الفصل 29 | من 48 فصل

رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سولييه نصار

المشاهدات
23
كلمة
6,884
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18

يوسف... قالتها رقية بشوق وهي تقترب منه. بينما ظل هو متجمداً ينظر إليها، عاجز عن الكلام تماماً. قلبه فقط يدوي داخل صدره وهو يسمعه. "رباه، أشعر أنه سأموت في أي لحظة. هي هنا... هل هي هنا بالفعل؟ الماضي الخاص بي، أول حب في حياتي، تلك التي تسببت بجرح بقلبي لن يُشفى أبداً. تلك المرأة هنا أمامي." بدأت الدموع تحتشد بعينيه العسلية وهو ينظر إليها بلوم قاتل. اقتربت أكثر للحد الذي استطاعت فيه أن تمتد كفها لوجنته. "يوسف حبيبي...

قالتها وهي تتلمس وجنته. وما أن لمست وجنته، ابتعد عنها كالملسوع وتراجع وهو يقول: "ابعدي... ابعدي عني." انسابت الدموع من عينيها وهي تقترب أكثر وتتوسل: "يوسف، أبوس إيديك اسمعني بس... أنا... ولكنها قاطعها صارخاً ودموعه تنفجر من عينيه: "قلت اطلعي برا... برا." أخذ ينهت بقوة، يشعر أن قلبه سوف يتوقف من الألم. جميع المشاعر التي لفظها سابقاً عادت تهاجمه بقوة. "عايزة إيه مني؟ عايزة إيه؟! كان يرددها بقوة والمشاعر تعصف به.

الحب والغضب كانا يمتزجان معاً، وبدا أنه نسي نسرين. نسي كل شيء إلا هي. تذكرها وتذكر تلك المشاعر القوية التي كان يكنها لها. وكأن كل شيء كان كذب إلا مشاعره لها، هي الحقيقة الثابتة في حياته. كانت رقية تتألم وهي تراه يبتعد عنها بتلك الطريقة. كان ينظر إليها بقهـر، بإنكسار، وقد كرِهت نفسها لأنها جرحته. ويعلم الله أنها أخذت عقابها كامل. لقد تعذبت مثله لخمسة عشر عاماً. خمسة عشر عاماً وهي تعاني، ولكن الآن...

الآن هي لا تريد إلا هو. حبيبها ومالك قلبها. تريد أن تعوض تلك السنين التي قضتها من دونه. تريده هو... فقط هو! "يوسف، ممكن تسمعني؟! كانت تتكلم وهي تقترب منه بينما كان هو يبتعد عنها. لم يكن يريد أن يستمع إليها. لم يكن يريد أن يُخدع مجدداً. أمسكت كفه بغتة وصرخت بانهيار: "اسمعني... أبوس إيديك اسمعني! "اسمع إيه... اسمع إيه يا خاينة! صرخ بإختناق وهو يدفعها بعيداً عنه. أخيراً استعاد رشده. أخيراً نفض الضعف عنه.

حل محل الضعف داخله القوة. الدموع داخل عينيه تحجرت وحل محلها الجليد. نظراته لها أصبحت باردة للغاية. باردة بطريقة جمدتها هي. "إنتِ خونتيني... خونتيني! صرخ بها بهياج. لتُهز رأسها وهي تبكي وتقول: "أنا آسفة... آسفة! "آسفة... أصرف أسفك من فين؟ عمري ضاع بسببك... عمري ضاع لأني حبيت واحدة رخيصة زيك." أغمضت عينيها بألم وقالت: "أنا أستحق أي كلمة أنت هتقولها... عندك حق والله عندك حق... أنا مستاهلش أي حاجة." فتحت

عينيها وهي تبكي وقالت: "بس زي ما حياتك ضاعت يا يوسف، حياتي أنا ضاعت. زي ما أنت اتعذبت، أنا كمان اتعذبت ويمكن اتعذبت أكتر منك." عينيها الجميلة أصبحت حمراء بفعل البكاء وهي تنظر إليه وتُكمل: "ربنا أخد حقك يا يوسف... زي ما حرقت قلبك، أنا اتحرق قلبي وروحي. اتكسرت زيك وأكتر منك كمان. عشت أسوأ لحظات حياتي مع إنسان بمرتبة حيوان... أبشع إنسان أي العالم. إنسان أنا فضلته عليك، وياريتني ما عملت كده."

كان ينظر إليها بحيرة. لا يعرف ماذا تقصد. وعلى الرغم أنه أراد طردها من منزله، إلا أنه كان لديه فضول شديد ليعرف ماذا حل بها. أراد أن يعرف نوع العقاب الذي حل بها، لعل هذا يشفي غليله قليلاً. أراد أن يسمع أنها تعذبت مثله. أراد أن يشمت بها. نعم، أراد هذا بقوة ولن يؤنب نفسه لأنه يفكر بتلك الطريقة، فهي جرحته. وعلى مقدار حبه الشديد لها، كان الجرح كبير. كان يؤلمه. نظرت رقية إلى صمته وبدأت تتكلم بسرعة.

تريد أن تكسب تعاطفه لكي يعود إليها. "صدقني أنا اتعاقبت يا يوسف... اتعاقبت وعرفت أني محبتش حد غيرك. سامحني يا يوسف، سامحني." "اتعاقبتي إزاي؟ سألها بنبرة متصلبة، ولكن الفضول كان ينهشه بالداخل. ابتلعت ريقها وقالت:

"اتعاقبت لما اتجوزت مراد. مكنتش أعرف أن حياتي معاه هتبقى تعيسة للدرجة دي. أنا عشت معاه أسوأ أيام حياتي يا يوسف. افتكرت أنه هيعيشني في جنة، لكن معاه أنا عشت في جحيم. من بعد شهر العسل بتاعنا وهو دوقني المرار. اكتشفت أنه إنسان مش متزن نفسياً... كان بيضربني وبيحبسني. أحياناً يمنع عني الأكل. ولما لجأت لاهلي، رفضوا يتدخلوا وقالولي استحمل. وهو لما شاف أهلي اتخلوا عني، قسوته زادت." شهقت رقية وهي تبكي وأكملت:

"بسببه سقطت تلات مرات لحد ما شيلت الرحم. فضلت في العذاب ده كتير... كتير أوي يا يوسف لحد ما مراد مات من سنة وارتحت. بس عرفت وقتها أن ده ذنبك أنت. أنا ندمانة على اللي عملته يا يوسف ورجعالك وعايزة نتجوز." "نتجوز؟ قالها ببهوت، لتهز رأسها بقوة وتقول: "أيوه نتجوز. نتجوز يا يوسف، مش ده كان حلم حياتك؟ نتجوز ونكون أسرة، نحقق أحلامنا! انفجر من الضحك حقاً. كان يضحك بقوة حتى طفرت الدموع من عينيه. كان لا يصدق ما تقوله.

بعد كل ذلك العذاب... بعد ما عاشه بسببها، تطلب الآن منه العودة. هذا مستحيل. هو لن يعود لها. مستحيل. "يوسف... يوسف بتضحك ليه؟ قالتها رقية بتوجس. ليقترب يوسف منها بغتة ويعتصر ذراعيها بقوة ويقول: "أرجعلك وكده بسهولة؟ إنتِ بتحلمي. صح... بتحلمي! صرخته أفزعتها من الداخل، فقال بقرف:

"تصدقي أنا أصلاً اللي غلطان إني بسمع واحدة زيك. وأقولك أنا شمتان فيكي. ولسه هيحصل فيكي أكتر من كده لأنك كسرتي قلبي وأنا معملتش حاجة غير إني حبيتك. حسبي الله ونعم الوكيل فيكي. يلا امشي... امشي." ثم أخذ يدفعها خارجاً، بينما هي تبكي وتتوسله أن يستمع إليها، ولكن غضبه قد أعماه، فدفعها خارجاً وقال وهو يمسك الباب: "أنا خرجتك برا حياتي خلاص يا رقية... خلاص مبقاش قلبي ملكك. بقى لوحدي تاني... بالشفا يا روكا!

ثم أغلق الباب بوجهها، لتقع هي أرضاً وتبكي بعنف. ضم كفه بقوة والنار تتصاعد بعينيه. كان غاضباً من طريقتها معه، وكان على وشك فقدان سيطرته على نفسه. أما هي فكانت تلهث بعنف. لا تصدق ما قالته. هل حقاً تجرأت وكلمته بتلك الطريقة؟ أغمضت عينيها بتعب وهي تدعك جبينها، لتفتح عينيها وقد أخرجها من شرودها صوته المتصلب:

"أنا هعتبر أن اللي قولتيه من شوية ده بسبب هرمونات الحمل ومش هحطه في حساباتي، بس مش معنى كده أن مش هحاسبك عليه. لا يا ورد... كلامك ده هتتحاسبي عليه جامد. من النهاردة دي هتبقى أوضتك لوحدك اقعدي فيها. أنا هنام في أوضة ياسمين النهاردة." احتشدت الدموع في عينيها وانفلتت شهقة من شفتيها. ليكمل هو بنفس التصلب: "أنا طالع من البيت دلوقتي عشان مقدر رغبة سعادتك في إنك مش طايقاني ولا طايقة تشوفي وشي."

وبالفعل تحرك لكي يذهب، إلا أنها أمسكت كفه بسرعة. نظر إليها وعينيه بها شيء من الشوق لها. أرادها أن تضمه وتخبره أن ما قالته كان هراء وأنها لم تقصد أن تجرحه، وهو كان سيسامحها. يقسم أنه سيسامحها، ولكنه قتلت كل آماله وهي تخبره بنبرة ضعيفة: "عايزة أروح عند ماما اقعد عندها شوية، ممكن؟ حاول السيطرة على خيبة الأمل التي اكتست وجهه وقال: "حاضر. حابة تقعدي عندها كام يوم صح؟ هزت رأسها وقالت بإختناق: "ياريت...

أنا مش مرتاحة هنا عايزة اقعد عند ماما شوية. ياريت يا ياسين لو سمحت." "مفيش مشكلة تقدري تروحي مش همسك فيكي." قالها ببرود، لتتنهد هي براحة وتتجه إلى خزانتها لكي تأخذ بضعة ملابس لها. بدت كسجينة وقد فُك أسرها. بينما كان هو يراقبها وقلبه يعتصر من الألم. لتلك الدرجة... لتلك الدرجة هي لا تطيقه! ماذا فعل لينال تلك الكراهية منها؟ لماذا يشعر أن حبه نضب من قلبها؟ هل من المعقول أن هرمونات الحمل تفعل هذا بها؟

بدأت الشياطين تعبث بعقله مجدداً. ربما لم تحبه حقاً. ربما ما زالت تتذكر علي. استغفر وهو يهز رأسه. أخبر نفسه أنه يثق بزوجته، وربما لو تركها تذهب لوالدتها وترتاح قليلاً ستكون بخير وسوف يتعدل مزاجها. تمنى بالفعل هذا، ولكن قلبه كان منقبض بشكل غريب. دقائق وكانت ورد قد تجهزت بالفعل. تحمل حقيبة صغيرة بها ملابسها. تنهد ياسين وهو يراها. بدت حقاً مرتاحة وهذا أوجع قلبه. هل بعدها عنه يريحها؟

وساوس تعصف بعقله وصدره يضيق، يشعر بالإختناق، ولكنه حاول الحفاظ على جمود وجهه بكل ما يملك من طاقة. "يالا يا ورد." قالتها بنبرة متصلبة وهو يمسك منها الحقيبة، لتتبعه هي مغادرة المنزل، شاعرة أنها قد تحررت. كان الصمت مسيطراً على السيارة. هو يشد على المقود بقوة. الألم يعصف به رغم جمود وجهه. وهي... هي تشعر بالراحة لأنها سوف تبتعد. يجب أن ترى أين هي المشكلة ولماذا أصبحت لا تطيق زوجها بعد أن كانت تعشقه. الأمر غريب للغاية.

نظر إليها ياسين بغيظ. كيف تحولت ورد بتلك الطريقة؟ من المرأة التي كانت تعشقه... إلى تلك المرأة الباردة التي لا تهتم به إطلاقاً! كان هذا سؤال ليس له إجابة. احتار فيه وهو نادراً ما يحتار. أسرع بسيارته قليلاً كي يصلا بسرعة. لا يريد أن يفكر أكثر. شغل مسجل السيارة على أغنية غربية بصوت مرتفع، لعله يُسكت تلك الأصوات التي بعقله. ولكن تلك الأصوات لا تصمت. لا تصمت أبداً!

عبست ورد بضيق بسبب الصوت المرتفع للأغاني، وكادت أن تطفئ المسجل، إلا أن صوت ياسين المتصلب أفزعها وهو يقول: "سيبيه... متلمسيش حاجة في عربيتي من غير إذني." نظرت إليه ببرود، ثم نظرت للنافذة. إنها تشعر أنها تكرهه. كيف تحملت هذا الرجل؟ أخيراً وصلا إلى منزل والدتها. ترجل ياسين من السيارة وهو يحمل حقيبة ورد. وجهه متجهم للغاية، بينما هي تتجه إلى منزل والدتها بخطوات سريعة. "ماما وحشتيني."

قالتها ورد مبتسمة وهي تضم والدتها التي فتحت لها الباب. ابتسمت والدتها وضمتها إليها وهي تقول: "وانتِ كمان يا ورد... اتفضلوا يا ولاد." ولكنها عبست وهي ترى الحقيبة التي يحملها ياسين، ولا تعرف لماذا، ولكنها توترت. بعد أن أدخلتهم لمنزلها قالت بإرتباك: "فيه إيه يا ولاد؟ ليه جاية بشنطتك يا ورد؟ ابتسم ياسين بلطف وقال: "مفيش حاجة يا حماتي. ورد بس حابة تقعد معاكي كام يوم. حسيت أنك وحشتيها ومتضايقة، فسمحت ليها بكده."

ابتسمت هي وقالت: "ربنا يخليك يا بني... اتفضل ارتاح." هز رأسه وقال: "معلش يا حماتي مرة تانية، أنا ورايا شغل. جيت أوصل ورد وأمشي." ثم قبل رأس ورد وقال: "خلي بالك من نفسك يا حبيبتي." ثم تركها وغادر. أحست والدتها تغير ملامحها عندما اقترب منها. لم تدع لها فرصة، بل أمسكت كفها وجذبتها خلفها، ثم جلسا على الأريكة. "قوليلي بقا فيه إيه يا بنتي؟ لا أنتِ ولا جوزك على بعضكم. فيه إيه يا ورد، طمنيني عليكي." "احنا كويسين يا ماما...

بس تعبانة عشان الحمل وعايزة أريح عندك شوية، ممنوع؟ هزت والدتها رأسها وقالت: "لا يا ورد... لا يا حبيبتي. الكلام ده مش عليا أنا. انطقي قولي فيه إيه. واللي مخلي فيه توتر بينك أنتِ وجوزك. يا بنتي قولي، أنا خايفة عليكي. مالك يا ورد؟ احتشدت الدموع بعين ورد. كانت تفرك كفيها بتوتر وهي تشعر بالإختناق. تشعر أنها تود الموت. لا شيء يسعدها. كل ما حولها باهت. ظنت أنها لو أتت لمنزل والدتها سوف ترتاح، ولكن هذا لم يحدث. "ورد بنتي؟

نظرت إليها ورد وقالت بإختناق: "أنا عايزة أتطلق يا ماما." "يا مصيبتي! ضربت والدتها على صدرها وأكملت: "بتقولي إيه يا ورد؟ إيه اللي حصل؟ ياسين عملك إيه؟ "معملش حاجة يا ماما... بس أنا مبقتش طايقاه خالص. مش حباه... أنا اتسرعت في الجوازة دي. أنا مبحبش ياسين... حاسة بنفور منه." وضعت كفها على بطنها وقالت: "حتى إني مش حابة وجود ابنه في بطني... وبفكر أنزله! شهقت والدتها بقوة وقالت: "بسم الله مالك يا بنتي؟ إزاي تقولي كده؟

ده أنتِ من أسبوع كنتِ فرحانة بالحمل وبتقولي محبتيش قد ياسين. إيه اللي غير أحوالك بالشكل ده؟ "كله كذب... أنا مش فرحانة معاه. أنا مش عايزاه يا ماما، ساعديني أطلق منه. أنا مش عايزاه... مش عايزاه، افهميني أبوس إيديكي." كانت والدتها تنظر إليها بصدمة. لا تصدق أن تلك هي ابنتها. تبدو غريبة للغاية. ماذا حدث لها فجأة بعد أن كانت تطير من السعادة مع ياسين؟

"طيب يا بنتي اهدي، متتعصبيش عشان ابنك اللي في بطنك. لا حول ولا قوة إلا بالله، أكيد اتحسدتوا يا بنتي. ده ياسين مفيش منه أبداً وباين عليه بيحبك. اقعدي عندي شوية وهدي أعصابك. ابعدي شوية يمكن لما تبعدي عنه تعرفي أنك بتحبيه وتنسي حكاية الطلاق دي." "مظنش يا ماما... خلاص أنا مش طايقاه! قالتها وهي تنهض متجهة إلى غرفتها لترتاح قليلاً.

أخيراً انتهت من عملها وسلمت العمل للفتاة الأخرى، ثم خرجت وهي تمسك حقيبتها، بينما ابتسامة تزين شفتيها. هي مرتاحة جداً بهذا العمل. تشعر أنها تحقق شيئاً بحياتها. تشعر أن لديها قيمة الآن. تتعلم سريعاً مع الطبيب جورج، وهو حقاً يساعدها بكل ما في مقدرته. وفقط لتمضي تلك الشهور، سوف تلتحق بمدرسة التمريض، ومن يعرف قد تدخل الجامعة.

ولكنها بدأت تفكر أن تبحث عن عمل آخر يعينها. صحيح الراتب الذي تتقاضاه جيد جداً، ولكنها تريد أن توفر بعض المال للحاجة. إنها تشكر الله أن الطبيب جورج أعطاها الراتب مقدماً بسبب أحوالها المالية السيئة، مما جعلها تعدل من وضعها المالي قليلاً. قررت أن تتمشى اليوم للمنزل نظراً لمزاجها الرائع. مشت رانيا وهي تبتسم. من بعيد كان يراقبها بسيارته. ابتسامة رائعة ترتسم على شفتيه وهو يراها بتلك السعادة.

نعم، هي تستحق تلك السعادة لأنها مجتهدة. لا تستسلم أبداً، حتى أن جورج يمدحها دوماً. خرج يحيى من سيارته وسار خلفها دون أن تشعر. هو لا يعرف لماذا يفعل هذا، وحقاً هو لا يهتم بتفسير تصرفاته الآن. لن يفكر كثيراً. هو سيفعل هذا وحسب. وغير مهم الضيق الذي سيشعر به لاحقاً. وقفت رانيا أخيراً أمام متجر لبيع الملابس. اتسعت عينيها بإعجاب وهي تطالع ذلك الفستان المعروض على واجهة العرض.

كان فستان أبيض مزين بورود صغيرة للغاية، بسيط ولكنه جميل وأنيق كما أنه محتشم. فتحت حقيبتها وهي تجد مبلغاً من المال. عضت شفتيها بتوتر. كانت ترغب بشراؤه، ولكن ماذا إن احتاجت تلك الأموال؟ عبست وهي تشعر بالحزن. لقد وقعت بحبه من اللحظة الأولى. بتردد دخلت إلى المتجر لكي تسأل عن سعره. بسرعة ذهب يحيى خلفها. وقف على باب المتجر وهو يراها تسأل البائعة عن ثمن الفستان.

عبس وهو يرى ملامحها الحزينة وهي تشكر صاحبة المتجر واستعدت للخروج. ابتعد يحيى عن المتجر كي لا تراه. تنهد وهو ينظر للفستان ونظر إلى اسم المتجر، ثم لحق بها. كان يسير خلفها ووجهه تزينه ابتسامة رائعة، يبدو رائق المزاج وهو يراها بهذا الشكل. سعيدة ومرتاحة. داخلها أمل لا ينضب. هو معجب بروحها المقاتلة. معجب كثيراً. فجأة تجمد مكانه وهي تستدير بغتة. اتسعت عيني رانيا واقتربت منه. "دكتور يحيى!

قالتها بصدمة، ولكنها لم تستطع منع تورد وجهها وهي تتأكد أنها كان يراقبها! بدأت آمالها تنمو مجدداً، ولكنها هدمتها وهي ترفع رأسها وتقول: "حضرتك بتعمل إيه هنا؟ معقول كنت بتراقبني؟! بهت قليلاً وارتبك وهو لا يعرف ماذا يقول. أراد أن ينفي عنه التهمة، ولكنه سيكون كاذباً لعين. تنهد وهو يحاول ترتيب كلماته، بينما ينظر إلى وجهها المشتعل من الغضب. "دكتور يحيى! هتفت مجدداً بنفاذ صبر، ليقول بسرعة ودون تفكير: "أيوه كنت براقبك!

ارتفع حاجباها بدهشة. هي حقاً لم تتوقع تلك الصراحة منها. أرادت توبيخه، الشجار معه، ولكن الكلمات كانت محشورة داخل فمها ترفض الخروج. أغمضت عينيها وهي تحاول السيطرة على انفعالاتها. فتحت عينيها مجدداً ونظرت إليه وقالت: "حضرتك كان بيننا اتفاق. أنا هقبل بالشغل اللي حضرتك جبته ليا بس منقابلش بعض مرة تانية. أنا التزمت بوعدي. حضرتك ليه ملتزمتش بوعدك؟ كانت تتحداه، وهذا أعجبه، فقال: "معرفش صدقيني معرفش... أنا بحب أشوفك."

تراجعت قليلاً وهي تنظر حولها، بينما اصطبغت بشرتها باللون الأحمر. كانت تشعر بقلبها يخفق بقوة داخل صدرها، ولكنها سيطرت على نفسها وقالت بقوة:

"دكتور يحيى، أظن كفاية لعب لحد دلوقتي. أنت مشكور جبتلي شغل وأنا هفضل شايلة جميلك ده طول حياتي. بس كمان مش هنسى أن الست والدتك جات في مكان أكل عيشي وأهانتني وخلت الناس تتفرج عليا. والدتك عاملتني كأني أنا اللي ضحكت عليكي، كأني واحدة مش محترمة. وأنا آسفة لحضرتك، بس مش عايزة أتحط في الموقف ده تاني أبداً. عشان كده ياريت تبعد عني. لو سمحت. أنا عارفة أن حضرتك حاسس بتأنيب الضمير بسببي وأنا بقولك اهو أنت عملت اللي عليك وزيادة، خلاص كفاية كده. ركز في حياتك وسيبني أنا أركز في حياتي."

ازدرد ريقه وهو ينظر إليها. بعينيها البنية كان يوجد بهما إصرار غريب. كانت بالفعل تريده خارج حياتها. وليكن صريحاً، هذا جعله يتألم بطريقة هو لا يفهمها. أطرق وجهه وقال بنبرة خافتة تشوبها الحزن: "أنا آسف يا رانيا... آسف." ثم استدار وذهب. وبينما تراه يذهب، أحست رانيا بغصة بقلبها، ولكنها أخبرت نفسها أن ليس هناك أمل لهما. لن يجمعهما أي شيء. لذلك من الأفضل أن يبتعد. نعم، هذا أفضل بكثير. استدارت هي ذاهبة إلى منزلها.

أمام المتجر الذي كانت تقف به رانيا، كان يقف هو. دخله دون تردد وأشترى الفستان الذي أرادته. لم يبرر أي من تصرفاته. فقط اشتراه دون تفكير. ثم اتجه إلى سيارته وانطلق بها إلى منزله. "أما أنا جيت." قالتها رانيا وهي تبتسم وتدخل للمنزل. تحمل معها أكياس الخضروات والفاكهة. استقبلتها والدتها بإبتسامة حلوة وهي تشير لها لتقترب منها. وضعت رانيا الأشياء أرضاً واقتربت من والدتها وقبلت رأسها. نظرت رابحة إلى ابنتها وقالت: "جايلك عريس."

بهتت رانيا قليلاً وارتبكت، ولكنها ردت بهدوء: "طيب كويس. هقابله." ابتلعت والدتها ريقها وأكملت: "العريس هو كمال ابن عم دسوقي." تجمدت رانيا مكانها، ثم نظرت إلى والدتها بقهر وقالت: "برضه يا أما... مصممة تقللي مني يا أما. أنا مبصعبش عليكي. بحاول أعمل المستحيل عشان أسعدك وأنتِ دايماً كاسرة نفسي. يعني لو متُّ أنتِ هترتاحي." شهقة ملتاعة انفلتت من شفتي رابحة وقالت وهي تضع كفها على صدرها:

"بعيد الشر عنك يا بنتي بتقولي كده ليه. بس اخص عليكي يا رانيا." "بقول كده عشان زهقت يا أما... زهقت. مش كمال ده متجوز يا أما... عايزة تدخليني على ضرة." "يا بت قال إنه مستعد يطلق مراته." "يالهوي يالهوي! لطمت رانيا على وجهها بقهر، ثم اقتربت من والدتها وقالت: "حرام عليكي يا أما هتموتيني ناقصة عمر. أنا مبخربش بيت حد يا أما. محرقش قلب واحدة زيي عشان أتجوّز. أنا نصيبي موجود." "قصدك على الدكتور يحيى؟

فكراه هيتجوزك يا بت عشان بس جابلك شغل." نفخت رانيا بضيق وهي تنظر إلى والدتها نظرات مشتعلة. كانت غاضبة بحق، فقالت بنبرة منفعلة: "لا يا أما مش دكتور يحيى ولا عمري أصلاً أفكر كده. أنا عارفة إن مستحيل يبقى بينا حاجة خاصة بعد الكلام اللي سمعته من والدته. بس ده مش معناه أقبل بأي حاجة يا أما. أبوس إيديكي متعقدنيش في حياتي."

"يووه خلاص يا رانيا اعملي اللي عايزاه. مش هتدخلك في أي موضوع بعد كده. المهم دلوقتي روحي واعمليلي أكل عشان أنا جعانة." زفرت رانيا بضيق وقالت: "حاضر يا ماما... هتشطف وأغير هدومي وأجهز الأكل." ثم ذهبت وتركتها. مطت رابحة شفتيها وقالت: "أما بنت فقر بصحيح. مش كفاية ضيعتي علينا ورث أبوكي... دلوقتي رفضتي كمال." ثم صمتت رابحة واجمة وهي تفكر أن صحيح ابنتها تبذل قصارى جهدها من أجلها، ولكن هذا يزعجها. يزعجها أن ابنتها لا ترتاح.

تريدها أن تتزوج وترتاح قليلاً. ولكن رانيا لا تتقبل منها أي شيء. "بنت فقر بصحيح! قالتها رابحة بضيق. في المساء. إنه يريدها... يريدها أكثر من أي شيء آخر ولن يتحمل أن تبتعد عنه أكثر من هذا. لن يتحمل. اليوم ستكون زوجته. اليوم سيوصمها بإسمه. سيسلب قلبها كما سلبت هي قلبه. كان عدي يفكر بينما يتأملها وهي نائمة. بدت كالملاك. جميلة بشكل لا يصدق، وكم أراد أن يقترب منها ويشبعها تقبيلاً. ازدرد ريقه واقترب بالفعل منها.

جلس على الفراش بجانبها، ثم مرر أصابعه على وجهها. اقترب بوجهه منها، ثم أصبح يقبلها بلطف. عبست جواهر في نومها. كانت تشعر أنها تتأرجح بين الوعي واللاوعي وهي تشعر بقبلات لطيفة على وجهها. قبلات جعلتها تطفو فوق سحابة وردية وتتحرك بمعدتها مئات الفراشات. "عدي... قالتها بحب وهي تبتسم. ليبتسم هو ويقول: "أيوه يا حبيبة عدي." فتحت عينيها فجأة برعب وهي تجده يشرف عليها، بينما ابتسامة رائعة تزين شفتيه. أسرها بنظراته وقال:

"أنا بحبك يا بيري... بحبك أوي." ثم اقترب ليقبلها مرة أخرى، إلا أنها دفعته وهي تنهض وتصرخ قائلة: "ابعد عني... ابعد عني! "فيه إيه يا عبير؟ قالها بصدمة وهو يقترب منها، لتصرخ هي: "قلت ابعد، أنا مش عايزك! تجمد وجهه، وحفر أصابعها في ذراعها وهو يجذبها إليه ويقول بعصبية: "أنا جوزك... جوزك وليا حقوق وأنتِ مانعاني عنها! ارتجفت شفتيها وانفجرت الدموع من عينيها، وقد تراجع غضبها وحل محله الخوف. فهمست بخوف: "عدي سيبني لو سمحت...

لو سمحت أبعد! تصاعدت النار بعينيه وقال: "أنا حابب أفهم إيه المشكلة... كل لما أقرب منك تخترعي حوار! هو فيه إيه! أنا مش هصبر عليكي أكتر من كده. النهاردة يا بيري... النهاردة هاخد كل حقوقي." ارتفع نشيجها وبدأت في البكاء بعنف، ليحاصر وجهها ويقول بعنف عاطفي: "إيه المشكلة يا بيري؟ ليه خايفة مني؟ أنا مش هاذيكي." تنهد بألم وهو يضع جبينه على جبينها ويكمل: "أنا بحبك... بحبك يا عبير! قضمت شفتيها بتوتر وقالت، وبدت وكأنها تختنق:

"بس أنا مش بحبك ولا عمري حبيتك! دفعته بعيداً عنها وهي ترى الصدمة على وجهه، وتردد كلماتها بقسوة: "أنا مش بحبك يا عدي... مش بحبك! وكانت تلك هي الطعنة الأبرز لقلبه. تراجع وقد ارتدى قناعه الجليدي وقال: "أظن جه الوقت ننهي مسرحية جوازنا... قريباً هطلقك يا عبير... هاديكي حريتك! في اليوم التالي. "يا أختي أنا عمري ما شفت أخويا في الحالة دي، ده كان هيتجنن عليكي يا بت والله. عملتيه إيه بس؟

قالتها تحية وهي تغمز لها، بينما هما جالستان على طاولة الإفطار. احمرت عبير بشدة وابتسامة رائعة تكونت على شفتيها، تتذكر اللهفة بعينيه عندما رآها تخرج مع جواهر. أنه متيم مثلها تماماً، غارق حد النخاع في عشقها. انتفض قلبها داخل صدرها والألم اللذيذ يملؤها. هي الآن عاشقة. تعيش أجمل أيام حياتها. "آه...

فكرتوني بخطوبتي أنا وحسين. أنا كل لما يكلمني وشي يحمر وأحس بفراشات بتتحرك في معدتي. كانت أيام حلوة ربنا يرجعهولي بالسلامة يارب." "بإذن الله يرجع وينور حياتك وميسافرش تاني أبداً." قالتها عبير بإبتسامة لطيفة، لترفع تحية كفها وتقول: "آمين يا أختي. يسمع من بوقك ربنا يا أختي وعقبال ما أفرح بيكي أنتِ وأمير يا بت. والله بس تتجوزوا وأنا أعملكم فرح وأفضل أزغرط للصبح." احمرت عبير أكثر واتسعت ابتسامتها أكثر. عيناها سطعت بقوة.

لم تختبر تلك السعادة من قبل. كانت تظن أن قرار مجيئها لمصر كان خاطئ. حسناً، هي مخطئة. كانت أجمل صدفة هي مقابلة أمير نصفها الآخر. فمن كان يظن أن عبير التي كانت تهرب من الحب، لا تسمح لأحد باختراق حصونها، هي الآن غارقة في العشق. "أنا هقوم أشيل الفطار وأرتب البيت قبل ما الشياطين بتوعي يجوا من الحضانة." قالتها تحية مخرجة عبير من شرودها، لتهز عبير رأسها وتنهض لكي تحمل معها الأطباق.

ولكن رنين جرس المنزل جعل تحية تتوقف وتسحب خمارها وترتديه وهي تقول بحيرة: "ده مين ده اللي جاي من الصبح كده؟ ثم اتجهت للباب ونظرت من العين السحرية لترفع حاجبيها بدهشة وهي تتراجع وتقول: "مين ده؟ عبست عبير وهي لم تفهم ما قصدها واقتربت من الباب وهي تنظر من العين السحرية، لتنفلت من بين شفتيها شهقة مصدومة. بينما عينيها متسعة بقوة. تراجعت للخلف وهي تقول بتوتر، وأمكنها أن تسمع ضجيج قلبها: "ده... ده بابا! شحبت تحية وقالت:

"طيب وجاي ليه؟ ليكون جاي ياخدك تاني؟ هزت عبير رأسها وقالت: "لا مظنش، مش هيقدر المرة دي. أنا هفتحله يا تحية وأشوف عايز إيه." هزت تحية رأسها لتتنحى قليلاً وتسمح لعبير بفتح الباب. فتحت عبير الباب وهي تجمع شجاعتها. فهو لن يستطيع إيذاءها هنا. كان شريف يقف أمامها. رأسه مرفوعة ونظراته القاتمة تتركز على ابنته. وبقدر غضبه عليها، كان يشتاق إليها. حزين من الوضع الذي توصلوا إليه. هو لم يقصد أبداً أن يؤذيها.

هو أراد فقط أن ينقذ نفسه من خطر السجن. كان خائف وظن أن ابنته ستضحي لتنقذه، ولكنها تخلت عنه وهذا حطمه. فلو تزوجت عبير من عدي، كانت ستكون سعيدة. رغم أنه يكره أن يعترف بهذا، إلا أن عدي ليس شخص حقير، حتى لو حاول التصرف بلؤم. ولكنه يعرف أن بداخله شخص طيب القلب. وربما هذا هو السبب الذي يجعله متأكداً أن جواهر ستستطيع خداعه. فقط لتحضر الشيكات، وهو لن يقف في طريق عدي رشيد مرة أخرى أبداً! "خير يا شريف بيه؟

صوت عبير الحاد أخرجه من شروده. كانت النار تحتشد بعينيه. فترت شفتيه عن ابتسامة ساخرة وتشدق قائلاً: "شريف بيه؟ غريبة، افتكرت إني أبوكي يا بيري. كسرتي قلبي." كانت نظراتها تشع بالكره. من الخطأ أن تكره والدها، ولكن هي فعلت هذا. هي كرهته في تلك اللحظة. كرهته كثيراً! هزت رأسها وقالت: "عمرك ما كنت أبويا... عمرك ما كنت... سعلت تحية بإحراج وقالت: "اتفضلوا اتكلموا في الصالون جوه وأنا هعملكم حاجة تشربوها."

ثم انسحبت للمطبخ، بينما قالت عبير من بين أسنانها: "اتفضل ادخل." مشى بالصالة وهو يضع كفيه في يديه. كان ينظر إلى البيت البسيطة بإحتقار، مط شفتيه وقال: "بقا تسيبي العز اللي في حياتك كله وتيجي تعيشي في المكان ده يا بيري؟ صحوبيتك مع جواهر خلاكي لسعتي." عضت شفتيها بغيظ، بينما يجلس على الأريكة براحة وهو يضع ساق على ساق. عبس قليلاً وقال: "الكرسي ده مش مريح. إزاي الناس دي عايشة بالشكل ده؟

دي عيشة دي. ده إنتِ دافنة نفسك بالحيا هنا. جواهر قدرت تضحك عليكي، هربتك واتجوزت هي عدي وعاشت في العز اللي كانت عايزاه من البداية، بس أنتِ مبتفهميش." نظرت إليه عبير بإحتقار. كانت لا تصدق إلى أي مستوى متدنٍ قد يصل. لقد تجاوز حدوده بالفعل! "ياااه... يعني ده كله كان من تخطيط جواهر؟ مش مثلاً حضرتك اللي هددتها بشيكات علاج والدتها؟

أنا مش قادرة أصدق المستوى اللي وصلتله. دايماً كنت بسأل ماما هي ليه سابتك وهي مكانتش بترد عليا. بس تخيل، ليها حق تسيبك. أنت إنسان مش طبيعي." سيطر على غضبه بمهارة وابتسم ونظر إليها وقال: "للأسف بعدك عني لفترة طويلة خلاكي بنت مش متربية. دي مش طريقة تكلميني بيها، أنا أبوكي." "فعلاً أبويا آه... أبويا اللي كان عايز يبيعني و... نهض وصرخ بها: "افهمي يا غبية، افهمي. أنا كنت عايز أنقذك وأنقذ نفسي. كنت هجوزك ملياردير...

واحد تعيشي حياتك كلها مبسوطة معاه. كنتِ هتستفادي وأنا هستفاد. لكن أنتِ... أنتِ قررتي تكوني غبية. سمعتي كلام واحدة أغبى منك وهربتي، وهي دلوقتي اللي عايشة في العز وأنتِ لا. أنتِ عايشة هنا في الزريبة دي. أنا دايماً كنت عايز مصلحتك، بس أنتِ مبتفهميش." ضغطت على أسنانها بغضب. كراهيتها له زادت الآن، فقال بغضب: "مت'بصيليش بالطريقة دي، أنا أبوكي وبنصحك! عاجبك العيشة في الز... "أيوه عاجبني... عاجبني...

إني أعيش هنا أحسن مليون مرة ما أعيش في بيتك. أحسن مليون مرة ما أعيش مع واحد عايز يبيعني عشان مصلحته يا بابا. على الأقل أنا عايشة مع ناس بيحبوني." رفع حاجبيه وقال بنفاذ صبر: "لا، وضحي يعني إيه بيحبوكي. قصدك على مين؟ الست اللي دخلت ولا الميكانيكي اللي ساعدت وخفاكي في بيته؟ انطقي." ابتلعت ريقها وأحست وكأن الكلمات تطايرت من لسانها. فقال شريف بقوة: "لا لا مستحيل... مستحيل تعملي كده. مت'قوليش... حبيتي الميكانيكي يا عبير؟

حبيتي!!! انطقي." ارتجفت بقوة، ولكنها رفعت رأسها وقالت: "أيوه بحبه وهتجوزه! بلمح البصر اقترب منها، ثم رفع كفه وصفعها بقوة. تراجعت عبير قليلاً وهي تضع كفها على وجنتها بصدمة، بينما اخترق المكان صوت تحية وهي تقترب وقالت: "متقربش منها! وضعت الصينية على الطاولة، ثم وقفت بين عبير ووالدها وقالت: "إياك تمد إيديك عليها تاني، وإلا... ولكن شريف دفعها بفظاظة وقال: "ابعدي يا متشردة أنتِ." ثم أمسك ذراع عبير وقال:

"وانتِ هتيجي معايا البيت! ولكن تحية امسكت ذراع عبير وجذبتها إليها وهي تقول بقوة: "أقسم بالله لو ما مشيت دلوقتي لأصوت وألم عليك أمة لا إله إلا الله يا راجل أنت. وصدقني أنت موقفك دلوقتي ضعيف، يعني لو قلت للناس إن دي بنتك هتتحبس. فاحسنلك امشِ بهدوء بدل ما تخرج بفضيحة. يلا." وشريف كان عاجزاً تماماً عن الرد. هي محقة، موقفه الآن ضعيف جداً. لتحصل جواهر فقط على الشيكات، وهو سوف يتصرف ويأخذ ابنته. دون أي كلمة أخرى اتجه وغادر.

بعد أن غادر شريف، اقتربت تحية من عبير التي بدأت تبكي وضمتها وهي تقول: "متزعليش، ربنا يسامحه بقا." بعد لحظات رن جرس الباب بقوة، فابتعدت تحية بفزع وقالت: "ممكن يكون رجع تاني... استني أشوف." ثم ذهبت ناحية الباب. لحظات وفتحته ليلج أمير بخوف إلى المنزل ويقول: "أبو عبير كان هنا؟ خير جاي ياخدها. حاول ياخدها أو... كان يتكلم بسرعة، ولكن تحية امسكت ذراعه وقالت:

"اهدى يا أخويا محصلش حاجة. روح بس شوف عبير، وأنا رايحة أعملها كوباية عصير ليمون بدل الشاي." ثم اتجهت بالفعل للمطبخ. اتجه أمير نحو عبير الواقفة في الصالة. نظر إليها لتتسع عيناه وهو يرى بقعة حمراء مطبوعة على وجنتها. "ضربك... همس بغضب. لتهز رأسها وهي تبكي. بينما هو اشتعل أكثر. ود لو يقتله الآن. ود لو يواسيها. يحتضنها ويخبرها أنه آسف لأنه لم يحميها. أغمض عينيه وهو يستغفر ربه. لا يجب أن يفكر بها بتلك الطريقة.

أطرق برأسه وتمتم: "حقك عليا أنا... حقك عليا يا عبير. أوعدك بعد جوازنا محدش هيلمس منك شعرة تاني. أوعدك." "الامتحانات قربت ولازم نركز يا نسرين." قالتها ليان وهي تتمسك بذراع نسرين الشاردة. تنهدت نسرين، فآخر ما كانت تهتم به الآن هو الاختبارات. زفافها اقترب، فبعد الامتحانات مباشرة سوف تتزوج من فؤاد. فؤاد الذي رغم ما فعلته معه، إلا أنه ما زال يعاملها بلطف. لماذا يفعل هذا؟ لماذا لا يكرهها!

ظل ذلك السؤال يؤرق نسرين لأيام، ولكنها لا تجد له أي إجابة. هل حبه لها يجعله يصبر بتلك الطريقة، أم هي الشفقة! دعكت جبينها بقوة وهي تشعر أنها في دوامة لا نهاية لها. "روميو بتاعك جه يا نسرين." قالتها ليان بنبرة سعيدة، لتنظر نسرين فتجد فؤاد يتوقف بسيارته أمامهما. ارتبكت وهي تطرق برأسها، بينما يخرج هو من السيارة ويقول: "خلصتي محاضراتك؟ هزت رأسها بهدوء. ابتسمت ليان وقالت: "احم يا أستاذ فؤاد نحن هنا." نظر

إليها فؤاد وقال بإعتذار: "آنسة ليان أنا آسف... إزاي حضرتك؟ ضحكت برقة وقالت: "أسفك مقبول يا دكتور. معذور، عيونك مش شايفة إلا حد معين بس." تورّدت وجنتا نسرين وهي ما زالت مطرقة برأسها. ضحك فؤاد ونظر إلى نسرين وقال: "فعلاً عيوني مش شايفة إلا حد معين بس." أمسك كف نسرين وأكمل: "يالا هنروح البيت." هزت نسرين رأسها، فنظر فؤاد إلى ليان وقال: "يالا يا آنسة ليان نوصلك معانا." هزت ليان رأسها بالنفي وقالت:

"لا ميرسي، حد هيجي ياخدني." "تمام، مع السلامة." "أوكي باي." ودعتهم ليان ونظرت إلى السيارة المنطلقة بسعادة. إنها يعجبها هذا الشاب. هذا هو الشخص المناسب لنسرين. هو فقط! قررت أن تتمشى قليلاً حول المكان حتى يأتي موسى. للمرة الأولى يتأخر عليها، ولكنه أخبرها أنه يجهز لها مفاجأة، وهي قررت أن تنتظرها بلهفة. فجأة توقفت وهي تسمع أحدهما ينادي اسمها.

استدارت لتجد رجلاً يهتف باسمها من داخل سيارة، وعندما دققت النظر فيه وجدته حسان رشيد عمها. لم تراه منذ سنوات. ابتسمت ليان واقتربت بلهفة وهي تقول: "عمي، إنت جيت أخيراً من السفر ده عدي هيفرح أووي... و... ولكنه قاطعها بجمود وقال: "ارركبي يا بنتي." وبالفعل دون تردد استقلت السيارة. وكادت أن تتحدث بلهفة لعمها الذي اشتاقت إليه كثيراً، ولكن أحدهما كمم أنفها بمحرمة لتفقد الوعي تماماً! ابتسم حسان بخبث وقال: "حق أبويا هيرجع!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...