببتها يا أمي..."
منحته صفية ابتسامة ساخرة.
ليكمل فارس بقوة:
"ما أقوله ليس عيبًا أو حرامًا... أنا أيضًا من حقي أن أحب وأعيش مع المرأة التي اختارها قلبي..."
أشاحت صفية وجهها بضيق.
ليقترب فارس منها ويقول بترجٍّ:
"حاولي أن تحبيها أنتِ أيضًا... لمار فتاة جيدة... طيبة وخلوقة... والأهم من هذا كله أنها تحب سيف..."
"ولكن..."
صمتت صفية ولم تكمل.
ليسألها فارس:
"ولكن ماذا؟!"
أجابته صفية:
"ماذا لو لم تسعدك؟! ماذا لو لم تكن أمًا صالحة لسيف؟!"
ابتسم فارس وقال:
"بلى ستكون... وستسعدني أيضًا..."
قالت الأم باستسلام:
"طالما أنت مقتنع... فلا كلمة لي بعد كلامك..."
"يعني أنتِ موافقة؟!"
"لقد اتخذت قرارك وأعدتها إلى عصمتك وتنوي الاستمرار معها... لم يتبق لي أي قرار..."
"كيف تقولين هذا؟! أنتِ أمي والقرار لكِ أيضًا..."
ابتسمت صفية على مضض وقالت:
"سوف أدعو الله أن يهديها لك وتكون خير زوجة لك..."
ابتسم فارس براحة ثم قبلها من جبينها وهو يدعو الله أن يستجيب لدعوة والدته.
في صباح اليوم التالي...
خرجت لمار من غرفتها لتجد فارس في وجهها.
تأمل ملابسها المحتشمة بنظرات راضية.
ليهمس بعدها بابتسامة:
"صباح الخير..."
أجابته لمار بجدية:
"صباح النور..."
عاد وسألها:
"إلى المشفى... أليس كذلك؟!"
أومأت لمار برأسها.
ليكمل فارس:
"لنتناول فطورنا أولًا ثم أوصلك إلى هناك..."
لكن لمار اعترضت قائلة:
"معي سيارتي..."
إلا أن فارس أصر على ما قاله:
"حتى لو... سأوصلك أنا اليوم وأعود مساءً لأخذك..."
زفرت لمار أنفاسها بضيق ثم تقدمت أمامه متجهة إلى مائدة الإفطار.
جلس الجميع حول مائدة الإفطار وبدأوا يتناولون طعامهم.
وكالعادة، كان كلٌّ من فارس ونسرين يتحدثان في أمور العمل.
كانت لمار تتطلع إليهما بغضب مكتوم وهي تكاد تنفجر من شدة الغيظ.
تلك نسرين باتت تأخذ مساحة كبيرة من حياة فارس بشكل بات يقلقها.
وما يزيد الطين بله أن فارس يبدو منسجمًا معها للغاية.
نهضت لمار من مكانها وقطعت حديثهما:
"فارس... ألن توصلني إلى عملي...؟!"
نهض فارس من مكانه بسرعة واتجه معها خارج المكان.
بينما قالت صفية موجهة حديثها لنسرين:
"يبدو أن لمار قطعت حديثًا مهمًا..."
ابتسمت نسرين مجاملة وقالت:
"في الحقيقة أشعر بأنها تتعمد ذلك... تتعمد أن تقاطعنا ونحن نتحدث سويًا..."
"هذا طبيعي... فهي زوجته..."
قالتها صفية ببرود.
لتتطلع إليها نسرين بنظرات مصدومة قبل أن تهمس بعدم استيعاب:
"ماذا تقصدين..؟!"
تحدثت صفية موضحة لها:
"لمار زوجة فارس..."
صمتت نسرين ولم تعقب على حديثها.
بينما كانت الصدمة وخيبة الأمل واضحة على وجهها.
لتبتسم صفية بتهكم، فيبدو أن نسرين قد عقدت آمالًا مختلفة على فارس.
في المساء...
عاد كلٌّ من فارس ولمار إلى المنزل.
اتجهت لمار إلى غرفتها لتغير ملابسها.
فتحت الباب ودلفت إلى الداخل لتجد صفية أمامها.
تفاجأت لمار بشدة وقد بان هذا على ملامحها.
مما جعل صفية تقول:
"لا تنصدمي هكذا... لقد جئت لأتحدث معك..."
ثم أشارت لها قائلة:
"تعالي اجلسي هنا..."
جلست لمار بجانبها كما أرادت.
لتتحدث صفية:
"لمار... جئت لأتحدث معك بشأن فارس..."
"ما به فارس...؟!"
سألتها لمار بتعجب.
لتجيبها صفية بجدية:
"فارس يحبك... وأنا أريد أن أعرف علام تنوين بشأنه...؟!"
سألتها لمار بعدم فهم:
"أنا حقًا لا أفهم ماذا تقصدين...؟!"
"ما أقصده أن ابني صبر عليكِ كثيرًا... ترككِ تكملين دراستكِ وتكبري... كل هذا فعله لأجلكِ... رفض أن يتزوج من بعدكِ... أتعلمين لماذا...؟!"
صمتت لمار وقد احمرت وجنتاها.
لتهيمس صفية بصدق:
"لأنه يحبك... كثيرًا..."
"وأنا أيضًا أحبه..."
قالتها لمار بسرعة.
ثم ما لبثت أن نهرت نفسها على ما قالته.
كيف تعترف بشيء كهذا بهذه السهولة؟!
"طالما تحبينه... فلماذا لا تريحيه...؟!"
"وكيف أريحه...؟!"
سألتها لمار بتعجب.
لترد صفية:
"كوني له الزوجة التي يتمناها... أحبيه بصدق... عامليه بحب... وأنجبي له الكثير من الأولاد..."
"ولكن..."
قاطعتها صفية:
"لا يوجد ولكن... حافظي على زوجكِ يا فتاة... قبل أن يمل وينظر إلى غيرك..."
"ماذا...؟!"
صرخت لمار بعدم تصديق.
لتومئ صفية برأسها مؤكدة ما قالته.
قبل أن تبتسم بانتصار، فيبدو أن لمار ستستوعب أخيرًا أن فارس بحاجة لزوجة حقيقية.
رواية الشيخ والمراهقة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سارة علي
وقفت لمار أمام المرأة تتأمل قميص نومها الذهبي بملامح راضية.
حملت عطرها المفضل ووضعت منه على رقبتها.
ثم ما لبثت أن أخذت نفسًا عميقًا وهي تجهز نفسها لهذه الليلة الفارقة في حياتها.
اليوم، وبعد كلام صفية معها، قررت أن تغير من نفسها وتبدأ من جديد.
ستكون زوجة لفارس بحق.
سوف تسعده وتسامحه على كل ما مضى.
وهو أيضًا سيسامحها على ما فعلته.
كلاهما أخطأ بحق بعضيهما وكلاهما يستحقان فرصة أخرى.
ابتسمت لمار براحة حينما توصلت لهذه النقطة.
ثم ما لبثت أن سحبت روبها وارتدته فوق قميص نومها المثير.
حملت هاتفها وبحثت عن اسم فارس ثم أرسلت له رسالة تطلب منه فيها أن يأتي إلى غرفتها.
وما هي إلا لحظات قليلة وسمعت لمار طرقات هادئة على باب غرفتها.
يتبعها دخول فارس الذي تصنم في مكانه ما إن رآها بهذا الشكل المثير.
كانت رائعة للغاية بذلك قميص النوم المثير وشعرها الطويل.
اقترب منها بخطوات بطيئة قبل أن يصل إليها ويلمس شعرها بأنامله.
أخذ جسد لمار يرتجف كليًا وهي تشعر به يلمس وجنتها برقة.
"لمار…" همسها فارس بصعوبة بينما انحدرت أنامله نحو رقبتها.
"فارس أنا…" لم تستطع أن تكمل حديثها.
لقد شعرت بأنها ستفقد الوعي من شدة خجلها وتوترها.
"أنتِ ماذا؟!" سألها فارس وهو يتأملها بحب خالص.
لتهتف أخيرًا بنبرة مرتجفة:
"أنا أحبك…"
لم يصدق فارس نفسه ولا ما سمعه.
اتسعت ابتسامته تدريجيًا قبل أن يهمس بعدم تصديق:
"يا إلهي…"
لم يشعر بعدها بنفسه إلا وهو يحملها بين يديه ويسير بها نحو السرير.
وضعها فارس على السرير وانحنى بجانبها قائلًا:
"لمار…"
انتبهت له لمار لتجدها يهمس لها بجانب أذنها بنبرة أرسلت القشعريرة لجسدها:
"أنا أعشقك…"
ثم انقض على شفتيها بقبلة عميقة استجابت هي لها بكل حب.
بعد مرور عدة أشهر.
دلف فارس إلى غرفته ليجدها خالية.
اتجه نحو الحمام الملحق بغرفته عله يجد لمار هناك لكنه لم يجدها.
خرج من غرفته واتجه إلى غرفة ابنه ليجدها هنا كما توقع تلعب مع الصغير.
تأملها بملامح مرتاحة وهي ترتدي فستانًا عريضًا يظهر بطنها المنتفخ أثر الحمل.
ابتسم عليها وعلى منظرها وهي تفترش أرضية الغرفة وتلعب مع ابنه لعبة المكعبات.
لقد بات يشعر أنه أب لطفلين.
اقترب منهما وقال موجها حديثه لها:
"حبيبتي يجب أن تنهضي حالًا. والدك وزوجته على وشك الوصول…"
"ساعدني لأقف إذا…" قالتها وهي تمد يدها له ليعطيها يده تستند عليها وهي تحاول الوقوف.
أخذت تنفض الغبار عن فستانها ثم قالت للصغير:
"هيا يا سيف. لنذهب ونستقبل جدك وجدتك. حتى لا تتهمني جدتك بأنني أحرمك منها…"
ابتسم فارس على حديثها وتبعها خارج الغرفة.
دلفت لمار وهي تمسك كف الصغير بيدها إلى صالة الجلوس لتجد نسرين وصفية هناك.
كانت نسرين ترتدي ملابس الخروج فهي سترحل اليوم من البلاد.
جلست لمار في مكانها بجانب فارس وأجلست الصغير بجانبها.
تأملتها صفية بحنان قبل أن تقول:
"ما أخبار حفيدتي…؟"
وضعت لمار كف يدها على بطنها ثم أجابتها وهي تبتسم:
"بخير…"
نهض الجميع من أماكنهم بعدما سمعوا صوت جرس الباب يرن.
بينما سارعت الخادمة لفتحه.
سارت لمار يتبعها فارس نحو الممر الخارجي للمنزل لتجد والدها وزوجته قد وصلا.
تبادل الجميع التحية ثم جلسوا في صالة الجلوس.
طلب عادل من لمار أن يتحدثا بمفردهما فوافقت هي على مضض.
دلفت لمار إلى الغرفة المجاورة يتبعها والدها.
جلست على الكنبة وجلس والدها بجانبها.
"تفضل بابا. قل ما لديك…"
تنحنح الأب وقال:
"اسمعيني يا لمار. أنا ظلمتك كثيرًا. وأعترف بهذا…"
قاطعته لمار:
"لا داعي لهذا الكلام بابا. لقد نسيت جميع ما حدث…"
"هذا لا يغير حقيقة أنني ظلمتك منذ وقت طويل…"
صمتت لمار ولم تستطع أن تقول شيئًا أمام إصراره.
ليكمل الأب:
"سامحيني يا لمار. أنا أعرف بأنني لا أستحق السماح. يكفي أنني ضحيت بك في سبيل المال. لكنني أدركت خطئي حينما تطلقتِ. شعرت حينها بالندم الكبير…"
"ولهذا اتفقت مع فارس أن تخبئوا علي أمر إعادته لي إلى عصمته؟!" قالتها لمار بضيق.
ليرد الأب بخجل:
"كنت مضطرًا. لقد أعادك فارس لعصمته دون أن يخبرني. أخبرني بعد فترة. وحينما طلب مني أن أتركك تكملين دراستك لوحدك ولا تعلمي أي شيء احترمته كثيرًا. وفرحت لأنك ستعوضين طفولتك التي حرمتك أنا منها بسبب أنانيتي…"
"ألم يكن بإمكانك أن تطلقتي منه؟! لقد سلبتني حق الاختيار يا بابا. ألم تنتبه لشيء كهذا…؟!"
رد الأب بجدية:
"بلى انتبهت. ولكن فارس يحبك. وهو أكثر شخص يستحقك. وأنت تحبينه أيضًا…"
احمرت وجنتا لمار خجلًا.
ليقول الأب بتأكيد:
"والدليل أنك رفضتي العرسان الذين تقدموا لك في فترة دراستك…"
هنا تذكرت لمار أمر العريس فقالت بسرعة:
"صحيح. كيف أردتني أن أوافق على ذلك العريس وأنت تعلم بأنني ما زلت على ذمة فارس…؟!"
ابتسم الأب وقال:
"هذه كانت خطة مني. لم يكن هناك عريس من الأساس. لكنني افتعلت هذه الخطة لأتأكد من كونك ما زلت تحبين فارس. وصدقيني لو أنك وافقتي عليه لكنت أصريت على فارس أن يطلقك ويعطيك حريتك…"
"يا إلهي لا أصدق. لقد كانت خدعة منك…"
"ولكن إياك أن تخبري فارس بأمر هذه الخدعة…"
ابتسمت لمار وهزت رأسها نفيا.
بينما اقترب الأب منها واحتضنها وطبع قبلة على جبينها ثم قال:
"هل سامحتني…؟!"
أومأت لمار برأسها دون أن ترد.
ليتنهد الأب براحة.
خرجت لمار ووالدها من الغرفة الأخرى ليجدا فارس وصفية يودعان نسرين.
اقتربت لمار منها وقالت بأسى مفتعل:
"هل سترحلين الآن…؟"
أومأت نسرين برأسها وقالت:
"نعم. لقد تبقى القليل على موعد طائرتي…"
اقتربت نسرين من صفية وقبلتها ثم فعلت مع لمار المثل.
حيت فارس ووالد لمار ورحلت.
لتتنهد لمار براحة فها هي قد تخلصت من نسرين.
على الرغم من أن الأخيرة لم تفعل شيئًا يضرها لكنها كانت تشعر بنظرات الإعجاب الموجهة منها نحو فارس وهذا كان يكفي لإشعال لهيب غيرتها.
حل المساء.
دلف فارس إلى غرفته ليجد لمار هناك في انتظاره ممددة على السرير تقرأ في أحد الكتب الطبية.
خلع ملابسه وارتدى بيجامته ثم جلس بجانبها وقال:
"لقد نام الجميع…"
"ما عدا ابنتيك. ما زالتا تتحركان…"
ابتسم فارس بحب وهو يضع كف يده على بطنها.
لتسأله لمار:
"هل نام سيف أيضًا…؟"
"نعم…" قالها فارس وهو يتأملها بخبث.
لتقول وهي تحاول أن تسيطر على ضحكاتها:
"لن يحدث ما تفكر به يا فارس اليوم…"
"ولكنني اشتقت لك…" قالها فارس باستياء.
لترد لمار ببساطة أغاضته:
"أنا هنا. ألا يكفيك هذا…؟"
هز فارس رأسه نفيا.
لتبتسم لمار عليه وعلى تصرفاته.
اقترب فارس منها أكثر وهم بتقبيلها حينما فتح الباب ودلف سيف الصغير راكضًا نحوهما وهو يهتف ببكاء:
"كابوس. كابوس…"
قفز الاثنان من فوق السرير نحوه.
احتضنته لمار بقوة وهي تحاول تهدئته.
توقف الصغير أخيرًا عن البكاء ليهتف بنبرة طفولية:
"لقد رأيته هذاك الوحش…"
"حسنًا حبيبي لا تخف. لقد رحل هذاك الوحش…"
مسح الصغير دموعه بأنامله ثم قال:
"أريد النوم بجانبك ماما…"
تطلع كلا من لمار وفارس إلى بعضيهما بصدمة.
فهذه المرة الأولى التي ينادي بها الصغير لمار بماما.
ابتسمت لمار بحنان وهي بالكاد تسيطر على دموعها ثم قالت وهي تقبله من رأسه:
"تعال يا حبيبي. سوف تنام بين أحضاني اليوم…"
تمدد الثلاثة على السرير.
ليطفأ فارس الضوء وهو يتنهد براحة فقد اكتملت عائلته أخيرًا.