الفصل 9 | من 16 فصل

رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل التاسع 9 - بقلم رضوى جاويش

المشاهدات
23
كلمة
4,621
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

نهى في نفاذ صبر بشهاب الذي يجلس قبالتها في غطرسة عجيبة. "أعلم أن هذا هو آخر شيك سأكتبه لك." هتف شهاب في برود: "لا أشحذ منكِ، هذا بعض حقي." صمتت، فهي تعلم أن الحوار مع هذا الحقير لن يجدي. فزيلت الشيك بامضائها، وما إن همت بإعطائه إياه حتى دخل مهنى في عجالة هاتفا بأمر ما. إلا أنه توقف لحظة أن شاهد ما يحدث، فهتف بغضب وهو يتطلع إلى شهاب في احتقار: "ماذا يفعل هذا الوضيع هنا؟ انتفض شهاب في غضب مماثل هاتفا:

"أنا لن أسمح لك ب... قاطعه مهنى محتدًا: "ومن أنت لتسمح أو لا تسمح؟ وما الذي أتى بك إلى هنا من الأساس؟ هتفت نهى تحاول توضيح الأمر: "لقد جاء ما إن علم بوفاة حياة حتى ينال نصيبه من إرثها و... هتف مهنى في ثورة: "أي إرث أيها الحقير!

لقد طلقتها وانتهى الأمر. ولولا رغبة السيد السعيد في عدم إحداث جلبة حول زواجكما حتى لا يمس ذلك سمعة العائلة، لكنت أنت وأختك الآن بالسجن بعد كل ما فعلتماه بحفيدته. والآن تأتي بكل صفاقة مطالبًا بمال ليس لك فيه مليم واحد! أي فجور هذا؟ هتف شهاب يحاول الدفاع عن حقه المزعوم مدعيًا الشجاعة رغم أنه يرتجف داخليًا أمام ذاك الرجل العالم ببواطن الأمور: "حياة رحمها الله كانت زوجتي. لقد رددتها لعصمتي قبل انتهاء العدة بساعات قليلة."

هتف مهنى ساخرًا: "إلى أن تثبت ذلك، لا مكان لك هنا. تفضل. وأي تعامل مستقبلي مع عائلة السعيد سيكون من خلالي أنا فقط." خرج شهاب مسرعًا مدعيًا الحنق، وهو في الحقيقة هرول خوفًا وهربًا من ذاك الرجل. الذي تطلع إلى نهى عاتبًا في رقة، وقد تبدلت حاله في لحظة وهو يسألها: "لمَ لم تخبريني بأمر ذاك الحقير؟ هتفت نهى في اضطراب:

"آسفة سيد مهنى، لم أكن أرغب في تحميلك كل الأمور، يكفيك ما هو على عاتقك بالفعل. كما أني كنت أعتقد أن الأمر سينتهي بإعطائه بعض المال، لكن يبدو أنه لن يشبع." ابتسم مهنى مقتربًا منها هامسًا في ود: "حسنًا، لا بأس. لكن رجاءً أخبريني بأي أمر يحدث بعد ذلك. فأمورك، أقصد أمور كل عائلة السعيد والتي ستؤول إليك يومًا ما بعد عمر طويل لجدك، تهمني، تهمني بشدة." وابتسم في رقة ورحل، مخلفًا إياها تتعجب من أحواله تجاهها مؤخرًا. ***

دفع باب كوخه خارجًا منه وهتف صارخًا في ضيق: "أنا لن أستطيع تحمل هذا الوضع أكثر من ذلك. أنا رجل ولي احتياجات." كانت بالفعل تجلس أمام كوخها تتطلع للبحر قبالتها، فجفلت لثورته ونظرت إليه شزرًا هاتفة: "وماذا علي أن أفعل باعتقادك؟ فل تذهب للجحيم أنت واحتياجاتك." هتف بغيظ: "أنا في الجحيم بالفعل واحتياجاتي تصاحبني هناك ليل نهار. أنا لا أعلم لماذا ترفضين طلبي، إنه طلب بسيط ولن يضر أحد." هتفت صارخة: "طلب بسيط؟

أنت تطلب جسدي يا رجل." هتف مصححًا: "أنا أطلب الزواج بكِ يا امرأة. الزوااااااااج." هتفت صارخة في ثورة: "أي زواج يا هذا ونحن في هذا الوضع؟ " وأشارت للفراغ حولها مستطردة: "أي زواج دون مأذون أو شهود؟ هتف في نبرة هادئة قدر إمكانه محاولًا إقناعها: "وماذا علينا أن نفعل؟ لا شهود فنحن الأحياء الوحيدون بالجزيرة، ولا مأذون بالطبع." هتفت ساخرة: "حتى أنه لا أوراق أو أقلام لتوثيق الزواج." هتف ساخرًا بدوره:

"ما رأيكِ لو جثوت على ركبتي طالبًا يدكِ مثلما يحدث في الأفلام، فقد يفلح الأمر! وساعتها أخبرك أن السماء والبحر هما شاهدا عقدنا الأبدي." هتفت متجاهلة سخريته: "قد أقبل ما تقول إن كنت أحبك بالفعل، لكني لا أسلم جسدي لرجل لا أحبه." هتف مؤكدًا: "إذًا أحبيني. أمامك ثلاث ليال كاملة هي كل ما أملك من صبر حتى تحبيني." قهقهت هاتفة: "أنت غير معقول. لديك إجابات شافية ومقنعة وحل لكل معضلة." هتف في مرح:

"ها قد بدأتِ في محبتي. الخطوة الأولى لا بأس بها. استمري وصدقيني خلال ثلاث ليال ستكونين غارقة حتى النخاع في غرامي." قهقهت من جديد وهتفت متسائلة: "وإذا مرت الثلاث ليال ولم يحدث أن أحببتك، ما الحل يا ترى؟ هتف مؤكدًا في مجون: "ساعتها سأجعلك تتمنين لو أنكِ فعلتِ حتى ولو ادعيتِ كذبًا أنكِ أحببتني، فعندها سأطلق رغباتي الدفينة تركض خلفك في الجزيرة بأسرها ووقتها... " واقترب هامسًا

في عبث: "إما أن أقتلك عشقًا أو تقتلينني دفاعًا عن الشرف." وعاد يتحدث بمنطقية مستطردًا: "وصدقيني، أنتِ الخاسرة في كلتا الحالتين. خسارتك الأولى فقدانك تجربة فريدة من نوعها بين ذراعيّ. والخسارة الثانية هي خسارتي أنا شخصيًا إذا ما قتلتني لأنك ستكونين وحيدة وستموتين قهرًا في أثري لأنك تعلمين جيدًا أنك لن تستطيعي البقاء بمفردك على تلك الجزيرة."

صمت أخيرًا بعد تلك المحاضرة المسْهبة في سرد فوائد ومنافع الإذعان لمطلبه المجنون. لتنظر إليه دون أن تعقب بكلمة، مما استرعى انتباهه ليهتف من جديد في محاولة أخرى لإقناعها: "صدقيني، قد نموت هنا بتلك الأرض وحيدين. من سيعلم بما فعلنا؟ ومن... قاطعته في تأثر هاتفة: "الله يعلم أيها الأجوف." هزه قولها داخليًا وهتف بدوره: "الله شاهد على ما نحن فيه. ثم ماذا تعنين بأجوف؟ ابتسمت وهي تتطلع للأفق البعيد هامسة:

"نعم أجوف، فالزير الفارغ يصدر صوتًا أجوفًا عند الطرق عليه. يا زير النساء." قهقه هاتفا في فخر: "هذا شرف لا أدعيه." هتفت في غيظ: "هذا حمق تغرق فيه." هتف مشاكسا: "أشم رائحة شيء ما يحترق هاهنا. هل هي الغيرة يا ترى؟ هتفت مؤكدة في هدوء: "أنا لا أشعر بالغيرة مطلقًا." هتف مشاكسا من جديد: "إذًا فلستِ امرأة! فما من امرأة لا تغار. فما أروع الغيرة على من نحب!

ابتسمت في حسرة ولم تعقب وأشاحت بوجهها عنه متطلعة للأفق البعيد لعلها تحاول تناسي ذاك الجرح النازف داخلها. ونهضت مبتعدة تتحاشى التطلع إليه ليهتف هو خلفها: "وماذا عن عرضي الذي لن يتكرر؟ هتفت ساخرة دون أن تستدير إليه وهي لا تزال تبتعد: "أحقًا لن يتكرر؟ هذا هو عرض الزواج رقم كم؟ هتف مازحًا: "لا أتذكر. كررته وسأظل أكرره مرارًا حتى أنك قد تقبلين فقط حتى أكف عن إلحاحي."

اتسعت ابتسامتها وتوقفت تستدير متطلعة إليه، لا ترغب في رفض آخر قد يجعله ينأى عنها بشكل لن تطيقه. فهتفت: "إذًا أعدكِ التفكير في عرضك المغري." صفق منتشيًا وهتف خلفها بصوت عال وقد ابتعدت بالفعل: "أشكركِ يا عروسي المنتظرة." قهقهت هامسة: "لقد فقد عقله كليًا." *** صرخت شادية في غضب هادر: "أخبرتك أن ذاك الأمر لن يستمر طويلًا، وأن تلك المبالغ الزهيدة التي تحصل عليها لا تسمن ولا تغني. لكن منذ متى تستمع لنصائحي؟

صمت شهاب مهادنًا وهو يعلم أن لأخته الحق في ثورتها، فقد كان يصرف تلك الشيكات التي تعطيها له نهى ويأتي لها بالفتات حتى يسد نهمها للمال ويحتفظ بالأكثرية لنفسه. تنهد في ضيق مصطنع: "أنتِ تظلمينني. أنا أفعل ما تمليه عليّ بالحرف، وأنفذ كل نصائحك دون تأخير. ماذا يمكن أن أفعل أكثر مما فعلت؟ هتفت في لهجة شيطانية: "ليس أمامنا إلا الحل الأخير." تطلع إليها شهاب مترددًا وهمس في اضطراب: "أتقصدين... لم تمهله ليكمل بل هتفت في حماس:

"أجل. لم يعد أمامنا إلا هذا الحل. وستنفذه من فورك. دعنا ننهي هذا الأمر ونحصل على المال ونرحل من هذا المكان العفن." أومأ شهاب إيجابًا في استسلام تام، لا طاقة له لمعارضة شادية وهي بتلك الحالة التي قذفت الرعب بقلبه وجعلته ينصاع لما تأمر في طاعة عمياء. ***

كانت تجلس على أعتاب كوخها الخشبي تتطلع للأفق البعيد، ولم تتنبه إلى ذاك المتجه للبحر إلا عندما دخل إلى مجال رؤيتها. فانتفضت متعجبة لما يفعل، فالشمس أوشكت على المغيب وهو يفكر في النزول للبحر في هذا الوقت. اندفعت تتجه إليه وما إن وصلت لموضعه حتى هتفت خلفه متسائلة: "إلى أين؟ هل تفكر في النزول للبحر في تلك الساعة؟ أكد بايماءة وبلهجة واثقة: "وماذا في ذلك؟

إنها أفضل أوقات اليوم للسباحة بالنسبة لي." واستدار مواجهًا لها مازحًا: "وقد يحالفني الحظ وأقابل اتارجاتيس." تسألت في تعجب: "من هذه؟ هتف يغيظها متجهًا للبحر: "سأخبرك عندما أعود عن قصتها، أو ربما مع بعض الحظ قد أقتادها لك لتقابلينها شخصيًا." هتفت تستوقفه وهي تشعر بالرعب أن تصبح وحيدة على الشاطئ وهو يسبح بالبحر وقد حل الظلام: "أرجوك، أخبرني الآن." تطلع نحوها وبرقت عيناه ببريق عابث وهتف مقايضًا إياها:

"حسنًا، سأقص الحكاية لكن على شرط." هتفت متعجلة: "ما هو؟ أكد مبتسمًا: "نتسابق سباحة. ما رأيك؟ تطلعت للبحر ولونه الذي بدأ يميل للقتامة مع إرخاء الليل لسدوله، وعاودت النظر إليه هامسة: "الآن؟ ألا يمكن أن... هتف مقاطعًا إياها: "نعم، الآن. دعينا ننعم ببعض الإثارة." همست بتردد: "حسنًا، ولما لا؟ هتف مستحسنًا: "رائع. اتفقنا."

جلس ضامًا ركبتيه لصدره لتحذو حذوه، ليهمس بذاك الصوت الرخيم الذي يتملكه ما إن يبدأ في قص إحدى أساطيره الشيقة والذي يجعلها بعالم آخر تمامًا، تشعر بشغف طفلة صغيرة لسماع حكايا ما قبل النوم: "اتارجاتيس هي أحد الآلهة القديمة، وأم الملكة الآشورية سميراميس. كانت تحب بشريًا لكنها قتلته عن طريق الخطأ، فشعرت بالذنب وما عادت قادرة على العيش على الأرض، فألقت بنفسها في الماء لتعيش فيه بجسد النص العلوي لبشرية والنصف السفلي لسمكة."

هتفت حياة مبهورة: "تقصد عروس البحر؟ أكد مبتسمًا لانبهارها الذي يسعده: "نعم، هي كذلك. تقول الأساطير أن عروس البحر دومًا ما تكون قريبة من شواطئ الجزر. تتمدد أحيانًا على صخورها عندما تمل الماء وتأخذ في الغناء بصوت عذب عندما ترى السفن تقترب، فيشعر البحارة بالنشوة ويفقدون السيطرة على سفنهم." همست متعجبة: "ألهذه الدرجة صوتهن عذب؟ أكد مبتسمًا:

"صوتهن ساحر يخدر المشاعر ويسلب الإرادة. كما أن دموعهن غالية القيمة، تسمى 'الزمرد الريحاني'. تلك الدموع يقال إنها تعطي القدرة على الوصول إلى ينبوع الشباب الأبدي." واستطرد متنهدًا في نبرة عابثة: "هذا بالنسبة لدموعهن، فما بالك بقبلاتهن؟ نظرت إليه نظرة أن يكف عن عبثه ليقهقه مستطردًا:

"صدقًا، هذا كلام الأسطورة. فالقبلة من إحداهن تمنحك القدرة على العيش تحت الماء والاستبصار ومعرفة مكنونات البشر، وكذا القدرة على شفاء الأمراض." هتفت ساخرة: "يا لها من مميزات. تستحق التجربة حقًا." أكد متطلعًا إليها في رغبة لإغاظتها: "أتمنى لو أحصل على إحداها لاستبصر مكنونات روحك وعقلك." همست ساخرة: "لم أكن أدرك أن مكنوناتي بهذه الأهمية لأي من كان. صدقني، ستشعر بالندم لو أدركت بعضها، فهي لا تستحق لمعرفتها كل ذاك العناء."

ونهضت ما إن شعرت بأن الحديث ينحى باتجاه لا تستسيغه هاتفة: "حظًا سعيدًا مع حوريتك." هتف يستوقفها: "إلى أين؟ ووعدك بالمنافسة سباحة؟ توقفت تفكر للحظة وأخيرًا استدارت عائدة إليه هاتفة: "حسنًا، فأنا لا أخلف وعدي. رغم أن القصة لا تستحق هذه المخاطرة." ضحك دون أن يعقب على رأيها شارحًا: "نهاية السباق عندما تنتهي من عد عشر ضربات للماء بذراعيكِ. اتفقنا."

هزت رأسها موافقة وهي تحكم ربط غطاء رأسها حول عنقها. توغلا لداخل الماء وما إن وصلا لنقطة عمق مناسبة حتى هتف معلنًا بدء السباق ليندفع كلاهما لداخل الماء. لحظات مرت وكلاهما يضرب الأمواج بكلتا يديه في قوة. وما إن أنهت حياة العدات العشر حتى رفعت رأسها مستطلعة موضعه لتجده خلفها بقليل. أمعنت النظر قليلًا تحت ضوء القمر الذي سطع بدرًا فوقهما، فأدركت أن هناك شيئًا ما غير طبيعي يحدث. حاولت التركيز، وأخيرًا استطاعت إبصار جسده

يهبط ويصعد بين الأمواج. اندفعت في ذعر نحوه صارخة، لا تعرف ما عليها فعله إلا السباحة نحوه، وكل ما جال بخاطرها لحظتها هو إنقاذه مهما كان الثمن. وصلت موضعه واتته من الخلف كما تعلمت من دورة الإنقاذ التي اجتازتها منذ عدة سنوات، وبدأت في تطويق جسده قبل أن يغيب تحت الماء مجددًا. أخذت في سحبه وإلقائه باتجاه الشاطئ رويدًا رويدًا ولعدة مرات حتى استطاعت أن تجذب جسده بصعوبة لتلقي به على الرمال الندية وتسقط جواره تلتقط أنفاسها في

تتابع مضن. لكنها لم تعط نفسها الفرصة لتستريح بل اندفعت نحوه تضغط على صدره وتتأكد أن باستطاعته التنفس. لكن صدره كان متخشّبًا مما زاد من ذعرها لتبدأ في الضغط على صدره من جديد بكلتا كفيها، ضغطات سريعة متتابعة. لكنه لم يستجب. بدأت في الانهيار هامسة بأحرف متقطعة وصوت متحشرج

وهى لا تزال تحاول إنقاذه: "ارجوك.. استيقظ.. رجاءً لا تتركني وحيدة.. هيا تنفس.. هيا... قرر إنهاء مزحته الثقيلة هامسًا: "المرحلة الأخيرة من إنقاذ أحدهم هي قبلة الحياة. لكن يبدو أني لن أنالها ولو كنت جثة هامدة."

شهقت وسقطت دموعها الساخنة على خديه، ففتح عينيه متطلعًا إلى الهلع البادي على قسمات وجهها الذي لا يزال رطبًا والماء الذي يقطر من غطاء رأسها الذي أحكمت ربطه حول رقبتها قبل نزولها والذي ارتخى قليلًا. فهتف وقد شعر بتأنيب ضمير على حالتها تلك والتي لم يتوقع أن تصل لهذا الحد من الفزع أبدًا: "أنا بخير. لن تكوني وحيدة يا حياة. اطمئني. أنا هنا." هتفت ما إن تمالكت أعصابها وصرخت بانفعال من بين شهقات نحيبها وهي تنهض مبتعدة:

"ليتك لم تكن. ليتك لم تكن." واندفعت تحاول الهرولة، لكن ملابسها المبللة جعلت خطواتها ثقيلة على الرمال. تطلع حيث كانت تغيب اللحظة وشعر بمدى حماقته لعرضها لموقف كهذا. *** تعالت تلك الهتافات السوقية داخل فيلا السعيد لتحثه على دفع كرسيه المدولب خارجًا من حجرته ليرى لمن هذه الصيحات. هتف شهاب في غضب: "أين أنت أيها العجوز؟ أنا لن أتركك تهنأ لحظة واحدة." هتف شهاب عندما لاح له السعيد قادمًا على كرسيه: "أين أنت أيها الخرف؟

أما كفاك ما فعلته بنا حتى تأتي اللحظة لتحرمني من حقي؟ هتف السعيد بلهجة محتقرة موجهًا حديثه لمدبرة المنزل التي كان لها علم بكل مجريات الأحداث والتي كانت تقف ترتجف حرفيًا من الصدام القادم: "عن أي حق يتحدث هذا الأخرق؟ اندفعت مدبرة المنزل تجاه شهاب هامسة من بين أسنانها في توسل: "أرجوك، لا تفعل. لن يحتمل الصدمة." لكن شهاب لم يستمع لتوسلاتها وهتف شامتا: "أتحدث عن حقي في إرث زوجتي...

حفيتدك المصون، حياة." واقترب من كرسي السعيد منحنياً وهو يظهر له نعيها بالجريدة التي نشرها أحد أصدقاء جدها لمجاملته وهو لا يعلم أنه جاهل بخبر وفاتها من الأساس هامساً في تشفٍ: "رحمها الله." اتسعت عينا السعيد عن آخرهما وهو يتطلع لصورة حفيدته بالجريدة ومد يديه بكفين مرتعشتين يمسك بها في اضطراب غير مصدق ما يقرأ. وما إن انتهى حتى رفع رأسه موجها حديثه لمدبرة المنزل في صوت متحشرج النبرات: "هل هذا الخبر صحيح؟

كانت المرأة تبكي في قهر غير قادرة على الرد. سكت الجد للحظات وأخيرًا همس: "كيف حدث ذلك؟ ومتى؟ دخلت نهى الفيلا مبكرة على غير العادة واندفعت تهرول لداخلها، وما إن أبصرت شهاب والجريدة في كف جدها حتى أدركت ما يحدث فصرخت في غضب قاهر مندفعة في اتجاه شهاب تريد قتله ممسكة بتلابيبه: "أنت لست إنسانًا. أخبرتك أن قلبه لن يتحمل. كيف دخلت إلى هنا من الأساس مع كل تلك الحراسة بالخارج؟ ابتسم شهاب في سماجة:

"أخبرتهم أني زوج حفيدة السعيد فلم يمنعني أحد." هتف جدها يستوقفها وهو يلتقط أنفاسه في عمق محاولاً الثبات: "دعك من هذا الحقير وأخبريني، كيف ومتى حدث هذا؟ دفعت نهى بشهاب بعيداً وأجابت من بين شهقات بكائها المقهور: "سقطت الطائرة التي كانت تقلّها وهي في طريقها إلى هنا عندما علمت بمرضك. كان ذلك في اليوم الثاني لدخولك المشفى. لم نشأ أن نخبرك لأن... قاطعها الجد بإشارة من كفه لتصمت مستطردة في بكائها موجها ناظريه لشهاب

هاتفا به في لهجة آمرة: "إلى الخارج، ولا تطأ هذه الفيلا بقدمك مرة أخرى. ولا حق لك عندي أيها الحقير. السماء أقرب لك من أن تمس قرشًا واحدًا من مال حفيدتي الغالية." هتف شهاب مزمجرًا في ثورة: "سأفعل، فهي زوجتي." هتف السعيد في ثبات: "لقد طلقتها وانتهى الأمر." هتف شهاب ساخرًا: "لا، لم ينته. لأني رددتها لعصمتي من جديد قبل أن تنتهي العدة ببضع ساعات ولي الحق في الإرث. وسآخذه مليماً مليماً أيها العجوز المتعجرف. وسترى."

اندفع شهاب خارج الفيلا بعد تهديداته لتسرع نهى نحو جدها تلقي بنفسها قرب قدميه هاتفة في تضرع: "أرجوك يا جدي كن صلبًا لأجلي. أنا لن أحتمل رحيل كلاكما، أنت وحياة." ربت السعيد على كفها التي كانت تقبض على كفه في توسل هامسا: "من قال إن حياة رحلت؟ تطلعت إليه نهى في خوف معتقدة أن هذا الإنكار أعراض صدمة ما وانتفضت مسرعة ليسألها السعيد في تعجب: "إلى أين؟ أكدت في اضطراب:

"سأذهب لأفصل كل الحراس على بوابة الفيلا والذين سمحوا بدخول هذا الوضيع، كما أعتقد أنه على اتصال بالعم مهنى ليحضر و... قاطعها الجد في ثبات: "بل اشكريهم لأنه لولاهم ما كنت عرفت بما يدور من خلفي." انسابت الدموع مجدداً من عيني نهى ليهتف جدها في محبة:

"لا تفزعي يا صغيرتي. أنا لم أصب بالجنون بعد. أنا على يقين أن حياة حية ترزق. قلبي يحدثني أنها لا تزال على قيد الحياة. ولا داعي لاستدعاء مهنى فيبدو أنه لم يقم بما كان يتوجب عليه فعله. وفي الأساس الأمر أكبر من تدخله. حان وقت تدخلي أنا. اذهبي واحضري هاتفي. هيا."

أطاعت نهى في تعجب. فهي المرة الأولى التي ترى فيها جدها بهذه الحالة. مر وقت طويل لم تظهر به شخصيته الواثقة القادرة تلك. ربما بعد انكساره بسبب موت ولديه وكذا مرضه. أما الآن، فهي ترى السعيد كما كانت تراه أيام والديها رحمهما الله، رجل محنك ومسيطر. اختفت نهى داخل حجرته ليتطلع السعيد لتلك الصحيفة التي خلفها ورائه ذاك الحقير شهاب. وما إن طالع ذاك الخبر المشؤوم من جديد حتى مزقه في عنف ملقياً به بعيداً بطول ذراعه. ***

كان يعلم إلى أين تتجه عندما تريد الاختلاء بنفسها نائية عنه بهمومها وأحزانها التي يراها دوماً مطلة من شرفات عيونها العميقة النظرة المسربلة بالوجع. صعد ذاك التل المتوسط الارتفاع والقريب من موضع كوخيهما ليصل لقمته فيجدها هناك، توليه ظهرها وتلقي بناظريها باتجاه البحر. أدرك أنها لا تزال تبكي من اهتزاز كتفيها فشعر بالمزيد من الذنب يكتنفه. فاقترب في هدوء واضعاً إحدى السترات على كتفيها اتقاء للبرد وخوفاً عليها من المرض مجدداً

وهمس بصدق: "أنا آسف. أشعر بالحماقة لما فعلت." انتبهت لوجوده فأسرعت بمسح دموعها المنسابة على خديها بظهر كفها في سرعة وحاولت إجلاء صوتها هامسة: "لقد انتهى الأمر." حاول تغيير الأجواء القاتمة التي تعتريهما فهمس وهو يجلس بالقرب منها هامسا: "رأيتها بالمناسبة. لما أضعت تلك الفرصة الثمينة وأزحت الزمرد الريحاني من على وجنتيكِ؟ همست ساخرة: "أنا لست إحدى حورياتك، ولن أكون." همس بصدق:

"وأنا لا أريدك أن تكوني. لأنهن أوهام وأنتِ الحقيقة. دموعهن محض أسطورة، ودموعكِ هي الواقع. تلك القطرات الساخنة هي الأغلى على الإطلاق من أي زمرد ريحاني مزعوم. هي الأثمن. لأنها زرفت لأجلي." أدارت وجهها باتجاهه وتطلعت إليه في اضطراب لترى على صفحة وجهه الصدق مجسدًا بكل قسمة من قسماته. توترت وهمت بالنهوض إلا أنه أمسك بكفها يعيدها لتجلس من جديد هامسا: "حياة، أنا أريدكِ. أرغب فيكِ حد اللامعقول." تطلعت إليه دون أن تنبس بحرف

واحد ليهمس بلوعة من جديد: "حياة، اقبلي عرض الزواج رجاءً. اقبليه بحق السماء." وقع ناظريها على كفها التي لا يزال متشبثًا بها غير راغب في إطلاقها حرة، وكأنه على استعداد لاعتقالها جواره للأبد حتى يستمع لجوابها، والذي لن يسمح لها بأن يكون جوابًا لا يرضيه. لذا تنحنحت في اضطراب وشعرت بجسدها كله يرتجف توترًا رغم ادعاء عقلها أن ذاك عائد لجلوسها في مهب الريح بملابس مبتلة. وهمست بحروف متقطعة: "حسنًا.. أنا موافقة."

انتفض صارخًا في فرحة أجفلتها وجذبها لتنهض واقفة قبالته ليتطلع لعمق عينيها ضامًا كفيها هاتفا في لهفة: "فليكن زفافنا الليلة إذن. فأنا لن أحتمل نكوصكِ في عهدك." اضطربت وهي تسحب كفيها من أحضان كفيه هامسة وهي منكسة الرأس لا تقوى على التطلع إلى عينيه: "أنا لا أخلف وعدًا ولا أنكص عهدًا. فليكن زفافنا غدًا مساء هنا على هذه الربوة." مد كفه واضعاً إياه أسفل ذقنها رافعاً وجهها ليقابل نظراتها المضطربة حياءً وهمس في وله:

"فليكن موعدنا الغد إذن... والسماء وحدها تشهد أيتها الشهية كم سيكون الصبر مرًا كالعلقم حتى ذاك الوقت." ارتجفت من جديد فشدت السترة لجسدها واندفعت هاربة من أمامه عائدة لكوخها تحتمي به من تلك المشاعر التي اكتنفتها في حضرته والتي بدأت في إعلان الثورة على الذكريات الموجعة محاولة وأدها ورفع أعلام الفرحة من جديد على أرض الفؤاد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...