الفصل 3 | من 48 فصل

رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الثالث 3 - بقلم سولييه نصار

المشاهدات
85
كلمة
4,438
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

قال عدي براحة وهو ينظر لشريف المتوتر: -أو ممكن بنتك تكون محظوظة وأخليها مراتي للأبد. لتسكت شريف تماماً بينما كل ما كان يصرخ به هو ضميره. تنهد شريف وهو يقول: -تمام، عيد ميلاد بيري بعد أسبوعين، تقدر وقتها تشوفها وتتعرف عليها. اتسعت ابتسامة عدي وقال برضا: -جميل أوي يا شريف بيه، أشوف الهانم الصغيرة وأقرر اللي هعمله. هز شريف رأسه ونهض وقال: -أستأذن أنا دلوقتي. -اتفضل.

ثم غادر شريف لتنمحي الابتسامة من وجه عدي. أنه يحتقر هذا الرجل، يحتقره كثيراً. كان شريف يقود سيارته وهو يشعر بالاختناق. لا يصدق أنه يفعل بصغيرته هذا، يسلمها للشيطان بنفسه.

أوقف سيارته وخرج منها ووقف أمام النهر وهو يشعر بالاختناق. الشعور بالذنب يعصف به، والخوف أيضاً. هو يعيش صراع الآن، صراع كبير وقلبه يتمزق في خضم هذا الصراع. صراع ما بين أن يحمي ابنته ويعوضها عن غيابه وما فعله بوالدته، والخوف من السجن. لذلك سوف يضحي بابنته. لكي ينجو هو، سوف يضحي بصغيرته!

كان يشعر بالقرف من نفسه. السوء والغضب. هو يعرف أنه أناني، نعم يعترف بهذا ولن ينكر. لن يبرر تصرفاته، بل سيتحمل نتيجة أفعاله. فهو من عرض ابنته على عدي رشيد. هو من استخدمها كبيدق لكي ينجو من السجن. هو لا يستحق لقب الأب، لا يستحقه أبداً. أغمض عينيه والدموع تنساب على وجنته بينما يقول بخفوت: -سامحيني يا بيري، سامحيني يا بنتي! ثم مسح دموعه واتجه لسيارته، ثم استقلها وانطلق بها. في غرفة عبير، كانت جواهر تشرب

سيجارتها الرابعة وتقول: -أنا خايفة. بحاول أبين لماما أن الموضوع سهل وهيعدي، بقولها أنها هتخف بس أنا ذات نفسي مش مصدقة الكلام ده. أنا عارفة أن الموضوع مجرد وقت. صمتت جواهر وفشلت في محاربة دموعها التي تدفقت بقوة من عينيها. مسحتها بسرعة عندما رأت نظرات عبير المشفقة وقالت مبتسمة بحزن: -للأسف الكانسر دخل في المرحلة التالتة. رغم العلاج الكيماوي بس للأسف مش قادرين نسيطر عليه والمشكلة أن جسمها مش متحمل. وأنا...

أنا مش عارفة أعمل إيه. مش قادرة أتقبل فكرة أني أخسرها.

انسابت دموع عبير وهي تشعر بألمها. ألم الخوف من الفقدان. هي تعرف شعور عدم وجود الأم وجواهر تخاف من هذا الشعور. نعم، إنه مؤلم، مؤلم للغاية. فهي منذ فقدت والدتها وهي ضائعة حرفياً. تحاول أن تتجاوز الأمر ولكنه مؤلم، مؤلم للغاية. هي تعرف أن لا أحد على الإطلاق سوف يعوض فقدان والدتها. لا أحد سوف يشغل مكانها، لا أحد سوف يشعرها بالأمان كما فعلت والدتها. تعرف هذا ومتأكدة منه مليون بالمائة. ابتسمت جواهر بإنكسار وقالت:

-أمي قالتلي أن جدتي ماتت بنفس المرض. على الأغلب المرض لعنة العيلة، يعني أنا كمان معرضة أتصاب بيه. نظرت إلى سيجارتها وابتسمت قائلة: -واهو أنا بحاول أسهل على نفسي الموضوع. يمكن أودع بدري وأرتاح. -متقوليش كده، بعيد الشر عليكي يا جواهر. أغمضت جواهر عينيها بتعب وقالت:

-العذاب الحقيقي ليا يا بيري أني أعيش من غير ماما. أنا مليش غيرها. أبويا اتخلى عني، ومليش أصحاب غيرك وأنتِ ممكن في أي وقت ترجعي فرنسا. يعني حرفياً مليش حد أبداً. مليش حد غيرها. أنا بتمنى فعلاً أموت قبلها. وتلك الأمنية كانت أنانية للغاية منها، فالموت سوف يجنبها الألم الذي ستشعر به عندما تفقد والدتها. اقتربت عبير منها وضمتها برفق إليها وقالت بنبرة ناعمة: -كل حاجة هتكون بخير يا جواهر. ربنا كريم.

-ونعم بالله، قالتها جواهر وهي تشدد من احتضانها. ولكن فجأة شهقت وهي تبتعد عنها وتنظر إلى الساعة وتقول: -أتأخرت على الشغل! ثم ركضت بسرعة من الغرفة. في منزل كريم النجار، كانت نسرين تتناول طعام الإفطار بهدوء قبل أن تذهب إلى جامعتها. -كريم حبيبي، فؤاد جاي من الإمارات بعد أسبوع وعايزين نجهزله حفلة بسيطة كده ونستقبله، ممكن يا حبيبي؟ تجهم وجه نسرين وهي تسمع صوتها. إنها تكره هذه المرأة، تكرهها كثيراً. ابتسم كريم وقال:

-أكيد يا حياتي. ابنك هو ابني وهنعمله حفلة استقبال حلوة. هو خلاص ناوي يستقر في مصر صحيح؟ هزت رأسها وقالت: -أيوه حبيبي تعب من الغربة أوي يا كريم. -وطبعاً هيجي يعيش معانا هنا! ما هو خلاص البيت بقى مفتوح لطنط نهى وقرايب طنط نهى وعيالها كمان. نظرت نهى لطبقها بإحراج ليزعق كريم بها ويقول: -نسرين احترمي نفسك وكلمي خالتك كويس. لو مش قادرة تعتبريها في مقام مامتك، متنسيش أنها خالتك. -كريم مفيش مشكلة، قالتها نهى بإحراج

ثم نظرت إلى نسرين وقالت: -فؤاد هيشتريله بيت، متقلقيش يا نسرين مش هيجي يعيش هنا. -الحمد لله، قالتها نسرين ببرود وهي تكمل إفطارها. نظر كريم إليها بإستياء. يغضبه تعامل نسرين السيء مع زوجته. ونهى تظهر صبر لا نظير له معها. لا تغضب ولا تشتكي له أبداً. ولكنّه لن يستطيع أن يتحمل أن تُهان زوجته في بيته. سوف يتكلم مع نسرين. قطع رنين الهاتف شروده، استل الهاتف من جيبه ووجد أن صديقه منير يتصل به. رد على الهاتف:

-أيوه يا منير يا حبيبي، خير. اتسعت عيناه فجأة وقال: -بتقول إيه!!! ماله يوسف؟ يا خبر! وقعت الشوكة من يد نسرين ونظرت لطبقها وتكونت طبقة خفيفة من الدموع. كان قلبها يصرخ في صدرها وهي تسمع لصوت والدها المصدوم الذي يردد أن يوسف تعرض لحادث. يوسف حبيبها، يوسف... -طيب يا منير أنا جاي المستشفى فوراً. نهضت نهى بقلق وسألت: -فيه إيه يا حبيبي؟ إيه الحادثة اللي بتقول عليها دي؟ كانت كريم يرتدي سترته ويقول:

-يوسف صاحبي تعرفيه طبعاً عمل حادثة. عربيته خبطت في عربية واحد وراح المستشفى. منير بيقولي بسيطة بس أنا لازم أروح وأطمن. هزت نهى رأسها وقالت: -عندك حق يا حبيبي روح. -أنا جاية معاك يا بابا عايزة أشوف ي... أنكل يوسف. هز والدها رأسه وقال: -لا طبعاً يا نسرين، قولتي عليكي امتحان مهم النهاردة. روحي الكلية وأنا هبقى أطمنكم عليه. -بس... -من غير بس يا نسرين، قولتلك روحي كليتك.

قالها كريم وخرج مغلقاً أي فرصة للنقاش. ونسرين لم تصر. هي لا تريد أن يشك أحدهما في أمرها أو علاقتها بيوسف، لذلك أخذت حقيبتها كي تذهب. فقالت نهى بنعومة: -تحبي أوصلك يا نسرين؟ نظرت إليها وقالت بإنفعال: -لا مش عايزة. مش عايزة أخوكي لا يوصلني ولا يتكلم معايا أصلاً. أنتِ إيه مبتفهميش؟ قدرتي تلفي على بابا وتتجوزيه عشان طيب، لكن أنا عارفة حركاتك دي كويس أوي ومش هتخيل عليا.

ثم تركتها وغادرت لتجلس نهى على المقعد ودموعها تتدفق من عينيها. لا تعرف ماذا تفعل لكي تنال حب نسرين مجدداً. لما تفهمها بشكل خاطئ تماماً. لما لا تستطيع أن تعاملها باحترام. معاملة نسرين معها تقتلها حرفياً. هي تريد أن تنال حبها واحترامها. مسحت نهى دموعها ونهضت لتنظف الطاولة.

في سيارة الأجرة، كانت نسرين تستند برأسها على الشباك ودموعها تتساقط بقوة. قلبها يؤلمها على يوسف. تتساءل بقلق عن حاله. القلق ينهش بقلبها. كل ما تريده الآن أن تذهب إلى المشفى وتراه، ولكن لن تخاطر أن يعرف أحد بعلاقتها معه. لو علم والدها بالتأكيد سوف تخسر يوسف وهي ستفعل المستحيل لكي تبقى معه للأبد! -أنا مجتلكيش امبارح قولت أسيبكم شوية على راحتكم.

قالتها والدة ورد وهي تمسك كفها بلطف بينما كانت ورد شاردة قليلاً. تعامل ياسين البارد معها يستفزها. هذا الرجل يثير الرغبة في القتل لديها. كم تريد أن تضربه وتفرغ قهرها منه. لا تعلم لماذا هو بكل هذا البرود، وكيف بعد بروده يأتي ليلاً ليأخذ منها ما يريد وهي لا تقاوم حتى! دعكت ورد عينيها بتعب لتتجهم والدتها قليلاً وتقول: -فيه إيه يا ورد مالك مش مبسوطة؟ نظرت إليها ورد ببلادة لتشد والدتها على كفها وتقول: -ياسين فين يا بنتي؟

فيه واحد يسيب عروسته في شهر العسل بتاعهم ويمشي؟ راح فين؟ شردت ورد وهي تتذكر أنه أخبرها بأدب. تفاجأت هي به أنه سوف يذهب إلى والدته ليري ابنته، وكما أنه أخبرها أن بعد أسبوع سوف تأتي ابنته لتقيم معهما. هي فقط تتمنى ألا تكون الابنة سليطة اللسان كالوالدها، فهي لن تحتمل نسخة أخرى من ياسين. فيكفي هو، ظلت معه يومين وكادت أن تفقد عقلها حرفياً. -ورد مبترديش ليه يا بنتي قلقتيني عليكي؟

قالتها والدتها بقلق وهي تنظر إلى شرود ابنتها وأخذ عقلها يضع العديد من الاحتمالات المؤسفة. ما الذي حدث يا ترى؟ تنهدت ورد وقالت بصوت باهت: -راح لوالدته عشان يشوف بنته يا ماما، زمانه جاي متقلقيش. تنفست والدتها براحة ولكنها قالت بتوجس: -طيب إيه الأخبار يا بنتي طمنيني. -أنا كويسة يا ماما بس مرهقة شوية. نظرت والدتها إليها بشفقة وقالت:

-بس وشك مش بيقول كده يا ضنايا، شكلك تعبان أوي يا ورد. شكلك زعلانة ومش مبسوطة. هو ياسين زعلك ولا حاجة؟ كانت تريد ورد أن تنفجر وتخبرها بكل شيء عن هذا المدعو ياسين. كانت تخبرها عن قلة ذوقه وبروده معها، ولكنها لم ترد أن تقلق والدتها عليها. فبعد عدة سنوات والدتها ارتاحت أخيراً من همها وهي تزوجت. لن تعود كمطلقة كي لا تقهر والدتها! نظرت ورد إلى والدتها ورسمت ابتسامة لطيفة على شفتيها وقالت وهي تشد على كفها:

-صدقيني أنا كويسة أوي يا ماما وياسين كويس معايا أوي. بس دي حياة جديدة. مسؤوليات جديدة طبعاً في البداية لازم تكون مرهقة وعندي رهبة من حياتي الجديدة. هو ده الموضوع بس متقلقيش انتِ يا ست الكل. وضعت والدتها كفها على قلبها وقالت: -ربنا يريح قلبك يا بنتي زي ما ريحتيني. متعرفيش أنا مبسوطة قد إيه عشانك. مبسوطة أنك فرحانة مع جوزك يا ورد أخيراً. بعد كل اللي عانيتيه جه وقت أنك تفرحي. أنتِ تستاهلي كل خير يا بنتي.

ابتسمت ورد لتضمها والدتها إلى صدرها. شعرت بالذنب لأنها كذبت عليها ولكن الراحة التي غشت وجه والدتها تستحق. هي تريد لوالدتها أن ترتاح ولا تحمل همها وهي من سوف تتعامل مع هذا البارد قليل الذوق. توعدت ورد بداخلها وعينيها البنية تبرق بقوة! ابتعدت ورد ما إن سمعت الباب يُفتح وظهر ياسين. -وأنا أقول البيت نور ليه، أتاري حماتي سر سعادتي عندنا.

نظرت ورد بصدمة إليه وهي تفكر أنه يستطيع نطق شيء جيد. عجيب، ظنت أن فمه لا يقذف إلا الإهانات ولكنه الآن رجل طبيعي. حسناً، هذا غريب. نهضت والدة ورد وهي تسلم عليه. رفع ياسين كفها وقبله باحترام لتتسع عينا ورد وهي لا تصدق. لا، لا هذا ليس ياسين. لا بد أن قد أصابه شيء شيطاني. لا يمكن أن يكون بهذا الأدب. اقترب ياسين من زوجته وقبلها على رأسها وقال: -وحشتيني يا عمري، بجد وحشتيني.

لقد فقد عقله حقاً. هو ليس على طبيعته، فنظراته الباردة أصبحت دافئة الآن تنظر إليها بحب. فرحت والدتها وقالت ببهجة: -أنا دلوقتي اطمنت على بنتي إن معاها راجل هيحطها جوه عينيها. في المساء. -ماما أنا جيت.

قالتها جواهر بصوت مرتفع وهي تلج للمنزل البسيط بينما تحمل العديد من الحقائب البلاستيكية. فبعد مقابلتها لعبير صديقة طفولتها ذهبت للعمل بمركز التجميل ثم إلى السوق وها قد غربت الشمس وهي أتت أخيراً للمنزل كي ترتاح. كانت والدتها تجلس على الأريكة تقرأ القرآن. صدقت بعد أن انتهت وأغلقت المصحف ووضعته بجانبها وهي تقول: -تعالي يا حبيبتي أنا هنا. اقتربت جواهر من والدتها وقبلت كفها وقالت: -إيه الجمال ده يا سوسن بس؟

وشك بينور كده ليه كل يوم. -عشان بصلي يا أختي، عقبال ما ربنا يتوب عليكي وتصلي عشان وشك ينور زيي. ابتسمت جواهر وقالت: -ادعيلي ربنا يهديني يا ست الكل. المهم إني عديت على السوق وجبت كبد وقوانص هعملها وهعمل مكرونة ونأكل لقمة على السريع عشان جايبالك هدية. ابتسمت سوسن لتقبل جواهر كفها ثم تتجه إلى غرفتها البسيطة أولاً وتغير ملابسها وترتدي بيجامتها وتدخل إلى المطبخ وتشرع بالعمل.

بعد ساعة تقريباً، كانت قد جهزت كل شيء. عملت الكبد بالطريقة التي تحبها والدتها والمكرونة أيضاً. وضعت الطعام على طاولة الطعام المنخفضة ثم ساعدت والدتها لتجلس وبدأت تطعمها بنفسها كالعادة. امسكت سوسن كف جواهر وقالت بتذمر: -ممكن تأكلي يا بنتي، أنا ليا إيد واعرف آكل لوحدي. -جرا إيه يا سوسن، حد يلاقي دلع وميتدلعش. بدلعك يا ستي. وأنا اللي هأكلك بنفسي خلاص انتهى الكلام.

ثم بدأت تطعمها بيدها بينما استسلمت سوسن لها. تعرف كم أن ابنتها عنيدة. ها هي جواهر، تفعل المستحيل كي تدخل البهجة لقلبها. تضحي براحتها من أجلها. إن كانت قد فازت في تلك الحياة بشيء فهي قد فازت بجواهر. جواهر التي أفنت حياتها من أجلها. رفضت أن تتزوج كي لا تتركها. ابنتها فضلت أن تعيش معها وتنسى أنها أنثى تحتاج إلى الحب. أنها امرأة تحتاج أن تنتمي إلى رجل ما. ولكنها خائفة لأنها تعلم أنها سوف تموت. هي تشعر بهذا، تشعر أن نهايتها قد اقتربت وابنتها المسكينة لن تتحمل هذا. قد تدعي جواهر الصلابة من الخارج وتخدع الكثيرين ولكن وحدها تعلم أن ابنتها هشة للغاية لن تتحمل فراقها. وكم تخاف سوسن من تلك اللحظة. تخاف من انهيار ابنتها!

-أنا شبعت يا بنتي. قالتها سوسن وهي تبتسم لإبنتها لتقول جواهر: -بالهنا على قلبك يا أمي. ثم شرعت جواهر بالأكل بهدوء. انتهت جواهر من الأكل ثم نظفت الطاولة وغسلت الأطباق. ثم أخرجت قميصاً من القطن واتجهت إلى الحمام وأخذت دش سريع وارتدته. بعد أن انتهت خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها. -هاتي يا بت الكريم والمشط وخليني أسرحلك شعرك، أنتِ مبتعرفيش تسرحيه كويس.

ابتسمت جواهر بقلق. أرادت أن ترفض بسبب أن والدتها فقدت شعرها بسبب العلاج الكيماوي وهذا سبب صدمة لها لأنها كانت تعتز كثيراً بشعرها. في تلك الأثناء أرادت جواهر التهوين عليها وقص شعرها وعندما فعلت هذا والدتها نهرتها بقوة وجعلتها تقسم أنها لن تفعل هذا مرة أخرى. -أنا هسرحه يا ماما مفيش. قاطعتها والدتها وقالت: -تعالي وبطلي تفكيرك المتخلف ده وخليني أسرح شعرك.

هزت جواهر رأسها ثم أخذت كريم الشعر واتجهت إلى والدتها لكي تمشط لها شعرها. كانت سوسن تمشط لها شعرها برفق وقالت: -من صغرك وأنا رافضة نهائي إنك تقصي شعرك يا جواهر. كنت بحب شعرك أوي وبقول عليه شبه البت الحلوة اللي في الكارتون دي أم شعر طويل. -رابونزل يا أمي. قالتها جواهر ضاحكة لترد سوسن: -أيوه، هي اللي بتقولي عليها دي. شعرك حلو يا جواهر، أوعي تقصيه تاني يا بنتي. استدارت جواهر وضمت والدتها ودموعها تنساب من

عينيها ثم قالت بصوت مختنق: -مش هعمل كده تاني يا أمي، وعد! ابتعدت عنها وهي تمسح دموعها وقالت: -صحيح، جيبتلك هدية حلوة. ثم نهضت وركضت مخرجة شيئاً من حقيبتها ليتضح أنه شعر مستعار. -إيه رأيك يا سوسن؟ باروكة هتأكل منك حتة. ضحكت سوسن وقالت: -أنتِ مجنونة والله. ضحكت جواهر واتجهت إلى والدتها وألبستها الشعر المستعار ثم جعلتها تنهض وقالت: -زي القمر والله، هنشوفلك عريس يا هانم.

ضحكا سوياً ثم ضمتها سوسن إليها بحب. هذه هي جواهر، تصنع من المأساة السعادة. في منزل يوسف مالك. -مرضيتش أخلي منير يبات معايا هنا لما عرفت إنك هتيجي عشان خاطري. قالها يوسف وهو يمسك كفها ويقبل باطنه بعمق، ممتناً لوجودها معه. شعت عيناها الزرقاء بالسعادة وهي تقبل كفه هي الأخرى وتجلس بجواره على الفراش بينما تغرق كفها الناعم في شعره الرمادي وقالت:

-كنت هموت من الرعب عليك يا جو. صدقني حسيت إني هموت الصبح. أصرت أروح مع بابا عشان أزورك بس بابا رفض عشان كان ورايا كويز مهم أوي في الكلية وخفت أصر أكتر يكتشف علاقتنا. امسك كفها وقال: -أنا مش زعلان عشانك مجتيش. أصلاً الموضوع بسيط. العربية بتاعتي بس اتخبطت في عربية واحد تاني وجبيني بس اللي اتعور. الحمد لله كانت بسيطة. مكنتش مركز بس. -ليه يا جو كنت بتفكر في مين؟ قالتها بعبث وهي تغمز له ليقول وعيناه العسلية تلمع لها:

-أنا مبفكرش إلا فيكي يا نسرين. أنتِ شاغلة كل تفكيري. أنا بجد بحبك. بحبك لدرجة أني قررت أكون أناني لأول مرة في حياتي وأتغاضى عن فرق السن ما بينا. رغم إني عارف إن ده ظلم ليكي بس مش قادر أتخلى عنك، مش قادر. وأنتِ اوعديني إن عمرك ما هتتخلي عني أبداً يا حبيبتي. ابتسامة رائعة شقت شفتيها وشعرت بقلبها يدق بإسراف وقالت: -عمر ما ده هيحصل يا يوسف. عمري ما هتخلى عنك ولا أبعد. أنا مش هحب غيرك، ومش هتجوز غيرك.

-وقبل كفها مرة أخرى وقال: -وأنا مش هسمح إن واحد تاني ياخدك مني يا حبيبتي. مش هسمحلك تتجوزي حد غيري. -ده تملك؟ قالتها مازحة وهي ترفع حاجبيها ليرد هو بتأكيد: -أيوه تملك يا حبيبي. أنتِ ملكي أنا بس ومش هسمح لأي حد ياخدك مني مهما كان. -طيب وأنت ملكي؟ سألته وعيناها تبرق بهيام ليلمس وجنتها بأطراف أصابعه ويقول بنبرة عميقة: -أنا كلي ملكك يا فراولة.

ضحكت هي ليخفق قلبه بتأثر. تلك الجنية التي أتت إلى حياته وأنسته الخذلان الذي تعرض إليه من امرأة عشقها من قبل. تلك الشابة الوحيدة التي أنسته مرار عشقه الأول. وهو... هو يعشقها بقوة ولن يسمح لأي حد أن يسلبها منه. حتى والدها!!! ابتعدت نسرين قليلاً وقالت: -هتصل بليان وأجيلك، أوك. -ماشي يا حبيبي.

قالها وهو يرتاح على الوسادة الناعمة بينما نظراته لا تحيد عنها. استدارت وهي تبتسم بينما تشعر بنظراته تخترقها. هو دوماً ينظر إليها كأنها أجمل امرأة على الأرض وهي بالفعل تشعر أنها الأجمل. نظراته تغذي غرورها الأنثوي. كلماته تجعلها ترتفع للأعلى، تشعر وكأنها تطير فوق السحاب. يوسف لديه تأثير كبير عليها وهي ترحب به. ترحب أن يكون لديه كل هذا التأثير. رفعت هاتفها وأتصلت بليان. -أيوه يا نسرين.

-ليان اسمعيني كويس، أنا النهاردة بايتة عندك عشان لو بابا سألك ولا حاجة. عقدت ليان حاجبيها وقالت: -ليه يا حبيبتي؟ أنتِ مين؟ ابتسمت نسرين وقالت: -عند جو. شهقت ليان لتقول نسرين بسرعة: -اهدي، مفيش حاجة من اللي بالك هتحصل. جو بيحبني ومستحيل يأذيني. أنا بس هفضل معاه النهاردة عشان عمل حادثة ومش هسيبه. معلش يا ليان داري عليا النهاردة يا بيبي.

زفرت ليان بضيق. هي تخاف على صديقتها، فنسرين متهورة كثيراً. ألا يكفي أنها عشقت رجل في عمر والدها؟ هي أيضاً ستقضي الليلة بمنزله. هي تخاف عليها. ماذا أن استطاع أن يغويها؟ يسلبها أغلى ما تملك. أغمضت ليان عينيها بقوة وهي تدعو ألا يحدث هذا فقالت بنبرة محذرة: -خلي بالك من نفسك يا نسرين. خلي بالك. -متقلقيش يا ليان. أنا واثقة في يوسف. واثقة أنه عمره ما هيأذيني. -بابا طلبتني؟

قالتها عبير برقة وهي تلج لمكتب والدها وابتسمت له ولكن والدها لم يبادلها ابتسامتها بل ظل على تجهمه وهو ينظر إليها. عبست عبير وهي ترى نظراته الغريبة له واقتربت منه وهي تقول: -فيه حاجة يا بابا؟ أشار شريف على المقعد وقال: -اقعدي يا بيري، حابب أتكلم معاكي في موضوع. -خير؟

قالتها وهي تجلس. ليصمت شريف وهو يجمع أفكاره. كان يبحث عن طريقة مناسبة لكي يخبرها بالموضوع. بل قرر أن يحاول أن يقنعها بل سيتوسلها لكي تنقذه من المصير المظلم الذي ينتظره. بالتأكيد ابنته لن يهون عليها أن ترى والدها في السجن. عبير لن تفعل به هذا أبداً. -بابا أنت قلقتني، خير في إيه؟ قالتها عبير بتوتر ليتنهد شريف ويقول:

-بيري بنتي، أنا متردد شوية لأن الموضوع صعب. هو صعب عليا والله وهيكون صعب عليكي. بس والله الموضوع غصب عني يا بيري، والله أنا مضطر. توسعت عيناها بدهشة ثم قالت بتوجس: -بابا أنت خوفتني بجد، فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟ ابتلع ريقه وقرر أن يقول كل شيء لها منذ البداية. لديها الحق بمعرفة التفاصيل، فهي منقذته الآن! أغمض عينيه وهو يستجمع شجاعته. لحظة، اثنان وهو ساكت مما جعل عبير تتوتر أكثر وهي ترى والدها بتلك الحالة المخيفة.

-بيري... أخيراً تكلم وهو ينتقي كلماته بعناية. -بنتي، أظن أنك عرفتي أني آخر سنتين شركتي حصلها خسائر كبيرة لدرجة اضطريت أني أبيع أسهمي في الشركة بتراب الفلوس. بعدها قررت أعمل مشروع بس المشروع كان عايز فلوس كتير وكان قدامي حلين، إما أرهن الفيلا أو أستلف. وقررت أني أختار الحل التاني وأداين من عدي رشيد. أخدت منه مبلغ كبير أوي وكتبت على نفسي شيكات بالملايين وللأسف المشروع خسر وأنا يعتبر أفلست.

وضعت عبير كفها على فاها برعب ليغمض شريف عينيه لبرهة ثم يفتحهما فجأة وقد تكونت طبقة رقيقة من الدموع فيهما. -مش دي المشكلة يا بيري. المشكلة أن عدي بيطالبني بالفلوس. أما أدفع أو أتسجن. -ياربي... ياربي... قالتها عبير وهي تهتز برعب. لا تتخيل أن والدها يعاني بتلك الطريقة. أطرق شريف وهو يقول بخجل: -عشان كده أنا عملت أسوأ حاجة ممكن أي حد يعملها. -عملت إيه يا بابا؟ قالتها عبير بتوجس ليشرد شريف قليلاً ويقص ما فعله.

-عدي بيه أنا معييش المبلغ ده. أنت عارف المشروع خسر وأنا بعاني دلوقتي من الإفلاس. اصبر شوية. هز عدي رأسه وقال: -لا يا باشا، حضرتك بنفسك اتفقت على وقت معين، فأنا عايز فلوسي وإلا هقدم الشيكات للشرطة. هما يتصرفوا معاك. أنا عايز فلوسي. احتشدت الدموع بعيني شريف وشعر أنه محاصر. اقترب من عدي وقال: -أنا هعمل اللي أنت عايزه بس لو سمحت اصبر. كاد عدي أن يرفض فقال شريف فجأة: -مستعد أديك أغلى ما عندي بس اصبر عليا.

أمال عدي رأسه وقال: -ويا ترى إيه هو أغلى حاجة عندك تقدر تديهالي؟ -أديك بنتي... بنتي بيري... تتجوزها لو عجبتك. انتهى شريف من الكلام لتنهض عبير وهي تصرخ: -نعم! بعتني ليه؟ أنت أب أنت! -يا بيري اسمعيني بس. قالها شريف بتوسل لتهز عبير رأسها وتقول: -مستحيل أسمعك. مستحيل أديك أي مبرر على اللي عملته وده مش هيحصل يا شريف بيه. أنا مش هتجوزه. مش هتجوزه حتى لو قتلتني. مش هنقذك من الحبس. أنا مش للبيع يا باشا.

تخلى شريف عن رجائه وقرر استخدام الشدة معها وقال: -لا يا بيري هتتجوزيه. أنا مش هتحبس بسببك. جوازك ده معايا ومش هتخرجي من البيت ده إلا على بيت جوزك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...