كان النوم على أرض الكهف الصخرية متعباً بحق، فهي خلاف الأرض الرملية للشاطئ حيث كوخهما، والتي كان النوم عليها أكثر راحة، ما جعله يتقلب كثيراً أثناء نومه، شاعراً بتيبس في عظامه. كانت النيران داخل الكهف على وشك أن تخبو، وبدأ الجو يميل للبرودة قليلاً، خاصة أن الحقيبة لا تسد إلا جزءاً بسيطاً من مدخل الكهف، رغم صغره وضيقه مقارنة بكهوف أخرى.
نهض يمتطئ، يفك تيبس مفاصله، واتجه نحو النيران يحاول إزكاء جزوتها، وهو يعيد شد المئزر الذي تحرر بعض الشيء. انحنى نحو ركوة النار، إلا أنه استمع لهمهماتها المعتادة، والتي يستمع بعضها من داخل كوخه في بعض الأحيان عندما يجافيه النوم ويظل مسهداً.
يبدو أنها كانت تحلم بشيء مزعج، لأن الهمهمات زادت عن وتيرتها، وبدأت تهمس ببعض الأحرف المتقطعة. لا يعلم لماذا شعر أن عليه إيقاظها ليخرجها مما تعانيه، وخاصة عندما سمعها تهمس باسم ذاك الآخر بمثل ذاك التوسل الذي يعذبه: "لا.. شهاب.. لا تفعل.. أنا لا أستطيع.. دع ط.."
وبدأت الهمسات تخبو، والنار بالركوة وبين أضلعه تستعر. لذا قرر إيقاظها، وما أن هم ببلوغ موضعها حتى أبصر شيئاً ما يقترب منها. أسرع يدنو في حذر، وانحنى نحوها وهي لا تزال على نعاسها، وحاول ضبط أعصابه وهو يمسك بذاك الغصن المدبب ليغرزه ببطن ذاك العقرب الذي تلوى.
لتنتفض هي في نفس اللحظة لتجد وجهها ملاصقاً لصدره. شهقت في ذعر محاولة الابتعاد عنه، فقد ظنت أنه يقترب منها لغرض دنيء في نفسه، إلا أنه جذبها ليعيدها لصدره من جديد، مبعداً إياها عن موضع العقرب حتى لا يطالها ذنبه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.
تنبهت في تلك اللحظة للعقرب الصريع بالقرب منها، فارتجفت بين ذراعيه في ذعر. لحظات ساد فيها الصمت، وكفاها تتشبث بجانبي مئزره وجبينها يستند على صدره. وأخيراً همست في صوت متحشرج وهي ترفع نظراتها الدامعة متطلعة إلى محياه: "لماذا لم تدعني أرحل!؟ .. ألم يكن هذا ما تتمنى!؟ سال الدمع المتأرجح بمآقيها، ليهمس هو بدوره بنبرة تحمل دلالة ما لم تستطع تفسيرها في حينها:
"ما أتمنى لن أدركه حتى تطير الأفيال.. وما أتمناه اللحظة لن أدركه ولو بلغت روحي الحلقوم." جالت نظراتها بقسمات وجهه وهمست في تيه: "ما تتمناه اللحظة!؟ .. ما هو ذاك الشيء الغالي الذي قد تدفع روحك ثمناً له!؟ هتف في وله وعيناه تتعبدان في محراب محياها الباكي الذي زادها رقة: "أنتِ."
انتفضت مبتعدة وكأن كلمته كانت هي دلو الماء البارد الذي صبه على وعيها الغائب، ليستيقظ أخيراً، جاذباً إياها من خضم صخب المشاعر الأخرق ليعيدها مرة أخرى لأرض الواقع. أدرك آدم ما يعتريها، لكنه استطرد في رغبة حقيقية: "أنا أريدكِ يا حياة.. أرغبكِ بشدة.. فهل تقبلين الزواج بي!؟ نظرت إليه وهي لا تعلم كيف واتتها الشجاعة لتتطلع لعمق عينيه متسائلة: "وماذا بعد!؟ همس متعجباً: "وماذا بعد!؟ ماذا تعنين!؟ همست:
"وماذا بعد زواجنا المزعوم.. ماذا إذا قدر الله وعدنا كل إلى دنياه!؟ همس مؤكداً: "ولما نفكر في أمر صعب الحدوث بعيد المنال.. نحن هنا منذ فترة لم يعثر علينا أحد، فقد يكون الموج ألقى بنا بعيداً عن مجال بحثهم.. فلنعيش اليوم بيومه، فقد لا يأتي غد." همست تسأله في وجع: "وإذا أتى!؟ همس في ثبات: "ساعتها يمكن لنا تقييم علاقتنا.. و.." قاطعته تومئ في رزانة:
"لا نية عندي لإقامة أي علاقة تحتاج لتقييم.. رجاءً.. عد لموضعك.. وشكراً على إنقاذك حياتي.. لم يكن الأمر يستحق عناءك." تطلع إليها للحظة، وأخيراً نهض مندفعاً في ثورة مبتعداً عنها، دافعاً الحقيبة بعيداً عن مدخل الكهف ليجلس بالخارج، وقد بدأ الجو في الاعتدال قليلاً. لكن مزاجه هو من تعكر ليصبح أكثر انقلاباً من تلك الأنواء التي هدأت. ***
اندفع شهاب بشكل همجي لداخل مكتب نهى، رغماً عن مديرة مكتبها التي حاولت استوقافه، لكنها لم تفلح. كادت نهى أن تهتف معنفة على هذا الصخب، إلا أنها توقفت للحظة ما أن أبصرت شهاب، فأشارت لمساعدتها بالانصراف، مؤمئة لها أن تدعه يدخل. وقف شهاب بمنتصف حجرة المكتب يتطلع حوله في انبهار، هاتفا في حقد: "كل هذا العز سيكون لي فيه نصيب." حاولت السيطرة على أعصابها هاتفة: "تفضل يا سيد شهاب.. اجلس ودعنا نتفاهم." جلس شهاب أمامها هاتفا:
"جئت لأنال نصيبي من الإرث.. أعتقد أنه شيء واضح." هتفت بثبات: "على حد علمي لقد طلقت حياة بعد زواج لم يدم أكثر من ثلاثة أشهر.. كيف ترثها وهي لم تعد زوجتك من الأساس!؟ قهقه شهاب هاتفا في سخرية: "يبدو أن لا علم لك.. حتى حياة رحمها الله نفسها لم تكن تعلم." ومال على سطح المكتب هامساً في وضاعة: "لقد أعدتها لعصمتي قبل انتهاء العدة ببضع ساعات." شهقت نهى هاتفة: "إنك تكذب.. لم يحدث."
أكد شهاب وهو يعود موضعه على كرسيه واضعاً قدماً فوق أخرى: "بلى، لقد حدث.. وعندي كل ما يثبت ذلك." هتفت نهى بثورة: "أنت نصاب تحاول استغلال وفاة حياة لتحقيق مكسب مادي.. أما كفاك ما نلته وأختك حتى تطلقها!؟ ألم تكتف بتدميرك لحياتها لتأتي راغباً في مالها بعد وفاتها!؟ أي نوع من البشر أنت!؟ قهقه شهاب في سماجة: "أنا فقط راغب في حقي لا شيء أكثر." هتفت نهى في عزم: "وإذا أخبرتك أنك لن تنال مليماً واحداً من مال حياة!؟
تطلع شهاب لنهى هاتفا في لهجة تقطر حقارة: "سأخبرك أني ذاهب لجدك لأخبره ليس فقط بوفاة حفيدته المحببة لقلبه، بل أيضاً بأني أعدتها لعصمتي وأن مالها سيكون بحوزتي أستمتع به كما يحلو لي.. ما رأيك! أعتقد أن كلا الخبرين سيكون مصدر سرور لجدك الخرف." جزت نهى على أسنانها قهراً، فقد كان كل ما ينطق به هذا الحقير صحيحاً، وهي تدرك تماماً أنه قادر على تنفيذ تهديده، فقد جاء إلى الفيلا بالفعل لولا ستر الله ووجودها ساعتها وتدخلها.
تنهدت في ضيق هاتفة: "اسمع.. موضوع الإرث هذا لا أستطيع أن أتدخل فيه لأنه يخضع لأمور قانونية وإجراءات سأجعل محامي العائلة يتولاها.. لكن كل ما يمكن أن أقدمه الآن هو هذا." زيلت شيك بتوقيعها ومدت كفها به هاتفة: "هذا من مالي الخاص.. حتى لا تطأ قدماك الفيلا مرة أخرى.. أعتقد أنه كاف..!؟ تطلع شهاب للرقم المدون بالشيك البنكي وحاول أن يظهر لامبالاته بذاك الرقم الضخم الذي سال له لعابه، وهتف وهو ينهض مودعاً:
"حسنا.. سأعتبر هذا عربون مبدئي حتى تحل الأمور القانونية الخاصة بالإرث.. وداعاً." تنفست نهى الصعداء وهي تراه يرحل، وتمنت ألا ترى محيا ذاك الحقير مرة أخرى. *** تحسن الجو كثيراً، فقرر النزول حيث كان موضع كوخيهما، لتلحق به رغبة في مساعدته لإعادة بنائهما من جديد. استمرا في العمل الشاق لفترة، حتى أنها شعرت بالتعب والإرهاق الشديد، إلا أنه لم يتوقف عن العمل ولم ينبس بحرف واحد.
فمنذ ذاك اليوم في الكهف عندما عرض عليها الزواج ورفضت، وهو ينأى عنها ولا يخاطبها بكلمة. يفعل ما يجب عليه فعله، لكنه أبداً لم يعد آدم المرح ذو الروح الوثابة الذي ما كانت السخرية والمزاح تفارقه. ماذا فعلت ليكون رد فعله بهذا الشكل!؟ هي غير راغبة في علاقة واهية، فما عادت قادرة على العطاء من جديد دون ضمانات تحمي قلبها من العطب وروحها من الانهيار. ما عاد لديها ما يمكنها منحه له أو لغيره، فمعين مشاعرها قد نضب.
ليته يفهم أن العيب ليس فيه، بل بالظروف العجيبة التي جمعتهما. ليته يتفهم أن العيب بقلبها السقيم وروحها المشروخة أنيناً وجراحها النازفة وجعاً ما يزال سخياً وحياً. تطلعت إليه وهو يضع اللمسات الأخيرة على سقف كوخها، مستنداً على أحد أفرع الشجرة التي تسلقها رغبة في الوصول لأعلى الكوخ وضبط سقفه بالفروع والأخشاب بشكل سليم، إلا أن ذاك الفرع كان من الضعف بحيث انكسر ولم يستطع تحمل ثقل جسده، ليسقط من عليائه متأوهاً في شدة.
صرخت حياة في ذعر متجهة إلى حيث موضع سقوطه هاتفة في قلق: "هل أنت بخير!؟ أرني قدمك لأطمئن عليها." مدت كفها بتلقائية تتحسس موضع إصابته التي كان يتأوه ممسكاً إياها، إلا أنه دفع بقدمه بعيداً عن مجال يدها، مؤكداً في غلظة وهو يحاول النهوض مبتعداً عن قربها المهلك: "لا عليكِ.. أنا بخير." تحامل على قدمه السليم حتى استطاع الجلوس أمام كوخه يحاول تمسيد قدمه الموجوعة حتى لا يطالها التورم. هتف بلهجة خشنة وهي
لا تزال بموضعها لم تتحرك: "كوخكِ أصبح جاهزاً." أومأت برأسها في تفهم ونهضت تدخله في هدوء، وقبل أن تهم بغلق بابه خلفها همست: "سأدخل وأعدك أن لا أخرج منه إلا للضرورة القصوى." هتف بحدة: "سيكون ذلك أفضل للجميع." دخلت الكوخ ولم تعقب بكلمة، لكن ما أن أغلقت عليها بابه حتى سالت دموعها. ***
قررت فعلاً عدم الخروج من الكوخ مهما حدث، فما عاد لديها القدرة على الجدال معه أو تلقي نظراته الغاضبة أو تلميحاته الموجعة. عليها تجنبه تماماً، وإذا لزم الأمر واحتاجت للخروج فعليها أن تتأكد أنه ليس بالخارج حتى لا تحتك به.
ظلت النهار بطوله بين جدران الكوخ الأربعة، على الرغم من أنها لم تسمع أي صوت له بالخارج. وكان لابد لها من الخروج لتناول بعض الطعام، فهي تتضور جوعاً بالفعل. فتحت الباب في حرص وتطلعت حولها، تمد ناظريها شرقاً وغرباً تتأكد أنه ليس موجوداً بالأنحاء. وتحركت في اتجاه الأشجار التي تحصل منها على الفاكهة التي يتناولانها.
جمعت منها عدة ثمرات وسارت في طريق العودة محاولة أن لا تقابله قدر إمكانها. ما أن وصلت لكوخها وهمت بدخوله حتى سمعته يتأوه. تذكرت قدمه المصابة منذ الأمس. هل عليها الاطمئنان عليه!؟ هزت رأسها نفياً، فلا رغبة لديها في نيل تقريعه. دخلت الكوخ وجلست تتناول ثمرات الفاكهة، وما أن همت بقضم أولى الثمار حتى تركتها جانباً في ضيق ونهضت على عجالة حتى لا تتردد مندفعة تقف أمام كوخه هاتفة في اضطراب: "آدم!؟ هل أنت بخير!؟
هتف من الداخل في حدة: "سأكون بخير إذا ما ابتعدت عني وتركتني لحالي." على الرغم من تلك الشدة في رده، إلا أنها دفعت باب كوخه وتطلعت لجسده الممدد، وسقطت عيناها على قدمه المصابة. تجاهلته تماماً وانحنت تنظر إلى ذاك التورم البسيط الذي اعترى كاحله. هتفت وهي تضع أطراف أصابعها على موضع الورم في إشفاق: "لابد من علاج هذا التورم." هتف ساخراً: "وكيف ذلك أيتها الطبيبة الفذة!؟
لم تعره اهتماماً ودخلت لكوخها تحضر قطعة من قماش وملأت إحدى الأواني الصفيح ببعض الماء لتدفئتها على نيران الركوة التي لسوء الحظ لم تكن مشتعلة. حاولت إشعالها على قدر استطاعتها مثلما رأته يفعل، وأخيراً وبعد جهد جهيد أضرمت النيران في بعض الأغصان ووضعت الآنية الصفيح عليها. هتف مستفسراً: "ماذا تفعلين!؟ هتفت دون أن تتطلع إليه:
"لابد من عمل كمادات مياه دافئة على ذاك الورم حتى يشفى.. وربط الجزء المصاب وعدم السير عليه لعدة أيام." لم يعقب على ما قالت، بل تركها تقترب من قدمه وتبدأ في تمسيد الورم بقطعة القماش الندية الدافئة، واعترف أنه شعر بالراحة لحد كبير. ما أن انتهت حتى صنعت رباطاً ضاغطاً من قطعة من الملابس وبدأت في ربطها حول الجزء المصاب. هتفت وهي تنهض مغادرة: "الآن عليك ألا تتحرك قدر الإمكان.. ولا تضغط على القدم المصاب." هتف في ضيق:
"لكني سأمل الجلوس هنا.. أرغب في البقاء خارجاً." أومأت برأسها هامسة: "حسنا.. سأدبر لك الأمر." خرجت وغابت لبضع دقائق ثم عادت ومعها عصا كانت فرعاً قوياً لشجرة قبل أن تقتلعها العاصفة من موضعه. دخلت الكوخ وقدمته إليه هاتفة: "يمكنك الاستناد على تلك العصا حتى الخارج والاستعانة بها إذا ما أردت الحركة."
تناول منها العصا وحاول النهوض متكئاً عليها، لكنه كاد أن يسقط. اندفعت تحاول دعمه لينتهض، وبلا وعي لفت ذراعها حول خاصرته ليضع ذراعه حول كتفيها. شعر بتيبس جسدها للمساته، لكنه لم يرفع ذراعه عنها إلا بعد أن ساعدته ليجلس بالخارج أمام كوخه متطلعاً للبحر الهادئ من موضعه.
قدمت له بعض ثمار الفاكهة التي كانت قد أحضرتها، وبدأت في تحضير وجبة من السمك المشوي، والتي كان قد اصطادها أمس ولم يتناولاه نظراً لظروف سقوطه، واكتفى كلاهما بالفاكهة. بدأت في العمل وهو يراقب حركاتها وسكناتها مستمتعاً. ظهرت أخيراً على جانب فمه ابتسامة وهو يهتف في استحسان: "أرى أن حياة الجزيرة أصبحت تناسبك تماماً.. فأنتِ تقومين بالعمل في مهارة." أجابت وهى تتشاغل عن النظر إليه بتقليب الأسماك حتى لا تحترق:
"أنا أحاول أن أتكيف على حياة لا أعلم إلى متى ستمتد.. أو حتى متى تنتهي." انتهت من شواء السمكة الأولى، فوضعتها على ورقة شجر عريضة اتخذتها كصحن وقدمتها له. تناولها وبدأ في التهامها مستطيباً إياها هاتفا: "أجدتِ الشواء باحترافية.. فهي ناضجة بشكل مثالي." ابتسمت دون أن تعقب وهي تتابع شواء سمكتها. ساد الصمت للحظات، كان قد انقض فيها على سمكته متسائلاً: "كم سمكة لديك بعد!؟ أكدت: "واحدة أخرى.. ألا تزال جائعاً!؟ أومأ في إيجاب:
"بلى.. كنت أتضور جوعاً.. وما زلت جائعاً." ابتسمت في تفهم: "لقد خرجت من الكوخ لجوعي كذلك." ومدت كفها بالسمكة التي كانت تطهيها لأجلها، واضعة إياها أمامه هاتفة: "تفضل." هتف متعجباً: "لكنها لأجلك.. يمكنني أن أنتظر حتى انتهائك من طعامك وشي السمكة الأخيرة." أكدت في بساطة: "يمكنك تناولها وسأشرع في طهو الأخيرة." هتف وقد بدأ في التهامها بالفعل: "حسنا." ابتسمت لفعلته وساد الصمت من جديد، وقد بدأت في التهام سمكتها
كذلك وهمست في تأكيد: "في الغد سأحاول اصطياد عدد أكبر من الأسماك." هتف مبتسماً: "أرجو أن يحالفك الحظ.. فالأمر ليس سهلاً على الإطلاق." واستند على كفيه ليدفع بجسده ليتمدد على الرمال متطلعاً للسماء هاتفا: "انظري.. كم عدد النجوم يا ترى!؟ ابتسمت هاتفة: "لم أحاول عدّهم من قبل." همس في رزانة: "الأعداد دوماً ما تبهرني.. فهي سر من أسرار الله."
تطلعت إليه للحظة، فهي المرة الأولى التي تسمعه يذكر الله فيها بخلاف طبعاً تلك الدعوات والأمنيات ليعود وحيداً وسعيداً، لكن عليها أن تعترف أنها لاحظت غيابه في عدة أوقات خلال اليوم، وفي إحدى المرات التي كانت في سبيلها لخلوتها رأته قائماً يصلي في الخلاء. هل يعرف هذا الماجن رباً غير شهواته!؟
تمددت بدورها منتزعة نفسها من خواطرها متطلعة للسماء على مسافة قريبة منه لحد ما. ابتسم لبساطة فعلتها منتشياً لكونها أصبحت تعتاده ولو قليلاً، وهمست متسائلة في تعجب: "وهل للأعداد سر..!؟ همس مجيباً: "نعم.. الرقم ١.. يدل على الفردية والتوحد الدال على الربوبية.. والرقم ٢.." وصمت لبرهة، فتعجلته هامسة: "ما سره!؟ همس متطلعاً إليها: "إنه سر الزوجية.. الروح ووليفها.. القلب ونبضه.. آدم وحواء."
تطلعت إليه بدورها وزاد اضطراب الخافق بين جنباتها وهتفت تحاول الخروج من سحر اللحظة ببعض المرح رافعة يدها مشهرة الرقم ٣ أمام ناظريها: "والرقم ٣." همس متطلعاً من جديد للسماء الممتدة قبالته مبتسماً لفعلتها: "إنه ثمرة الازدواج ما بين كل شريكين.. طفلهما الأول." همست بغصة بحلقها وقد أصبح الحديث حميمياً، راسمِة الرقم التالي: "والرقم ٤." همس متنهداً:
"إنه رقم دعامات الأسرة وأساسات البيت.. رقم الاتجاهات الأربعة التي توجهك حتى تصل لمستقرك وسكناك." همست: "رقم ٥." أكد: "إنه رقم درء السحر والحسد... " واستطرد مبتسماً: "ألم تلحظي أن من ضمن معتقداتنا الشعبية عندما نشعر بطاقة حسد أو عين نفرد كفنا بكامله أمام صاحب العين الشريرة!؟ ضحكت مؤكدة: "بلى صدقت.. والرقم ٦." همس:
"إنه رقم الانشغال والرغبة في إكمال الناقص.. والرقم ٧ هو السر الأعظم.. فالسموات سبع.. وأيام الأسبوع سبع.. وأشواط طواف الحجيج سبع... همست مبهورة: "والرقم ٨." ابتسم لتفاعلها: "هو رمز الطريق إلى الكمال.. وكذا الرقم ٩ يؤكد أنك أوشكت على الوصول." هتفت متعجلة وهي تفتح كفيها بوجه السماء مشهرة أصابع كفيها: "والرقم ١٠." ضحك مؤكداً: "هو عين الكمال وبلوغ الهدف." ابتسمت هاتفة: "لم أكن أعلم أنك فيلسوف!؟ ابتسم هامساً:
"أشم رائحة سخرية تنتشر بالأجواء." أكدت ضاحكة: "مطلقاً.. إنها رائحة الشواء.. هيا فعلى الفيلسوف العظيم الخلود للنوم حتى يحافظ على سلامة تلك الرأس اللامعية."
قهقه وهو يحاول النهوض بمساعدتها حتى دخلا الكوخ. وما أن انحنت لتجلسه على فراشه العشبي حتى سقطت رغماً عنها من ثقل جسده غير قادرة على التوازن بعد ما سقط هو قبلها متمدداً. لثوان كانت بالفعل بين ذراعيه ترتكن على صدره. تلاقت نظراتهما وكل منهما تجول روحه بعالم آخر، وللمرة الأولى.. الأولى تماماً تستشعر رغبة في البقاء قربه وعدم الفرار منه كما هي العادة. همس آدم في وله: "حياة."
تطلعت نحوه يثور قلبها في عربدة عجيبة أقلقت راحة بالها، فقد اعتقدت أن ذاك الخافق قد خمد للأبد. قطعت الوصل بين روحيهما، مبعدة ناظريها باعجوبة واندفعت هاربة لتعود لكوخها، تنتفض في اضطراب تضم جسدها بذراعيها رغبة في الحماية والأمان، لكن لم يكن ذاك بكافٍ. كانت ترغب في أن تضم روحها إليها لكى تستكين، تلك الروح التي أنهكها التيه. لكنها لم تفلح في ذلك. وللعجب أيقنت أنها لتوهابتعدت عن ذاك الستر لروحها المعراة في وجه الوجع.. ذاك الشعور الطاغي بأحضانه الدافئة التي خلفتها لتوه.
*** كان ذاك النهار حاراً على غير العادة، والطقس داخل الكوخ يكاد يزهق روحها، وهي لم تكن ترغب في الخروج لملاقاته بعد ما حدث بالأمس. لكنها لم تستطع البقاء، ففتحت باب كوخها على استحياء تتلمس موضع بقائه حتى تتجنبه. ولحسن الحظ لم يكن موجوداً بطول الشاطئ، واعتقدت أن إصابة قدمه ستحد من حركته، فخرجت في اطمئنان تجلس تحت شجرة ظليلة.
لكنه ظهر فجأة من داخل الدغل يتكئ على قدمه المصابة، والتي من الواضح أنها تماثلت بعض الشيء للشفاء، حاملاً على كتفيه بعض الأغصان. ابتسم بأريحية يحاول أن يتظاهر أن الوضع طبيعي وكأن حادثة الليلة الماضية لم تكن، وقد شكرت له ذلك كثيراً، ما دفعه ليهتف مقترحاً: "ما رأيك برحلة إلى الجانب الآخر من الجزيرة!؟ كانت تحمل ورقة عريضة من إحدى الأشجار تلوح بها أمام وجهها مرسلة بعضاً من هواء لعله يرطب ولو قليلاً قيظ ذاك النهار هاتفة:
"رحلة في ذاك النهار الحار!؟ لا أعتقد أنها فكرة جيدة." هتف مؤكداً: "صدقيني هذا وقتها، فأنا أقوم بها عدة مرات لإحضار الماء العذب للشرب." همست: "أتقصد رحلة لذاك النبع العذب الذي أخبرتني عنه!؟ أومأ مؤكداً: "نعم هو ذاك.. هيا بنا لا تتكاسلي." نهضت متنهدة في غير حماسة: "حسنا.. هيا بنا."
تحركا داخل ذاك الدغل القريب يحاول تزليل الطريق أمامها لتعبر خلفه. استمر المسير لبعض الوقت، وأخيراً انتهى الدغل فجأة لتشهق من جمال ذاك المنظر الرائع الذي يطالعها اللحظة. تطلع آدم إلى ردة فعلها مستحسناً وهتف في فخر: "ألم أخبرك أنها رحلة تستحق العناء." همست مبهورة: "إنه يستحق فعلاً." أكد آدم وهو يتقدم للنبع وحياة تتبعه: "كان هدية ربانية وقد أضناني العطش." همست حياة: "لمَ لم تقم كوخك قربه!؟ أكد آدم وقد وصل لحافة النبع:
"فكرت بذلك فعلاً لكني أيقنت أني سأكون بعيداً عن الشاطئ الذي تمر به السفن، فأقمته هناك.. كنت أريد أن أعطي نفسي أملاً ولو كاذباً أن هناك فرصة للنجاة." جلست تضع قدميها بالماء البارد فشعرت بالراحة تسري بجسدها كله. انتفضت عندما تناثر رزاز الماء عليها وجسده يخترق المياه. غاب لبعض الوقت تحت سطحه ليخرج فجأة من تحت أقدامها لتصرخ مصدومة، ليهتف مازحاً: "أمير نبع المحبة في خدمتك سيدتي." هتفت ساخرة: "أسميته نبع المحبة!؟
ثم قهقهت هاتفة: "لما أشعر أني دخيلة على المشهد العام وأنه يليق بك أن تجمع حسناواتك حول ضفاف النبع وأنت تعزف على الأرغن كأحد أساطيرك التي لا تنتهي!؟ زم ما بين حاجبيه وهتف ممتعضاً: "أتسخرين من التسمية التي أطلقتها على النبع!؟ لكنها ليست من وحي خيالي.. هناك فعلاً نبع للمحبة وطالما أنك تسخرين من أساطيري فلن أقص تلك الأسطورة عليك." هتفت تشعر أنه يحتال عليها: "ليس هناك واحدة.. أنت تمارس ألاعيبك علي.. أليس كذلك!؟
هز رأسه في ثقة مؤكداً: "بل أقسم أنه هناك ولن أقصها عليكِ حتى تعتذري وبشدة عن خطأكِ في حق أساطيري." واندفع عائداً للسباحة من جديد، وهى تهتف به ليتمهل: "عد يا عريس النبع.. أقصد يا أمير النبع.. قص علي قصة نبع المحبة وأنا أعتذر بشدة عن خطأي غير المقصود في حق أساطيرك الرائعة." اندفع مقترباً من موضع قدميها داخل مياه النبع الباردة هاتفا في مرح: "قبلت اعتذارك."
ودفع بنفسه خارجاً من المياه ليستقر بجوارها، ليهمس في سعادة تستشعرها تنتابه دوماً وهو يقص عليها تلك الحكايا التي يعرف أنها تحبها: "في مدينة العشاق والأباطرة المدعوة ساغالاسوس بجنوب تركيا يوجد نبع اسمه نبع أنطونينلر.. أو نبع المحبة لأن الأساطير القديمة كانت تقول أن الشرب من مياه هذا النبع يزرع المحبة بقلوب البشر." همست تسأله في اهتمام: "وهل تصدق أن هناك شيئاً ما يمكن أن يخلق المحبة بقلوب البشر!؟ أكد هامساً في ثقة:
"نعم.. ولما لا!؟ إن المحبة سر إلهي يربط الأفئدة يُخلق لأسباب لا نعلمها." وتنهد وهو يتطلع أمامه في تيه هامساً: "وتنتهي لأسباب نعلمها تماماً."
تطلعت إليه في تعجب وهي ترى جانباً آخر من جوانب شخصية ذاك الماجن الذي كانت تعتقد أن كل اهتماماته بالحياة تنحصر في النساء والمتعة. لكن ذاك الشخص الذي يجلس بجوارها اللحظة يخفي وجعاً ما بصدره وسراً ما بروحه لا تدركهما قدر ما تستشعرهما بقوة. ومن أقدر على استشفاف صاحب وجيعة إلا من ذاق مُرّ مثيلتها!! أيقظها دفعة واحدة من شرودها وهو يقذف ببضع قطرات من المياه باتجاهها هاتفا: "هاااي.. إلى أين ذهب عقلك!؟
ابتسمت ولم تعقب وهي تحاول تجنب قطرات الماء التي كان لا يزال ينثرها باتجاهها، وأخيراً جمع كفيه أشبه بالمغرفة وملأهما بماء النبع البارد ورفعهما باتجاه فمها أمراً بهمس: "اشربي." ترددت قليلاً في اضطراب، لكنه أكمل أمره مازحاً: "فربما يكون لذاك النبع بعض القوى السحرية التي قد تجعل لي بعضاً من محبة بقلبك فتخضعين لسلطان إغوائي ولو قليلاً وترضخين لطلبي الزواج بك." قهقهت هاتفة: "هذا أمر إذاً." أكد مقهقها بدوره:
"اعتبريه دواء ما لجلب المحبة المستعصية." ارتفعت ضحكاتها من جديد، وما أن همت بالشرب حتى وجدت أن الماء قد تسربت من بين أصابعه، فهتفت مازحة: "تسرب الدواء يا مسكين.. فرصة أخرى في يوم آخر." همت بالنهوض ليجذبها مازحاً: "لا فرص أخرى ولا انتظار لأيام أخر.. الآن وفي تلك اللحظة." ودفع بها لتسقط في النبع، لتخرج بعد لحظات متشبثة بغطاء رأسها الذي كان يوشك أن ينخلع هاتفة في زمجرة: "أيها الأحمق.. لقد.."
تطلعت حولها فلم تجده ليظهر بالماء قربها هامساً بمزاح: "لم ترغبي في جرعة من دواء محبتي فدفعتك لتتجرعي القنينة كاملة.. لنرى كيف ستقاومين سحري بعد اليوم!؟ وبدأ في قذفها برزاز الماء لتحذو حذوه محاولة الانتقام، وقد علت ضحكاتها وهي تحاول الخروج من النبع بصعوبة هاتفة: "أشعر بالشفقة عليك منذ اللحظة.. فأنا محصنة تماماً ضد أسحار المحبة.. خيبة أملك ستكون عظيمة." هتف يستوقفها متحدياً: "أتراهن أنك ستقعين في عشقي خلال أيام قلائل!؟
هتفت وهي لا تزال توليه ظهرها تهم بالرحيل: "أنا لا أراهن على جواد خاسر!؟ " واستدارت تتطلع إليه بنظرة تحمل ألماً لا يستهان به مستطردة: "فالعشق فرس جامح متقلب لا أمان له.. قد يلق بك من على صهوته قبل أن تصل خط النهاية بلحظات وقد كنت على ثقة تامة أنك الفائز.. صدقني.. رهانك لا جدوى منه مطلقاً."
واندفعت في اتجاه طريق العودة لكوخهما، تاركة إياه لا يزال بقلب النبع يتبعها بنظراته وهو يستشعر أن هذه الفتاة تحمل بفؤادها وجيعة بحجم المجرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!