الفصل 8 | من 12 فصل

رواية السيد وسيم الفصل الثامن 8 - بقلم ياسمينا احمد

المشاهدات
22
كلمة
3,506
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

وصل إلى قسم الشرطة ليتابع الأمر بنفسه، تاركًا خلفه امرأة محطمة بالكامل. طلب من الضابط إحضار الكارثة الكبرى المسماة بـ "نجمة"، والتي سمع عنها ما يثير فضوله ليكتشفها بنفسه. دخلت مكبلة بالكلبشات، لا تحني رأسها، بعينيها البندقية عزة وكبرياء، وعنقها الطويل يمنحها مزيدًا من الغرور. عاينها بدقة، فهي فتاة رشيقة وجميلة بالغة الجمال، لكن أصابعها بها مخالب حادة كذئبة شرسة.

وضع أطراف أصابعه على فمه وظل محدقًا نحوها. ضحية جديدة بمقاييس مناسبة، بها كبرياء يستفزه لكسره، ونقطة ضعفها الفقر. ممتاز، انتهى تقييمه سريعًا. وانتبه إلى صوت الضابط وهو يعلمه: -أنا هسيب حضرتك معاه شوية تتفقوا على تسوية الأمر بشكل ودي، وده أفضل للطرفين. ابتسم بود واعتدل في جلسته. عينه لم تسقط من عليها، منتظرًا نظرة الإعجاب التي تحدق بها جميع النساء نحوه. لكنها دهست هذا الانتظار، وعينها امتلأت بالغضب. غادر الضابط،

ووجه هو أول سؤال لها: -أنت ضربتي عبد الواحد ليه؟ ردت بعداء ووحدة وكأنها تزأر: -عشان حاول يعتدي عليا. ضم حاجبيه وتساءل بدهشة: -احلفي؟ أومال قالوا لي ليه إنه ما جاش جانبك؟ جاوبته باستعلاء: -وهو لما يمنع عن أرضنا الرأي في يومنا ده مش يبقى اعتداء؟ ولا لازم يمد إيده عشان نعاقبه على عملته السودة؟ مط جانب فمه، مبديًا إعجابه. وبدا لطيفًا كالأفعى في ليونتها، وقال:

-لأ، مالوش حق. وبعدين أنا عرضت على والدك أرض أوسع من دي، لأن دي أرضنا محاوطها من الجهتين، وبقى فيه مشاكل إحنا وأنتم في غنى عنها. أوضحت رفضها بحدة: -الأرض دي مصدر رزقنا وكل حاجة فيها، إحنا أسسناها. تيجي تطلعنا منها نروح نبدأ من أول وجديد، والأرض بتطلع محصول مافيش زيه في المنطقة كلها. نبدلها ليه عشان أرضيك أنت. أومأ مبتسمًا وهو يعلق ممازحًا: -وما له لما ترضيني؟ ما أستاهلش مثلاً. لم تقبل مزاحه وهتفت وهي لا تزال حادة:

-ما تلعبش بالكلام، أنا قصدي الأرضي بتاعتك. وبعدين حتى لو فهمت غلط، أنا ما برضيش حد. الحق حق. هز قدمه قليلاً وهو يشعر أنه في مهمة مستحيلة، لكن روح المغامرة بداخله تتأهب للخوض بحماس. تحدث وهو يرمقها بنظرات هائمة: -أنا عرفت من مؤمن إنك مش مرتبطة، رغم إن بيتقدملك كتير. صاحت بحدة وضيق وهي تشيح بوجهها عنه: -وإنت مالك بيا وبحياتي؟ غفيرك عايز ياخد حصة الماية بتاعتي. إيه دخل سرقة غفيرك بخطابي الكتير يا سي وسيم.

اتسعت عينه من ذكر اسمه هكذا، ونبث فمه عن ابتسامة صغيرة، ثم قال محاولاً تهدئة الأمور: -أنا بس عايز أعرف لو استمريت في القضية دي إيه الأضرار اللي ممكن توقع عليكي. وأنا برضو ما يرضنيش ليكي الأذي. في اللحظة تذكرت أنها العائل الوحيد للأسرة، وأنها الإبنة الكبرى لأخويها الصغار، وأن الاستمرار بالقضية والحبس على ذمة التحقيق قد يحمل والديها مشقة قد تقضي عليهما. أثارت الصمت على التوسل، فتحدث هو مستغلاً اللحظة.

-نتكلم بالعقل، ما أنا لو دخلتك السجن مش هتستفادي حاجة. تعالي نتفق على حل يرضينا سواء، وصدقيني إنك تنالي رضايا شيء مش هتندمي عليه أبداً. عادت تنظر إليه ولكن بنظرة غاضبة، وقبل أن تنهال عليه بوابل من التوبيخ، قال هو:

-لو دخلتك السجن هتخرجي منه مش أقل من خمس سنين. الغفير مش هيخسر حاجة، أنا هتكفل بأولاده لحد ما يخرج. إنما إنت أبوكي هيقضيها عليك مشاوير ومش هيقدر لا يكمل زراعة ولا يأكل أخواتك، وساعتها الأسرة اللي بتحاربي عشانها هيتفرق شملها والأرض هتباع لجارها، وإنت هتخرجي بعد ما تضيعي شبابك وأهلك وكل حاجة حلوة من بين إيديكي. جلست في مقابله على الكرسي وهي تحدق إليه بصمت يجعله يشعر أنه عليه أن يتوسل كي تقبل بعرضه.

ازداد ولعاً بها وجنوناً بتلك الشخصية القوية التي تعد أقوى ممن سبقوها، والتي ستزيد متعته في تحطيمها إن حصل عليها. تعجل قائلاً: -أنا هتجوزك. اتسعت عيناها ليس بفعل الصدمة، بل كي تحذره من التجاوز، لكن سبق السيف العزل، وقال دون تمهيد كعادته لسحب الضحايا:

-أرض أبوكي هشغل فيها رجّالتي، حتى عبد الواحد نفسه هيبقى تحت أمرك. هيجيلك فلوسك على طبق من دهب تبعتيها لأبوكي وتريحي قلبه وتفرحيه بيكي وإنت لابسة فستان الفرح مش بدلة السجن. ردت وقد بلغ منها الغضب من أحلامه: -جواز إيه اللي بتكلم عنه؟ حد قالك إن بنات القرية لعبة في إيدك تجوز دي وتسجن دي وتاخد حقوق الناس؟ أنا ما عملتش حاجة غلط. الراجل اعتدى عليا في أرضي، دفعت عن نفسي. أوعى تفكر إني جاهلة، أنا عارفة إنا بعمل إيه.

غروره منعه من أن يسمع لها، الرغبة الشديدة في رؤيتها قطع متناثرة كانت أقوى من أن يتمهل في نصب شباكه إقناعها. نهض من جلسته وحاول أن يتبختر في حركته نحو الباب معلناً مغادرته كي تلين وتتراجع عن أفكارها. نادته قبل أن يضع يده على المقبض: -يا سي وسيم، أنا عايزة ناخد حقي من غير ما نتناسب. كفاية أوي جيرتكم اللي بقالها سنين. قبلتنا جيران كان بها، ما قبلتناش كان بها برضو. لم يستدر لها وقال بهدوء مصطنع:

-أنا هتنازل عن المحضر يا آنسة، وأتمنى نكون جيران يعجبوكي لدرجة إنك تفكري تناسبونا. ابتسمت أخيراً لنجاحها في إقناعه. خرج من المركز وتوجه إلى مؤمن الذي رحب به، ومن أول مقابلة أمره بأن يبلغ والد نجمة جابر أنه يتقدم بشكل رسمي للزواج بها. لقد علم أن ضغطه وحده لن يكفي لإقناعها، فقرر أن يستغل والدها ووالدتها في إقناعها.

علمت رحاب بالخبر وهرعت سريعاً إلى شقة ابنتها معها صديقتها خلود، كانت تخشى تلك المواجهة بعد المدة الطويلة من الانقطاع والجفاء من قبلها. فتحت الباب وقد تحولت "حلا" إلى كائن غريب في جسد ليس بجسده، وعينان أسفلهما أخاديد من الأسود تحاوطها، رغم أن جسدها لا يوحي بهذا الذبول، انتابتها صدمة كبيرة فور رؤيتها بهذا الشكل الفوضوي والغير منظم وكأنها وحش منهزم.

طالعتها "حلا" بلا اكتراث، ظلت ممسكة بطرف الباب دون أن تسمح لهم بالدخول أو تتخذ خطوة للخلف لتسمح لهم بالمرور. هتفت رحاب بأعين متسعة وفم مفرغ: -حلا إيه اللي أنا شايفاه دا؟ مستحيل تكوني هي. قالوا لي إنك اتغيرتي بس ما توقعتش حالتك تبقي كدا. ردت بصعوبة وهي تنظر لها ببلادة: -وقالولك إيه كمان؟ اقتربت منها والدتها وأمسكت بكتفها وهي تقول: -قالوا إن وسيم طلقك. دفعت يدها عنها وصاحت برفض قاطع أي محاولة للاحتكاك بها:

-ممنوع تقربي مني، سبق إني قولتلك مش عايزاكي في حياتي. رغم حزن والدتها من هذه الردود الجافة والقاسية، حاولت أن تتجاهلها. تدخلت "خلود" في هذا التوقيت قائلة بلوم: -حلا مهما كان اللي حصل بينكم دي مامتك. نهتها "رحاب" في تقدير لحالة ابنتها: -سببها يا خلود، أنا حاسة بيها. التفت لابنتها محاولة تخفيف الأمر عنها: -أنا هساعدك تتخطي مرحلة طلاقك دي، أنا عارفة إنها حاجة مش سهلة، أهم حاجة إنك بعدتي عنه.

جلجلت ضحكاتها، لكنها لم تكن ضحكات سعيدة بل مخيفة تشي باضطراب حاد: -أنا ما طلقتش لسه. ضمتها والدتها لأحضانها وبكت على بكائها، كيف سترمم كل هذا الحطام؟ فلا يوجد أفظع من أن يدمر إنسان إنسان. "نجمة" خرجت من القسم أخيراً إلى أحضان والديها، وقد كان لقاء أبيها جابر مؤثراً لكبر سنه وخوفه وقلقه عليها. ولكن لم ينتهِ الأمر إلى هنا، بل كان بدايته.

عاد "وسيم" إلى منزل والدته "وصية" واجتمع مع عائلته التي هجرها لفترة كبيرة بسبب انشغاله في العمل بالقاهرة. كانت "وصية" تشبه بدرجة كبيرة، وكان غيوراً عليها جداً، وكذلك على أخته الوحيدة "كامليا". نوى الاستقرار هنا لفترة كي يبتعد عن مشكلة "حلا" القائمة هناك، وينصب شباكه على فريسته الجديدة "نجمة" والتي لم يضيع الوقت في رسم الحب عليها لدرايته الكاملة كيف تمشي الأمور هنا. بل اتجه إلى والدتها وطالب يدها بشكل رسمي، ويضمن أن الضغط عليها يأتي من كلا الجانبين.

رفضت نجمة في بادئ الأمر غير مقتنعة بالحب من النظرة الأولى، لكن مع إصرار أبويها على القبول ومحاولات وسيم للتقرب لها بشتى الطرق المتاحة، قبلت وبدأت بالاستعداد للزفاف، والذي كان سريعاً لأن وسيم تكفل بها بالكامل.

بدون عدد أو تعداد هذه تقريباً الزيجة العاشرة للسيد "وسيم" في بيت عائلته الكبير في إحدى المدن المتطرفة والتي غاب عنها مدة لا بأس بها، وأخيراً جاءت من جعلته يستقر هنا خصيصاً لها. هذه المرة لم يبذل مجهوداً للحصول على فريسته كسابقاتها، لقد ساهم صيته الكبير وأملاك لا تسعها العين في الدعم السريع للقبول به زوجاً لأحد الفتيات البسيطة.

لكن طبعه المختلف وطبيعته الغريبة غير جلده هنا بالكامل ليكون رجلاً آخر بشكل آخر يلائم الظروف المحيطة به. رغم أنه قضى أغلب عمره في بلاد الغرب للدراسة، إلا أنه بالنهاية رجل شرقي متأصل الجذور، لم تؤثر به فتنة الغرب والانفتاح الخارجي، ويتقمص دوراً جديداً يجيده ويليق به. له من اسمه نصيب "وسيم"، لعل هذا كان سبب انجذاب النساء إليه بالبداية، والرضاء بظروفه الغريبة والشبه نادرة أمر سهل للغاية.

لكن طبعه الحاد وهوسه بالتسيد جعل زيجاته دوماً تفشل. جرب الكثير من النساء. حتى نساء أوروبا لم يطل مع أي امرأة أكثر من عدة أشهر، وبعدها يتم الفراق، وآخرهم كانت "حلا". لكن الليلة سيجرب نوعاً جديداً وصنفاً مختلفاً ليخوض معها التجربة ويقتلها بالبطيء كسابقاتها.

ارتدى حلة سوداء وربط رابطة عنقه الرمادية، ونظر بنرجسية لنفسه يبتسم على صفته المتجددة "عريس". دائماً يرتدي بذلة عرس ويتألق دائماً مهما تقدم عمره. لم يسطع أحد أن يأخذ زمنه ولا يضاهي مكانته المتجددة، مما زاد في نفسه الإعجاب وعظم لديه صفة الكبرياء والتسيد. سحب أنفاسه ودار على عقبيه ليخرج خارج غرفته الواسعة، ورائحة عطره النفاذة تنافس حدائق من الزهور. كل عطوره ومقتنياته رائعة بل ونادرة.

مشى بخطوات مختالة نحو الدرج، وجميع عائلته تنتظره أسفله، والدته "وصية" وأخته "كامليا"، تلك التي ورثته من والدتها نفس الجمال، لكن الحظ العاثر دوماً يلاحق الجميلات. لم يكتب لها الزواج بعدما وصلت لسن الخامسة والثلاثين. اقترب منهم وتلاحق على تهنئته، آملين في نجاح هذه الزيجة واستقراره معهم: -الف الف مبروك يا أخويا. -الف مبروك يا ابني. اكتفى بهز رأسه دون إجابة، وتدخل خادمه المقرب "داود" تدخل يهدر بآلية:

-المأذون جاهز يا أفندم. بإقتضاب شديد أجاب: -تمام. قبل أن يخطوا إلى الخارج، شمل أخته بنظرة فاحصة، يتطلع إلى ما ترتديه من فستان وردي ذو أكمام ومنفوش الذيل وحجاب رقيق من نفس اللون. لم يغير شيء من قراره المسبق وهتف ببرود: -الفستان دا ما يناسبكيش، غيريه.

ما كان من "كامليا" إلا أن التفت إلى والدتها بحزن لتدفعها للدفاع عنها والتدخل لتغير قراره التعسفي الذي ليس له أي داعي سوى السيطرة لمجرد السيطرة. فماذا ترتدي بعد كل هذه الحشمة والوقار؟ بادلتها والدتها نظرات الحيرة، همت لتحدث والدها بلطف لعله ينصاع مرة واحدة لرغبتها: -ماهو يا ابني هي ما عملتش حسابها على غيره. لم يغضب "وسيم" من حجتها الواهية، بل رد ببساطة: -خلاص ما تجيش معانا.

انطلقت "كامليا" عبر الدرج قبل أن تنفجر غضباً، وهذا لن يؤل إلى خير. فبالنسبة لها عدم حضور الزفاف كان جائزة ومفازة من نظراته الغاضبة والتحذيرية على كل همسة ولمزة وضحكة عابرة. فليذهب العرس بكل ما سيأتي من خلفه من مشكلات. لربما بعد أسابيع يقام غيره، لكن كرامتها التي تهان دوماً حتى أمام الخادم لن تعود لها. تحرك دون الشعور بالذنب ولا حتى الشفقة تجاه أخته. أوقفنه والدته قبل أن يخرج كلياً من المكان قائلة بتردد:

-طيب أنا مش... أقصد يعني هستناك هنا أحضر كام حاجة على ما تجيب عروستك. لوى عنقه بالموافقة الباردة والتي أشبه بالوعيد أكثر من أنها منح إذن: -على راحتك يا أمي. غادر وتبعه خادمه "مؤمن" الشاهد على كل حياته من وقت حضوره إلى المدينة.

حالته المعقدة نادرة الحدوث والتكرار، كل حركة لديه بحساب، الكلمة التي تخرج من فمه توزن بميزان حساس، لا يغضب بسهولة، ودود مع الجميع، مبتسم ومحب للحياة ولطيف للغاية، وكأنه ملاك الرحمة والعذاب في آن واحد. وصل إلى غرفة المأذون في جامع المدينة الأكبر وسط جمع هائل تجمع حوله لتهنئته.

استمع إلى الخطبة المختصرة ومد يده لجابر والد زوجته الجديدة. ولكن مهما جاهد الرجل أن يبدو مهندماً أمام "وسيم"، أبداً لن يفلح. هو يمتلك كل شيء حتى تظن أنه ما ترك شيئاً لأحد لينافسه به. جمال وهيبة وأناقة وطلة وثراء يرى بالعين المجردة، مما جعل الاثنان في هذا المشهد مدعاة للدهشة. كان حظاً وافراً لابنته "نجمة" أن تحظى بهذا الشاب النادر الذي لن يجد لها أفضل منه. وضع يده بيده ليقرأ خلف المأذون ويمضي من بعد.

هتف جابر بعدما انتهى: -الف مبروك يا ابني، مش هوصيك على بنتي، يجعل قدمها قدم خير عليك ويجعلها جوازة العمر. ما كان منه إلا أن مط جانب فمه دون ابتسام وقال: -إن شاء الله. تركه ليستدير عنه ليذهب مع موكبه الذي صنع بسرعة من مجموعات البشر التي جاءت لتهنئ وتأخذ جابر القوي. فالناس هم أول من يصنعون آلهتهم. انتقل إلى منزل "نجمة". كان راسياً جداً في نفسه، لا يستعجل أي خطوة، يعطي كل شيء حقه، يصبر دون ملل، فما العجلة؟

فالأيام القادمة كثيرة، وإن لم تتح الفرصة الكاملة للتعرف عليها بشكل كامل، ومهما كانت، هو قادر بألاعيبه على إخضاعها. فمن الليلة وصاعداً سيستكشفها بتمهل حتى تثبت جدارتها في تحمل السيد وسيم. في منزل نجمة. توالت عليها المباركات وسط الحفل الذي أُنشئ من جانبهم لعدم موافقة بإقامة حفل يجمعهم سوياً، لكن بالنسبة لها لم يحرمها والديها من هذه الفرحة كونها بكر. لم تحظى "نجمة" بفرط الجمال كـ"وسيم".

لكن لها جاذبية خاصة بها ككل النساء. عنقها طويل أكثر ما يميزها، وعينها البندقية الساحرة، وكذلك أنفها المنمق الذي تصارعت على نحته جميع الفنانات. وفمها المنتفخ زادها أنوثة.

والليلة ازدادت جمالاً في هذا الفستان الأبيض والطرحة الطويلة، لم تغادرها الابتسامة الرضية لها، حتى وإن كانت لا تعرفه جيداً، لكن هذا أفضل قدر من انتظار كهل أو مطلق أو أرمل لفواتها سن الزواج المبكر المتعارف عليه في هذه المدينة المتطرفة، لذا حصولها على "السيد وسيم" هو معجزة. ازداد قرع الطبول مما أدى لإعلان عن حضور العريس. تعالت الزغاريد من وقت نزوله من السيارة.

دق قدمه في الأرض بقوة وانتصب بطوله الفارع، يغلق أحد أزرار سترته ليضمها على قوامه الممشوق. تحرك صوب المنزل بثقة واعتزاز، وكل من حوله يرقصون ويهللون حتى وصل إلى باب الدار. كان يتبعه "مؤمن" في انتظار أي إشارة أو أمر مباشر منه. وصل إلى عروسه وطالعها بنظراته الجليدة. هو عادته أن يكون لطيفاً أمام الجميع، لكن غروره وشعوره بأهميته جعله يبدو متحفظاً.

لم تختلف "نجمة" عن سابقاتها بشيء، بالعكس تزوج من هم أجمل منها بكثير وجرب مثيلاتها من حول العالم، فلكل واحدة حالة خاصة في الزواج، أما في الطلاق فمتساويات. المرأة بالنسبة له جسد فقط، والعقل هو قادر على تشكيله.

مد يده ليصطحبها دون أي حديث، فكانت مجبرة على طاعته حتى دون أمر مباشر. كانت مبهورة بوسامته وطالته البهية، تحسد نفسها بشدة على رغبته بها. ودعت أقاربها وانضمت إليه من وقت ما وضعت يدها في يده، وهي تشعر أنها انضمت إلى وطنها. ستعمل جاهدة حتى يستمر هذا الزواج. لن تفلت يده ولن تعود إلى هذه الديار مرة أخرى، فهي وجدت أخيراً غايتها. تعلم أنها بالتأكيد لم تكن الزوجة الأولى له، الزيجة وهو شهريار عصره، وستسعى أن تكون هي شهرزاد التي توقف هذه المهزلة وتكون آخر زوجاته مهما فعل، فهو في النهاية رجل وكثيراً من الرجال تذهب عقولهم النساء.

"انتقلت إلى قصره" استقبلتها أخته ووالدته. تعامل مع "نجمة" بود ودون أي تأثر. هنئوها ورحبوا بها، مما جعلها تطمئن وتستبشر بحياتها الجديدة معه، لكن الأصعب ما زال مجهولاً. في جناحهم الخاص.

نظرت حولها فما استطاعت عينها استيعاب كل هذا الجمال، هي رأت المنزل بالكامل وهي تصعد بجانبه، لكن هنا كان أجمل وأرقى وكأنه قصر لوحده. فراشه الواسع يعتليه مفرش من خامة الستان، الستائر الزهرية قاتمة اللون تصاحبه لمعة من اللون الأزرق والسجاد المشابه للونها وكثافته العالية. هذه الغرفة لها أكثر من باب، كلهم موصدون، ولا تدري ماذا يكون خلفهم.

وفي الجانب كان صالون غير مكتمل، إلى جانبه طاولة مصقولة تحمل صندوقاً خشبياً. لم تكمل جولتها بنظرها وهي ثابتة مكانها حتى وقعت عيناها عليه، يعتلي أحد الكراسي ويلتقط من الصندوق سيجاراً فاخراً. مال برأسه ليشعلة وأرخى جسده للخلف. سحب من خلالها أنفاسه، التف يسألها دون اهتمام: -ها خلصتي فرجة؟ شعرت بالحرج من كشف أمرها وأرخت نظرها عنه، فطقطق بأصابعه حتى يجذب انتباهها وأشار لها بغطرسة نحو أحد الأبواب وهو يقول بنبرة أمره:

-الباب اللي هناك دا باب أوضة الهدوم، غيري وتعالي. دارت على عقبيها، وقبل أن تنصاع لأمره، أوقفها بتحذيره ذو النبرة الهادئة: -إوعي تختاري البسي اللي اختارته. حركت رأسها بسرعة بالموافقة، واتجهت صوب إشارته. لا تعرف ماذا ينتظرها، لكن كانت بحاجة للهروب، فأول حديثه معها مخيف، فل تأخذ هندة مؤقتة وتسترسل بعد المثول أمامه. نهض من مكانه ليخلع ستره، من بعدها خلع ربطة عنقه وحرر بعض أزراره العلوية.

أمسك سيجاره من جديد وراح يتنافسه بهدوء واسترخاء، ويطالع غيمات الدخان المتصاعدة نصب عينيه بشرود، وكأنه يحضر لـ فكرة شيطانية. لا ينظر لعروسه. في الداخل. زاغ بصرها من جديد على هذه النوافذ الزجاجية التي تعكس هيئته وأصبحت ترى نفسها مكررة لآلاف المرات. فتحت الأبواب لتشاهد كم الملابس التي تفتح متجراً داخله. كم من الساعات الفاخرة والبدل بجميع أشكالها وأحذية دون عدد على كل الألوان.

توضح هذه الغرفة اهتمامه الكبير بمظهره وعشقه للزينة بشكل عام. التفت للجانب الآخر وقد وجدت ملابسها والتي تشابهت الألوان والتفاصيل. شعرت بالقيد نوعاً ما عندما ومض في ذكرتها جملته الحاسمة بـ: -إوعي تختارى إلبسي اللي اختارته. التفت لتجد ما تركه على أحد الكراسي الطولية الموجودة في الغرفة. سمعت كثيراً وأثرتها والدتها بالمعلومات عن هذه الليلة، لكن فور ما رأت ما اختاره لهذه الليلة أيقنت أنها لن تكون ليلة كالحديث.

ازدرقت ريقها وهي تمد يدها إلى ما اختاره لتظهر به أول مرة. قميص ناعم من خامة الحرير قصير للغاية ذو حملات رقيقة والصدر من طبقة شفافة من الدانتيل، جريء للغاية ومحرج جداً بالنسبة لأول مرة، فهي لم تعتاده لهذه الدرجة حتى أنه لم يتحدث إليها ولا مرة.

الإعجاب كان من طرفها والقبول أيضاً كان من طرفها. اتجهت إلى الخزانة وفتشت لتبحث عن غيره. لن تفضح نفسها أمامه فور وصولها منزله. إن ارتداء شيء كهذا يحتاج إلى تدريب وتمهيد. لتعلن تمردها على أول قرار وترتدي ما يناسبها مهما كان، فهو بالطبع لن يغصب منها في ليلة زفافهم وسيتفهم حرجها ويقبله. بعد مدة قصيرة.

لم يتخل عن مقعده، يجلس كما تركته في إضاءة خافتة موزعة في جوانب الغرفة. سمع صوت فتح الباب فالتف من شروده نحوه، ألقى نظرة خاطفة على هذا الروب من الستان الطويل. لم يهتم بتفاصيله، يكفي أنها بدلت رغبته. أشاح ببصره عنها وهو يبتسم نصف ابتسامة ساخرة أعلنت العصيان من أول اختبار.

مد نصف جسده ليميل نحو الطاولة ويدفن سيجارته في المطفاة، ومد يده ليلقط غيرها. لم يبدُ غاضباً أو حتى منشغلاً كما توقعت أو حتى معترضاً. أعجب أنه خالف توقعها، وتحركت صوبه. وما إن اقتربت منه نادته بنبرة متحجرة كأنها تجرب اسمه على أحبالها الصوتية بتمهل: -وســيم. لم يترك ما بيده وبدا منشغلاً بإشعال سيجارته الجديدة. لم يتغير شيء قبل ندائها. هو نفس الصمت بعد ندائها. سحب أنفاسه بشراهة ليفنيها سريعاً كقبلها.

أخيراً رفع بصره إليها وثبت عينيه الزرقاء الحادة على عينها. ارتجفت لا إرادياً، رغم أنه لم يصدر أي اعتراض لفظي، لكن نظراته في بؤبؤ عينيها كانت بمثابة دافع قوي للاعتراف دون حتى توجيه تهمة. فهمت بالحديث بتخبط: -وأنا بلبس ال... ابتلعت ريقها، فالكذب أمامه محرج والحديث أيضاً في أي شيء محرج. أردفت بتوتر: -اتقطع غصب عني.

فمه المطبق وسط لحيته النامية بإنتظام تلهفت ليفتحه ويفصح عن أي شيء يهدئ من نبض قلبها المتسارع أو يدفعها لكذبة جديدة حتى يحيد عن نظراته الحادة والغامضة. لكنه استمر على حالته حتى قررت هي التصرف بأريحية والجلوس على الكرسي بمواجهته. رفع حاجبيه معاً من كل هذه الثقة أو المكر الذي تتمتع به. ثقتها بكذبها توشك أن تجعله يصدق مكرها. لكن على من؟

فهو درس وطبق أكثر من أن تخدعه امرأة. عصيانها أمره لن يمر مرور الكرام، لكن هذه الليلة وقتاً مناسباً للحساب، وهو اعتاد أن يختار دوماً أوقاته. طرقات الباب قطعت هذا الجو المشحون وأطلق هو صوته العميق ليقول: -إدخل. دخلت الخادمة ومعه معاونتها وهي تجر طاولة الطعام إلى الداخل. أدت مهمتها سريعاً وعادت حيث أتت. كانت تحتاج "نجمة" أن تلتهم بأي شيء غير نظراته الفاحصة لوجهها فقط. حتى عاد صوته العميق يصدح في الأرجاء متسائلاً:

-يعني القميص اللي أنا اخترته اتقطع. التفت إليه سريعاً وجاهدت ألا تعطي أي إيحاء أنها كذبت، وأومأت بالإيجاب. فاسترسل بجمود وهو يشير بإصبعيه التي تحاصر السيجار كما تحاصرها: -يعني إنتِ ما عصتيش أمري... لأحسن أنا أزعل أوي. نفضت رأسها برغم رأفته في الجملة الأخيرة، إلا أنها أقلقتها. وثب من مكانه على فجأة وهتف: -طيب تعالي ورايا. وثبت هي الأخرى من ورائه لتجده يتجه صوب نفس الغرفة التي تمت فيها جريمتها.

دخل إليها ونظره حوله حتى وقعت عينه على اختياره ليمل بجسده ليختطفه من الكرسي. أمسكه بين يده ليتفحص هذا الشق الذي صنعته بيدها حتى تهرب من تنفيذ أمره. لا دار على عقبيه وهتف بجدية لا تخلو من النعومة والابتسامة الباردة في آن واحد: -أنا بحب الطاعة جداً وبالذات العمياء، لما أقولك البسي حاجة تلبسيها حتى لو ما بقتش نافعة تتلبس. همت لتدافع عن نفسها، لكنه رفع يده ليوقفها بباطن يده ويسترسل:

-ممنوع تاخدي قرار يخصك وحدك، وإعرفي كويس إنك طالما دخلتي حياتي لازم تمشي بقراراتي، حتى النفس يكون بإذني، وإوعك تتذاكي عليا. ويلا إثبتي إنك ما اتذاكيش. مد يده بالقميص تجاهها، فانسحب الدم فوراً من وجهها وهو يأمرها بتربص: -إلبسيه. فوران عجيب وثورة انتفضت في دمائها وهي تنظر في عينه. أوشكت على البكاء، لكن على ما يبدو أن البكاء لن يكن حلاً، فهتفت بتريس:

-أنا مش بتذاكى ولا بعارض أصلاً، أنا ماعنديش دافع إني أعارضك، بس على الأقل لو أول ليلة مع بعض تكون بحاجة أشيك من كدا، ودا مش اعتراض على ذوقك، لكن صعب يبقى المكان مليان لبس وأنا البس مقطع. زفرت أنفاسها سريعاً بعدما باحت بكل هذا بترتيب أذهلها هي أولاً. عينه الصقرية لم تحيد عنها وهي تتحدث. لم يجد صعوبة في فهمها، لكنه اكتفى من الحديث. ولتبدأ الأفعال. اختطف خصرها سريعاً نحوه لتصطدم بجسدها في جسده الصلب: -ببقى من غيروا.

ارتجفت من مفاجأته، لكن عيناها خففت عنها وقع الصدمة. نظرت في عمق عينيه وهتفت بنداء أشبه بالاستغاثة: -وســــــيم.

لم تدري إن كان هذا صفة أم اسم، فلأول مرة تجتمع الصفة مع الاسم بهذه الدقة. انصاع لرغبته التي تحركت نحوها، ومال بشفتيه ليلتهم شفاهاً دون رحمة. ولتبدأ الليلة دون اختياره ودون ترتيب ودون هذا القميص الملعون. لكنه توقف بعدما شعرت أنه غرق بها. توقف ببساطة كمن لا رغبة لها بها. مارس ألاعيبه القذرة في تشكيكها في نفسها والتهامها بعدم القبول لديه. هتف بوجه ممتعض: -إيه الريحة الوحشة دي؟ ريحتك وحشة جداً.

أصاب كبرياء "نجمة" والتي ما إن اقترب أحد من كرامتها افتترستها. نظرت له بدهشة ثم تراجعت للخلف قليلاً وقالت ببرود وتعجب: -غريبة مع إني حطيت من البرفان بتاعك. صعقته بإجابتها وكذلك عندما غادرت الغرفة مختتمة كلامها دون تأثر: -عموماً عندك حق، فعلاً ريحته وحشة جداً، أنا هروح آخد دش يمكن تروح.

تركته وحيداً بالغرفة، ومن هنا تأكد أن فريسته التي يحتجزها في قصره نمرة شرسة، شديدة الذكاء وحادة المخالب. نوع آخر لن يستطيع إخضاعه وتدميره بسهولة. السيد وسيم، سنيوريتا ياسمينا أحمد. أخيرًا كتبت الفصل، عايزة أشتكيلكم بصراحة، التليفون جنن أمي. ودا آخر فصل، ونكمل بعد رمضان. وأعتقد إنكم من هنا عرفتوا شخصية نجمة، وقد إيه هي شخصية مختلفة، وهتلعبوا على المشاكل كما يقال. رأيكم مهم، وكومنتاتكم أكيد هتعوضني تعبي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...