الفصل 6 | من 12 فصل

رواية السيد وسيم الفصل السادس 6 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
19
كلمة
2,995
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

مضت الأيام وقد تحولت "حلا عصام" لدمية متعلقة بخيوط كلها بيد وسيم الهجري، لا تفعل شيئًا إلا بأمره، ولا يرتد طرفها إلا بإذنه. كانت تبرر له كل أخطائه وكل تصرف غريب، كانت تجد لها تعليلًا أنه رجل شرقي أصيل غيور يحبها كثيرًا. أما هو، فقد زاد طغيانه بعدما تأكد من تمكنه منها.

انتقدها علنًا بأحد البرامج التلفزيونية، حيث استضافته إحدى المذيعات وسألته عن الشائعات التي تدور حول علاقة تربط بينه وبين المذيعة "حلا عصام". ودون أن يرف له جفن، أجاب بتصلب وبضحكة تهكمية: -دي كلها إشاعات، حلا مجرد صديقة، عمري ما أفكر أنقلها لمرحلة تانية، فاهمني. ردت المذيعة بسؤال آخر: -والإشاعات اللي بتطلع عليكم وإنت على طول بتوصلها بعربيتك؟ تحمحم وحافظ على ابتسامته الباردة وأجاب: -عربيتها عطلانة وهي صحبتي، أقولك إيه؟

بتصعب عليا مثلًا؟ تصدقه المذيعة وسألت بمكر: -يعني بتسيب شغلك وشغال سواق؟ أكيد في حاجة بينكم، إن شاء الله مرحلة تعارف، قول ما تخبيش. نفض رأسه مستنكرًا وأجاب: -هي أصلًا ما فيهاش أي شبه من فتاة أحلامي، دي أبعد ما تكون. ما فيش تعارف وزي ما قولتي دي إشاعات، ومن الصبح هصلح عربيتها على حسابي. ختم حديثه بضحكات مجلجلة لكي يعطي انطباعًا ساخرًا على الموقف ككل. "حلا"

أطفأت التلفاز ودموعها تنهمر. لم تستطع أن تعبر عن شعورها بالرخص والمهانة سوى بالدموع. انتظرتْه وهي تعرف أنها لن تأخذ منه أي شيء سوى الصراخ والغضب واتهامها بالجنون. لن يقر بخطئه ولن يهدأ البركان الثائر في خافقها. ولكن برغم هذا اليقين، قررت مواجهته مهما كانت النتائج. دخل إلى الشقة في وقت متأخر، ورغم هذا، هي لم تتحرك من جلستها منذ وقت ما أغلقت التلفاز. نظر لها بعمق وسأل: -قاعدة كده ليه يا سكرتي؟

أسرع نحوها عندما لم تجبه وأبدى قلقًا مبالغًا به وهو يكرر بلهفة: -مالك؟ حد زعلك؟ قوليلي مين مضايقك؟ حد اتصل بيكي؟ حد ضايقك؟ كانت توزع نظراتها به وهي تتابع قلقه وتلهفه للاطمئنان عليها. فكيف تخبره أنه الجارح؟ لكن دون إرادة انزلق لسانها ليرد: -أنت. تحولت نظراته للنقيض، اختفى القلق واللهفة لأخرى هازئة حانقة. وكذلك نبرته عندما ارتفع عن الأرض قائلًا: -قولي ما أنا عارف دماغك. تشجعت لتنقده دون رحمة:

-إنت إيه اللي قلته مع المذيعة ده؟ إزاي تنكر علاقتها بالشكل البشع ده؟ إزاي تهين أوي كده؟ قضب حاجبيه وتنصل قائلًا: -عايزاني أقول إيه؟ مش كان اتفاقنا؟ مش رضيتي بكده؟ -إنتي عارفة إنها عايزة تطلع بأي جملة تعلي بيها الحلقة بتاعتها. انتفضت من جلستها لتصرخ به: -دي لبنى! عارف مين لبنى؟! لبنى كانت حاضرة فرحنا وعارفة إننا متجوزين. ما فكرتش في شكلي قدامها هيبقى إزاي؟ نظر إليها بسخط وقال بغضب:

-يا ست خلي بالك من شكلك، انتي قدامي الأول. إيه المنظر اللي انتي فيه ده وإيه الريحة دي؟ دا منظر تقابلي بيه جوزك. تحولت الدفة تمامًا منه إليها. نظرت إلى نفسها بشك واهتزت ثقتها تمامًا في تكملة الحوار برغم حجتها القوية. فاض بها وراحت تجذب شعرها بين أصابعها وصرخت بوجهه: -اطلع برا يا وسيم، أنا تعبت خلاص. لم يردعه حالتها الهسترية التي لأول مرة تزورها من فرط الضغط: -مش بأمرك، انتي قرفتيني. أنا مش عارف مستحملاكي إزاي. ظلت

تصرخ وتقطع خصلاتها بجنون: -طلقني طالما مش عاجباك، ابعد عني. لم يشفق على حالتها، لكن طلبها للطلاق يعني أنها ستفلت من تحت يده. وهي كانت شخص مناسب وضحية ممتازة للتغذي عليها. الفراق ليس برغبتها إن لم يقرره هو. ظل واقفًا، وياليته صمت ليرحمها من عذابها، لكنه صاح منفعلاً: -خلاص، عملتي نفسك مجنونة عشان تغطي على تصرفاتك الغبية. استفزها لتصرخ بشدة وبأقصى ما لديها: -تصرفاتي أنا اللي غبية يا مغرور. طلقني بقولك. هتف وهو يسحبها

من يدها نحو باب الشقة: -تعالي ننزل حالا نطلق. مفاجأة صدمتها وأسكتها لتستوعب أنها تجر للخارج بمنتهى السهولة ودون أي نقاش، وخطوات قليلة تفصلها بين الباب. ولكنها أيضًا خطوات لتخرج من عالم وسيم وقلعة حبه التي تؤمن بها. نظرت إلى نفسها ثم توقفت فجأة لتلاحظ أنها بملابس المنزل، فتيَبّست مكانها وبكت بانهيار. ظل يحاول جرها وهو يحسها بخشونة قائلاً: -يلا نطلق، مش انتي عايزة كده؟ يلا نخلص بقى من الموضوع المقرف ده.

غاب عنها، لم يعد إلى المنزل منذ أن خرج. مر ستة أيام أو أكثر وهو لا يزاحمها باتصالاته أو يطرق بابها. فرغت حياتها منه وبات تشعر بالفراغ القاتل والحزن الدائم. حتى عندما حاولت مطاردته بالرسائل لم يستجب. اكتفت بمشاهدته من بعيد كالغرباء، وكأن ما بينهما لم يكن يومًا. أمسكت بهاتفها لترسل له رسالة بعد مئات الرسائل التي لم يجب عليها وتركها في صندوق رسائله بإهمال:

-وسيم، ما تنساش إننا لسه متجوزين. ارجع نتكلم عشان في حاجات مهمة محتاجالك فيها. المدهش أنه يفتح رسائلها بسرعة، والمحبط أنه لا يجيب أبداً. أرسلت له من جديد: -أنا هتكرم من القناة ومحتاجاك جانبي. فجأة اختفى وانطفأت إشارة الاتصال، ليتركها تنادي باسمه الذي عذبها كثيرًا "وسيم".

زفرت بتعب، فما من فائدة من مناداته، فهو لن يرد. فتشت في صفحته الإلكترونية لتكشف أي شيء عنه، ورأت جلسة تصوير حديثة له ببعض الملابس وفي أكثر من مكان، أقل ما يقال عنها مذهلة. الملعون بوسامته يخطف العين والقلب معًا. زفرت أنفاسها وهي تمسح على الشاشة بطرف إبهامها وتتحسر لأنها في ليلة وضحاها فقدت هذا الرجل وفشلت في استرجاعه بكافة الطرق.

أحدثت صورته ضجة كبيرة على السوشيال ميديا وأصبح الرائج والأكثر بحثًا. باتت تتعثر في صورته في كل الصفحات، وفوقها عبارات غزل صريحة لهذا الجمال. أضرمت النيران في قلبها ووضعت على جرحها ملحًا، فأصبحت تتآكل وهي تنتقل بينها وتحترق ببطء: -أكيد ماما نحلة عشان تجيب العسل ده كله. -هي الحلاوة دي فين يا جماعة؟ ما نقبلهاش في الواقع ليه؟ -أنا عايزة أتزوجه وأدفع أنا المهر. -ما شاء الله، يابخت اللي تصحى على عيونه.

-أنا لو عندي واحد شبهه في حياتي، والنعمة ما أشيل هم. -يخربيت جمال أمه. -اسم على مسمى. -إزاي سابين الحلاوة دي؟ هيجيلنا السكر. -يا سلام لو يقرا تعليقي ويوافق اعزمه برا. والكثير والكثير من التعليقات التي بعضها تجاوز الحدود اللائقة. هزت قدمها بعنف وكادت تحطم هاتفها بين يديها. أمثال هؤلاء من ينفخونه ويجعلو منه وحشًا نرجسيًا كاسرًا.

تخبطت تمامًا، وضعت اللوم على نفسها أكثر. لقد نجح في التلاعب بها وأفقدها كل الثقة وأخبرها دون حديث أنه أفضل منها وأن وجوده بحياتها أفضل منه وأنه المرغوب المحبوب، ومؤخرًا مشهور، بل فاق شهرتها فقط عندما فك أزرار قميصه العلوية.

ارتدت أفضل ما لديها واتجهت صوب شركته، بما أنه يرفض محادثتها، فستضع حدًا لهذا وتنهي الخلاف بيدها. فلا يصح هجرها كل هذه المدة دون مبادرة للصلح من أحدها، وبما أنه أثبت أنه الأفضل والصواب، فكان عليها أن تتنازل هي وتعود له محملة بالأسف.

لم يسمح لها بالدخول إلى مكتبه سريعًا، بل تركها ما يقرب الساعة في الانتظار بجوار السكرتيرة. شعرت بالحرج الشديد وهي تعامل بمثل هذه الطريقة. إنه يستقبل كل الموظفات وهي جالسة بانتظار مناداته. قطمت أظافرها لتلهي نفسها، لكن خلف هذا كان تشوه نفسي عميق. لقد نجح في إذلالها وفرض سيطرته الكاملة على عقلها المشوش. كانت ترى مدى سعادة الفتيات بالمرور إليه وخروجهن من مكتبه يزفرن بيأس، وهذا جعلها تندم أشد الندم على إقصائه ومعاملتها السيئة له.

أخيرًا سمح لها بالمرور بعدما نضجت على نار اللهفة والانتظار. فور دخولها هرولت باتجاه فاتحة يدها كمن وجد أمه بعد ضلال: -وسيم، وحشتني. كان يقف أمام شرفتها يضع يده بسرواله، يأبى التفاعل معها ويحدق بها ببرود واستمتاع لما وصلت إليه.

احتضنته بين ذراعيها وتمسكت به وأغمضت عينيها بارتياح على كتفه لثوانٍ براحة واطمئنان أنها لازالت بإمكانها الاقتراب منه. اكتشفت أنه لم يبادلها هذا الحضن الدافئ بعد كل هذا الجفاء. ابتعدت قليلاً ونظرت بعينه المتجمدة كالجليد وهتفت بخجل: -انت لسه زعلان مني؟ أجاب وعيناه لم تنفك عن مطالعتها ببرود: -زعلان دي كلمة قليلة. أنا زهقت واتخنقت.

لم يرحم وضعها وقدومها إليه لتسترضيه. انكسرت عينها عنه بحزن شديد، ووقفت على أطراف أصابع قدميها حتى توازي طوله الفارع لتضع قبلة قصيرة على وجنته قائلة بخنوع وكأنه من بيده روحها: -أنا آسفة. أخفى شبح ابتسامته. لقد نجح في تحويل ضحيته إلى مسخ معدوم الكرامة وفاقد الإحساس. نظر في عينيها وسأل بمكر: -يعني مش هيتكرر تاني؟ تلهفت في إجابته بعدما أخيرًا تعطف عليها وأسمعها صوته: -أبدا، أنا مش هعمل أي حاجة تزعلك تاني.

ابتسم ابتسامة صريحة أنستها مشقة محاولة الوصول إليه وتجاهلت بها دعس كرامتها وأنفها الذي التصق بالأرض. مد يده ليحاوط خصرها ويسند جبهته بجبهتها وقال بتلاعب شديد ربما لم تدركه هي: -لما نشوف آخرتها معاكي يا سكرتي. كم اشتاقت لمناداته تلك واشتاقت للحظات رضائه عليها. أصبحت تلهث خلف غزله المميز والنظر بعينيه والاستمتاع بحبه الذي في الغالب انعكاس حبها هي.

كانت تنجذب إليه كمن أدمنته. تعرف أنه مضر لكنها لا تقوى على الابتعاد عنه، رغم أنها تشعر الآن بأنها بين يديه مقيدة، لكنها تقبلت هذا كالمغيبة. هتفت بسعادة لتجاوبه معها: -هنروح سوا. اتخذت ملامحه شكل عاشق ولاهان وهتف بنبرة واثقة: -أكيد، لاني وحشتك. أجابت المسكينة بابتسامة بلهاء: -جدا يا حبيبي. هناك شيء يعذبنا ولا زلنا نرى به الحب، وآخر يظلمنا ونعطي له الفرص، ولكن يذهب العمر هباء في محاولة إصلاح الهالك وتغيير المستحيل.

اليوم يوم التكريم الخاص بها وتتجهز لتظهر في أبهى حالاتها، بعدما اتخذت قياس أكبر من كل ملابسها المرصعة بالخزانة. وقفت متحيرة أمام الكم الهائل من الملابس، تضع على خصرها القطع وتقذفها بعيدًا بحنق بعدما تكتشف الحقيقة المرة أنها أصبحت غير مناسبة. بدأت تشمئز من وضعها وتصيح بعصبية: -كل الهدوم مش نافعة، حاجة تقرف. جاء وسيم على صوتها المنزعج بيده هاتف ولاحظ كومة الملابس والفوضى العارمة بغرفة الملابس وسأل مستنكراً:

-إيه الكركبة دي كلها؟ التفت لتجيبه بضيق مما وصلت إليه: -كل الهدوم ضاقت عليا وعندي تكريم النهارده ومش لاقية حاجة أروح بيها. رفع كتفيه بإهمال وكأن مشكلتها لا تعنيه ورد ببرود: -طيب ما تنزلي تشتري. أضاف بابتسامة خبيثة: -ولو إني أشك إنك هتلاقي مقاسك. اتسعت عينها من جملته الأخيرة واستهزائه بحال جسدها الذي أوصلها إليه. اندفعت نحوه لتسأله في غضب: -مش دي كانت رغبتك؟ ابتعد عنها ليقول بازدراء: -انتي أفورتي أوي، أنا بهزر.

أمسكت به وأبت تركه من فرط ضيقها من تلاعبه: -انت ما بتهزرش، انت قاصد حاجة. صاح بضيق: -يووه، انتي كل كلمة هتقلبيها خناقة. وضعت يدها في جنبيها وردت بانفعال: -أنا مش مجنونة عشان أعمل كده، أنا فاهمة كويس قصدك إيه؟ انت ما كنتش بتهزر. احتد عليها وزعق بصوت عال: -انتي مش مجنونة، انتي عديتي الجنون ومحتاجة دكتور نفسي كمان.

كان ينجح في كل مرة في كسرها بشكل أعنف مما قبله. لم تنجح مرة في مناقشة معه ولم تفلح بتغيير هذا أو حتى إثبات ما يحاول تغذية رأسها به، لذا عادت للصمت وأطبقت فاها لتستقبل موجة من العنف والسخرية بلا رحمة. -أنا ما قلتلكيش كلي من غير عقل، أنا ما فرضتش عليكي تاكلي ليل ونهار. ما ترميش بأخطائك عليا وتطلعي غضبك فيا. وإذا كان انتي مش حابة نفسك بالشكل ده، أحبك أنا إزاي؟ والله العظيم أنا تعبت معاكي.

أدرك نقطة ضعف ثقتها بنفسها وضغط عليها ليلومها بها بأنها غير واثقة من أن هذا الشكل يناسبها وحول نفسه في ثوانٍ أنه ضحيتها. جعلها في حالة من التخبط. عضت أصابعها وهي تشيح بنظرها عنه، ورغم عنها تساقطت دموعها وتشتت عقلها بالكامل عما تفعل.

ذهبت في المساء إلى حفل التكريم بإطلالة غير موفقة بالمرة. الفستان الذي ارتدته أظهر زيادة وزنها ووجهها الذي جاهدت إخفاء ملامح التعاسة والحزن بات غريبًا. ازدادت حرجًا عندما التف إليها الجميع ينظر لها بدهشة ويتهمسون. شعرت بأنها باتت عرضًا مثيرًا للسخط والاشمئزاز. لم تجد سوى يد رجولية سارعت بالإمساك بيده لاصطحابها عوضًا عن دخولها وحيدة: -أستاذ جمال، أنا متشكرة ليك.

ابتسم لها "جمال" مخرج برنامجها الإذاعي، لكنه لم يمنع فضوله من سؤالها عن سبب تلك الحالة الغريبة التي تمر بها: -إيه اللي عمل فيكِ كده؟ بتاخدي علاج؟ رقصت عيناها في مقلتيها وكادت تبكي وتفسد كل شيء. ما اعتادت من مخرج مثله سوى المدح، وسؤاله يعني أنها تمادت بزيادة الوزن حتى فقدت جمالها كليًا. سألته بتأثر: -هو أنا كده وحشة؟ تمعن بوجهها وهتف مبتسمًا: -انتي جميلة في كل حالاتك.

أخيرًا شخص واحد أثلج صدرها بجملة متيقنة أنها ليست حقيقية بالكامل، لكن طيبتها بشكل مرضي الآن. فردت مبتسمة: -شكراً ليك. تحرك معها وسمح لنفسه بسؤالها: -حلا، انتي متجوزة وسيم الهجري؟ انتفض قلبها فور ذكره، وظهر عليها التوتر. فمال برأسه ليقول لها: -أنا سمعت إنكم متجوزين بس عايز أتأكد منك لو مش يضايقك. حركت رأسها بإيماء قصير وهتفت: -آه فعلاً، إحنا متجوزين. لم يتشكل على وجهه أي من تعابير الصدمة، فقط سأل بجرأة: -في السر؟

سارعت بنفض رأسها وقالت نافية: -لأ طبعًا، أهله وأهلي عارفين وأصحابنا. بدى وكأنه يلومها عندما تحدث هادرًا: -انتي ما تستاهليش كده. زاغ بصرها عنه ولم تجد ما تجيبه. وصل بها إلى طاولة قريبة من المنصة وشاركها بها وتحدث دون خجل: -ما فكرتيش في نفسك لو جبتي ولاد، الناس هتقول عليكي إيه؟ انتي مش شخص عادي، انتي مذيعة مشهورة وانتِ عارفة ضريبة الشهرة. عقدت يديها أمامها على الطاولة وردت باقتضاب: -مش عايزين ولاد دلوقتي.

رد بأسف وكأنها تعنيه بشدة: -يؤسفني أقولك إنك كده نزوة. احترمه، شديد له منعها من رادعه بأول رد جاء برأسها. سحبت شهيقًا مطولًا حتى تطمئن من إجابته بشكل مناسب لا يجرحه كما جرحها: -أستاذ جمال، حضرتك عارف قيمتك عندي ومعزتك. ما كنتش حابة أقول لك إن دي حياتنا الخاصة وماحدش هيعرف وسيم قد إيه. نظر لها بيأس وذوى فمه أسفًا ليقول: -مش محتاج أعرف. كلنا سمعنا وشفنا قال إيه في العلن ده، أهانك.

رفعت يدها كإشارة ليوقف الحديث عن هذا الموضوع، فأردف بكآبة: -أتمنى لكِ حياة أفضل من كده. حاولت الابتسام وهي ترد عليه على مضض: -أنا مبسوطة بحياتي مع وسيم، صدقني. مرت الخلفية وقد تم تكريمها. ورغم مرارة ما عاشته، إلا أن تكريمها اليوم جعلها تشعر بالسعادة والرضا وقضت يومًا جميلًا. في شقة رحاب. جلست لبنى تحاكي رحاب عن حالة لبنى الأخيرة، وكانت رحاب تسألها بلهفة: -شوفتيها؟ ردت لبنى بيأس وتعبيرها لا يبشر بالخير:

-آه شوفتها. بقت في حالة وحشة جدًا. عمري ما اتخيلت إنها تتغير أوي كده. دي بقت مش بتسمع رأي حد خالص. امسكت بيدها في رجاء: -مش منها، ده من الوباء اللي اسمه وسيم سيطر على عقلها. تحدثت لبنى غير مصدقة حجم الشبكة التي سقطت بها صديقتها: -أنا بصراحة مش عارفة أصدق. وسيم شكله ما يبانش كده خالص. وسيم مهذب وابن ناس ومرح والناس كلها بتحبه، وما فيش شيء يدل إنه بالسوء اللي يحولها التحول الرهيب ده.

هتفت رحاب موضحة بعاطفة كبيرة من واقع خبرتها السابقة مع زوجها: -ماهو ده الفخ، ماحدش بيعرف يكتشفه حتى اللي عايش معاه غير لما يبعد عنه. سألتها لبنى بتعجب: -يعني معقول حلا تقعد المدة دي كلها ما تكلمكيش؟ ردت رحاب في أسى: -أيوا، عملت بلوك من كل الأبليكشنات وقطعت تمامًا. حتى أنا ما بقتش عارفة أساعدها إزاي. تحدثت لبنى بتخبط: -أنا لما سألته وهو في العربية، ليه حلا زايدة في الوزن ومين المسؤول؟ تحفزت رحاب لسماع إجابته، ولم

تنتظر حتى تكمل وسألتها: -وقال لك إيه؟ أجابت "لبنى" متعجبة: -قال إنها رغبتها وإنه مهما حاول يمنعها مش بتوقف ومكسوف يقول لها إن شكلها بقى وحش وبيحاول يراعي مشاعرها على قد ما يقدر. علقت رحاب مؤكدة: -دي لعبة، أقسم لك إنه ليه يد فيها. ويا ريت تيجي على حد زيادة الوزن ده، قاصد يدمرها في كل شيء.

عادت إلى شقتها بفرح وبيدها هذا الدرع الزجاجي التكريم الذي أعاد الابتسامة على وجهها وأحياها من جديد. هرولت نحو زوجها بسعادة. وجدته متمددًا على الأريكة ممسكًا بهاتفه وفي وجهه شاشة التلفاز: -شوفت يا حبيبي الجايزة؟ قدمت إليه الدرع فاعتدل وهو ينظر نحو الجائزة باستخفاف وقال بإزدراء شديد: -آه شوفت. تعالي أوريكي شفت إيه كمان؟

نهض من جلسته وأمسك بخلفية عنقها ثم دون مقدمات دفع بيده الأخرى الدرع الزجاجي ليقذفه بالأرض فتهشم إلى قطع صغيرة، وتهشم قلبها معه. رغم أن يده تمسك بخلفية عنقها ومعرضة للأذى محتمل منه، إلا أنها لم تشعر بوجع أكبر من ما فعله الآن. تشعر وكأن روحها هي التي تأذت بشكل مريع. صاحت بفزع وجنون: -حرام عليك ليه كده؟ ليه؟

كان قد فتح الشاشة على مقطع معين نشر عبر الإنترنت فور دخولها مع المخرج جمال. وبدأت ثورته وغضبه الجامح وهو يصرخ عاليًا: -مين فينا اللي حرام عليه؟ بصي على نفسك وانتِ رخيصة، بصي على كرامتي اللي دعستيها تحت رجلك وانتِ سايبة الأستاذ يمسك إيدك ويرافقك ويحط وشه في وشك ويلزق فيكي بالشكل المقرف ده.

كان يدفع وجهها بالشاشة مجبرًا إياها على المشاهدة. أما هي، فما كانت ترى شيئًا من بين شلال دموعها. ظل يدفع برأسها بقسوة بالشاشة وازداد عنفًا حتى حطم الشاشة برأسها غير مكترث بدمائها التي سالت على وجهها. أفلتها أخيرًا بقوة مباغتة أسقطتها أرضًا. عندما التقطت أنفاسها بررت بانهيار: -انت عارف إن ده شغلي. صاح كالثور الهائج غير قابل هذا التبرير: -هتسيبي الشغل ده؟ نسيت كل ما بها من تعب وكل إهانة صدرت لها وهرعت قائلة:

-لأ، إلا الشغل. برزت عروقه وهتف غاضبًا من معارضتها في أمر يريد الوصول له: -يا الشغل يا أنا. هتمسكي تليفونك حالا وتبلغي الزفت ده إنك مستقيلة، يا ننزل حالا نطلق. زعرت من تهديده وخشيت أن تنتهي حياتها معه، فحايلته ببكاء: -بلاش يا وسيم بالله عليك بلاش شغلي. هعمل كل اللي تقول عليه بس بلاش أسيب شغلي. كان مصراً على قراره وأكد عليه قائلاً: -يا الشغل يا أنا.

لو تعلم أنها ما كان يوجد على الأرض أبأس منها بمظهرها المبعثر ودمائها التي تسيل على وجهها. هتفت لتوضح له: -أنا عليا شرط جزائي بملايين. أخلص العقد ده ومش همضي تاني. ودون اكتراث صاح مجددًا: -ماليش دعوة. يا تلغي العقد يا ننزل حالا نطلق. كانت متمسكة به أكثر من أي شيء. وكيف لا، فإنه قطعها عن العالم وخصها إلى نفسه وبات لا تعرف ولا ترى ولا تسمع إلا هو. زحفت لتمسك بقدمه متوسلة إياه بنحيب يدمي القلب: -عشان خاطري بلاش شغلي.

لم تتحرك مشاعره، قد انمله تجاهها وكأنها أكبر أعدائه. مال ليجذبها من ذراعها وهو ينهرها قائلاً دون شفقة: -بقولك إيه، يلا بينا ع المأذون. أنا زهقت منك وتعبتيني. سارعت بتخليص نفسها من بين براثن يده وهي تقول مغلوبة ومنهارة وباكية: -خلاص خلاص، هعملك اللي انت عايزه. تركها أخيرًا بعدما انصاعت لأمره. وفجأة تحول إلى شخص آخر، ومال ليجذبها لتقف رغماً عنها على قدمها وحاوط وجنتها بلطف بالغ قائلاً بلوم وعتاب:

-كده ينفع يا سكرتي تخلييني أتعصب عليكي بالشكل ده؟ ازدادت في البكاء، فما أصعب أن تحتاج إلى كتف وضمه ولا تجد سوى البكاء. تغير حاله تمامًا وكأنه شخصية منفصلة عن تلك التي أدبتها بهذا الشكل وأوصلتها إلى تلك الحالة. واسترسل ليضاعف من عذابها: -يرضيكي تحرقي دمي وأنا شايف الرجل ده قريب منك وماسك إيدك؟ أنا لما شفت الفيديو كنت هتجنن والنار قادت جوايا.

برغم ما فعله إلا أنها لازالت تستمع وتعطي له مبررًا لما فعل. تلوم نفسها كما يلومها ولم تكن بها رحيمة. رتب خصلاتها الشاردة بعناية فائقة وسألها بلوم شديد: -ردي عليا، ينفع توصلينا للحالة دي؟ نفضت رأسها وهي تشعر بدوار أثر الضربات المتوالية برأسها. كانت متعبة لكنها تشعر بالذنب، فأجابته نافية: -ما ينفعش. أنا آسفة.

أقرت بذنب لم يكن لها به يد، وهكذا نجح بدوره تلاعبه بها ليجعلها في عين نفسها مذنبًة. رغم أنه هشّم رأسها وأحدث جرحًا بالغًا بها، لكن هذا المتلاعب أقنعها أنها تستحق كل هذا وأنه بريء من ردة الفعل تلك. ابتسم لها وضمه بقوة إلى صدره وهتف بنبرة مرتاحة لما وصل إليه: -شاطرة يا سكرتي. كفف ما علق من دموعها بأطراف أصابعه ونظر إليها بأسف يخالطه ابتسامة طفيفة ثم أردف قائلاً: -بالمناسبة، انتي حلوة حتى وانتي بتعيطي يا سكرتي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...