تراجعت للخلف بينما تجمعت الدموع في عينيها. هزت راسها وهي تقول: -ابوس ايديك قول انك بتكدب عليا يا جاسر... قول أن دي نكتة سخيفة... تنهد وحاول الاقتراب منها إلا أنها ابتعدت وهي تشعر بالضياع. يا الهي تاجر مخدرات! لم تتخيل في أسوأ أحلامها أنه اجرامه وصل لتلك الدرجة. ولكن هل أحست بالصدمة؟! وجب ألا تشعر بالصدمة، فهذا الرجل خطفها وأجبرها على الزواج منه. عذبها لأيام. لن تكذب على نفسها، جاسر أو الصياد ليس مثالا للرجل الجيد.
وجب أن تعرف هذا. يا لغبائها. -وعد... صوته أخرجها من شرودها. نظرت إليه وما زالت الصدمة تحفر آثارها على وجهها. كان قلبها يبكي بقوة. انهارت على الأرض ودموعها تتساقط. حياتها كذبة. هي الآن زوجة مجرم. مجرم دمر الكثير من الناس. -وعد ممكن تسمعيني للآخر؟ قالها وهو يجلس بجوارها. كان قلبه ينبض برعب. كان خائف أن تتركه. خائف أن يشعر بنفس الفراغ الذي شعر به من قبل أن تحتل حياته. خائف أن ترفضه. -وعد.
كرر نداءه بيأس والرعب يتصاعد بقلبه. بينما قالت هي بصوت جاف: -تاجر مخدرات... نظرت إليه وقالت بقهر: -تاجر مخدرات. تنهد بخجل لتنهض هي بعنف وتصرخ به: -يعني انت مجرم رسمي؟ تخطف الستات وتجبرهم يتجوزوك وكمان بتاجر في السموم دي وتدمر حياة الناس؟ -ممكن تهدي؟ قالها بتوتر لتصرخ به بقوة: -لا مش ههدى. مش ههدى يا صياد. أنا دلوقتي متجوزة مجرم! ابتلع ريقه وتراجع قليلا لتكمل بقسوة:
-صحيح كنت عارفة انك شيطان بس مكنتش اتوقع انك تكون شيطان للدرجة دي. متوقعتش انك تكون مجرم رخيص بالشكل ده. -وعد! -لا وعد بلا زفت. صرخت فيه وهي تدفعه بقوة وتبكي: -طلقني. مش عايزة أعيش مع واحد زيك. مستحيل أعيش معاك بعد اللي عرفته. طلقني بقولك. أمسك ذراعيها وقال بعنف:
-لا مستحيل. مستحيل أطلقك. ده في أحلامك فاهمة ولا لأ. مستحيل أطلقك بعد ما لقيتك. أنا بحبك يا وعد ليه مش عايزة تفهمي. ليه مش عايزة تفهمي اني عمري ما حبيت حد بالطريقة دي. ليه مش قادرة تفهمي اني حاسس باليأس والخوف أنك تسيبيني. أنا قررت أتوب خلاص. دي هتكون آخر عملية ليا. اقفي جمبي. ضحكت بذهول وقالت وهي تشعر أنها سوف تجن: -اقف جمب مين؟ اقف جمب مجرم!
مستحيل أبقى معاك يوم واحد يا صياد. طلقني. بقولك طلقني. مش عايزاك خلاص. كرهتك وكرهت قلبي اللي حب إنسان زيك. ابتعدت وهي تشعر أنها سوف تجن. كيف سلمت قلبها لمجرم. كيف استسلمت لهذا الشخص. كيف... لقد أقسمت أنها ستنتقم منه وها هي نست كل شيء ووقعت في عشقه كالمغفلة. وقعت في حب الشيطان. وقعت في حب مجرم. والآن لا مفر لها. هو سجنها في قلعته المظلمة. لقد أضحت ملك الشيطان بإرادتها. كان جاسر ينظر إليها برعب.
لقد انهدم عالمه الصغير الذي كونه معها. لقد خرج من أحلامه الوردية ليصدم بمرارة الواقع. لقد وقع الشيطان في الحب ولكنه نسي شيئًا هامًا. أن الشياطين ليس لديها حق لكي تحب. الشياطين لن تتحول لملائكة. وها هي وعد تتسرب من يده. المرأة التي أيقظت إنسانيته تبتعد عنه وهو مهدد بالانهيار. ولكنه لن يسمح بهذا. مستحيل وعد يجب أن تتفهمه. يجب أن تبقي معه. يجب أن تعرف أنها حياته وأنه بدونها ميت.
اقترب الصياد منها وحاوط وجهها بالقوة وهو يطبع قبلة عاطفية على رأسها ويقول: -أنا هبطل. القرار ده أخدته من بدري يا وعد. بعد العملية اللي هعملها هسيب الشغل ده للابد وبعدها نسافر أنا وأنتِ ونبعد عن هنا للابد. ثم خرج وتركها منهارة. بعد أسبوع. -يعني إيه خرجت؟ هو أنا مشغل بهايم معايا مبيفهموش؟ صرخ بها جاسر لرجال الأمن بفيلته ليطرق الرجل بوجهه وهو متوتر. هو يعرف غضب هذا الرجل. قد يقتله بسهولة تامة. ارتعش قلب
الرجل داخل صدره وقال بخوف: -يا صياد أنا... أمسكه جاسر من قميصه وصرخ به: -أنت إيه؟ وعد راحت فين؟ ابتلع الرجل ريقه وقال: -معرفش والله الهانم راحت فين وحضرتك متدنيش أوامر إني مطلعهاش برا البيت. دفعه جاسر وصرخ به بقهر قائلا: -ولا اديتلك أوامر تخرجها. فأزاي تسببها تخرج يا بني آدم انت. أزاي متمنعهاش. تنهد الرجل برأسه وقلبه ينبض برعب بينما ابتعد جاسر. عينيه البنية محمرة من الغضب. حريق بدأخله لا يهدأ. أيعقل أنها هربت منه.
لقد ظلت أسبوع بعيدة عنه. ترفض تمامًا التحدث معه. يعرف كم هي محطمة من الداخل بسبب ما عرفته عن حقيقة زوجها. وهو لا يلومها. يعرف أنه قد صدمها ولكن ألا يمكن أن تعطيه فرصة ليشرح الأمر لها. ليخبرها أنها ينوي فعليًا أن يتغير من أجلها. لأنه يحبها بجنون. يحبها بيأس لا يفهمه. وعد هي طوق النجاة له من حياة طويلة مظلمة. هو بحاجة لها. بحاجة لحبها وابتسامتها التي تشرق حياته. تنهد بكبت ونظر لرجليه وقال:
-لو ملقيتش وعد في ظرف ساعتين هقتلك فاهم ولا لأ. خد كل الرجالة اللي هنا ودور عليها. اياك ترجع إلا وهي معاك. أنت فاهم. صرخ الصياد في جملته الأخيرة ليهز الرجل رأسه برعب وكاد أن يتكلم إلا أنه تجمد وهو يري سيدته تدخل الفيلا ببرود. -يا صياد الست وعد هنا. نظر جاسر خلفه ليجد وعد قادمة نحوه ترتدي قميص وبنطال باللون الأسود. ملامحها الجميلة متعبة ولكن ما زالت تحتفظ بنظراتها الحادة. اقترب منها الصياد وأمسك ذراعها وقال بعنف:
-كنتِ فين؟ أنا كنت هموت من القلق عليكِ. أبعدته عنها بشيء من البرود ثم ولجت للمنزل بصمت. نظر الصياد إلى أثرها وهو يفكر أن وعد لن تهرب منه. هي ملعونة بنفس لعنته. لعنة العشق. دخل خلفها إلى المنزل ثم إلى غرفة النوم ليجدها تجلس بصمت على الفراش وهي شاردة تمامًا. والدموع تنساب من عينيها. تألم قلبه وهو يراها بتلك الحالة. لقد تسبب مرة أخرى في أذية من يحب ولكنه مصمم ألا يخسرها. وعد لا تعرف كم تعني إليه. هي بالنسبة له الحياة.
موت والدته قتله ولكن حب وعد هو من أحياه مجددًا. هو من أخبره أنه إنسان لا شيطان. زرع الأمل بداخله لحياة أفضل. ابتسم بحنين وقد قرر أن يفعل المستحيل كي تسامحه. اقترب منها ثم جلس على ركبتيه وهو يمسك كفيها البارد بين كفيه. طبع قبلة على كفيها وقال بهدوء:
-أنا عارف أنه كان أسبوع صعب عليكِ. وعارف أن اللي عرفتيه صعب. هو صعب على أي واحدة أنها تعرف أن جوزها تاجر مخدرات. واحدة غيرك هتهرب مني من غير ما تبص وراها. بس أنتِ يا وعد اللي ادتيني أمل جديد للحياة. أنتِ اللي خليتي النقطة البيضة الصغيرة اللي جوايا تنتصر على السواد اللي محاوطني من كل مكان. اديني فرصة أخيرة. هكون الإنسان اللي أنتِ عايزاه. أوعدك أني مش هخذلك المرة دي. أبعدت كفيها. هي تمسح دموعها ثم قالت:
-لو فعلاً عايز فرصة يبقى متدخلش آخر عملية دي يا جاسر. خلينا نهرب فعلاً من هنا بعيد عن كل حاجة. نهض بتوتر وقال: -مينفعش. شحنة المخدرات اتحدد ميعادها خلاص. وغير كده أنا اتفقت مع عمي أنها هتكون آخر مرة لينا. إحنا عملنا اتفاق مع أكبر مورد مينفعش نتراجع يا وعد. ركع مرة أخرى وعانق وجهها وقال: -صدقيني يا حبيبتي هتكون آخر مرة. هزت رأسها ودموعها تنساب بغزارة وقالت: -توعدني آخر مرة. هز رأسه وقال: -آخر مرة.
كانت تقف أمام المرآة وهي تتطلع إلى فستانها بسعادة. كان قلبها يخفق بقوة داخل صدرها. بعد أسبوعين ستكون زوجته. ملكه هو فقط. أخذت تدور حول نفسها وهي تضحك بسعادة بينما فستانها يتطاير حولها. كان فستان كريمي طويل. بأكمام طويلة. يلتصق بخصرها النحيل ثم يتسع من عند فخذها بقصة تشبه قصة فساتين الأميرات. ملحق بتاج فضي رائع مثبت على رأسها. لقد وقعت في عشق الفستان على الفور. وفعلاً عندما ارتدته رأت نفسها أجمل امرأة في العالم.
ضحكت بخجل وهي تتخيل رد فعل يوسف عندما يراها يوم الزفاف. لابد أنه سوف ينبهر بها. نظرت إلى انعكاسها بسعادة وهي تضع كفها على قلبها. من كان يصدق أن بعد ما حدث سوف يكون يوسف لها. حبيبها الوحيد. وها هي تتأنق كأميرة لأميرها السحري الذي سوف يخطفها على حصانه الأبيض. فجأة بهت وجهها وتراجعت سعادتها وهي تتذكر السيدة مريم. تلك المرأة المحطمة التي تدمرت حياتها بسبب ابنها. وكيف كانت تري فيها صلاحًا لابنها لذلك اختارتها.
ورغم ما فعله حسام بها إلا أنها لا تكرهه بل على العكس هي تشفق على هذا الشاب الذي تدمرت حياته تمامًا بسبب تلك السموم. إن كان أحد يجب أن يعاقب. فالذي يجب أن يعاقب هم تجار المخدرات الذين يتلاعبون بحياة البشر ويدمروها. فكرت بغضب في أولئك الذين يدمرون حياة الشباب دون أي شعور بالذنب أو بتأنيب ضمير. -حياة خلصتِ؟
أخرجها من شرودها صوت والدتها من خارج البروفة التي كانت تقيس بها الفستان لتبتسم هي وتخرج وهي تمسك طرفي فستانها ثم تنحني بسعادة وهي تقول بحماس: -إيه رأيكم. تجمعت الدموع بعيني والدتها وانسابت دون إرادة منها لتنظر إليها حياة بدهشة وتقول: -ليه بتبكي يا ماما؟ مسحت والدتها دموعها بسرعة وقالت: -كبرتِ يا حياة وهتسيبيني خلاص. ضحكت حياة وهي تهز رأسها واقتربت منها وهي تقول:
-يا ماما يا حبيبتي أنا هسيبك فين بس. ده أنا ويوسف هنسكن فوقيكي بالضبط. يعني حتى لما هنتجوز مش هتخلصي مني وابقي أقرفك كل شوية وأنطلك أنتِ وخالتي. ضحكت خالتها وهي تضمها إليها وتقول: -تنوريني في أي وقت يا يويو ولو زعلك الواد يوسف أو إوعي تروحي عند أهلك محدش هياخد حقك منه غيري أنا. أنا هكسرلك مناخيره. ضحكت حياة برقة وهي تضم خالتها ووالدتها بينما تشعر أخيرًا أن كل شيء كل ما يرام.
خرجت حياة بسعادة وهي تضم الحقيبة التي بها الفستان. تشعر أن حياتها كلها بتلك الحقيبة. هي منذ الآن متحمسة كثيرًا لزفافهما. لمعت عينيها وهي ترى من بعيد يوسف ينظر إليها ويبتسم. -يظهر أن يوسف مش قادر يستغني عن حياة. قالتها خالة حياة بخبث لتحمر حياة بقوة وتتقدم إليه. ابتسم لها بحب وهو يفتح لها السيارة. لتقول والدته بإستنكار مصطنع: -شوف الواد. خلاص نسي أمه وخلي خطيبته تقعد جمبه في العربية. خجلت حياة وقالت وهي تتراجع:
-لا لا اركبي يا خالتي أنا هركب ورا. ضحكت خالتها وهي توقفها وتقول: -بهزر معاكِ يا هبلة. أنتِ فاكرة إني هعمل شغل الحموات ده مع بنتي. اقعدي أنتِ قدام ده مكانك يا حياة متتخليش عنه. ابتسمت حياة وهي تستقل السيارة بجوار يوسف ثم ينطلق بهما وكم بدوا سعداء حينها وكأن جميع مشاكل العالم تبخرت. -ملاك. تجمدت ملاك عندما ناداها والدها. حاولت بأقصى جهدها أن تسيطر على انفعالاتها. كانت لا تريد أن تبكي. لا تريده أن يراها تبكي.
لم تكن مستعدة أن تخبره أنها تعرف حقيقته. لقد قررت أن تذهب من هنا مع حبيبها عدي وانتهي الأمر. لن تبقي معه. هي لن تستطيع النظر في وجهه بعد اليوم. لقد فقد احترامه لديها. انهار مكانته في عينيها. فكرت بيأس. هي تعيش في الجحيم منذ أن عرفت أن والدها تاجر مخدرات. تشعر بكامل جسدها يحترق. عقلها توقف تمامًا ولا تفكر في شيء إلا الهرب من هنا. نظرت إلى والدها بتردد. عينيها الرمادية رطبة بسبب الدموع. عقد عامر حاجبيها واقترب منها
وهو يعانق وجهها ويقول: -مالك يا حبيبتي فيه إيه؟ نبرته الصادقة قتلتها. حاولت ألا تنظر إلى عينيه ولكن فشلت. نظرت إلى عينيه المشبعة بحب لها فقط ثم انفجرت بالبكاء. ارتعب عامر وهو يراها بتلك الحالة ونبض قلبه بخوف. هل يا ترى عرفت حقيقته. هل تهاوت صورته بعيني ابنته الصغيرة. هل أصبحت لا تحترمه. كل تلك الوساوس هاجمت عقله فجأة. أخافته بقوة. ملاك هي كل ما لديه. لا يمكنه أن يخسرها. ملاك هي نقطة ضعفه.
قطعة من قلبه لا يستطيع أن يخسرها. لقد ضحى بالكثير من أجلها. هو اختار ذلك الطريق ليجعلها تعيش حياة كريمة ولا يحرمها من شيء وسيضحي بهذا الطريق أيضًا من أجلها. تهربت ملاك منه وهي تقول بهدوء: -مفيش يا بابا. ماما وحشتني بس. معرفش ليه بس النهاردة حاسة إني محتاجاها أوي. أمسك عامر كفها وقال: -هو أنا قصرت في حاجة يا ملاك؟ هزت ملاك رأسها وقالت: -لا يا بابا بس مهما كان الأب مش مقصر أنا برضه محتاجة ماما صح؟ هز رأسه موافقًا
إياها وقال بحزن: -آسف إني مقدرتش أملي فراغها. عضت شفتيها وحاولت ألا تبكي وقالت: -محدش بيملي مكان الأم مهما عمل. -عندك حق. وافقها الرأي. لتقول هي بهدوء: -بابا معلش لازم أمشي دلوقتي. -مش النهاردة إجازة من الشغل. قالها بتساؤل لترد هي: -صاحبتي مستنياني في النادي قولت أخرج شوية وأريح أعصابي. قبلها والدها على رأسها وقال: -انبسطي يا حبيبتي. لتبتعد عنه هي بسرعة وتذهب. تنهد عامر وقال: -عرفتِ الحقيقة يا ملاك أنا عارف.
كان عدي يقف أمام أحد مواقف الأتوبيس. قلبه يرتجف داخل صدره. لقد قرر أن يكون أناني ويهرب معها. يترك كل شيء. فملاك أكيد سوف تعرف حقيقته وحينها سوف تتركه للأبد وهو لن يتحمل. هو يحبها كثيرًا. لقد احتلته صاحبة العينين الرماديتين. وإن أراد أن يحتفظ بها يجب أن يكون أناني بحق. في الأول سوف يهربان بعيدًا ثم سيتزوجها وحينها ليس هناك أي أحد مهما بلغت قوته سوف يأخذها منه. لمعت عينيه وهو يراها تقترب منه.
رسم ابتسامة على وجهه وهو يتأمل وجهها الحزين. اقترب منها وقال بحماس: -الأتوبيس قر... ولكنها قاطعته وقالت: -عدي أنا مش هسافر معاك. بهت وجهه لتكمل هي بإبتسامة حزينة قائلة: -أنت عندك حق يا عدي مينفعش نهرب. مش مشاكلنا مفروض نواجهها وأنا اتعودت إني أواجه مشاكلي ومش ههرب المرادي. لو بتحبني بجد اقف جمبي. ابتسم لها بحزن وقال وهو يدرك أنه سوف يخسرها: -أنا هقف معاكِ مهما حصل يا ملاك. في المساء.
كان عامر جالس على الأريكة وفي يده كأس شراب. يفكر بإبنته وكيف تغيرت فجأة خلال أسبوع فقط. هو شبه متأكد أنها عرفت بشأن عمله كتاجر مخدرات. لقد كذبت عليه في ذلك اليوم. هي فعلاً استمعت لحديثه مع جاسر وعرفت كل شيء. لقد سمعها بالأمس تبكي بقوة. تنهد بألم على حال ابنته الصغيرة. لم يتوقع أبدًا أن يكون هو سبب في تألم طفلته. أنه الآن خائف أن يواجهها. خائف مما ستقوله. وكم الاتهامات التي سوف توجهها له. أغمض عينيه بألم وهو يتساءل.
أيعقل أنها كرهته. التفكير في هذا فقط حطم قلبه. لأن عامر النجار قد يكون أسوأ رجل في العالم ولكنه أيضًا أب محب. يعشق ابنته بجنون. ملاك هي نقطة ضعفه الوحيدة وقد حرص كثيرًا على إبعادها عن هذا المستنقع القذر. فتح عينيه وتجرع كأسه بسرعة لعل تهدأ تلك النيران التي تشتعل بداخله. تنهد بيأس لينتفض عندما شعر بكف على كتفه. نظر إليه ليجده الصياد. ابتسم عامر وقال: -جيت في وقتك يا صياد. -مالك يا عمي؟ قالها الصياد بحيرة ليرد عمه:
-ملاك عرفت كل حاجة. جلس جاسر بصدمة وقال: -نعم. عرفت إزاي يعني؟ نظر إليه عمه وقال: -فاكر لما دخلت علينا إحنا وبنتكلم. هي وقتها سمعتنا. أنا بقيت قليل في نظر ملاك يا جاسر. صحيح هي مواجهتنيش بس أنا عارفها كويس. شفت في عينيها أنها بطلت تحترمني وده قهرني يا صياد. أتمنيت وقتها إني أموت ولا أشوف النظرة دي في عينيها. أنا مش عارف إزاي هصلح اللي عملته. إزاي أخليها تحترمني تاني. أنا مقهور إن بنتي الوحيدة بقت بتكرهني.
تجمعت الدموع في عيني عامر ثم انسابت. فغر جاسر فمه بدهشة. أنها المرة الأولى التي يرى عمه يبكي فيها وهذا بسبب ابنته. هو يعلم كم يحب عامر ابنته. هو يحبها أكثر من الحياة نفسها. سوف يموت لكي تظل هي سعيدة. اقترب جاسر من عمه وأمسك كفه وقال: -أنا عندي الحل يا عمي. نظر إليه عامر بحيرة ليتشجع جاسر ويقول الشيء الذي يريده. الشيء الذي قرر أن يفعله بعد مزيد من التفكير. هو غير مستعد لخسارة وعد وعمه غير مستعد لخسارة ابنته.
نظر إليه جاسر وقال: -نتخلى عن آخر عملية. خلاص نتوب من غير ما نعمل أي عملية تانية. وبكده تكسب ثقة ملاك من جديد. -أنت عارف إنت بتقول إيه؟ الشحنة هتوصل بعد أسبوع يا صياد ودي ناس مبتهزرش. ابتسم الصياد وقال: -مش هيقدروا يعملوا حاجة يا عمي متنساش إحنا مين. هو ده الحل الوحيد. خلينا نلغي العملية دي. خلينا نعيش حياة نضيفة. نفتح صفحة جديدة لينا كلنا ملاك وأنا وانت. ووعد.
ابتسم له عمه وهز رأسه موافقًا ودموعه تنساب من عينيه ليضمه جاسر إليه بقوة ويقول: -النهاردة بس أقدر أقول إني جاسر النجار مش الصياد خالص. الصياد مات خلاص. -وعد. وعد. قالها جاسر وهو يدخل لغرفة النوم التي بها وعد لتنتفض هي بخوف. اقترب منها وأمسك كفها وهو يقول بسعادة:
-أنا اتخليت عن الصفقة الأخيرة يا وعد. خلاص توبت نهائيًا وبطلت تجارة المخدرات. وكل ده بفضلك. أنا عملت كده عشان تقبليني تاني. أنا خلاص عمري ما هرجع لتجارة السم ده تاني أنا. بكت وعد وهي تنظر إليها بينما الذنب يمزقها بقسوة. أمسك جاسر وجهها وقال: -مالك يا حبيبتي؟ -أنا بلغت عنك البوليس يا جاسر! بهت وهو ينظر إليها. ظن أنها تمزح ولكن أصوات سيارات الشرطة التي اقتربت من منزله فجأة لم تكن مزحة. نهض تجمد في مكانه وهو ينظر إليها.
لقد طعنته وعد بطريقة لم يكن يتخيلها. اقتحم رجال الشرطة المنزل. ابتسم مالك وهو ينظر لجاسر وقال وهو يرفع الأصفاد الحديدية قائلاً: -والله ووقعت يا صياد!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!