أفحمته "نجمة" بردها الساحق، جلس في غرفة الملابس مذهولًا من حضور دفاعها وبروز مخالبها على الفور، على ما يبدو أنه سيلعب معها ألعابًا جديدة لم يجربها من قبل. خرج من غرفة الملابس، وجدها تأكل الطعام بلا اكتراث لما حدث، فهتف مبديًا ضيقه: -انت مش قولتي هاخد شاور؟ -آه ما أنا طلعت حسيت إني جعانة فقعدت آكل. قالتها بلا اهتمام برضاه أو سخطه، ولاحظ هو ذلك مما دعاه ليتحرك صوبها ويمسك بذراعها ويجبرها على الوقوف.
رفعت ذقنها إليه وعيناها متحفزة للشر، وتحدث بنبرة خبيثة: -بقى معقول مش خايفة أرميكي في أول يوم ليك جواز والناس تتكلم على بنت الشيخ جابر؟ إنها... وألسنة الناس ما بترحم، والبلد بتحب الحواديت. قاطعت نجمة حديثه وهي باردة خالية من أي انفعال: -ما هو أنا زي ما هاخاف على سمعتي هتخاف أنت كمان على سمعتك، تقول عليّ كلمة أقول عليك ألف، وأنت لسه قايل الناس ما بترحم والبلد بتحب الحواديت. مط شفاه بابتسامة وقال: -أوبا بتهدديني؟
حلو اللعب ده. مطت هي الأخرى شفاها وقالت: -لا سمح الله، هو أنا أستجري؟ أنا بس بنبهك عشان تحافظ على صورتك، أهل البلد عارفين أنت طلقت كام مرة بس ما يعرفوش السبب. الشيطانة الخبيثة من أين خرجت له؟ استدار عنها وبدأ يرسم خطة جديدة، فدميته الجديدة يبدو أنها تحتاج أساليب أكثر خبثًا للسيطرة عليها، خاصة أنه لم يلقِ عليها شباك الحب كما فعل مع من سبقتها. لكن البداية من هذه الليلة.
في صباح اليوم التالي استيقظت متألمة وكأن شاحنة دهستها، لا تذكر كيف قضت الليلة، آخر ما تذكرته كان يده الممتدة بالحليب وعينه الساحرة تحدق بها مكررة كلمة واحدة: "اشربي". وقبل أن تنهض لتبحث عن سبب هذا الثقل والألم، كانت الخادمة تقدم لها الإفطار على الفراش. هتفت بتعب وهي تقول: -شيلي الأكل، أنا تعبانة. خرج "وسيم" من الحمام على صوتها وهو يعلق باهتمام: -ألف سلامة عليك.
جلس بجوارها يحدق بها بقلق بالغ جعلها تندهش من تصرفه، علق عينيه الزرقاء بعينيها البنية ووضع يده على جبينها يتحسس درجة حرارتها. ثم التفت للخادمة ليأمرها قائلًا: -هاتي كوباية ميه. عاد ببصره لنجمة التي لا تزال تحاول تفسير ما يحدث وقال مبتسمًا برقة: -عندي علاج هيخليكي زي الحصان بس هينيمك شوية. همت بالنهوض قائلة: -شكرًا، أنا عايزة أقوم. أمسك بيدها وهتف متلهفًا: -لاااا تقومي فين؟ أنتِ تعبانة.
زاغ بص الخادمة عليهما رغما عنها، تلاحظ مدى اهتمامه بها. أشار لخادمة بأن قال: -حطي الصنية، أنا هفطرها بإيديا. عاد ببصره لها وعلا شفاه ابتسامة ناعمة أربكتها وأنسستها الألم الذي يعتصر جسدها. .............................
مضت الأيام وهو يعاملها بلطف شديد وحرص زائد على كل كلمة ولفته، كما أنه ترك لها الجناح بالكامل لتأخذ حريتها بالكامل واستقل هو غرفة أخرى بالأسفل. كانت والدته "وصيفة" تهتم بها ومعاملتها طيبة لها، إضافة إلى حشمتها ووقارها البادي في كل تصرفاتها، والتي تحرص على محافظة ابنها على مشاعر زوجته، وكذلك الانضباط في المعاملة.
أثناء مرور "نجمة" في الرواق استمعت إلى صوت "كامليا" الخفيض يأتي من غرفتها، اقتربت من غرفتها ليتضح لها ما تقول، حيث كانت تهتف بقلق بالغ وبنبرة حزينة: -لو وسيم عرف مش هيحصل كويس، وبعدين هو اليومين دول هنا وما بيسبش القصر وبيعمل شغله من المكتب. وتوقفت عن الحديث عندما أظهرت "نجمة" نفسها بوضوح ودخلت غرفتها وحدقت بها. أغلقت الهاتف بسرعة ثم نهرتها بعصبية: -إنتِ إزاي تدخلي عليا كدا من غير إذن؟ جاوبت "نجمة"
دون أن تكترث بغضبها: -إنتِ كنتِ سايبة الباب مفتوح. همهمت "كامليا" بغضب: -ما ينفعش برضوا تتدخلي. حدقت إليها "نجمة" بتدقيق لتراقبها وهي تقول: -ما ينفعش أدخل ولا ما ينفعش أسمع؟ سؤالها أربك "كامليا" أكثر وجعلها تسأل بفزع: -إنتِ سمعتي إيه؟ ابتسمت "نجمة" وسمحت لنفسها بالتوغل في غرفتها أكثر، ثم جلست إلى الفراش وهتفت مطمئنة إياها: -أيًا كان اللي سمعته، اتأكدي إني مش هبلغه لوسيم.
وقبل أن تظهر علامات الراحة على وجهها، أردفت "نجمة" بجدية: -المهم أفهمه بدل ما أدور على حد يفهمهولي. أخذت "كامليا" مسافة مناسبة بعيدًا عن "نجمة" وجلست هي الأخرى على الفراش وسألتها بتخبط: -تفهمي إيه؟ -أفهم إيه اللي مخبياه وخايفة وسيم يعرفه، وإيه اللي كنتِ بتعمليه زمان وما ينفعش تعمليه دلوقتي.
أدركت "كامليا" أنه لا فرار من الحقيقة وأن العبء الذي تحمله طوال السنوات الطويلة من الممكن أن تشاركه مع أحد، لعلها تجد له حلًا فلا يصبح عبئًا. فقالت بحزن: -أقولك إيه بس؟ وسيم لو عرف هتبقى مصيبة. اتسعت عين "نجمة" وبدت متحفزة لسماع الأسوأ حيث قالت بفزع: -مصيبة إيه؟ هتفت "كامليا" بسرعة حتى لا تزيد الشكوك بما يحتمل المعنى: -أنا ومؤمن اللي ماسك شغل وسيم بنحب بعض وبقالنا فترة بنحاول نفتحه في الموضوع، وسيم رافض.
والصراحة مش عارفين نعمل إيه، لأن من وقت ما وسيم استقر هنا واحنا الاتنين ما بقيناش عارفين نتقابل ولا نتكلم. رفعت "نجمة" رأسها للأعلى وهي تزفر أنفاسها براحة عندما اطمأنت لحقيقة الأمر وقالت ببساطة جهل: -طيب ما يتقدملك رسمي؟ صاحت "كامليا" بسخرية: -بتهزري؟ وسيم رفض كل اللي اتقدمولي وكانوا أغنى وأعلى مستوى من مؤمن، ما بالك بمؤمن اللي على طول بيعاملوه إنه خدام. انفعلت "نجمة" وردت بغضب: -إيه خدام دي؟
كل الناس بتخدم لقمة عيشها، مش بتخدم حد، ومؤمن ده متعلم وخريج كلية التجارة وماسك إدارة الشغل مش شغال عنده. ابتسمت كامليا بمرارة ثم هتفت: -ياريت بيفكر زيك، وسيم صعب أوي. أخذتها الشجاعة وهتفت: -أنا هقنعه. أوقفتها "كامليا" بخوف: -لاء لاء يا نجمة، أوعك تقولي له. هتفت نجمة بابتسامة: -معقول مافيش مواضيع زي دي بتتقال كدا؟ أنا هعرف أقنعه بالفكرة من غير ما أقولها. سألتها "كامليا": -إزاي؟ فردت نجمة بابتسامة:
-يعني همهد للموضوع، أقولك على الوقت المناسب اللي يدخل فيه مؤمن ويطلب إيدك. أعطت نجمة لكامليا أملًا كبيرًا لم تكن تحلم به أبدًا. دخلت لوسيم في مكتبة بعدما أرسل إليها. قابله بإبتسامة وهويفتح ذراعيه على مصراعيه. هذه البشاشة لأول مرة ترأها في وجهه، ابتسمت هي الأخرى وهي تقبل عليه. حاوط كتفها وهو يسألها: ـ اخبارك إيه؟ نبرته الحنونة وسؤاله عن حالها محير، فهي لم تراه ودود من قبل. شردت قليلا حتى فاقت على قرار جديد وغريب:
ـ أنا عزمت بباكي ومامتك على الغداء انهاردة. سألته بتعجب: ـ ليه؟ ظهر على وجهه التعجب وهو يقول: ـ مش مبسوطة ولا إيه؟ تنازلت عن دهشتها واستسلمت لعرضه السخي وقالت: ـ لاء مبسوطة طبعاً، بس متفاجئة. هتف مبتسما ابتسامة جميلة تكاد تسرقها من فرط سحرها: ـ انا عايزك تبقي مبسوطة بس، مستعد أعمل أي حاجة عشان تبقي مرتاحة. سألته وهي تنظر في عينه: ـ وإيه اللي مخليك حاسس إني مش مرتاحة ومبسوطة؟
زفر أنفاسه وسكت قليلا، إجابتها دائما تضعه في دوامة. ثم رد بهدوء: ـ يمكن عشان عايشين انا وانت زي الاغراب من يوم جوزنا. وعموماً انا مش هسألك بحاجة، أنا مهمتي هي سعادتك وبس. تذكرت أن كلا منهم بجانب من أول ليلة، والجفاء من جانبه هو. تجاوزت عن هذه النقطة وقررت أن تكون هي أكثر حكمة منه. وقالت بنفس الهدوء الذي يتبعه: ـ وإيه يمنع؟ أنا عن نفسي مش ممانعة. ثبت نظراته عليها معجبا بجرأتها. ثم أرخى نظره عنها وهو يقول ببرود:
ـ طيب حهزي نفسك إنهاردة. تركها ليبتعد عنها خطوتين ولازالت عيناها عليها. لا تعرف لما انتابها هلع من سكوته هذا. فاسحبت سريعا دون إضافة شيئا. اقترابها للجحيم لم يمر مرور الكرام. أغلقت الباب من خلفها. فقذف من خلفها أحد التحف العتيقة. لم يسبق لأحد أن أغضبه أحد لهذه الدرجة. وكأنها منطقة ملعونة تهتز فيها بوصلته. دار في الغرفة كالمجنون. ومسح وجه بضيق ثم هتف متوعدا: ـ ماشي إلعبي معايا بالنار وانا هحرقك بالنار دي. ***
وقفت في الحديقة لتهدء من نفسها. لم يبدو وسيم شخص هين. تعلم أنها تلعب بالنار بردود افعالها. لكن ما باليد حيله. هو يدفعها لتلك الأفعال. هو من يتلاعب بها. رغم انها بين الحين والآخر تميل له. رأت "مؤمن" قادم بإتجاهها فتهيئة لحديثه. اقترب منها ليقول مبتسما: ـ ازاي حضرتك؟ ابتسمت له و ظلت تعاينه قليلا. ثم هتفت: ـ إزيك يا أستاذ مؤمن. ابتسم بتكلف بعدما شعر بعدم الراحة: ـ الحمد لله. عن إذن حضرتك. وقفت بوجه لتمنعه من التقدم.
فإرتبك من تصرفها وسألها: ـ في حاجة؟ أجابته بوضوح وهي تنتظر ردة الفعل المناسبة على ما سيقال: ـ أيوة في. لعبك ب كامليا وبمشاعرها. اتسعت عيناه من رميه بهذه التهمة. وهتف نافيا: ـ لا أبدا. أنا بحبها ومافيش بينا غير كل احترام. من جانب بعيد راقب "وسيم" هذا اللقاء الغريب بين "نجمة ومؤمن". لم يستقبل هذا بضيق أو غضب. بل بابتسامة انتصار. أخرج هاتفه وأدار الكاميرا لتصور هذا المشهد بالتفاصيل.
رغم أنه لم يسمع شيء مما يقال بسبب بعد المسافة بينهم. لكن حاول فرض السناريوا الدائر بينهم من خلال تعابير وجوههم. *** "في المساء" اجتمعت اسرتها على طاولة طعام وسيم الفخمة بعدما أعد لهم وليمة كبيرة. "أثناء الطعام" رحب بهم وسيم بلباقته المعهودة: ـ إنتو نورتونا وشرفتونا والصراحة كان نفسي من زمان نتلم كده عيلة مع بعض. جرعة من السعادة تلاقاها الشيخ جابر من طريقة واسلوب "وسيم" الجذاب. وهتف بسعادة:
ـ المكان منور بإصحابه. احنا اللي إتشرفنا بيك يا محترم. اتسعت ابتسامة "وسيم" وقد أعجبه الإطراء. قطع من طعامه قطعة من اللحم وغز سن الشوكة بها. ثم قدمها بابتسامة ل"نجمة" والتي تفاجئت من طريقته وشعرت بالحرج والعيون مصوبة عليها. سارعت بقطم القطعة المقدمة إليها لإنهاء الموقف سريعا. لاحظت "سامية" والدة نجمة دلاله البائن لإبنتها. وهتفت داعية بسعادة: ـ ربنا يهنيكم كمان وكمان.
إختطفت "كامليا" نظرة سريعة نحو "نجمة" وسريعا ما أدارت رأسها. كما إبتسمت "وصية" لهما. ورحبت هي أيضا بالشيخ وزوجتة. إنتهى العشاء لكن السمر لم ينتهى. فتح "وسيم" حوار شيق مع الشيخ حول أصوله وأجداده من عائلة" الدششني". وتركه يتحدث بأريحية أثناء تناول الشاي والحلوى بالبهو. وضع "وسيم" يده على يد نجمة وقال موافقا حديثه: ـ إزاي إختارت إسم نجمة ده خطر. إزاي في بالك إنها في يوم هتكون النور اللي بينور حياتي؟!
هذا المدح المبالغ فيه جعل الصمت يعم بالمكان. وزاد من حرج "نجمة". يده المتمسكة بيدها. تحدث جابر مغتصبا ابتسامة على وجهه المحتقن من فرط الحرج: ـ يارب يديم عليكم السعادة والهناء. هم بالنهوض وهو يقول: ـ نستأذن إحنا بقى. تصبحوا على خير. قال وسيم بحماس: ـ على فين لسه بدري. تحرك الشيخ مصرا على المغادرة. وقال وسيم وهو ينهض ليأخذه معه: ـ تعال بس يا راجل يا طيب. سيب نجمة تقعد مع مامتها على راحتها شوية.
تحرك به نحو غرفة مكتبة. وترك نجمة تجلس مع والدتها. وعندما إختفى وسيم هو وجابر. إقتربت منها "سامية" وقالت بسعادة: ـ ربنا بيحبك يا نجمة. يا سعدك يا هناكي. الراجل ما فيش بعد كده. كعادة السيئون مثاليون للغاية أمام الغرباء. لم تبادلها "نجمة" نفس السعادة وهتفت بتردد: ـ بس انا مش مرتاحة. مش عارفة أتعامل معاه إزاي؟ قضبت والدتها حاجبيها وسألتها بدهشة: ـ ليه كفانا الله الشر؟
الجدع باين عليه بيحبك وشاريكي. إيه بقى اللي مش عاجبك؟ تلتفت حولها وهي تخبرها بقلق: ـ اصلا انا وهو من يوم ما اتجوزنا وكل واحد في أوضة. وضعت "سامية" يدها على صدرها وهتفت متعجبة: ـ ليه كده؟ منك ولا منه؟ مطت شفاها كعلامة لعدم الفهم. فحذرتها والدتها بحدة: ـ تعرفي يا أختي. انا عارفة دماغك ناشفة ومسترجلة. و جوزك رجل لف وداير والف من تتمناه. ما تخبيش وتخليه يزهق منك بسرعة. وعشان تثبتي أقدامك في الجوازة دي خلفيلك حتة عيل.
نصائح والدتها كانت معقولة. لكنها لم تكن تعرف وسيم جيدا. ولا حتى "نجمة" تعرفه. هو معقد على الفهم والحذر معه واجب. *** "داخل المكتب" قدم وسيم للشيخ جابر سبيكة ذهبية وهو يهتف بابتسامة: ـ دي هدية مني ليك. تعجب الشيخ من هديته الثمينة. واتسعت عيناه ليتحمل بريقها. وسأل وهو يوزع بصره بينه وبين السبيكة: ـ ولزومته إيه يا إبني؟ حافظ وسيم على ابتسامته وهو يخبره: ـ انت إدتني هدية وانا حابب اهديك هدية. وضع السبيكة
على المكتب ثم قال مستأذنا: ـ انا بس هخرج ثواني وأرجعلك. أضاف قبل أن يغادر: ـ النبي قبل الهدية يا راجل يا طيب. ترك الغرفة له. وظل "جابر" ينظر لهديته الثمينة بريبة. مندهش من إهدائه هذه الهدية دون سبب. لكن بالطبع لم ينوي رفضها. لحظات ونادى "وسيم" من الخارج بصوت عال: ـ يا شيخ جابر. من فضلك ممكن تفضل. ألتقط الشيخ السبيكة ووضعها بجيبه وخرج من الغرفة. غادرت أسرتها بعد سعادة عارمة بزيجة إبنتهم السعيدة.
ووقف وسيم يضم نجمة إلى جانبه ويلوح للنغادرين بابتسامة. متمسكا بنجمة. لكنها لازالت في عرين وسيم بعلم والديها. تخشى نظراته الساكنة والتي تشعر وكأنه ينوي افتراسها. الآن فقط تمنت أن لم تكن ليلتها الأولى معه. خاصتا بعدما ضمها بقوة إليه وقال وهو يحدق لها بغموض: ـ مش يلا نطلع أوضتنا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!