أنتِ لي … بالأمس واليوم وغداً وإلي الأبد … إن كنت سأطلق على الحب أسماً آخر سيكون أسمك في اليوم التالي …. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”) رواه مسلم. كان الشيخ يردد الحديث بينما يتم دفن جوري. استخدم ياسين معارفه لإنهاء إجراءات الدفن سريعا بعد أن تم إثبات أن سبب الموت هو الإنتحار … كانت عيني ياسين الخضراء مشبعة بالدموع.
صحيح جوري أذتهم كثيرا ولكنه أبداً لم يتمنى لها تلك النهاية … مهما كانت هي أم ابنته. تم دفن جوري وبدأ الشيخ يقرأ القرآن … بعد عدة دقائق ذهب الجميع وبقي هو واقفاً أمام قبرها وهو يجفف دموعه … قرأ لها الفاتحة … ثم قال: -ربنا يرحمك ويسامحك يا جوري … ربنا يسامحك … أنا هقول لأمي إيه دلوقتي … هقولها إيه؟! أنا مقولتلهاش الحقيقة … مقولتلهاش أن بنتها ماتت … مش عارف هجيبهالها إزاي … مش عارف إزاي هقولها …
دماغي بتودي وتجيب ومش لاقي أي بداية مناسبة عشان أقدر أقولها الخبر … دعك عينيه بتعب ليرن هاتفه فجأة. أخرج هو هاتفه ليجد زوجته تتصل به … فتح الهاتف ورد عليها … -أيوة يا ورد … -أيوة يا حبيبي طمنّي دفنتوها ؟! قالتها ورد بهمس وهي تبتعد عن حماتها وياسمين التي لم تعرف حتى الآن أن والدتها قد ماتت … هز ياسين رأسه وقال: -أيوة يا حبيبتي دفناها. -الحمدلله … الله يرحمها … -مامتها عرفت يا ياسين ؟! أغمض ياسين عينيه بتعب وقال:
-للأسف لسه يا جوري… مقدرتش أقولها … مقدرتش للأسف … -لازم تقولها يا حبيبي. قالتها ورد بحزن على الحالة التي وصلت إليها جوري … على الرغم أنها آذتها كثيراً ولكن موتها بتلك الطريقة أحدث شرخاً في قلبها … مسحت الدموع التي انسابت من عينيها وقالت بإختناق: -حبيبي لازم تقولها … لازم … تنهد ياسين وقال: -حاضر يا ورد هقولها وربنا يستر … اديني أمي أكلمها لو سمحتي … هزت رأسها وقالت: -حاضر يا ياسين …
ثم اتجهت لحماتها وهي تشير إليها لكي تكلم ياسين … هزت حماتها رأسها وهي تقترب منها وتمسك الهاتف وتبتعد كي لا تسمع ياسمين شئ بينما اتجهت ورد وهي ترسم ابتسامة على شفتيها إلى ياسمين وجلست لتلعب معها ……… -أيوة يا حبيبي. قالتها والدة ياسين ليرد ياسين: -ازيك يا ماما .. -ازيك يا حبيبي … طمني عليك يا ياسين … انت منمتش من يومين يا حبيبي … أكلت .. ابتسم ياسين وقال:
-أمي متقلقيش عليا أنا كويس أوي. المهم اسمعيني أنتِ … خلي بالك من ورد لحد ما أرجع يا أمي خليها ترتاح بالله عليكي … ابتسمت والدته وقالت: -حاضر يا بني متقلقش .. خلي بالك من نفسك … -بإذن الله خير … ثم أغلق الهاتف متجهاً إلى المشفى حيث تقبع السيدة عفاف …. في المشفى ….. وأمام غرفتها كان متردداً … لا يريد الدخول ويخبرها بما قد يقتلها … أغمض عينيه بقوة وهو يتمنى أن ينتهي هذا بسرعة … يتمنى أن يخبرها وينتهي ….
تنهد ياسين وقرر الدخول … كانت عفاف جالسة على فراشها بالمشفى تبدو أنها تحسنت قليلاً. ما أن رأته حتى ابتسمت بلهفة وقالت: -ياسين ابني لقيت أي خبر عن جوري … طمنّي يا ابني قلبي واكلني عليها … متخلّيهم يحبسوها يا ياسين أنا مسامحاها بس ارجوك بلاش تخليهم يحبسوها عشان خاطري … ابتلع ياسين ريقه وهو ينظر إليها وعادت الدموع لتتجمع في عينيه … أمسك كفها وقال: -أنتِ مؤمنة بالله يا ست عفاف صح ؟! هزت عفاف رأسها بحيرة ليكمل
بينما الدموع تطفر عينيه: -وعارفة أننا لازم نتقبل قدره مهما كان … هنا شعرت بالرعب يحتل عقلها وقالت بنبرة مرتعشة: -ياسين … ياسين فيه إيه … انت بتقول إيه ؟! -البقاء لله يا ست عفاف جوري ماتت!!! -لااااااا صراخها ملأ غرفة المشفى. بعد أسبوعان ….. كانت جالسة على الفراش الصغير بالمشفى تنتظر أخاها ليأتي كي يأخذها إلى المنزل. تتذكر ما حدث الأيام السابقة. لقد كادت أن تموت ومات بالفعل السائق الخاص بها بسببها هي.
تمزق قلبها من الألم … لم تكن تريد أبداً أن يموت أحد بسببها. حاول عدي كثيراً أن يخبرها أن هذا ليس ذنبها ولكنها رفضت تصديقه. كانت تحمل نفسها الذنب. تمنت أن تموت ولكن للأسف تم إنقاذها. صحيح ستواجه صعوبة لفترة في السير على قدمها المصابة ويدها ستكون مجبرة لفترة. وجهها الجميل أصبح مكدوداً قليلاً ولكن الطبيب طمأنها أن الأثر سوف يزول بسرعة. أغمضت عينيها بتعب وهي تصل لنتيجة أن مجدداً موسى قد أنقذها وقد حكى لشقيقها كل الحقيقة.
ولكن هذا لن يغير أي شيء أبداً. لن تسامحه عما فعله. أخرجها من شرودها طرقة خافتة على الباب. -أكيد ده عدي… باقي الكلمات تجمدت على لسانها وهي تراه أمامها. بهيئته المهلكة المعتادة. نظراته التي كانت باردة آخر مرة رأيته بها الآن تحترق بالعشق. ابتسامة متوترة تزين شفتيه. كان خائف … خائف أن يتم رفضه. تبدلت الأدوار الآن نظراتها هي من كانت باردة وهي تنظر إليه من أسفل لأعلى وقالت: -خير عايز إيه ؟! -ليان أنا …
-اطلع برا أنا مش عايزة أشوفك … يالا امشي … -ليان تتجوزيني ؟! قالها فجأة وهو يحبس أنفاسه. أدرك بغباء أن عرضه الآن غير مناسب أبداً. صوبت نظراتها الباردة إليه: -عرضك مرفوض. -أنتِ بقيتي عارفة دلوقتي أنا عملت كده ليه يا ليان. قالها موسى وهو يقترب منها. عينيه تفيض منهما العشق. كل ما يرغب به هو أن يصل إليها بسرعة ويضمها بقوة بين ذراعيه ولكن نبرتها الباردة جمدته تماماً. -أيوه عرفت عشان تحميني … وأنا مفروض أعمل إيه دلوقتي ؟!
-ليان !!! قالها بصدمة ثم أكمل: -أنا كنت خايف عليكي … كنت خايف صاموئيل يأذيكي عشان كده عملت اللي عملته… ضحكت ليان بسخرية وقالت: -أنت عارف يا موسى إيه مشكلتك بالضبط؟! إنك بتعاملني كأني فاقدة الأهلية … تعمل فيا اللي انت عايزة من غير ما تفكر تسألني أو تاخد رأيي… شايف خطر عليا يبقى خلاص تبعد وتكسر قلبي … واهو قلبها اتكسر بس مش مهم هي عايشة ومفروض تشكرني على اللي عملته ولما يخلص الخطر تقرب تاني وعايزنا نرجع.
انت فاكرني إيه بالضبط ؟! هو أنا لعبة في إيديك. لا يا موسى المرة دي القرار قراري أنا مش قرارك وأنا أهو بقولك عرض زواجك مرفوض وأنا مش هرجعلك أبداً!!!! اقترب أكثر منها فحاولت الابتعاد إلا أنه أمسك ذراعها بلطف وقال: -ليان أنا كنت خايف عليكي … أنا كنت بتعذب أكتر منك … كنت بموت وانتِ بعيدة عني … كنت مرعوب عليكي و … -كل ده ميهمنيش … خلاص اللي بيننا انتهى يا موسى. ثم دفعت ذراعه وقالت:
-لو سمحت امشي من هنا أنا صدعت ومش عايزة أسمع. ثم كادت أن تتجاوزه إلا أن ساقها خانتها وكادت أن تسقط إلا أنه أمسكها بسرعة ثم حملها بين ذراعيه. أغمضت عينيها والدموع تتسرب بغزارة من بين عينيها المغلقة وقالت وصوتها يخرج في هيئة شهقات متقطعة: -لو …. لو سمحت امشي … امشي … ابعد عني … كفاية اللي عملته فيا … اتجه ووضعها على الفراش ثم جثى على ركبتيه وهو يمسك كفها ويقول بينما الدموع تحتشد بعينيه: -أنا بحبك … هزت رأسها وهي ما
زالت مغمضة عينيها وقالت: -معتقدش انك بتحبني … اللي بيحب مبيجرحش يا موسى. قبل كفها وقال بصوت أجش: -هرجعك … هعرف إزاي أرجعك. ثم نهض وهو يقبل رأسها وذهب. تاركا إياها تنفجر من البكاء. خرج موسى من غرفتها بالمشفى وهو يترنح من الألم. -موسى !! صوت عدي انتشله من تفكيره ونظر إليه. مسح دموعه بسرعة وقال: -ازيك يا عدي … جيت أشوف ليان .. بس الظاهر لسه زعلانة. ابتسم عدي له بحزن وقال:
-هتنسى متقلقش. لما غضبها يهدى شوية هتفكر إنك عملت المستحيل عشان تنقذها وهتقدر. ابتسم موسى له فاقترب عدي وضمه بقوة إليه وقال: -هتسامح يا موسى متقلقش. هتسامحك! في إحدى المناطق الراقية نوعاً ما… -أنا مش مصدقة أن عمك المخفي كان عايش في العز ده من فلوسنا اللي لهفها مننا … أخد البيت اللي أبوكي عمله لينا عشان نعيش عيشة كويسة وخلانا نحتاج للي يسوى واللي ميسواش. قالتها رابحة وهي تجلس على الأريكة الفاخرة براحة شديدة.
ابتسمت رانيا وهي تضع الطعام على الطاولة وتقول: -خلاص يا أما اخد اللي يستحقه ربنا يصلح حاله خلينا منفكرش فيه. يالا عشان نفكر هنعمل إيه بالمبلغ اللي حطينه في البنك. اتجهت رانيا إلى رابحة وحرّكت المقعد المتحرك الخاص بها حتى وضعته أمام طاولة الطعام ثم بدأت تأكل. حياتهما تغيرت كثيراً. فبعد أن أعاد لهما أخ زوجها ورث زوجها الراحل والذي كان كبير وأيضاً أعطاها المنزل الذي بناه زوجها بعرق جبينه.
كل تلك الأشياء غيرت حياتهما للأحسن. الآن هي لا تحتاج لأي أحد إلا الله. لا هي ولا ابنتها. -أنا بقول يا رانيا يا بتي كفاية شغل وتعب بقا. الحمدلله إحنا دلوقتي معانا فلوس ونقدر نصرف براحتنا. هزت رانيا رأسها وقالت: -لا يا أما … أنا عايزة أشتغل عشان يبقالي خبرة وأتعلم. بس كمان عايزة أعمل مشروع بالفلوس دي. مشروع يسندنا. -مشروع إيه يا رانيا ؟! هزت رانيا رأسها وهي تأكل وقالت:
-أنا لحد دلوقتي فيه كذا مشروع في بالي هفكر وأشوف إيه الأحسن ونعمله إيه رأيك ؟! -أنتِ أدرى يا بتي. يالا كُلي عشان تلحقي شغلك. هزت رانيا وبدأت تأكل. فجأة رن جرس المنزل. عبست رانيا وهي تنظر لوالدتها من يمكن أن يكون على الباب. نهضت رانيا لتفتح الباب. وقفت متجمدة وهي تنظر إلى آخر شخص توقعت وجوده أمام منزلها. -ليلى هانم ؟! قالتها رانيا ببهوت. رفعت ليلى رأسها وقالت: -ممكن أدخل. هزت رانيا رأسها وافسحت لها الطريق.
-روحت حارتكم القديمة وملقتكيش لحد ما جارتك ادتني العنوان. مبروك البيت الجديد. -الله يبارك في حضرتك. قالتها رانيا بتوتر وهي تنظر إلى والدتها ثم أكملت: -اتفضلي يا هانم الأكل جاهز. تنهدت ليلى واتجهت إلى الطاولة وجلست عليها. أسرعت رانيا واحضرت لها طبق ثم وضعت به الطعام. بدأت ليلى تأكل بهدوء بينما رانيا كانت مصدومة من تصرف ليلى معها. لقد اعتقدت أنها سترفض أن تأكل معهما أو تظهر نفورها ولكن هذا لم يحدث للدهشة. نظرت ليلى
إلى والدة رانيا وقالت: -أنا جاية أطلب إيد بنتك رانيا ليحيى ابني. بطلب منك كأم إنك تديني بنتك. اتسعت عيني رانيا بصدمة لتكمل ليلى وهي تنظر إليها: -ابني مش سعيد. أنا حاسة بيه. يحيى مطفي. يحيى عمره ما كان باليأس ده. وأنا مش هستحمل أشوف ابني بالشكل ده. أنا أهم حاجة عندي سعادته. وسعادته معاكي يا رانيا. ممكن توافقي عليه ؟! في اليوم التالي. في المساء. وقفت أمام المرآة وهي تتنهد بعمق بينما تنظر إلى نفسها.
فستانها الكريمي الطويل كان يلتصق بجسدها. شعرها الأسود الطويل كان يرتاح على كتفها. أحمر الشفاه القاني كان يليق على بشرتها البيضاء. ابتسمت لتظهر نواجذها الرائعة. الليلة هي ليلة عقد قرانها على عدي. عدي الذي لم يدعها أبداً الأيام السابقة. كان دوماً معها رغم تعرض شقيقته للهجوم إلا أنه لم يتركها أبداً. حتى عندما كان يذهب للمشفى يأخذها معه ثم يجعل عبير تقضي الليلة في منزلها.
كان حريصاً ألا يتركها بمفردها أبداً كي لا تعيد التفكير في الانتحار مجدداً. ابتسمت وهي تفكر أنها ممنونة له للغاية. لكل تلك الأشياء التي يفعلها من أجلها. وضعت كفها على قلبها وهي تفكر أنها تعشقه. طرقة على الباب أخرجتها من شرودها. -أدخل. قالتها برقة لتدخل عبير وتصفر قائلة: -إيه الجمال ده بس. ابتسمت لها جواهر وهي تطرق برأسها أرضاً. وجنتيها احمرت من الخجل. اقتربت عبير وقبلتها على وجنتها قائلة:
-يالا عشان عريسك مستنيكي يا عروسة. هزت جواهر رأسها وهي تمسك كف شقيقتها وتخرج. أطلق الجميع تصفيقاً حاراً بينما تخرج جواهر كأميرة من باب القصر. كان الطريق إلى الطاولة التي سوف يعقد عليها حفل الزفاف مزيناً بالورود البيضاء. وكانت البالونات الزاهية تحيطها من كل اتجاه والفقعات الملونة تنطلق نحوها. أحست أنها أميرة. كل شيء كان مثالياً للغاية. كل شيء كان جميلاً. تجمعت الدموع في عينيها وهي ترى عدي ينتظرها على الطاولة.
يقف ويرتدي حلة باللون الكريمي كما ترتدي هي. نظرت إليه بدهشة وهي تضحك ليغمز لها. أخيراً وصلت إليه وجلست على الطاولة. نظر شريف إلى ابنته الكبيرة التي كانت متألقة كعروس جميلة. كان قلبه يؤلمه. لقد أخبره عدي أن يأتي لكي يكون وكيل جواهر وذلك بعد أن كتب شريف جواهر على اسمه. ومنع منعه منعاً باتاً من محاولة التحدث معها. لقد أصبح عدي يقف بوجهه الآن وأن حاول فقط التحدث مع جواهر عدي لن يرحمه. تمنى شريف أن يتحدث فقط مع ابنته.
يعتذر منها ويعانقها ولكن خوفه من عدي منعه. ومن جهة أخرى جواهر عاملته وكأنه غير موجود. لم تنظر إليه حتى. حتى عبير تعامله كالغريب. لقد خسر بناته. خسر كل شيء. جلس عدي وبجانبه الشيخ ومن الناحية الأخرى شريف ليتم عقد القرآن. بعد قليل. تم الانتهاء من عقد القرآن وأصبحت جواهر رسمياً زوجة عدي. لم ينتظر عدي مباركات المدعوين سحب جواهر خلفه وهرب بها وسط ضحكات المدعوين.
ابتسمت عبير وهي تشاهد السعادة التي على وجه جواهر وهي تستقل السيارة مع عدي. وضعت رأسها على كتف زوجها وأمسكت كفه وهي تقول: -أنا فرحانة أوي النهاردة يا أمير. فرحانة أوي. قبل أمير كفها وقال: -وأنا مبسوط طول ما أنتِ مبسوطة يا حبيبتي. اقترب شريف منهما وقال: -ممكن نتكلم يا بنتي شوية ؟! تلاشت الابتسامة من وجه عبير ونظرت إلى والدها بقسوة وقالت: -أظن مفيش حاجة نتكلم فيها يا شريف بيه. أنا علاقتي بيك خلاص انتهت !!!
بهت وجه شريف وهو يرى القسوة على وجه ابنته وقال: -يا بنتي … -متقولش يا بنتي. أنا مش بنتك ولا جواهر خلاص. من سوء حظنا أننا أخذنا اسمك. بس خلاص الحمدلله من النهاردة ربنا عوضنا عنك خير. عوضنا عن أب معندوش مانع يبيع بناته. كفاية اللي عملته فيا أنا وجواهر. ياريت متقربش مننا تاني !! تصاعدت الدموع لعينيه بينما تذهب عبير من أمامه. نظر أمير بأسف إليه ثم لحق بزوجته. لقد كان هو الخاسر الوحيد.
تنهدت ليان وهي ترى المدعوين بدأوا بالذهاب فقررت أن تذهب إلى غرفتها. يبدو أن شقيقها لن يعود اليوم. ابتسمت بسعادة وهي تتذكر السعادة على وجه شقيقها. أنها لم تراه سعيداً لهذا الحد من قبل. تتمنى من كل قلبها أن يكون سعيداً دوماً. فتحت باب غرفتها ثم أشعلت الضوء لتصرخ فجأة وهي تجد موسى أمامها. كادت أن تصرخ إلا أنه جذبها وهو يكتم فمها بكفه ويقول: -أنا جهزت كل حاجة عشان تسمعيني.
وبالفعل وضعها على المقعد ثم قيدها بالحبال القوية التي أحضرها. -موسى بتعمل إيه ؟! صرخت به عندما تملكت نفسها وخرجت من صدمتها إلا أن موسى كمم فمها بلاصق وقال: -اهو بالطريقة دي هتمسعييني للآخر !! ولج لغرفته بخطوات متعبة. الاسبوعان السابقان كانا كالجحيم. انهارت عفاف تماماً ورفضت تقبل موت ابنتها. صرخت وبكت وشتمته وضربته أيضاً لينفي ما قاله. ثم بعدها لجأت للصمت. مهما حاول أحد أن يتحدث معها لا ترد.
لذلك تم تحويلها للطبيب النفسي الذي أخبره أن الصدمة أفقدتها النطق وطلب منه أن تبقى بالمصح كي يتابع حالتها ووافق ياسين ومنذ ذلك اليوم وهو يزورها يومياً وذلك بسبب معرفته الوثيقة بالدكتور المعالج. ولكن للأسف هي ترفض أبداً التحدث أو إظهار رد فعل. العلاج لا يأتي بأي نتيجة وهذا أحزنه. -حبيبي .. صوت ورد الرقيق أخرجه من شروده. نظر إليها وعينيه لامعة بالدموع كانت جالسة على الفراش تبتسم له برقة فتحت هي ذراعيها وقالت:
-تعالي يا ياسين. اندفع هو إليها وضمها بقوة إليها ودموعه الساخنة تهبط على وجنتيه. -حبيبي كله هيكون تمام متقلقش. قالتها وهي تربت على شعره برفق وتقبله. -الست عفاف مش راضية تدي أي رد فعل يا ورد. أنا خايف عليها أوي. هي متستحقش ده. قبلت ورد رأسه وقالت: -ربك كبير يا حبيبي. ربك كبير. نظر إليها ياسين لتمسح دموعه. امسك كفها وقبله قائلاً: -أنا بحبك أوي يا ورد. وبحب وجودك في حياتي. -وأنا كمان يا حبيبي. قالتها بلطف.
سحبها على صدره وتسطح وهو يعبث بشعرها وقال: -ممكن متقوليش لحد إني بكيت في حضنك. سمعتي كمهندس هتتدمر. ضحكت ورد بقوة وقالت: -حاضر يا باشمهندس مش هقول. ابتسم ياسين وقال: -ما تقوليلي شعر. -أقولك شعر ؟! قالتها ورد عابسة ليرد ياسين: -أيوة قوليلي شعر. اشمعنا أنا بس اللي بقولك شعر. مرة من نفسي يا ستي. يالا قولي. -حاضر يا عم هقول. ثم أغمضت عينيها وهي تتذكر أحدى قصائدها المفضلة. قبلت رأسه ثم بدأت تقول:
يا حُبًّا لم يُخْلَقْ بَعدْ يا شَوْقًا كالمَوْجِ بِصدري يا عِشْقًا يَجْتاحُ كِياني يا أجْمَلَ رَعْشاتِ اليَدْ يا صُبْحًا يُشْرِقُ في وَجْهي يا فَجْرَ الغَدْ يا جُزُرًا تَمتدُّ بعَيني ، وبُحورًا أغْرَقَها المَدْ الحُبُّ كموْجٍ يُغرِقُني والشَّوْقُ الجارفُ يَشتدْ والعِشْقُ يَجيءُ كتَيَّارٍ يَجرِفُني مِنْ خلْفِ السَّدْ (2) يا أجْمَلَ عِشْقٍ جرَّبْتُ .. أنْ أعشَقَ حُبًّا لا يُوجَدْ أنْ أعشَقَ حُلْمًا يَتَبَدَّدْ
أنْ يُصبِحَ حُبِّي نافِذَةً أفتحُها .. عُمري يَتجَدَّدْ أنْ أَبقَى العُمْرَ على مَوْعِدْ مُنتظِرًا عَودَةَ أحبابي مُنتظرًا شَمسًا لا تأتي لَيدُقَّ الضَّوءُ على بابي (3) يا حُبًّا لنْ يُخلَقَ أَبَدا أشواقي نارٌ لا تَهْدا قد تَبقَى الأحلامُ بَعيدَةْ قد يبقَى وَجهُكِ في نَظري شَيئًا لا أُتْقِنُ تَحديدَهْ أحيانًا أجْمَعُهُ خَيْطًا أغْزِلُهُ وَجْهًا من نُورْ أحيانًا ألقاكِ رَحيقًا ، ألقاكِ عَبيرًا ، وزُهُورْ
أحيانًا يُصبحُ شلاَّلاً ، وبُحَيرةَ ضَوءْ أحيانًا يُصبحُ لا شَيءْ أحيانًا وَجْهُكِ يَتَحدَّدْ .. يَكْبُرُ في عيني ، يَتمدَّدْ ، يَتجمَّعُ كالطَّيفِ قَليلاً وأراهُ سَرابًا يَتبدَّدْ معَ أنِّي دَومًا أتَأكَّدْ أنَّي لنْ أجِدَكْ .. في يومٍ لكنِّي أحْلُمُ باللُّقيا فأرانا الآنَ على مَوْعِدْ وسأبقى العُمْرَ .. على مَوْعِدْ (عبد العزيز جويدة) نظر إليها ياسين مبتسماً وقال: -عيناكِ آخر ما تبقى من مكاتيب الغرام ( نزار قباني )
تألقت عيني ورد واقتربت منه وهي تقبله على وجنته بكثافة وتضمه. وهي تشكر الله الذي جمعها بحب حياتها. فهو الحقيقي وما قبله كان مجرد وهم !!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!