نقف ثواني كدا يا قمرات ونصلي على الحبيب المصطفى ﷺ. اللهمَّ صلِّ على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آلِ سيِّدنا محمَّدٍ كما صلَّيتَ على سيِّدنا إبراهيمَ وعلى آلِ سيِّدنا إبراهيمَ إنَّك حميدٌ مجيدٌ. اللهمَّ بارِك على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آلِ سيِّدنا محمَّدٍ كما بارَكتَ على سيِّدنا إبراهيمَ وعلى آلِ سيِّدنا إبراهيمَ في العالَمينَ إنَّك حميدٌ مجيدٌ. "حابة نقضي اليوم عند الأطفال اللي في الملاجئ، إيه رأيكم؟ تحدثت بها حوراء مبتسمة.
أيدوا جميعًا هذه الفكرة، لينهض الكيلاني هاتِفًا بسعادة: "مستنيين إيه يلا، كلوا يجهز مش هنرجع غير ع الليل." ضحك الجميع وتجهزوا للذهاب. وقد قام ريان بتبديل البذلة إلى ثياب كاجوال، تكونت من بنطال أسود وتيشيرت بنصف كُم باللون الأسود أيضًا، ليظهر وسيماً لدرجة تحبس الأنفاس وتسرق الأنظار. فهو قرر الذهاب بكونه ريان وليس الذئب. بعدما انتهوا جميعًا، هتف مصطفى موجهاً حديثه لبيجاد:
"روح يا ابني هات خطيبتك معانا، ما هي من اللحظة دي من العيلة." أردف بيجاد بمرح: "والله أنت معاك حق يا والدي، هات بوسة علشان أفكارك العسل دي." هتف مصطفى بحزم مصطنع: "ولد، امشي من قدامي." قهقه بيجاد وهو يخرج من القصر متجهاً نحو قصر صبا حياته. ليقف أيهم بجانب ريان وهتف بخبث: "على ما أعتقد كدا واللي فاكره يعني إن معاك شغل كتير النهاردة وصفقات كمان، إيه اللي مخليك هنا؟
نظر له ريان بطرف عينه، ثم نظر نحو معشوقته التي تقف أمام أخوتها تتحدث معهم بسعادة بالغة تظهر في لؤلؤتيها السوداء اللامعة، وكأنها نجوم تضيء في عتمة الليل. نظر أيهم لها هاتِفاً: "فاكر لما كنت بتتريق عليا لما مبقدرش أبعد عن بسمتي دقايق وأخلص الشغل بسرعة علشان أرجع لها؟ ابتسم ريان وهو يتذكر تلك الأيام وتلك البسمة التي تركت حزنًا في قلب كل فرد من العائلة بسبب طيبة قلبها ورقتها. أكمل أيهم بنبرة احتلتها الألم:
"ياريت كانت موجودة معايا دلوقتي." وبدون سابق إنذار، احتضنه ريان بقوة وهو يربت على ظهره هاتِفاً: "هي عند الكريم في مكان أحسن بكتير من الدنيا دي، ادعيلها يا أيهم." بادله أيهم الاحتضان وهو يخفي وجهه بكتف صديقه وابن عمه، وقد تمردت دمعة لتتبعها الكثير من الدموع الملتهبة حرقة على فراق من عشقها الروح وشغف بها القلب.
رآهم هشام وغيث ليتحركا نحوهم بسرعة بدون أن يجذبوا الأنظار لهم، ووقفوا أمامهم حتى لا يرى أحد من العائلة دموع وضعف أيهم. طالع غيث بقلب منفطر على صديقه، لتدمع عيناه هو الآخر بسبب استماعه لصوت شهقاته المتألمة. هتف ريان بصوت جاهدًا إخراجه جامدًا: "اجمد يا أيهم.. تعالى." أخذه ريان نحو المكتب، وكان هشام وغيث يسيران خلفهم ليخفوا أيهم أمامهم من أنظار العائلة.
نظرت حوراء حولها تبحث عن زوجها لتجده يذهب نحو المكتب، ولكنها لاحظت أيضًا أيهم الذي تتساقط من عينيه الدموع، آلمها قلبها بقوة وهي ترى. وجد.. نعم.. وجد هذا الأيهم لزوجته المتوفاة، والتي هي آخر مرحلة من مراحل الحب الصادق، والتي تتغلغل في شرايين الشخص وتصبح تسري به وكأنها دماء لا تفارقه.
بعد وقت، خرج أيهم برفقة ريان بوجه جامد ولكن بعيون حمراء، ليتوجهوا بعدها جميعهم وبرفقتهم صبا التي وافقت على الفور عندما أخبرها بيجاد إلى ملاجئ الأطفال. عندما دلفوا إلى الملجأ ليجدوا كثيرًا من الأطفال يركضون نحوهم ببراءة وسعادة، فقد أخبروهم أصحاب الملجأ بأن هناك عائلة سوف تأتي وتحضر لهم الكثير من الهدايا والألعاب. استقبلهم الجميع بابتسامة واسعة وضحكات رنانة، وقدموا لهم الهدايا والألعاب.
شعر ريان بشيء يتسلق على قدمه لينظر إلى الأسفل ليراها طفلة جميلة وهي مازالت لا تستطيع السير، وكانت تنظر له وهي تصدر أصواتًا مضحكة. لينحني ريان وحملها مقبلاً وجنتيها المكتنزة بقوة، فهو يعشق الأطفال. لتصدر الطفلة ضحكات رقيقة وهي تضع إصبعًا داخل فمه.
رفعت الطفلة يدها الصغيرة لتمسك بخصلات شعره وتجذبها بقوة، ليقهقه ريان بقوة لتبدأ الطفلة بتمرير يدها ببراءة على ملامح وجهه، وما إن وصلت للحيته أصدرت ضحكات رنانة بطريقة تأسر القلب، لتمتزج ضحكاتها مع ضحكات ريان الذي يحملها بحنان. بينما كانت حوراء وأريب وآية يجلسون أرضًا وحولهم أطفال كثيرون، منهم من يستطيع السير والتحدث ومنهم لا بسبب صغر سنهم، وهم يلهون ويمرحون معهم.
رفعت حوراء نظرها لتقع على زوجها وهو يلاعب تلك الطفلة بسعادة وحنان شديد، لتبتسم على الفور وهي تستمع إلى صوت ضحكاته، والتي ظهرت أنها من أعماق قلبه. لتجول بعينيها لتجد أيهم يجلس بعيدًا عن الأطفال، فقد يطالعهم عن بعد ويظهر عليه الحزن، لتعلم أنه يفكر بطفله الذي قتل قبل أن يأتي على هذه الحياة.
لتحمل إحدى الأطفال الذين لا يستطيعون السير ونهضت بها وتوجهت نحو أيهم، الذي لم يلاحظها بسبب شروده. ولكن فجأة شعر بثقل يوضع على قدميه. رفع نظره ليرى حوراء تطالعه بابتسامة مردفة: "هتحس بالراحة معاه." نظر إلى تلك الطفلة التي على قدمه والتي كانت تنظر له بعينيها، ويا للغرابة..!! فعينيها تشبه عينيه..!! كثيرًا..!! كانت الطفلة تطالعه باستغراب، وما هي إلا ثوانٍ حتى أصبحت تضحك وهي ترفع يديها الصغيرين تريد الوصول لوجهه.
ابتسم هو لا إراديًا عندما رأى ابتسامتها والبراءة التي تشع من عينيها، ليحملها بين ذراعيه برفق وحذر وأصبح يلاعبها وهي تصدر أصواتًا مضحكة، ليتناسى هو حزنه ولو قليلاً مع هذه الطفلة الجميلة وهو يشعر بانجذاب نحوها. وكانت هي تتابعه بابتسامة سعيدة وهي تراه يضحك، وحتى لو لوقت وسوف يعود لما كان، ولكن على الأقل هو يضحك الآن... هتف أيهم بابتسامة باهتة: "غريبة إن عيونها زي عيوني."
نظرت له باستغراب ونظرت للطفلة لتراها فعلاً ذات أعين ذهبية لامعة كـأعين هذا الأيهم تمامًا..!! رددت بذهول وهي تطالعها بإنبهار: "سبحان الله.. فعلاً شبهه أوي." أومأ لها أيهم وأصبح يلاعب الطفلة مجدداً. ابتسمت حوراء ثم نظرت للجميع لترى كل منهم مشغول ببعض الأطفال وأصوات ضحكهم تملأ المكان، ولكن تشعر وكأن هناك فردًا ليس بينهم. ظلت تفكر من هو؟!! وأين هو؟!! لتقع عيناها عليه أخيرًا...
نعم إنه ذلك الهشام الذي يجلس على إحدى المقاعد منفردًا مغمض العينين. هزت رأسها بيأس من شباب هذه العائلة الذين دائمًا ما يستسلمون لأحزانهم ويأسهم. ذهبت نحوه بعدما التقطت طفلاً آخر، فهي تعلم براءة الأطفال تجبر الجميع على نسيان أحزانهم ولو قليلاً. جلست على المقعد الذي أمامه والذي يبعد عنه بمسافة جيدة، ووضعت الطفل على قدميها جاعلة وجهه مقابل وجه ذلك الذي لم يشعر بها بعد. وهتفت بمرح وهي تمسك بأذرع الطفل تلوح بهم برفق:
"قول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على عمو." فتح هشام عينيه ونهض سريعا هاتِفاً: "اعذريني محسيتش بيكي." ابتسمت له وهتفت بمرح: "ولا يهمك، واقعد لو سمحت." أومأ لها بهدوء لتهتف هي بمرح مجددًا موجهة حديثها للطفل: "قول ازيك يا عمو." أصدر الطفل أصواتًا وهو يصفق بيديه بطريقة طفولية، ليبتسم هشام على الفور، ليضحك الطفل فور رؤيته لإبتسامته. هتفت حوراء وهي تقدم الطفل له: "تقدر تحكيلي."
التقط الطفل منها بحذر، ولأنه لا يعلم كيف يحمله كاد يسقط من يديه، لتلحقه حوراء على الفور ليبدأ الصغير بالبكاء. ابتسم هشام ابتسامة حزينة مردفاً: "حتى فـي الطفل مش نافع." نظرت له بحزن وهي تهدهد الطفل لكي يهدأ، لتضعه على قدمها وهي تهتف: "انت هتمسكه كدا، ولما تكون عايز ترفعه تمسكه كدا." وظلت تشرح له كيفية التعامل معه. بعدما هدأ الطفل لتهتف أخيراً: "اتفضل."
نظر لها هشام بمعنى "لا". لتنظر له بحزم ليتنهد بقوة والتقطه منها بحذر شديد، وفعل كما أخبرته ووضعه على قدمه وهو يهز به برفق شديد. وما هي إلا ثوانٍ حتى ذهب الصغير في النوم. رفع هشام كف يده ووضعه على شعر الصغير يعبث به برفق ليهتف بهدوء:
"نفسي أحس بالسلام وأرجع هشام القديم اللي مهما كانت قوته مع الغريب بس بيكون أحن شخص على عيلته.. إنما دلوقتي أنا ولا حنين على الغريب ولا القريب.. بقيت قاسي على الكل باستثناء ريان وبيجاد لأنهم ببساطة عيلتي.. من ساعة ما عرفتيني مسألتش نفسك فين أهلي عايشين ولا لأ." أنهى حديثه وهو يرمقها بنظرة خاطفة مكملاً: "أهلي عايشين بس أنا بالنسبالهم ميت."
تنفست شهقة من بين شفتيها وهي تضع كف يدها الصغير على فمها، ليبتسم لها بحزن مردفاً: "متستغربيش.. واحد عصى كلام جده وعارض أهله ووقف قصادهم عشان واحدة أكيد هيعتبروه ميت، وفـي الآخر الوحدة دي طلعت متستاهلش.. طلعت بتلعب بيا عشان فلوسي وأملاكي بس وإني الوريث الوحيد لعيلة العامري."
"وطبعًا لما طردوني رفضت آخد أي شيء منهم حتى هدومي رفضت أخدها وطلعت باللي عليا وبس وبقيت شخص لا يذكر بعد ما كنت من أكبر العائلات وأغناهم بقيت لا شيء بدون عيلة وبدون أملاك كمان.. مكنش فارق معايا وقلت مش هشام اللي يتهز أو يضعف لحد.. أنا مش ضعيف من غير أهلي، العكس هما اللي ضعاف من غيري... من غير الوريث اللي كان يشتغل ليل نهار يكبر في شركات العامري وعملت منها سلسلة شركات العامري."
"هي افتكرت إني خلاص بقيت فقير ومش معايا حق الأكل وسابتني وراحت للغني اللي معاه فلوس، ولما عرفت بخيانتها قالت لي بكل برود إنها كانت معايا عشان فلوسي بس." ضحك ضحكة ألم مكملاً: "طبعًا مش هتتخيلي أنا وقتها كنت إزاي.. كنت عامل زي الطفل الضايع اللي بيدور على أمه.. بعد ما سبت أهلي عشانها هي سابتني.. رجعت لأمي.. لأني كنت عارف إنها الوحيدة اللي هتبقى حنينة عليا غير بابا اللي دايما بيمشي على كلام والده من غير أي معارضة."
"وبالفعل لقيت من أمي حنان مقدرش أوصفه، وحاولت كتير مع والدي إنه يقنع جدي بإنه يدور عليا ويرجعني بس هو رفض وقالها لو جبتي سيرته تاني هتبقي طالق." "أنا أول ما عرفت رفضت إنها تحاول تاني معاه وهي مقدرتش تشوف ابنها بالحالة دي، فأخذت فلوس وقالت لي أشوف شقة لحد ما هي تحاول معاهم تاني." "رفضت وقلت لها مش هاخد أي جنيه من العيلة دي، ومع إصراري هي وافقت بس قالت لي جملة واحدة كانت كفيلة إنها تساندني طول عمري." "قالت
لي: «عايزاك ترجع أقوى بكتير، أقوى من أي حد، عايزة اسمك بس لما يتذكر يرعب اللي قدامه»." "وبالفعل قررت أنفذ اللي أمي قالت لي عليه، وبعد أيام عرفت إنها اتوفت حزنًا عليا." "كانت صدمة كبيرة إني أفقد أكتر شخص حنين عليا وأكتر شخص مهما غلطت ورجعت له بلاقيه مستنيني وكأني معملتش حاجة.. الشخص اللي كان دايما بيشجعني وبيدلني على الطريق الصح." "من وقتها أقسمت إن أخلي عيلة العامري تندم لأنهم السبب فـي موت أمي."
"في يوم كنت ماشي في الشارع بدور على شغل، شوفت سيارات كثيرة بتعدي من جنبي، بس فجأة عربية وقفت ونزل منها شخصين.. كانوا ريان وبيجاد." "طبعًا وقتها كانوا عارفينني، ومين ما يعرفش الوريث لعيلة العامري، وغير إني دخلت معاهم فـي صفقات كتير بشركاتي، واستغربوا وقتها حالتي وأخدوني معاهم، ولما عرفوا الموضوع قرروا يساعدوني من غير تردد."
"طبعًا دا كان أول يوم لنشأة الأصدقاء الثلاثة.. مثلث الصداقة الملون زي ما بيقولوا عننا، لأن شخصياتنا وألوان عيوننا مختلفة تمامًا." "وكانت فكرة ريان إنه يشغلني عنده، ولما أقف تاني أرجع وآخد كل حاجة من حقي وأسيب لهم الشركتين بس اللي من حقهم." "ريان داهية في الأمور دي، ودايمًا بيقول: أنا بستمتع وأنا بخلي الناس تندم، عشان كده أفكاره بتكون جهنمية."
"وببساطة لإني أنا استلمت الشغل في عيلة العامري لما كانت شركتين بس، وبعدها بقيت سلسلة شركات العامري بسببي وبمجهودي وتعبى، يعني هما ملهمش أي حاجة غير الشركتين دول." "وبالفعل خلال أسبوع وبمساعدة الذئب قدرت آخد أملاكي وشركاتي اللي ضيعت عليهم سنين من عمري، سبتلهم الشركتين اللي من حقهم.. وفصلتهم عن الشركتين دول وبدأت أكبر أكتر وأكتر في الشركات اللي معايا وغيرت اسمها لشركات الهاشمية."
"وفي يوم ريان قالي بما إننا أصحاب ومنقدرش نفترق فهنخلي شركاتنا زينا وهندمجهم مع بعض ومستحيل يفترقوا." "أنا وافقت من غير تردد ولو للحظة، بس الدمج كان في فروع الشركة فقط أما الشركة الأم بتاعت ريان وبتاعتي، لا." "نظر لها ليجدها تنظر له بعدم فهم ليكمل بهدوء.." "هبسطهالك أكتر.. يعني دلوقتي ريان معاه الشركة اللي هنا في القاهرة ودي هي أساس الشركة، يعني تقدري تقولي الشجرة، والشركات التانية اللي هي في ألمانيا –إيطاليا –فرنسا
–وجميع أنحاء ودول العالم دول الفروع زي فروع الشجرة، فهمتي." أومأت له بفهم ليبتسم ابتسامة خفيفة مردفاً: "وبس من وقتها وأنا كده.. ومش عارف أرجع هشام القديم تاني لحد دلوقتي. أهلي بيعتبروني ميت وزاد كرههم ليا لما أخذت شركاتي ورجعتهم سنين لورا، ومفكرتش إن ده حقي وأنا مخدتش حاجة منهم ولا ظلمتهم." ثم نظر إلى ريان وبيجاد مردفاً بجملة عميقة جعلتها تشرد بها:
"كل واحد فينا جواه قصة غيرته ومن ساعتها وهو مش عارف يرجع طبيعي زي الأول." عادت من شرودها من تلك الجملة والتي قالها وهي تراها صحيحة مائة بالمائة، وأردفت حوراء بتساؤل: "أهلك فين دلوقتي؟ نظر لها ليرى في عينيها أنها لا تسأل مجرد فضول بل لأنها تريد مساعدته، ليهتف بهدوء: "على فكرة انتي فيكي كتير من ريان." ابتسمت له بخجل مردفة بمرح تداري به خجلها: "من عاشر قوماً." هز رأسه هاتِفاً: "فعلاً.. عموماً أهلي هنا فـي القاهرة."
أومأت له وكادت أن تأخذ الطفل الذي على قدمه والذي كان نائمًا، ليردف هشام سريعا: "لأ لأ سيبيه." ابتسمت بخفة وهي تنهض من جواره وتركته شارداً في ملامح ذلك الطفل النائم بسلام. تنهدت بحزن، فـكل شاب منهم يحمل همومًا لا تتحملها الجبال. توجهت نحو زوجها والذي كان يراقبها، وما إن وصلت له لتلاحظ نظراته نحوها لتهتف بهدوء: "أنا كنت... قاطعها مردفاً: "عارف.. وأنا واثق فيكي يا ملكتي، يعني متبرريش ليا حاجة انتي عملتيها."
ابتسمت له وهي تنظر له بعشق، بادلها هو هذه النظرات وقبل جبينها بخفة، لتشهق حوراء بفزع وهي تشعر بأن شيئًا يجذب ملابسها للأسفل. لينظروا ليروها نفس الطفلة التي كانت تلهو مع ريان، ليحملها مجددًا وبدأ باللعب معها برفقة حوراء. وبعد وقت... ظهر القمر مضيئًا في السماء واللمعت النجوم من حوله، ليصعدوا سياراتهم ويعودوا إلى منازلهم للراحة، فهو كان يومًا حافلًا. وخلال سويعات كان الجميع قد ذهب في سبات عميق.... في الصباح...
استيقظت وهي تتثاءب بكسل، ثم تآوهت مردفة: "آه.. رجلي هتموتني من امبارح." قاطعها صوت رنين هاتفها لتلتقطه مردفة بحنق بعدما علمت هوية المتصل: "إيه يا أخ، الساعة 5 دلوقتي بترن لي؟ هتف بيجاد من الناحية الأخرى: "صباح الخير الأول.. في واحدة تقول لجوزها المستقبلي يا أخ؟ وبترن لي، ماشي ياصبا يابنت أم صبا." هتفت بتذكر: "آه.. مامى وأهلها جايين النهاردة yes." أردف هو بهدوء: "ومايكل كمان، أنا مش عارف إزاي هينزل وهو بالحالة دي."
هزت كتفيها بلا مبالاة وهي تنهض من على الفراش: "مش مشكلة، بس انت رجعتوا إزاي؟ "خليت شوية رجالة يروحوا معاه ويفهموهم إنه كان في ملهى ولما ثمل عمل مشاكل مع شباب مش كويسة وهما علموا عليه، وعلشان هو كل ليلة والتانية فـملهى صدقوا." أردفت بذهول: "وانت عرفت إزاي إنه كل ليلة فـي ملهى؟ هتف بيجاد بثقة: "عيب عليكي لما تسألي بيجاد الكيلاني سؤال زي ده." شردت صبا قليلاً ثم هتفت بغموض: "عايزة أقابلك."
"عيوني، قولي لباباكي واجهزى وهاجي آخدك من قدام القصر." "ماشي." ثم أغلقت المكالمة وهي تنظر أمامها بشرود، لتتوجه للمرحاض وهي تستعد لمقابلته. أردف ريان بتحذير لتلك الواقفة أمامه: "وأنا قولت لأ يا حوراء، الموضوع ده انتهى." كادت أن تتحدث ليرفع إصبعه هاتِفاً بعدما قتمت عيناه: "إياكي، مش عايز أسمع صوتك." ثم تركها ودلف إلى المرحاض لتتنهد هي مردفة بحنق: "إيه ده، أنا عايزة أقص شعري، هو ماله؟ متسلط." أتاها صوته من المرحاض:
"سامعك، ولما أطلع هوريكي أنا متسلط إزاي." شهقت بلهفة وهي تهمس: "إيه ده كمان سمعني إزاي ده؟ بعد وقت خرج من المرحاض ورمقها بنظرة أرعبتها، ثم وقف أمام المرآة يصفف خصلات شعره ووضع برفانه. أردفت حوراء بهدوء: "عايزة أروح عند أخواتي." نظر لها من المرآة مردفاً ببرود: "كنتي معاهم اليوم كله امبارح." أردفت لغيظ من بروده: "إيه المشكلة؟ وعايزة أقعد معاهم النهاردا كمان." تنهد بقوة ثم التفت لها، ثم قبل جبينها وكفيها مردفاً:
"يلا اجهزى، أنا هوصلك." نظرت له بفرحة لتقبل وجنته سريعا وركضت نحو المرحاض. ليبتسم هو لها بعشق وهو يهز رأسه بيأس من نفسه، فهو لا يستطيع أن يبقى جامدًا أمامها لخمس دقائق فقط، فهذه الحورية تبدل حاله بنظراتها فقط. بعد وقت خرجت حوراء من الغرفة وهبطت إلى الأسفل ثم خرجت من القصر لتراه يقف متكئ على السيارة السوداء التي تشبه ملابسه، لتتقدم نحوه بهدوء. ليستمع هو إلى صوت خطوات الحذاء ليرفع نظره ليطالعها بحب.
قبل يدها ثم صعدوا السيارة وانطلقوا نحو وجهتهم. أوصلها أولاً لـ فيلا أخيه ليذهب هو بعدها إلى شركته. دلف إلى الفيلا ليرى أخاها يهبط الدرج وهو يحمل آية بين يديه وبجانبهم أريب وهم يضحكون بصخب. أردفت حوراء بابتسامة جميلة: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." نظروا لها بسعادة واشتياق وكأنها لم تكن معهم طيلة يوم البارحة، وردوا عليها السلام. هتفت آية بضحك: "خلي أخوكي ينزلني يا رب." نزل. أردفت حوراء بتساؤل: "هو شايلك لي؟
هتف أياد بتزمر: "مزاجي يا أخت منك ليها." ابتسمت حوراء ثم خلعت حجابها لينزلق شعرها الحريري ليصل إلى آخر ظهرها، مردفة: "اقفلي الباب يا أريب." وذهبت لأخيها تحتضنه ليحتضنها هو أيضًا بحنان، ثم أحاط خصرها جيداً واستقام بظهره لترتفع قدماها عن الأرض بسبب قصر قامتها، وأصبح يدور بها بقوة وشعرها يتطاير خلفها وأصوات ضحكاتهم تملأ المكان.
بعد وقت أنزلها أرضًا ومازال ممسكًا بها حتى لا تسقط حتى استعادت توازنها، ليجد من يقفز عليه متمسكًا برقبتها. هتفت أريب بمرح: "وأنا يا إيدو." دار بها إياد كثيراً، ثم دار أيضاً بـ آية، وأتت أمينة على أصوات ضحكهم وشاركتهم الضحك. وبعد وقت كان الوضع كالتالي:
يجلس إياد أرضًا يحتضن بذراعه اليمين آية ويحتضن بذراعه اليسار حوراء، وتجلس بين قدميه تلك القصيرة أريب وتستند بظهرها على صدره، وهم يتناولون الكثير من التسالي مندمجين مع ذلك الكارتون والذي كان المفضل لهم وهو (ربانزل) كانت أمينة تنظر لهم بحنان تدعو لهم كثيرًا بداخلها. نهضت وأحضرت هاتف إياد وقامت بتصويرهم العديد من الصور وهم لم يلاحظوا هذا بسبب اندماجهم مع الكارتون. عندما انتهى هتفت أريب سريعا: "إيه رأيكم نسمع توم وجيري؟
هتفوا جميعًا حتى إياد بحماس: "آه يلا بسرعة." نهضت أريب وقامت بوضع أقراص أخرى ليبدأ كارتون توم وجيري، وبدأوا بالأكل وأعينهم مسلطة على شاشة التلفاز، بين كل وقت وآخر تصدر أصوات ضحكاتهم المكان بسبب أفعال جيري بـتوم المسكين.
وبالفعل لم تضيع أمينة هذه اللحظات وكانت تقوم بتصويرهم ڤيديو وهم يظهرون به جيدًا وهم يستمعون للكارتون مثل الأطفال، ومعهم إياد الذي يصبح بالفعل طفلاً عندما يجلس مع إخوته الفتيات وليس كـ شاب قارب على سن الثلاثين. تجمع أضلاع المثلث الثلاثة في مكتب الذئب. هتف هشام بخبث: "النهاردة بالليل." أردف ريان وبيجاد: "أكيد." هتف بيجاد بتساؤل: "بس أنا ليا يومين شايف إن في ناس جنب الڤيلا بتشتغل.. بيعملوا إيه دول؟
ولما سألتهم قالولي دا أمر من هشام." هتف هشام بغيظ وصوت منخفض: "ولاد الـ... فضحوني." نظر له بيجاد مردفاً: "عايز تعمل إيه ياهشام؟ اوعى تقول إنك هتعمل المكتب اللي ليك سنة بتقول عليه." ابتسم له هشام مردفاً بإصفرار: "هي المفروض كانت مفاجأة بس خلاص ضاعت.. دي ڤيلتك يا عريس، مبارك." هتف بيجاد بعدم فهم: "ڤيلتي إزاي؟ ما احنا قاعدين فـي ڤيلا."
"ما هو أكيد أنت مش هتبقى غبي وتتجوز فـي الڤيلا اللي إحنا.. حط خط تحت كلمة إحنا.. عايشين فيها، ولا إيه يا بغل؟ ضحك بيجاد رأسه من الخلف، فهو حقًا لم يفكر بهذا الموضوع بهذه الطريقة. أكمل هشام بهدوء: "وبما إن المفاجأة اتكشفت فـاعتبرها هدية مسبقًا لجوازك وهبقى أسلمهالك كاملة يوم الفرح بإذن الله." نهض بيجاد واحتضنه مردفاً: "أبو الصحاب حبيبي يا آتش، والله تسلم لي." عانقه هشام ولم يرد على حديثه التافه بالنسبة له،
ليسمع بيجاد وهو يهتف: "هات بوسة بقى عشان المفاجأة الحلوة دي." وفي لمح البصر كان بيجاد واقفًا في آخر المكتب بسبب هشام الذي دفعه بقوة وهو يهتف بإشمئزاز: "ابعد عني يا متخلف أنت." صدحت صوت ضحكات الذئب الذي كان يتابع بصمت مردفاً بضحك: "تستاهل يابيجاد، الكل." أبعد بيجاد لهم وجلس مجددًا مردفاً بمرح: "أنا غلطان، كنت عايز أعبر لك عن فرحتي." نظر له هشام بغيظ مردفاً: "محدش طلب منك."
قاطعهم صوت رنين هاتف ريان، والذي ما إن استمع إلى نغمته الخاصة التقط هاتفه وأجاب على الفور، وبدون إدراك منه ضغط على مكبر الصوت ليأتي صوتها الرقيق وهي تردف: "رينو." توسعت أعين الثلاثة.. كان ريان مصدومًا وكأن شخصًا ما شاهده عاريًا. أما بيجاد وهشام كانا هما الشخص الذي شاهده عاريًا. هتف بيجاد وهو يحاول كبت ضحكته: "أخبارك إيه يا أختي العزيزة؟ "مين؟ كان هذا ردها المصدوم والذي ظهر على صوتها.
لم يتحمل بيجاد أكثر لينفجر في الضحك، وتبعه هشام الذي ضحك بقوة وهو نادرًا ما يضحكه شيء بهذه الطريقة. هتف ريان وهو يضحك بخفة: "نعم يا فضيحاني." لم يستمع لصوت سوى صفير الهاتف دلالة على نهاية المكالمة. نظر ريان إلى الهاتف وكأنه يرى تنين برأسين، ليزداد ضحك هشام وذلك البيجاد الذي سقط أرضًا من كثرة الضحك. اندماجت ضحكاتهم بضحكات الذئب الرنانة.
بعد وقت ليس قليل أبدًا هدأ الثلاثتهم من الضحك، وقام بيجاد بمسح دموعه من كثرة الضحك. نهض بيجاد من على الأرض بصعوبة وهو يجلس مكانه مردفاً بضحك هيستيري: "آه مش... مش قادر، بجد تستاهل." أردف هشام لعدم تصديق وضحك: "بقيت رينو يا ذئب." أردف بيجاد بشماتة: "لا، وقَفلت فـ وشه كمان.. والله وجه اليوم اللي يترد لك فيه جزء من أعمالك." أردف ريان بحنق مصطنع: "خلاص، منك لله هي حدوته هي."
أومأوا له وحاولوا كبت ضحكاتهم التي اجتاحتهم مرة أخرى، ولكنهم لم يستطيعوا لينفجروا في الضحك وانضم لهم الذئب الذي لم يستطع ولأول مرة الحفاظ على جموده. "ها ياحوراء كلمتيه؟ كان هذا صوت إياد والذي كان جالسًا على نفس وضعيته يشاهدون شاشة التلفاز.
اقتربت منه حوراء ووجهها عبارة عن لون أحمر، ليحتضنها بذراعه الأيسر كما كان وأكملوا المشاهدة، وهي كان قلبها يقرع مثل الطبول، لا تستطيع التركيز في شيء سوى أنها وضعت نفسها في موقف محرج... محرج جدًا. في ذلك المكان الذي شهد على أول مقابلة.. نظرة.. حديث.. بينهم، ها هم الآن يلتقون.. ولكن!! ليس كـ غرباء.. أو كـ أصدقاء.. بل كـ شخصين مقدمان على الزواج.. على حياة كاملة سيمكثها هذان الاثنان مع بعضهما البعض وإلـي الأبــــد‼..
جالسان أمام بعضهما دون حديث سوى نظرات الأعين.. هو يحاول أن يعلم سبب تلك الحيرة التي بعينيها.. وهي تحاول أن تعلم هل سيكذب عليها أم لا. قاطع هذا الصمت سؤالها وهي تردف بتوجس: "بيجاد أنا عايزك تجاوبني بصراحة ومباشرة لو سمحت." بدون إدراك ارتسمت على محياه ابتسامة بسيطة مردفاً: "أكيد، كل ما بينا صدق في صدق متقلقيش." رمقته للحظات بشك ثم أردفت بهدوء: "أنت بتشتغل إيه؟ نظر لها للحظات ولكنه قرر مجارتها في الحديث
وهتف بنفس الابتسامة: "في شركة الذئب." أردفت بغضب وصوت مرتفع: "بيجاد أنا بتكلم بجد." صفع بيجاد الطاولة التي تفصل بينهم بيده بقوة حتى اهتزت مردفاً بصوت مرتفع: "صبا، وطّي صوتك." انتفض جسدها ونظرت له بغضب ليردف هو ببرود وثبات: "مالك فيه إيه؟ رجل أعمال هكون بشتغل إيه يعني، تاجر مخدرات؟ نظرت له بتصديق تقريبًا:
"ما أنا بصراحة مش مقتنعة إن رجال الأعمال بيبقى عندهم المقدرة لدخول البيوت وبمهارة أكيد مش مولودة بيها، أنت تصرفاتك كلها تدل على كل حاجة إلا رجل أعمال." عاد لبروده مرددًا: "تدل على إيه إن شاء الله." هزت كتفيها تقول بتخمين: "مجرم، حرامي.. قتال قتلة، كدا يعني." ابتسم بجانبية قائلاً بسخرية:
"ما شاء الله، هي سمعتي حلوة للدرجة دي، عمومًا عايزك تعرفي إن كل التصرفات اللي أنتِ بتشيري ليها دي أنا تدربت عليها فعلاً، وكذلك ريان وهشام، حبينا فكرة إننا نكون قادرين نحمي نفسنا بنفسنا، ندخل للمكان اللي عايزينه في أي وقت، حاجات بتنفعنا يعني." صمت قليلاً وهو يرى شرودها ليقول مغيرًا مجرى الحديث: "إيه رأيك ناخد اليوم فسحة بقى."
أومأت له لينهضا معًا وأصبحا يسيران وها يتحدثون بـأشياء عدة، وقد استطاع بمهارة أن يشوش أفكارها حول تلك النقطة. يفكر ماذا ستفعل عندما تعلم هويته الحقيقية، لكن هو فعل هذا لأجلها، فهو في المخابرات السرية ولن يستطيع إخبارها إلا عندما تصبح زوجته...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!