دلف آسر إلى المكتب بدون إنذار وهتف بجمود: -ريان في موضوع محتاج مساعدتك فيه. نظر له ريان باستغراب هاتفا: -اقعد الأول يا آسر وقول. أغلق آسر باب المكتب وجلس على المقعد ثم نظر إلى ريان وتنهد بقوة وبدأ يقص عليه كل شيء. كان ريان يستمع له بصمت وهدوء على عكس نيران الغضب التي اشتعلت بداخله وقتما رماديته. تنهد مجدداً بعدما انتهى من السرد وهتف بهدوء: -ودي كل الحكاية وأنا مش عارف أعمل إيه، أنا أول مرة أحس نفسي عاجز كدا.
صمت ريان يفكر بعمق في هذه المصيبة ليرفع عينيه التي تشع بالمكر وابتسامة خبيثة شقت شفتيه. هتف آسر بتوجس من نظرته: -مش مرتاح للنظرة دي ولا الابتسامة، مالك؟ هتف ريان بخبث: -هقولك الحل. بدأ بسرد ما عليهم فعله تحت ذهول آسر من دهائه وأيقن أنه لم يخطئ عندما قرر أخذ مساعدة هذا الذئب الماكر. عاد ريان بظهره إلى الخلف هاتفا بثقة: -ودا كل اللي هيحصل وشهرين مدة كافية قوي وزيادة كمان. هتف آسر بذهول وإعجاب: -دماغ شغالة مبتنامش.
هتف بغرور معتاد عليه: -متنساش أنا مين. أردف آسر بمرح: -حقك يا عم تتغر، امتى هنبدأ؟ أمسك ريان هاتفه هاتفا بخبث: -دلوقتي. أيده آسر فهم يحتاجون لكل ثانية تمر عليهم. وضع ريان الهاتف على أذنه وبعد وقت أتاه الرد ليهتف بخبث: -أهلا بالكيلاني. أتاه الرد من الناحية الأخرى ليهتف بمكر: -ليا طلب صغير يا كيلاني ويا ريت تنفذه. ابتسم بغموض وبدأ بإخباره بما يريد ثم أغلق الهاتف ونظر إلى آسر وهتف براحة: -وأول خطوة تمت.
نهض آسر وهتف بمرح: -هروح أعمل اللي عليا. ثم غادر وهو يشعر بهم قد انزلق من عليه وابتسامة راحة تشق وجهه ولم يدرك أنه وضع همه على الذئب بدون أن يشعر. -هتفت بحكمة ورقة: -ليان أنا واثقة إنك لسة بتحبيه بس بتعاندي وعنادك ده هو اللي هيجيبك لورا، صدقيني أنتِ كده مش بتعذبي نفسك وبس، أنتِ بتعذبي روحه معاكي، حرام اللي بتعمليه في قلبك وقلبه، هو حاول يصالحك بكل الطرق، متخليش قلبك قاسي. هتفت ليان بصوت متحشرج مهدد بالبكاء:
-أنتِ مش حاسة بيا يا حوراء، أنا قلبي مش قاسي، أنا قلبي خايف، خايف يحس بالوجع تاني بعد ما قدر يتأقلم معاه، هو سبب ألم كبير في قلبي بحجة إني لسة صغيرة ودي مراهقة مش أكتر ومحسش بحبي ليه اللي عمره ما كان مراهقة ولا هيكون. وضعت حوراء كف يدها على شعرها مردفة بحنان:
-صدقيني حاسة بيكي، وعارفة اللي عمله غيث ده دليل على عشقه ليكي، برغم إنه عارف هيموت في اليوم 100 مرة في بعدك بس برضه بعد خوفاً عليكي، كان خايف إنه لو وافق تندمي بعدين لما تعرفي إن مشاعرك مكانتش حب بجد وكان فعلاً مراهقة ووقتها كنتي هتحطي كل الغلط عليه لإنه وافق وإنتي لسة صغيرة.
بس بعد ما عديتي المرحلة دي واتأكدت إنك فعلاً بتحبيه مستناش لحظة ورجعلك ع طول وهو لحد دلوقتي بيحاول يصالحك ويراضيكي رغم إنه مغلطش بس عشان حاسس بيكي وزي ما انتي اتعذبتي في بعده صدقيني هو كان بيتعذب أضعاف عذابك، متنسيش إن هو اللي كان بيقاوم مشاعره إنه ميرجعلكيش، إنما انتي كنتي بتتلهي عنه لحظات لما تتجمعي بعيلتك، متنسيش إن هو لحد دلوقتي بيتعذب ونار قلبه بتزيد، إنما انتي قاعدة مبسوطة باللي بيعمله عشان يراضيكي ومش حاسة بوجع قلبه لما بترفضيه كل مرة وبتسمعيه نفس الكلام اللي متغيرش بقاله سنين ورغم ده كله مملش منك ولا خلى الموضوع موضوع كرامة ولا كبرياء لأنه لو خلاها كده أقسم لك إنه مش هيبص في وشك حتى.
صدقيني يا ليان لو جيتي مرة على رجولته وكبريائه والله ما هيولى عليكي تاني وهيدوس على قلبه ومش هيهمه أي حاجة حتى انتي وانتِ اللي هتندمي في الآخر في وقت مينفعكيش فيه الندم. الحقي يا نفسك وعرفيه إنك مسمحاه قبل ما قلبه يقسي عليكي. أنهت حوراء حديثها وغادرت من الغرفة متوجهة إلى غرفتها تاركة الأخرى تفكر في حديثها جيداً لتتذكر حديث تلك الفتاتين عندما سمعتهما في الشركة لتعلم أن حوراء محقة.
لذلك قررت أن تفعل شيئاً قبل أن تندم بسبب تأخرها. -دلفت إلى غرفتها وهي حزينة على حال هذين الاثنين فهما يحبان بعضهما، إذا لم العناد وتصنع الغضب والكره؟ لم لا يستغلون الوقت ويتناسوا ما حدث معهم ويجتمعوا قبل أن يفوت عمرهم؟ تتمنى أن تسمع إلى نصيحتها هذه المرة فهذه المرة التي فاقت العاشرة في عدتها وهي تحاول أن تجعلها تتناسى ما حدث وتعيش حياتها. جلست على الفراش وهي تتنهد بخفة تدعو لهذين القلبين أن يجتمعا في حلال الله.
أخذت هاتفها وهي تقرر الاتصال على زوجها الذي كان يجلس داخل مكتبه في الشركة شاردًا فيما قصه عليه آسر. -يا إياد والله ما هتأخر هي كلها نص ساعة أو ساعة وهرجع. هتفت بها أريب وهي تتحدث مع أخيها عبر الهاتف. جاءها صوته الجاد من الناحية الأخرى وهو يهتف: -طب استنى لحد ما أرجع يا أميرتي وبعدها اخرجى. هتفت أريب بصوت شبه باكي:
-يا إياد أنا ملانة وأنت مطول على ما ترجع آية وماما أمينة ناموا وأنا قاعدة لوحدي، فكلمت قمر واتفقت معايا إننا نخرج شوية نغير جو. تنهد الآخر وهو يشعر بتقصيره تجاه إخوته فهو منذ أن اشترى لهم هذه الفيلا ولم يخرجهم منها إلا إلى قصر ريان. أردف بهدوء وحنان: -طيب يا أميرتي بس بشرط. -موافقة. -مش مهم المهم أخرج. -طيب شرطي إنك هتاخدى الحرس وعدنان معاكي، لو اعترضتي مفيش خروج. كادت أن تتذمر ولكنها خشيت أن يمنعها حقاً
من الخروج لتردف بغيظ: -ماشي. -طيب يا أميرتي خلي بالك من نفسك وهبقى كل شوية أتصل بيكي، على الله يا أريب ألاقي فونك مقفول، وآه سلميلي على قمر. -حاضر سلام. -سلام. أغلقت الهاتف مع شقيقها وهي تقفز فرحاً لتذهب لكي تجهز نفسها سريعاً وبعد وقت خرجت وهي ترتدي فستاناً باللون الرمادي وحجاب أسود.
هي نادراً ما ترتدي فستانًا لأنه يظهر قصر قامتها وبالفعل رغم أنها ارتدت حذاء أسود مرتفع نسبياً إلا أنها مازالت قصيرة، لذلك تحب ارتدائها للبنطال أعلى ثوب يصل لأسفل ركبتيها. صعدت السيارة وانطلق بها عدنان إلى وجهتها وبعد وقت توقف لتصعد قمر بجانب صديقتها. هتفت قمر بمرح: -إيه يا أريب غيرتي البنطلون؟ هتفت أريب بهدوء: -مجرد تغيير، بقولك يا أستاذ عدنان متعرفش مطعم حلو هنا؟ هتف عدنان بصوته الخشن: -أعرف يا هانم.
-طيب ودينا على مطعم من ذوقك. انطلق بهم عدنان إلى إحدى المطاعم وبعد وقت هبط عدنان وفتح باب السيارة لتترجل أريب وبعدها قمر لينبهروا بمظهر المطعم من الخارج. هتفت قمر بانبهار: -بت يا أريب لما ده شكله من برا، إنما من جوا إيه.. وكمان شكله غالي أوي خلينا نغيره. هتفت أريب بثقة: -لا هندخل ده أصله عجبني. هتف عدنان بهدوء: -ده مطعم من سلسلة مطاعم ريان باشا. نظروا له بصدمة بالأخص أريب التي هتفت بصدمة: -أنت بتتكلم بجد؟
أومأ لها عدنان مردفاً: -أيوا ياهانم ما هو اسمه الذئب. نظرت أريب وقمر نحو اسم المطعم ليجدوه بالفعل على لقب ريان لتهتف أريب بذهول ومرح: -ما شاء الله بقا طلع معاه مطعم كمان.. كدا أنا هصمم أكتر إني أدخل فيه. ثم أمسكت بكف صديقتها وكادت أن تخطو إلى الداخل ولكنها توقفت ملتفتة إلى عدنان هاتفه: -تقدر تدخل يا عدنان وتجيب الباقي معاك مفيش مشكلة. هتف عدنان بجدية: -شكراً ياهانم بس إحنا هنفضل هنا.
أومأت له ثم دلفت هي وصديقتها ليزداد انبهارهم بهذا المطعم الفخم والتي كانت توجد في زاوية من زوايا المطعم تمثال لذئب أسود تظهر أنيابه الطويلة وعيناه التي يظهر عليها القسوة والشر. جلسوا على إحدى الطاولات والتي كان لونها أسود مما أعطى لها رونقاً جذاباً. ليتقدم منهم أحد الشباب ليأخذ طلباتهم لتهتف أريب بهدوء: -كوب تشوكليت ووجبة سريعة. وطلبت قمر مثلها ليغادر الشاب لكي يحضر لهم ما طلبوه. أردفت قمر بإنبهار:
-مكنتش أعرف إن جوز اختك معاه مطاعم غير المستشفى والشركات. هتفت أريب بمرح: -ولا أنا بس ما شاء الله جميل أوي. أومأت لها قمر مؤيدة حديثها وعيناها تجول في المكان وعلى الأناس الذين يظهرون عليهم بأنهم ذو طبقة رفيعة. بينما في طاولة أخرى كان يجلس آسر وهو يتحدث في الهاتف وهو يرتشف من قهوته ومعه أيان الذي يعبث في هاتفه وهو يرتشف من عصير الليمون الذي بيده.
رفع أيان عينه لثوان من على الهاتف ثم نظر له مرة أخرى ولكن رفعها سريعاً مرة أخرى وهو لا يصدق ما يراه. هتف أيان سريعاً: -بص يا ابني مش دي أريب؟ نظر له آسر سريعاً ثم نظر نحو ما يشير إليه ليراها هي فعلاً ليغلق الهاتف وهتف بجمود: -أيوا هي. نظر أيان لهم جيداً ليهتف مجدداً: -واللي معاها دي مش قمر.. أنت شايف اللي أنا شايفه يا آسر ولا لأ؟ هتف آسر بلا مبالاة: -أيوا يا ابني فيها إيه يعني. نهض أيان هاتفا: -يلا نروحله.
نظر له آسر باستنكار ليهتف مكملاً: -وحياة عيالك اللي لسة مجوش ولا هما ولا أمهم، تيجي معايا أنت عارف صاحبك معجب بالبت قمر دي. تأفف آسر بحنق منه ووافق على مضض ونهض متوجهاً معه إلى طاولة الفتاتين. كانت أريب ترتشف من كوب الشوكولاتة الساخنة بعدما أحضرها لها النادل. لاحظت وقوف جسدين أمام الطاولة لتلتف برأسها لتتلاقى عينيها الحادة مع عينيه الغاضبة فهو لم ينس ما فعلته معه أبداً ومازال مُصِر على أن يجعلها تندم.
كانت الأخرى منشغلة بالعبث في هاتفها لتهتف سرياً وهي تعطي هاتفها لأريب: -بصي يا أريب الطقم ده. توقفت عن الحديث وهي ترى شخصين يقفان بجانبهم لتلتف برأسها لتقع عيناها البنية على عينيه الزرقاء التي تطالعها بإعجاب. رفعت أريب حاجبها باستنكار مردفة وهي تبعد عينيها من عليه بلا مبالاة: -نعم حضراتكوا في حاجة؟ هتف أيان بمرح: -والله يا أريب أنا مصدقتش إن انتوا هنا وقولت آجي أشوفكم. هتفت قمر باستنكار:
-ده على أساس مش بتشوفها في البيت يعني. نظر لها أيان هاتفا: -عادي مفهاش مشكلة لو شفتها بره البيت وقولت أسلم عليها ولا إيه يا أريب؟ هتفت أريب بإبتسامة هادئة: -أيوا طبعاً. نظرت قمر إلى صديقتها لترمقها أريب بهدوء ليهتف أيان بمرح: -إنما قوليلي يا أريب انتوا إزاي جيتوا هنا؟ هتفت بهدوء: -مع عدنان هو جابنا هنا. أومأ أيان بتفهم ليصدر صوت آسر أخيراً هاتفا بملل: -ما يلا يا ابني خلينا نمشي. هتفت أريب باستفزاز:
-ما تمشي لوحدك يا أخ، افترض هو عايز يقعد. نظر لها آسر من أعلى لأسفل ثم عاد بنظره مجدداً نحو أيان وكأنه لم يسمع شيئاً هاتفا وهو ينظر إلى ساعة يده: -يلا أهو نفذت رغبتك وجيت معاك بس أنا مستعجل ومفيش حاجة تستاهل أتأخر عليها. اغتاظت بشدة من هذا التصرف ليلاحظ أيان أنه إن لم يرحل سيحدث ما لا يحمد عقباه ليهتف بابتسامة هادئة: -اتشرفت بشوفتك يا قمر... سلام يا أريب. هتفت أريب بهدوء تخفي خلفه غيظها: -سلام.
غادر آسر وهو يشعر وكأنه يريد العودة لسليطة اللسان تلك وكسر يدها التي تجرأت ورفعتها عليه من قبل وتحطيم رأسها الصغير الذي يجعلها تعتقد أنها تستطيع أن تقف بوجهه. ولكن مهلاً فهو يخطط لشيء ما وسينفذه قريباً جداً. بينما كان يسير بجانبه أيان الذي يقسم أنه سيجعل تلك القمر قمره هو وليس لأحد غيره. في الداخل: هتفت قمر بتساؤل: -ليه مش طايقة الواد ده؟ هتفت أريب بغيظ: -ده شخص مستفز لو أطوله أقطعه بسناني. أردفت قمر بسخرية:
-تطولي إيه يا ما أنتِ مش شايفة نفسك واصلاله لفين.. ده انتي يا دوب لحد بطنه.. قال تطولي قال. نظر لها أريب بحدة لتقابلها الأخرى ببرود ثم جلسوا قليلاً وبعدها رحلوا. -انتهى اليوم وبدأ يوم جديد مع شمس منيرة. في منزل العائلة، عائلة الكيلاني: يهتف الكيلاني بأمر: -قول للحرس يجهزوا العربيات. أومأ له الشاب باحترام وخرج لينفذ ما أمره به الكيلاني. هتف الكيلاني بصوت مسموع تقريباً:
-أول مرة يطلب إننا نجيله كلنا حتى مصطفى وسميرة.. يا ترى إيه وراك يا ابن عمي؟ جاء صوت ابنه من جابه وهو يهتف بألم: -تفاءل خيراً يا كيلاني.. أنا مش عارف إزاي هرجع القصر تاني من بعدها.. ده من يوم ما سبتني وأنا رجلي مدخلتش فيه.. مش عارف إزاي هروح وهي مش معايا. شعر الكيلاني بألم ابنه مهما مر الزمان ليربت على كتفه هاتفا:
-ادعيلها بالرحمة.. نيسليهان مكنتش مراتك بس دي كانت بنتي كمان وربنا يعلم هي وحشاني قد إيه بس ده نصيب ولا مفر منه. وضع عامر كف يده على كف أبيه وقبلها هاتفا بابتسامة حزينة: -ربنا يرحمها يا والدي ويديمك ليا.. كانت دايما تقولي أنا إزاي غلطت واتجوزتك أنت ومتجوزتش أبوك أبو عيون زرقا. ضحك الكيلاني وهو يتذكر مشاغبة تلك نيسليهان التي أسرت قلبهم بطيبة قلبها ومرحها وضحكتها التي دائما تزين وجهها وهتف بمرح ليخفف عن ابنه:
-ده على أساس أنت عيونك مش زرقا. ابتسم له عامر لينتبهوا إلى صوت مصطفى وحسين اللذين يتقدمون منهم وبجانبهم زوجاتهم والذين هتفوا معاً: -إحنا جهزنا. هتف الكيلاني بتساؤل: -عبير فين؟ هتف حسين بضحك: -الدلوعة بقى لسة لحد دلوقتي بتتأخر في تجهيز نفسها. جاء صوت من خلفهم يهتف بمرح: -على رأيك الدلوعة بقى. ابتسمت له الجميع ثم انطلقوا متوجهين إلى قصر الريان.
-خرجت من غرفتها وهي تنوي فعل ما قررته الآن ولتهبط الدرج سريعاً وشعرها الأصفر يتطاير خلفها ثم خرجت من القصر وصعدت السيارة وطلبت منه أن يتوجه إلى العنوان التي أملته له. في مطعم الذئب: لم يكن به أحد بسبب ذلك الغيث الذي حجزه اليوم كله بسبب هذا اللقاء والذي يعلم أنه لن يدوم سوى لسويعات قليلة ولكن لا بأس فعلى الأقل سيأخذ راحته بالحديث معه.
لم ينكر أنه استغرب عندما طلبت رؤيته ولكنه سعد بشدة وعلم أن الملكة أوفى بوعدها ليظل منتظراً معشوقته على أحر من الجمر. بعد وقت كانت تدلف برقتها وجمالها الحابس للأنفاس لتجول بزرقاويتيها على أنحاء المكان والتي لاحظت أنه فارغ لتقع عيناها أخيراً على آسر قلبها لتتنهد بقوة تستجمع شجاعتها وتوجهت نحوه بخطوات بطيئة.
ما أن لاحظها حتى نهض سريعاً وهو يطالعها بأعين تلمع بالعشق وساعدها بالجلوس على المقعد ثم جلس مكانه مجدداً وكانت عيناه تطالعها بعشق جارف. أما هي فقد احمرت وجنتيها من نظراته لتستجمع شجاعتها وهتفت بهدوء ولكن بدون أن تنظر له: -غيث.. صمتت قليلاً متنهدة قبل أن تكمل: -أنا آسفة. تحولت ملامحه إلى الهدوء لتتابع هي بصوت مختنق:
-أنا آسفة على كل لحظة جرحتك فيها إذا كان قولاً أو فعلاً من غير ما أحس إنك بتتعذب بسببى.. أنا مكنتش شايفة حاجة غير إنك سبتني واستهزأت بحبي ليك ومشفتش نظرة الألم اللي كانت في عيونك لما قولتلي كده.. مقدرتش خوفك عليا من إني أندم بعدين حتى لو كان على حساب نفسك ومهتمتش بإنك هتتعذب واهتميت بيا. مسحت على وجهها متنهدة بقوة ثم أكملت بحزن:
-وبعدها بقيت تحاول تراضيني وأنا كنت كل مرة أنهي محاولتك بإني أفكرك باللي عملته فيا رغم إنه لمصلحتي وكنت دايماً بجرحك وأنت رغم ده مملتش مني ولا كرهتني. أنا مش عارفة أنا كنت أنانية كده إزاي ومشوفتش تضحياتك ليا مع إنها كانت واضحة وضوح الشمس. أنا آسفة يا غيث بجد آسفة أوي.. أنا عارفة إني مش أستاهلك بس صدقني أنا كنت بتعذب في كل لحظة كنت فيها بعيدة عنك.
وفجأة بدأت بالبكاء ووضعت كفيها على وجهها وهي تبكي بقوة وهي تعلم أنانيتها وأنها لم تكن ترى عذابه وكانت ترى ما فعله بها فقط. رغم أنه أحزنها مرة واحدة وكان هذا لأجلها ولكنها ظلت تحزنه وتجرحه بحديثها وأفعالها لأجل نفسها لسنين. نهض غيث وتوجه نحوها وجلس أمامها على قدميه وهتف بعشق: -تتجوزيني؟ نظرت له من بين دموعها وأنفها الذي أصبح لونه أحمر أثر بكائها لتتقابل عينيها الدامعة بعينيه التي تطالعانها بعشق جارف.
هتفت بحزن من بين دموعها: -مكرهتنيش؟ ابتسم لها وهتف بمرح: -أنا بكره غبائك بس، المهم تتجوزيني. اخفضت رأسها مبتسمة بخجل ليقول مبتسماً وهو يشعر بشعور السعادة العارمة: -السكوت علامة الرضا، والحمد لله إن ريان عزم العيلة كلها وخلاص فاضل على وصولهم قليل، وبكده هطلب من حسين إني أكتب كتابي عليكِ على طول ما أنا مش هستنى خطوبة وأنا طلبتها منه قبل كده وهو وافق.
ضحكت بخفة ثم تركته فجأة وهي تسرع لخارج المطعم مغادرة، ليقهقه بسعادة شديدة وتحرك هو الآخر مغادراً إلى فيلا بيجاد التي يتواجد بها صديقه أيهم، يريد مشاركته فرحته. -وصلت عائلة الكيلاني وقام الجميع بالترحيب بهم في قصر الذئب الذي انبهروا به فهم سمعوا الكثير من الأقوال التي تدل على جمال قصر حفيدهم ولكنهم لم يتخيلوه بهذا الجمال. هتف عامر بابتسامة حزينة: -أخبارك إيه يا حوراء؟ -الحمد لله في نعمة. هتفت بها حوراء بابتسامة ليومئ
لها عامر ثم نهض هاتفا: -أنا هروح أرتاح شوية. لاحظ ريان نظرة الحزن التي في عيني والده وعلم سببها لينهض ذاهباً مع والده إلى الأعلى لكي يدله على الغرفة التي سيمكث بها. دلفا إلى الغرفة وهتف ريان بمرح: -إيه رأيك في القصر، محافظ جدًا أنا على فكرة.
كان ريان يدرك حب أبيه لهذا القصر حتى وإن لم يكن يعيش به، فهذا هو المكان الذي جمع بينه وبين زوجته الراحلة وحبيبته لسنوات، ليقرر الحفاظ عليه والبقاء فيه هو تحديدًا من بين كل ممتلكاته مع شقيقته. ابتسم له عامر بحزن ولم يتحدث. وضع ريان كف يده على كتف أبيه هاتفا: -هي دلوقتي في مكان أحسن يا والدي. علم عامر أن ابنه يشعر به ليومئ له بخفة هاتفا: -ربنا يرحمها.. انزلهم وأنا هرتاح شوية.
علم ريان أن أبيه يريد أن يقضي وقتاً بمفرده ليومئ له ثم غادر. في الأسفل: هتف الكيلاني بحنان: -وحشتيني يا حوراء يا بنتي، أخبارك إيه؟ ابتسمت له حوراء وهتفت بمشاكسة: -بقيت كويسة لما شوفتك. ضحك الجميع على حديثها لتهتف كيان بحزن مصطنع: -بقى حوراء بس اللي وحشتك؟ أمسكها الكيلاني من وجنتها هاتفا: -كلكم وحشتوني حتى ليان سبحان الله. احتضنته كيان وليان التي تعالت ضحكاتها، ليقول حسين:
-إيه ده هو بابا أخد الحب كله وإحنا لأ، يا مصطفى إحنا لازم ناخد موقف مينفعش كده. هتف مصطفى بضحك: -ناخد مواقف مش موقف واحد. ركضت ليان وكيان وعانقوهما بقوة هاتفتين معاً: -انتوا اللي في القلب. هتف حسين بمرح: -إحنا عرفنا إن فيه مفاجأة، فين المفاجأة دي؟ -مستعد للمفاجأة يعني؟ هتف بها بيجاد وهو يدلف بابتسامة واسعة. نهضوا جميعاً وركضت نحوه ليلي تحتضنه باشتياق ليستقبلها هو بحب ليسمعها وهي تردف:
-وحشتيني يا بيجاد، كدا متسألش عليا المدة دي كلها. قبلها بيجاد أعلى رأسها هاتفا: -آسف يا أمي حقك عليا. وجدت من يسحبها من أحضان بيجاد تليها صوت زوجها حسين المغتاظ: -سلمي من بعيد يا حبيبتي وانت ابعد عن مراتي. ضحك بيجاد واحتضنه بقوة ثم احتضن عامر والكيلاني ثم وقف أمام مصطفى الذي أنزل نظره بخجل من ابنه. ابتسم له بيجاد واحتضنه هاتفا: -وحشتني يا والدي.
صدمة وقعت على الجميع ما عدا حوراء التي ابتسمت بسعادة لأنه أخذ بنصيحتها وقد تحدث إليه في وقت سابق ما إن علمت بقدوم العائلة إلى هنا. احتضنه مصطفى بقوة وهو غير مستوعب أن ابنه يحتضنه الآن ويناديه بوالده، أدمعت عيناه ليخفي وجهه بكتف ابنه وبدأ بالبكاء لتدمع أعين بيجاد وهو يشعر أخيراً بدفء حضن والده الذي اشتاق له كثيراً. ازدادت قوة بيجاد في احتضان والده وهو يخفي عينيه فهو لا يريد أن تظهر دموعه.
كانوا ينظرون لهم بذهول، صدمة، فرحة، سعادة، وأخيراً عدم رضا من تلك سميرة. ابتعد بيجاد عنه بعدما أزال دموعه قبل أن يراها أحد وازال دموع والده هاتفا بابتسامة ساحرة: -إيه يا والدي ينفع الدموع دي في اليوم اللي هقولكم فيه إني هتجوز. نظر له الجميع بصدمة مما يتفوه به هذا بيجاد ليستمعوا إلى صوت سميرة وهي تهتف بغيظ: -وإيه يعني سلمت عليهم وأنا لأ يا ابن مصطفى؟
ظن الجميع أن بيجاد سوف يتجاهلها وعندما تقدم منها بيجاد بوجه متهجم وأعين باردة ليتأكدوا أنه سيقول لها كلاماً جارحاً. ولكن صدمهم بيجاد للمرة الثانية ولكن هذه المرة صدمة أكبر عندما ابتسم لها. هل حقاً ابتسم لها أم أنهم يتخيلون؟ بينما سميرة طالعت ابتسامته ببرود رغم تعجبها فهو لأول مرة يبتسم في وجهها منذ زمن. هتف بيجاد بابتسامة هادئة: -حمد الله على السلامة نورتوا.
كانت أفواه الجميع تكاد تسقط من شدة الصدمة ما عدا تلك حوراء التي اتسعت بسمتها بشكل أكبر أكبر، كانت تتوقع أن يتقبل حديثها عن مصطفى ولكن أن ينفذ طلبها مع سميرة لهو شيء تمنت له حقاً. وقف ريان بجانبها وهو يطالع صديقه هاتفا بهدوء: -أنتِ ورا الحالة اللي بيجاد فيها صح؟ نظرت له حوراء بابتسامة واسعة هاتفه: -أنا معملتش حاجة. نظر له ريان هاتفا: -هصدق يا ملكتي مع إنّي واثق إنك إنتِ السبب. ثم نظر إلى صديقه مجدداً بملامح هادئة.
هتف حسين بصدمة: -هو أنتوا شايفين اللي أنا شايفه؟ أومأت له ليلي وكيان وليان بصدمة ليضحك الكيلاني مردفا بسعادة: -ربنا يديم المحبة مابينكم.. قول يابيجاد إيه حكاية إنك هتتجوز دي. نظر له بيجاد وهتف بإبتسامة واسعة: -آه والله هتجوز، قولولي مبارك. أردف مصطفى بحب وسعادة: -مبروك يا ولدي بس مين هي؟ هتف بيجاد بسعادة: -صبا الشرقاوي.. بنت الشرقاوي صاحب شركات الصلب والتعدين. هتف حسين بتساؤل:
-بس اللي أعرفه إنه مش معاه بنات ولا شباب حتى. أردف بيجاد بهدوء: -كانت عايشة في أمريكا وبتيجي مصر زيارات. أومأ له حسين ليهتف الكيلاني بجدية: -كلم والدها عشان نروحله ونطلبها منه. ابتسم بيجاد باتساع عندما لم يجد أي اعتراض من أهله. ليهتف غيث سريعاً: -طب وأنا عايز اتجوز. ضحكت كيان مردفة: -ما تتجوز حد ماسكك. هتف غيث بجدية: -خالي حسين إحنا هنحدد معاد كتب كتابي على ليان دلوقتي.
نظر له الجميع كأنه تنين برأسين بينما هو ينظر لليان بعشق بينما أشاحت الأخرى بوجهها في خجل. هتف الكيلاني بتفكير: -ماشي هنبقى نحدد بس مش دلوقتي. قاطعه غيث بصوت يشبه الصراخ: -ليه أمال إمتى؟ حرام الظلم ده. هتف الكيلاني بيأس من أحفاده: -سيبني أكمل كلامي.. مش هنحدد دلوقتي عشان هنخليها مع بيجاد. أومأ له الجميع مؤيداً هذه الفكرة ليشعر غيث بأن الدنيا صغيرة أمام سعادته بأنه أخيراً سيمتلك من أرهقت فؤاده عشقاً بها.
بينما بيجاد خرج ليهاتف تلك السمراء التي خطفت لبه من أول نظرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!