الفصل 5 | من 12 فصل

رواية السيد وسيم الفصل الخامس 5 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
19
كلمة
2,952
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 42%
حجم الخط: 18

تناول طعام الغداء وكان يبدو في منتهى الرقة والرومانسية وهو يقدم لها كل ما تحب وتشتهي. تخلت عن حميتها الغذائية وبدأت بالأكل بشراهة، فهي لا تنسى أنه يحب الجسم الممتلئ. لاحظت والدتها كم رضاه عنها ومعاملته الحسنة وغدق مشاعره عليها، وتأكده من أنه يذوب عشقًا بابنتها. فتمتمت وهي تنظر إليهما: -ربنا يهدّي سركم كمان وكمان. ابتسم لها وسيم ورد ممازحًا: -آمين، عقبال عندك يا طنط. ضحكت رحاب على ممازحته وقالت:

-ما خلاص راحت علينا يا وسيم. رمقها بإعجاب ثم نفى مادحًا: -لأ إزاي، إن دبلت الوردة ريحتها فيها. وبعدين إنت ماشاء الله عليكي ولا كأنك عندك عشرين سنة. حلا كانت تبتسم لمجاملة وسيم لوالدتها وتمضغ طعامها ببطء، حتى أضاف وسيم: -إنتِ لو بس شاورتي هتكسّحي كل الهياكل اللي على الساحة. "هياكل" هذه الكلمة علقت في حلق حلا، فسعلت بشدة ولمعت عيناها بالدموع. التف إليها وسيم ليقول: -مالك يا حبيبتي.

ناولها كوبًا من المياه فدفعته بقسوة بعيدًا عنها حتى أسقطته من يده وتهشّم على الأرض لقطع صغيرة. لم تترك العجب لوسيم فقط، بل والدتها أيضًا التي سألتها بدهشة: -مالك يا حلا؟ نهضت من بينهم وغادرت على الفور المكان. تحرك من خلفها وسيم ليناديها بتعجب: -فيه إيه؟ استني.

لم تلتفت ولم تنتظر، كانت تشعر بالإهانة والحزن لما قاله. لقد سخر منها عيانًا دون أن تلاحظ والدتها. بينما رحاب ناقمة على تصرف ابنتها الذي بدا جنونيًا، وباتت تلومها على تصرفاتها غير السوية. دخلت إلى غرفتها وجن جنونها، راحت تقذف كل شيء بالحائط. شعرت بالتدني وأنها لا تكفيه، شعور سيء عندما تصبح لدى محبوبك شيئًا غير كافٍ. الغضب والبكاء والانهيار اجتمعوا عليها. تبعها هو، وفور ما رأى الفوضى التي أحدثتها بالمكان صاح منفعلًا:

-إيه اللي إنتِ عملتيه دا؟ انتِ اتجننتي؟ انتِ حد جه جنبك؟ ردت وعيناها كالدماء: -انت قصدت تهيني وتقول عليا هياكل زي ما بتقول. صرّ على أسنانه ونفخ، مغتاظًا من سذاجة تفكيرها وقال: -انتِ فهمتي غلط، أنا بتكلم عادي مع مامتك، ما قصدتكيش خالص. قبضت يدها بتعصب وصرخت بوجهه: -انت عايز تجنني، انت قاصد الكلمة دي بالذات عشان تجرحني. حاول التقرب إليها، لكنها ابتعدت مزمجرة بصيحة عالية. فتحدث بأسف:

-انتِ أعصابك تعبانة، مش طبيعي اللي بتعمليه دا. إحنا طالعين رحلة نتبسط وإنتي مش مهنيانا. واقفة على الكلمة، أنا بجد تعبت. إذا كان وإنتي والدتك معانا بتعملي كدا، أومال لما آخدك قدام مامتي هتعملي إيه؟ انتِ هتبوظي شكلي قدام عيلتي، انتِ مش مقدّرة خالص لما ابنهم المتعلم برا وصاحب شركات ومدير عام لكل أملاك الهجري يدخل عليهم بواحدة بالعقلية دي.

كادت تسقط من فرط تحقيره لها ودسه لها شعور خفي بأنها أقل منه ولا تستحق وجودها بحياته، لكنها بعين العاطفة تشكك بنفسها وتستدل بحديثه عن أخطائها. لربما كان صادقًا ولا يقصد، فما شعوره الآن وهي تتهمه بهذا وكيف شكلها بعينيه. أولتها ظهرها حتى تستعيد توازنها، ومن فرط التخبط عادت تقول دون أي تفكير: -لو عايز تطلقني، طلقني.

بسرعة اختصر المسافة بينه وبينها، وجدت نفسها تُجذب للخلف، وبالثانية التالية كانت على الأرض أسفل قدمه، وعلى وجهه علامات الغضب والجنون وهو يهدر بتعصب: -كفايا بقي كل شوية تقولي الكلمة. رفع سبابته وأضاف محذرًا: -أقسم بالله لو نطقتيها تاني لأنفذها وقتي. انتِ بتهديني ولا بتستغلي إني متمسك بيكي؟ دا بدل ما ترحميني من عذابي تضايقيني بالشكل دا. وأحلف ما تصدقيش، وأصالح ما يعجبكيش. أنا تعبت، تعبت، مش عارف أرضيكي إزاي؟

تجاهلت ألمها من أثر السقوط، وتمعنت في حديثه الذي دفعه بحدة كالقذائف. شعرت بالقلق عليه لوصوله لتلك الحالة، ولاحظت أنه وصل لنقطة لم تراها من قبل. تحاملت على نفسها ونهضت لتتجه صوبه، محاولة استدعاء هدوئه الذي بعثرته كلمة الطلاق. وضعت يدها على صدره وسألته بتأثر: -انت كويس؟ دفع يدها وهو يلتقط أنفاسه التي تلاحقت وهتف بحنق: -يا شيخة سبيني بقي.

ضمت شفتيها بتحير وشعرت أنها السبب في كل هذه الفوضى وانقلاب أحوالهم. مسحت على ظهره الذي أولاه لها، ثم احتضنته بكلتا يديها رغم أنفاسه المعترضة على هذا. ووضعت وجنتها على ظهره براحة غير متخيلة حياتها بوجود وسيم الداعم والزوج والحبيب، الرجل الذي يليق به الدلال، وخلقت من أجله السعادة. هتفت متعذرة:

-أنا آسفة يا حبيبي، جايز أنا فهمت غلط. ما تتصور قد إيه نفسي أسعدك زي ما بتسعدني، وبحاول أعملك كل اللي يرضيك، بس ساعات بغبائي ببوظ كل حاجة. سمعت صوته يعلق ساخرًا: -ما تبقيش تستغبي تاني بقي. ردت ونصف ابتسامة على وجهها بعدما حصلت منه على رد: -أكيد اتحسدنا، إحنا ما كانش في أسعد مننا الصبح. أجاب بنبرة جافة عقبها سخرية تامة: -هه، أكيد، ما أمك معانا. أبعدت رأسها وعقدت حاجبيها متسائلة دون فهم: -مالها ماما يا وسيم؟ قال بضيق:

-مامتك حركتها باينة أوي إنها بتغير منك، ونظرتها كلها حقد، ومش عايز أتكلم أكتر من كدا. حديثه صدمها، فابتعدت عنه تمامًا لتلف وتقف بوجهه في التو، متسائلة بقلق: -إيه اللي بتقوله دا؟ دي ماما يا وسيم، أقرب حد ليا. حاول التهرب منها وموافقتها بنبرة تمتلئ بالتزيف: -آه صحيح، أنا غلطان. طاردته وعادت تقف في وجهه وسألت بإلحاح: -قول يا وسيم، قصدك إيه بالكلام ده؟ لاحظت كيف تردد في قول هذا وكيف تشنجت ملامحه وهو يهتف:

-أنا ما كنتش عايز أقولك من الأول، بس طالما مصّرة هقولك. أنا دراستي كلها برا وشوفت ستات أشكال وألوان، ومش صعب عليا أقرأ الناس. مامتك يا حلا معجبة بيا، وسبب وجودنا هنا عشان تقرب مني. لم تصدق ما قاله واتسعت عيناها وفمها، نفضت رأسها وهي تردد بفزع: -مش ممكن، مش ممكن. أمسك بمنكبيها وقال وهو ينظر في عينيها بجدية:

-افتكري أما كنا عندها في البيت، كل ما أتكلم معاها تسرح وكأنها بتخيل كلام تاني بقوله ليها هي. افتكري إنها هي اللي اقترحت الرحلة دي، وقت الغداء كانت واقفة على الباب، أنا شايف اللي إنتِ مش شيفاها. أنا بحاول أحافظ عليكي وعلى حياتها، وللأسف طول ما إنتِ مغمّضة عينيكِ ومش عايزة تصدقي، علاقتنا هتدمر أكتر. ظلت شاخصة البصر له، تحاول استيعاب كم المعلومات الذي يحشرها عنوة في عقلها، تتناقل حركة عينيها بين عينيه في حيرة.

استرسل بنبرة أقل حدة وسرعة، تمتزج بين الحزن والتأثر: -أنا مقدّر ظروفها، مامتك غصب عنها بقالها كتير مطلقة، ومهما كان لسه صغيرة في السن. أكيد لما تلاقي بنتها بتعيش كل مشاعر الحب دي، هتغير وتحس إنها نفسها تعيشها هي كمان. ظلت في حالة من الذهول والتخبط بين آرائه التي يعرضها بأدلة وبين علاقتها بوالدتها. أجلسها في طرف الفراش وجلس جوارها، ثم حاوط كتفها بيده وتحدث بهدوء وندم:

-أقولك إيه، اعتبري إني ما قولتلكيش حاجة، ولاحظي إنتِ التصرفات. أمسك بأسفل فكها ليخرجها من هذه الصدمة: -دلوقتي خلينا ننسى الزعل يا سكرتي. طبع قبلة عميقة على فمها وأنهال عليها بأعذب الكلمات. عادت والدتها بعد خروجه لتؤنبها بحدة: -إيه اللي بتعمليه دا؟ تركت الباب وسبقتها نحو الفراش لتوضب حقيبتها بتجاهل تام: -إنتي بتجحدي بالنعمة، الراجل ما فيش بعد كدا أدب وجمال وذوق، وفوق كل دا بيحبك وشريكي، وألف واحدة تتمناه.

استدارت لها فور سماع هذه الكلمة وسألتها بدقة وانزعاج: -ألف واحدة زي مين؟ ردت رحاب: -بقولك ألف واحدة. دحجتها حلا بدقة وحاولت حشرها في زاوية لتسأل من جديد: -أيوه، قول لي واحدة بس. نفضت كتفها دون اكتراث وهي تتحرك لتضع بعض ملابسها في الحقيبة المفتوحة، وغضبت من برود ابنتها وهدرت: -مالك يا حلا؟ إنتِ سايبة عمايلك وبتسألينى أنا؟ سحبت ما بيدها من ملابس وصاحت بها في انفعال: -أومال أسأل مين؟ مش شايفة إنه كتير عليا؟

انزعجت والدتها من حدتها وانفعلت هي الأخرى قائلة: -إنتِ اتجننتي يا بت، انتِ مش واخدة بالك من تصرفاتك؟ جري إيه يا بنت عصام؟ هتجيلك الجنونة زيه. وتشوفي نفسك صح حتى وإنتي غلط. أمسكت حلا برأسها وصاحت بجنون: -كفايا بقا، اطلعي من حياتي، شوفي حياتك بعيد عني وعن جوزي.

لم تدرك كل ما قالته إلا بعدما ران الصمت في الأجواء. وقفت والدتها متصنمة مصعوقة مما قالته ابنتها. وعندما طال النظر إليها، استدارت على عقبيها رحاب تاركة الغرفة بأكملها وهي تحاول كبح دموعها التي تجهزت للسقوط.

هرولت بعيدًا عن الغرفة دون أن ترى أي شيء أمامها. لقد سممت ابنتها جوفها بكلماتها وبطردها العلني لها من حياتها بعد كل السنوات التي قضتها لأجلها فقط. رحلت عنها تكاد تسقط، ومن فرط تخبطها اصطدمت دون ملاحظة الشيء الذي اصطدمت به، وما إن انتبهت حتى اعتذرت بفزع: -أنا آسفة. رفعت وجهها لترى وسيم يحدق إليها، يحاول فهم سبب هذا، ولكنه تساءل: -انتِ كويسة؟ أجابت وهي تتمعن بالنظر له: -آه كويسة. تحدث هو بحماسة ومبدياً تعاطفه:

-ما تزعليش منها، أعصابها تعبانة، وأنا مش هعرفك عليها. إنتِ أكتر واحدة عارفاها. شئ ما جعلها تستيقظ وكأن لمبة حمراء أضاءت بذكرتها، وكيف لا وهي عاشت سنوات طويلة تحت سقف معاناة مع زوج نرجسي. سألته مدعية عدم الفهم: -هي مين؟ هز كتفيه ببطء وأجاب: -حـلا.

حجر ثقيل سقط في قلبها فور نطق اسم ابنتها، ليس لأنه لأول مرة تسمع منه اسمها "سكرتي"، بل تيقنت بأن ابنتها وقعت في شباك "نرجسي متخفّي". أدرّت ريقها واستعادت ثباتها، ومن خلال خبراتها الكبيرة أدركت أنه لا يجدي نفعًا معه المواجهة، لذا وجهت له سؤالًا آخر بعيدًا عن الموضوع: -انت كنت فين؟ استدرجته بعيدًا فرد ببساطة: -كنت بدفع الحساب، هنمشي.

دق قلبها بعنف من فرط قلقها على مصير ابنتها عندما تبتعد عنها. ظلت تحدق به دون ردة فعل، وجهها ماخشب ويداها باردتان. ظلت واقفة وكأن الزمان وقف، فلا تدري من أين خرجت ابنتها تجر حقيبتها خلفها، تجاوزتهم قليلاً دون أن تعير أمها أي انتباه. دعت زوجها بطريقة غير مباشرة لملاحقتها.

ربت على كتف رحاب وراح تجاه حلا، يحاوط كتفها ويمشي بها عبر الرواق بحميمية. مشهد عادي لزوجين يبدو على ظاهرهما الحب، لكن للأسف رحاب ترى بشكل آخر. إنه ثعبان ضخم يلتف حول فريسته بإحكام، ولن يتركها حتى يمتصها بالكامل. الموسيقى مرعبة والخطر في ذروته. إنها تبتعد في نهاية الممر وكأنها تدخل في فوهة الظلام حتى توارت عن عينها تمامًا. "بعد ثلاثة أشهر"

دخلت حلا إلى شقتها مبتسمة ومفعمة بالنشاط، تهرول تجاه زوجها وسيم الذي يتوسط الأريكة ويمد قدمه أمامه ويبدو مرتاحًا. قالت بسعادة: -حبيبي، وحشتني. اختطف نظرة سريعة لملابسها والتي وضح تغيرها بالفترة الأخيرة كما يريد، كما لاحظ اكتسابها بعض الوزن الزائد وهذا أرضاه تمامًا. ابتسم ابتسامة خفيفة وهو يقبل ترحيبها بـ: -وإنتِ كمان. جلست إلى جواره لتقول بحماسة وسعادة: -عندي خبر ليك تحفة. التف إليها وسأل بإهتمام وقد لاحظ سعادتها

التي تقفز من عينيها: -خير؟ أجابته وهي تحرك يدها في الهواء بسعادة: -هيكرّموني في المهرجان الدولي أحسن مذيعة لهذا العام. سرعان ما اختفت ابتسامته وظهر على وجهه غضب متخفّي. لم يرد عليها واكتفى بزجرها بتلك النظرات الغريبة والغير متوقعة. بادلته هي الأخرى النظر ولكنها لم تفهم سر صمته. فتحدثت بغباء كامل وعدم إدراك كم هو يغلي كالبركان الخامل الآن: -إيه؟ الفرحة مش سايعاك مش كدا؟

أنا كمان كنت زيك كدا وهما بيبلغوني. مش عارفة أصدق إني هتكرم كأحسن مذيعة، وكم من المحطات الخارجية عايزة تعمل معايا لقاء، واللي عايز يرافقني في رحلة السفر... قاطعها بجدية وعيناه تذبحها بنصل بارد متسائلًا بحنق: -تسافري فين؟ وأنا ماليش رأي؟ حضرتك ناسيه إنك متجوزة راجل مش رجل كنبة. قبل أن تستوعب حجم غضبه، وثب من مجلسه يهدر بانفعال: -يا أهم مذيعة في الوطن العربي، إنتِ متجوزة ومش أي راجل. التف ليؤشر

بطرف سبابته في غرور وتحدي: -إنتِ متجوزة وسيم الهجري، أهم رجل أعمال في بلدك وفي أي بلد هتروحيها. راجل إنتِ نفسك ما كنتيش تحلمي تتجوزيه، عشان دلوقتي من نفسك تقرري السفر من غير موافقته. لقد تغيرت كثيرًا في الثلاثة أشهر الماضية، اختلفت كليًا بعدما أغلقت حياتها عليه وحوّرت عالمها حوله، وباتت الآن تخشى غضبه عوضًا عن مناقشته وتحاول إرضائه حتى ولو على حساب ذاتها. نهضت من مكانها ترد بخضوع:

-حبيبي، أنا ما قصدتش أعمل حاجة من غير إذنك. رغم نبرتها الخاضعة ومحاولة إرضائه، إلا أنه زعق بها بحدة: -لما أتكلم ما تقطعنيش يا حيوانة إنتِ. سرعان ما تحول وهج فرحتها إلى رماد في فمها، اختفى الحماس من عينيها وحل محله الذل والخضوع والأنكسار، وغلفهم الحزن. ارتجف أسفل فاه وطأطأت رأسها، استمعت إلى إهانتها وصمتت وليس لها أي ذنب. لقد تمكن منها وجعلها دمية بلا روح يفرغ بها كل عقدة نفسية دون ردة فعل منها سوى الرضوح. التف حولها

بخطوات بطيئة يسأل بسخرية: -يكرموكي على إيه؟ أنا شايف قدامي ست في منتهى الغباء، مش مهتمية ببيتها ولا بجوزها، ولا عارفة توافق بين شغلها وبيتها، لدرجة إني بقعد في البيت بالساعات لوحدي مستني طلتها البهية. ستات كتير أولى بالتكريم، الست اللي شايفة طالبات جوزها ومهتمية ببيتها. إنما إحنا دلوقتي الساعة تلاتة العصر وحضرتك ما عملتيش غداء ولا شوفتي أقل واجباتك.

ازدادت توترًا وبدأت في قطم أظافرها. حديثه أثر عليها جدًا وشكك تمامًا بنفسها. هتفت من بين قطمات أظافرها: -أنا آسفة، هطلب أكل حالًا. علق ساخرًا وهو يرمي لها نظرة مشمئزة: -هها، تطلبي إنتِ؟ بجد مصدقة إنك ست حقيقية؟ امسك بمنكبيها وهزها بين يديه مستأنفًا حديثه بنبرة تبدو ناصحة ومؤثرة، ناظرًا بعينيها:

-صدقيني أنا الوحيد اللي شايف الحقيقة. ولو إنتِ بجد ست تستاهلي، كنت هديكي أعظم جايزة في العالم، لكن للأسف كلهم بيخدعوكِ، كلهم بلا استثناء.

ما كان منها إلا أن هزت رأسها وكأنها مقتنعة بما يقول. استطاع التأثير عليها، لكنها لم تتحكم بدموعها التي جرت على وجنتيها في سباق. مشت نحو المطبخ في صمت، بينما وقف هو يتابع حركاتها كمن يلاحظ فأر تجاربه. نجح في تدميرها، لكن بكائها هذا يعني أن بداخلها لا يزال يقاوم. من المفترض أن لا تشعر بشيء سوى الامتنان له لأنه يوضح حقيقتها.

وضعت يدها أسفل وجنتها وهي متمددة على الفراش تبكي بصمت بعدما تعرضت لتيار عالٍ من التعنيف النفسي والتحطيم. تبكي لأنها لم تجد سبيلًا سوى البكاء، وتحدق بالفراغ لأنها لم تعرف جهة تتجه صوبها. لقد دمرت علاقتها بأمها وقطعت معها الاتصال وسدت بوجها كل طرق العودة. وكذلك أقرب صديقاتها ابتعدت عنها لأنها لا تترك لأي أحد مجالًا يريدها.

معظم الوقت متفرغة له وحاضرة حوله حتى وإن كان يعمل، بحجج كثيرة أولها أن عملها يعيق بينه وبينها، وهو بالكاد يتحمل غيابها به. أثناء كل هذا شعرت بيده تلتف حول خصرها. في البداية كادت تنتفض، لكنها دون إرادة، ثم علا نحيبها وانفجرت بالبكاء علانية بعدما كانت تدعي النوم. رفع جسده لينظر لها متأملًا ثم هتف ببراءة: -لي كل دا يا سكرتي؟ معقول تكوني زعلتي من كلامي دا؟ أنا بحبك.

كادت تصرخ به، لكنها كانت أضعف من أن تخسر هذا الحضن الذي تريده الآن بشدة. تحتاج أن تشعر بالدفء عوضًا عن كل البرودة التي تحاوط قلبها، وكأنها مؤشر للموت. ما كان منها إلا أن بكت بهستيريا وهي بأحضانِه. بكت وكأنها لا تجد ردًا إلا البكاء، مما جعله يستنكر دون عطف: -إيه شغل العيال؟ ست عاقلة تعمل اللي بتعمليه دا؟ و أنا قولت إيه؟ زعلك كدا؟ أكيد فهمتيني غلط زي عادتك.

قد إيه أعصابك تعبانة، إنتِ لازم تزوري دكتور نفسي، حالتك ما تطمنش. رفعت وجهها إليه وتطلعت في وجهه الوسيم، كان جحيمها الذي ترعى به. قالت بنبرة أشبه بالضياع: -مش عايزة دكتور، أنا عايزة أحضنك وبس. ابتسم وهو يتأمل عينيها الممتلئة بالبكاء ووجهها الذابل وبشرتها البيضاء كالأموات، لوحة كاملة لشبح امرأة كانت يومًا على قيد الحياة. هتف ببساطة بعد صمت قصير: -بس كدا، حاضر، هعملك اللي إنتِ عايزاه. استجاب لطلبها

وراح يهتف لكماتها بضيق: -شكلك بقى وحش، كفايا عياط بقي. كانت تختبئ في أحضانه ظنًا منها أنها تحتمي من الوحوش به، لكنها لم تكن تدرك أنها بالكامل في فم السبع. وفي أضعف حالاتها توسلته كالطفلة: -ما تسيبنيش، ما تبعدش عني. لقد أوصلها بسلام لمرحلة اليأس والخوف من تركها لأي سبب من الأسباب. حزنها، مظهرها، أخطائها، حالتها النفسية.

لقد جعلها تجهل تمامًا أن الحب الحقيقي لا يلتفت لكل هذه الترهلات، الحب في الضراء قبل السراء. لكن هذا النرجسي أوقع فريسته وبات يتلذذ بالتهام روحها دون أي شفقة. لذا قال مدعيًا الاستسلام: -حاضر يا ستي، مش هسيبك وربنا يصبرني.

أعطاها شعورًا أنها لا تستحق ومع ذلك تفضل هو ووافق بالبقاء معها. لقد هال التراب بالكامل على ثقتها بنفسها وسبب لها عاهة نفسية بالغة لن تتجاوزها بسهولة. وكذلك هو وغيرهم من المرضى النفسيين لديهم قدرة عجيبة في تحويل الضحية إلى جاني وتغيير الحقيقة، وغرس الدلائل والبراهين في عقل ضحاياهم أنهم ظالمون وهم أساس كل الظلم. اقتربت منها صديقتها وهي تعاينها بدقة، وفور ما التقت عينها بها سألتها بقلق: -انتِ كويسة يا حلا؟ نظرت لها حلا

بتعجب وردت السؤال بآخر: -مالي؟ شايفاني ناقصة إيد ولا رجل؟ ردت خلود بتهكم: -لأ، زايدة وزايدة أوي. نفضت حلا رأسها وكأنها تريد إنكار شيء بدا واضحًا للعلن، واستمرت في تناول الشوكولاتة قائلة دون اكتراث لهذا التعليق: -عندي مرايات في بيتي. تذمرت صديقتها وراحت تسأل بشك عن سبب هذا التغير: -دا بسبب الجواز؟ ردت وهي تجرش الشوكولاتة الخشنة بين فكيها: -جوزي عايز كدا.

صدمت خلود من ردها وتعجبت كيف لرجل أن يطلب من زوجته ذات القوام الممشوق والرشيق بأن تتحول إلى كتلة من الدهون المتحركة. فتحدثت بحمية وغيره على صديقتها: -إنتِ هبلة يا حلا، جوز إيه اللي يخليكي تعملي في نفسك كدا؟ بلاش عبط. بدت حلا منفصلة عنا، تقول ولا تزال تقطم ما بيدها من حلوى بشراهة غريبة لم تعهدها فيها، وهذا أزعج خلود للغاية. مما استدعاها لتسحبها من يدها بقسوة معنّية إياها: -سيبي البتاعة دي وفوقي لنفسك، إنتِ بتضيعي.

انزعجت حلا من تصرف خلود وراحت تزجرها: -هو أنا عيلة صغيرة مش عارفة أنا بعمل إيه ولا إيه؟ أكدت خلود على كلامها بحنق: -أيوا، مش عارفة إنتِ بتعملي إيه، ومش هسيبك في القرف اللي إنتِ فيه دا. اشتدت المشادة الكلامية بينهم وتشاركا نفس التعبير والحدة والتراشق، حيث ردت حلا: -اللي بتسميه قرف دا اسمه عندي حب جوزي وبرضيه. -إنتِ غبية، اللي بيحب حد بيحبه زي ما هو.

-إنتِ اللي غبية، إنتِ لا جربتي الحب ولا الجواز عشان تفهمي إن الست مكانها تحت رجلين جوزها. -إنتِ بتقولي إيه؟ الست مكانها جنب جوزها، كتفها في كتفه، لا على راسه ولا تحت رجله. -أكيد إنتِ مش عارفة الفرق بين الراجل والست. -مش عارفة لأن مافيش فرق أصلًا. اللي بتعمليه في نفسك دا رمي للتهلكة حرفيًا. -يا ستي أنا راضية. -راضية عن شكلك وعن برنامجك اللي بيتساقط بسبب غيابك المتكرر؟ ولا راضية عن علاقتك بوالدتك اللي اتقطعت؟

ارتبكت قليلاً فور ذكر والدتها، ثم عادت لحدتها لتقول دون خوف: -ما يهمنيش غير رضا وسيم وبس. رمقتها بازدراء ورمت لها الحلوى بضيق، متيقنة أنه لا فائدة من الجدال معها، مضيفة جملة أخيرة وبشفقة كبيرة: -للأسف اشتريتي التروماي. رحلت عنها خلود بعدما زعزعت شتى أمانها وهزت بعض قناعاتها.

تحركت تجر أذيال خيبتها نحو الخارج حيث سيارته الفخمة التي بانتظارها. برغم خطواتها البطيئة إلا أنها هرولت عندما لاحظت خلود تقف أمام سيارة وسيم وتحادثه من شباك السيارة. وعندما اقتربت اختفت مبتعدة عنهما. دخلت إلى السيارة فما وجدت منه إلا ابتسامة صافية ويدًا ممتدة بشتى أنواع الحلوى المهدرجة قائلًا: -جبتلك الشوكولاتة اللي بتحبيها. نظرت لما بيده وهتفت متأثرة: -خلود بتقول لي إني زدت أوي وإن دا هيأثر على شغلي. هتف مستخفًا

وهو ينظر بمرآة السيارة: -دي غيرانة منك. سألته حلا بتفقد: -كانت بتقولك إيه؟ أجاب مغترًا: -بذمتك هتقولي إيه؟ واحد بالحلاوة دي هتقولوا إيه؟ بتحاول ترمي شباكها عشان توقعني. وكأنما لدغتها عقرب، انتفضت قائلة: -توقعك يعني إيه؟ أسرع بإمساك يدها ورد متلاعبًا: -ما تقلقيش يا حلوتي، أنا عمري ما هسمح بكدا، طول ما إنتِ كويسة معايا. أصبحت ساذجة جدًا لتنطلي عليها خدعه ومشاعره المزيفة، والمرهونة بشرط وارد جدًا تغييره في أي وقت.

السيد وسيم. سنيوريتا ياسمينا أحمد. طبعًا وضحت الصورة. انتظروني بقى أناقش معاكم كل اللي سألتوني عليه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...