الفصل 14 | من 23 فصل

رواية الطبيب العاشق الفصل الرابع عشر 14 - بقلم منة جبريل

المشاهدات
23
كلمة
5,155
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 61%
حجم الخط: 18

"ليس بيدي أن أقسو عليكِ بالكلمات، كل الحروف تُحبك." _بلال راجح. إياد، أنا مش مرتاحة هنا، خلينا نرجع. فرح حوراء بعد يومين، ولأجلها إحنا لازم نستحمل، بس إنتي مصّرة؟ لا خلاص، هنفضل اليومين دول وربنا يعديهم على خير. تحدثت آية بتنهيدة، ليمسح إياد على رأسها، ثم نظر إلى شقيقته الأخرى الصامتة منذ فترة، ليسألها بهدوء: خير يا روبي؟ نظرت له أريب للحظات قبل أن تقول:

إياد، أنا بجد مش طايقة اللي اسمها سميرة دي، وكمان قليل الأدب أبو طويلة. ولو أي حد منهم اتجرأ عليا ولو بنظرة أو على إخواتي، متجيش تعاتبني في تصرفي. ابتسم إياد بحنان واقترب منها قائلًا برفق ويده تمسح على خصلاتها القصيرة: بالاحترام تحرجي وتخرسي أي حد، غضبك يشيلك الغلط ويخسرك الحق. وكمان لو حد اتجرأ عليكم بنظرة، أخوكي يحرق كبيرهم قبل صغيرهم، بس بشكل لائق. نظرت له باعتراض طفيف قائلة:

يا إياد، إنت بتعرف تتحكم في غضبك وبتعرف تفكر بأي طريقة وشكل لازم تتكلم، بس الناس مش كلها واحدة وأنا ليا طباعي اللي بتخليني أولع في اللي قدامي. أنا مش مجبرة أفكر في رد فعلي بينما التاني فعل بكل بجاحة ومن غير حساب لأي حاجة. قولتي اهو، بجح، فإنتِ باحترامك وتفكيرك هتترفعي إنك تنزلي لمستوى لا يليق بكِ. وكونك أنثى فأنتِ سلاحك في عقلك يا أميرتي، اعرفي إزاي تدخلي اللي قدامك في جحيم بكلمة وبشكل لائق.

غمزها في آخر حديثه مبتسمًا، لتبتسم أريب وارتمت عليه تعانقه قائلة: حاضر، هغير فكرة إني أحرقهم بالمعنى الحرفي إلى المجاز. قهقه إياد بمرح وداعب وجنتها، لتقول آية بتنهيدة مبتسمة: إنتوا مش معقولين بجد. تنتظر انتهائه من ارتداء ملابسه، تريد التحدث معه بما يعتمر صدرها، تنفست بقوة مستجمعة قوتها، نهضت بسرعة ما إن رأته لتجذب انتباهه، وغير وجهته من المرآة إليها، وقف أمامها مبتسمًا، مال نحوها مقبلًا وجنتها بدفء هامسًا:

فاتنتي، إيه اللي يشغل عقلها! نظرت له بتردد قائلة: ريان، أنا عايزة أتكلم معاك في حاجة. كلي لكِ وآذان صاغية. تنهدت بقوة ثم امسكت بكفه تتظر لها بتوتر، تخشى غضبه ولكن عليها أن تخبره بما تشعر به وتراه صحيحًا، بالأخير هو زوجها وبإمكانها التحدث معه بأي شيء وقتما تشاء. إنتِ يعني... إنت غلطان في شيء. نظرت له لتراه يطالعها بهدوء، شعرت أنه فهم مقصدها ولكنه يلتزم الصمت ليسمع ما بقي في داخلها، وفعلت حيث أكملت: يعني...

مهما كان هي ست كبيرة، وبعيدًا عن أنها ست وكدا، إنك ترفع سلاح على فرد من عيلتك حتى لو مش بتحبه تصرف غلط. كلامك مع عمك وإن كان حقيقة مينفعش، وإن اضطر الأمر فـ فيه أسلوب مختلف عن الطريقة اللي إنت قلتله بيها، أقل شيء احترامًا لمكانته وقرابته يكون الحديث بينك وبينه. همهم ريان ومسح على وجنتها قائلًا بهدوء ونبرة مخيفة: متشغليش عقلك في الموضوع ده.

ضاقت عيناها بعدم رضا على رد فعله، هو لا يأخذ حديثها على محمل الجد، لتبتعد عنه خطوة إلى الخلف قائلة باعتراض شديد: لا يا ريان، إنت لازم تعترف إنك غلطت وكمان المفروض تعتذر لعمك لو مش على كلامك وهتقول دي الحقيقة، فعلشان قلة الذوق اللي اتكلمت بيها وإنه قدام الكل.

ريان، إنت لا مفرّق معاك حد، حتى صاحبك اللي أكيد ناله شيء من كلامك مع مامته ووالده. أنانيتك أذت صاحبك، حتى إنت مشوفتش نظرتُه إنت وبتتكلم مع والده بالشكل ده وقدام الكل. إنت عريته هو وأحرجته قدامي وقدام العيلة كلها حتى لو مش باين كدا. أيوا الحقيقة مهما كانت مُرة لازم نستوعبها، بس الاختلاف دايمًا واللي بيحدد مصيرك في إنك تتقبلها أو لا... الأسلوب. وصل الغضب إلى أقصاه ليصرخ بها بغضب أجفلها:

الحقيقة مهما كانت مُرة بتفضل حقيقة ولازم نستوعبها... كلام جميل، أنا بقى عرفته الحقيقة وهو لازم يستوعبها. وأي كلمة زيادة في القرف ده هتندمي عليه. أورقها بغضب حارق، حجمه ما إن رأى خوفها، ليتحرك بعنف خارج الغرفة بأكملها ولم يهتم كونه لم يرتب خصلاته بعد، والتي زادت ثورتها بسبب حركة يده المفرطة عليها. رآه هشام وهو ينطلق خارج المنزل بقوة، ليسرع إلى بيجاد يجذبه من ثيابه ليلحقا بصدقه الذي يبدو في حالة... مريبة. ماله أبيه؟

سألت كيان برعب وحزن، ليتحدث أيهم ببرود: تعالي اقعدي، ومتقلقيش، اللي زيه مبيحصلوش حاجة. نظرت له كيان وجلست جواره، قائلة بصوت مختنق: هو حتى مش بص عليا أو كلمني. نظر لها أيهم بطرف عينه وإلى دموعها التي تجمعت داخل مقلتيها الزرقاء، لتتسع عيناه بقوة وتصنم جسده منتفضًا تحت لمستها، انحدرت عيناه ببطء نحوها وهي تعانقه مجهشة في البكاء. تردد في رفع ذراعه، ليزفر بقوة وبتردد شديد على يربت على خصلاتها وكأنه يخشى لمسها.

وعلى الدرج، رآهما ليبتسم بخفة مفكرًا في أمر ما، ما كان ليفكر فيه قبل رؤيته لحنان يتوارى بخجل خلف جدار الصرامة. دخل هشام إلى فيلته والتي أتى لها ريان قبلهما، نظر إلى بيجاد ليراه يبتسم ببلاهة ليقول حانقًا: إيه القرف اللي على خلقتك ده؟ لي بتبتسم كدا؟ صِبا كلمتني النهاردة، الـ... اخرس، مش عايز أعرف الباقي، خلينا نشوف الغبي التاني بيعمل إيه في أوضة التدريب بتاعتي، هفضل أراعي ليكم لحد إمتى؟

سمع هشام وبيجاد صوت تحطم من الغرفة الخاصة بالتدريب والتي بها أجهزة جعلت أعين هشام تتسع شاقًا وهو يركض نحو صديقه لينقذ غرفته من الدمار. كاد هشام أن يذهب نحوه وهو يراه يلكم كيس الملاكمة بقسوة وبعض الآلات تحطمت، ليوقفه ذراع بيجاد الذي همس بهدوء: يطلع غضبه في الآلات أحسن ما يكون علينا، صدقني.

نظر له هشام قلقًا، ليس على آلاته حتمًا بل على صديقه الذي يبدو في حالة ثوران مفاجئة. فكر كثيرًا قبل أن يترك هشام متحركًا إلى الخارج وتبعه بيجاد تاركين صديقهما يفرغ غضبه في أشياء لن تشعر بألم إن حطمها. وفي المساء، سأل إياد على شقيقته التي لم يرها منذ الصباح، لتقول كيان: مش شوفتها من الصبح، وأبيه كمان خرج ومرجعش لحد دلوقتي بس مش كانت معاه. انتفض جسد إياد قائلًا: إزاي يعني مكانتش معاه؟ أختي فين؟ تحدث عامر بهدوء:

اهدَ يا ابني، هتلاقيها في أوضته. نظر لهم إياد للحظات قبل أن ينطلق بسرعة إلى الأعلى ليرى شقيقته، لينهض غيث ولحق به. بينما هي في غرفتها جالسة تبكي منذ رحيله، وعقلها يكون في صفه للحظات ثم يثور غضبًا بأنه مخطئ حتى في صراخه عليها، لم تحب أن يصرخ بها زوجها لأي سبب. سمعت صوت خطوات قوية تقطع الطريق مقتربة من غرفتها، لتجف دموعها لا إراديًا وظنت أنه عاد وأخيرًا. جففت وجنتيها المحمرة قبل أن ينتفض جسدها على أثر طرقات

قبل أن يأتيها صوت مأمنها: حوراء، إنتِ جوا؟ نهضت وما كادت ترد عليه حتى سمعت صوت آخر يسأل: مدام حوراء، إنتِ موجودة؟ وقفت خلف الباب قائلة بصوت بدا طبيعيًا لغيث، ومان مفزعًا لإياد والأكثر أنها لم تفتح الباب رغم سماعها لصوته: أيوا، في حاجة؟ نظر غيث إلى إياد الذي طلب منه بهدوء أن يتركهما، ليهز غيث رأسه مغادرًا وأتى ليطمئن فقط. اقترب إياد من الباب قائلًا بحنان: افتحي الباب يا حوريه.

تنهدت حوراء بقوة وفتحت الباب ببطء، وما كادت تتحدث حتى وجدت جسدها يسحب بقوة داخل بين ذراعيه يحتضنها بقلق هامسًا: الحمدلله إنك بخير، قلقت عليكِ، مخرجتش لي من الصبح، إنتِ تعبانة؟ أجابته بصوت هادئ، بالتأكيد لن تعلم أحد عن خلاف بينها وبين زوجها، وإن كان أحدهم ذاك هو أخيها: أنا بخير بس كنت نايمة. متأكدة؟ من صوته علمت أنه لا يصدقها، يعلم أنها كانت تبكي وعيناها ذابلة مرهقة، لتهز رأسها قائلة برجاء: إياد، أنا بخير... لو سمحت.

زفر إياد بقوة وقبل جبينها قائلًا بحنان: وأنا مش عايز غير إنك تكوني بخير، أنا جنبك دايمًا. ابتسمت له، لتقول بهدوء: خلينا ننزل. نظر لها قليلًا قبل أن يمسك بكفها ونزلا معًا، ليسنعت صوت غيث وهو يردد: تليفونه كمان مغلق، الثلاثة لما بيجتمعوا محدش بيعرف مكانهم. ريان؟ سألت حوراء بقلق، لتنهض كيان تسألها بسرعة: حوراء، تعرفي أبيه فين؟ رمقتها حوراء بقلق وقبل أن تتحدث سمعوا صوتًا يردد بجدية: إنتِ لازم تاجي معايا دلوقتي.

نظروا إلى ذلك الجسد المندفع بسرعة إلى حوراء، سحبها إياد لتقف خلفه ينظر إلى هشام وهيئته المريبة، ليقول حسين بقلق: هشام، في إيه وفين ريان وبيجاد؟ صاح هشام بأنفاس لاهثة، يبدو أنه كان مسرعًا للوصول إلى هنا: مش وقته، حوراء إنتِ لازم تاجي معايا، ريان محتاجك. كانت انتفض جسدها ما إن سمعت ما قال، ليتحدث إياد بحدة: إنت عايزني أسيبها تخرج معاك، إنت اتجننت؟ إياد... هو قال ريان و...

إياد، صدقني معنديش وقت أقنعك فيه، بس هي أختي وزوجة صاحبي، وحاليًا معنديش وقت أشرح أكتر من كدا، يلا بسرعة هنتأخر. أشار لها بالتحرك، لتهز رأسها بسرعة وما كادت تتبعه حتى شعرت بيد أخيها تقبض على يدها. نظرت له قائلة برجاء: إياد أرجوك، أنا هبقى كويسة أوعدك. زفر إياد بقوة وترك يدها لتتحرك بسرعة إلى الخارج برفقة هشام الذي فتح لها باب سيارته، ثم احتل مقعد القيادة مغادرًا بسرعة كبيرة.

وجدته بعد وقت يتوقف أمام الفيلا التي أتت برفقة أيهم إليها، ترجلت من السيارة وتبعت هشام إلى الداخل بسرعة والآخر كل فترة ينظر خلفه لها يتأكد من أنها لا زالت خلفه، عقلها أصبحت أفكاره سوداوية، تتوقع حدوث الأسوأ وعلى وحيب قلبها برعب.

اتسعت عيناها وهي تسمع صوت تحطم قوي وصراخ لم يتوقف منذ ساعات، ركض هشام بقوة إلى الغرفة وركضت خلفه، وقفت عند الباب تنظر بأعين شاخصة إلى بيجاد يتلقى لكمة قوية من ريان، ليتدخل هشام يدفع ريان بقوة إلى الخلف والآخر وكأن الغضب تحكم بعقله. كادت تتحرك ليصرخ بها بيجاد بطريقة أفزعتها: خليكِ عندك. عايزة أقعد معاه لوحدي، لو سمحت. ونظر لها هشام ومنع بيجاد من الاعتراض وهو يسحبه إلى الخارج معه، يرمقها بنظرة لم تفهمها حوراء

بينما سمعت همس بيجاد: خ بالك، متقربيش منه أوي. أومأت له بصمت وانتظرت ابتعادهما تمامًا، ثم نظرت إلى ذلك الثائر المخيف، ضربت تحذير بيجاد عرض الحائط واقتربت منه بخطى مترددة هامسة: ريان... مـ..ممكن تهدى وتسمعني، علشان خاطري كفاية. صرخت برعب ما إن رأت يده مجروحة تنزف، ليتصلب جسده يستائل عن سبب صراخها الذي اقتحم ظلمات عقله، نظر لها بأعين مظلمة مرعبة، وخصلاته التي تدلت على جبينه تكاد تخفي عيناه ليبدو مظهره أكثر... وسامة!!

بالنسبة لها كان وحشًا تخشى ظهوره في ليلة من أسفل فراشها. اعتدل ريان في وقفته لتظهر ضخامة جسده لترتد هي إلى الخلف خطوتين فهي الآن أشبه بأحمق يقف أمام تنين نافث للنار بسيف من خشب. هيأته المرعبة وجسده الضخم وتلك اللمعة التي بعيناه! لم تكن لمعة عاشقة حنونة كما اعتادت رؤيتها عند النظر لها، بل نظرة مليئة بالسواد والغضب بشكل لا تستوعبه. اقترب منها خطوة هامسًا بصوت أسر القشعريرة بجسدها: أنا أناني، مش بهتم بمشاعر بيجاد!

نظرت له بأعين واسعة، لم تتوقع أن تكون حالته هذه بسبب كلماتها، لينتفض جسدها برعب حين صرخ بها: أنا أنــــــانـــي وعديم ذوق، أنا حقير ووغد مهتميتش بصاحبي. كل هذا الغضب كان بسبب كلامها... كان كل تفكيره أنها تراه أناني ولا يهتم بمشاعر صديقه... صديقه الذي لا يتردد لحظة في التضحية بنفسه لأجله، هو لا يزعجه أنها لقبته بالأناني بل ما يزعجه أنها وصفته بشخص حقير لا يهتم بمشاعر أصدقائه.

اصطدم ظهرها بالحائط وأصبح صدرها يعلو ويهبط بقوة وهى تنظر له برعب لتنكمش على نفسها عندما أصبح أمامها مباشرة ووجهه أمام وجهها وهو يصرخ بغضب: إنتِ تعرفي عني إيه علشان تقولي أناني، ولما أنا أبقى أناني إنتِ إيه، ها؟ كل يوم وساعة ولحظة بحاول أقرب منك، أخليكِ تحبيني وأسعدك بأي شكل...

بحاول أحميكِ من نفسك قبل اللي حواليكِ، وفي الآخر أبقى أناني لإني بدافع عنك، عن مراتي وحبيبتي قدام واحدة نسيت نفسها وأذتها بكلام، إني أخليها متتعرضش ليكِ تاني أبقى أناني، لما عرفتها قيمتها وخليت جوزها يعرف انعدام رجولته علشان يراعي لأفعاله ويمنع القرف ده أبقى أناني، بيجاد... أنا مش بهتم بمشاعر صديقي!؟ إنتِ تعرفي عني أو عن اللي مريت بيه أنا مع بيجاد وهشام إيه علشان تقولي عني أناني؟

صرخ بغضب حتى نفرت أوردته، ضاربًا بقبضته الحائط بجانب رأسها، لينكمش جسدها وجلست أرضًا تضم قدميها إليها برعب، ودمعة! … دمعة غريبة هبطت من عيناها تبعها دموع كثيفة، مرت يدها على وجنتها تنظر إلى الماء الذي على أناملها بصدمة، كيف؟ ... هل أصبحت؟ …... تصنم جسده وبدأ تنفسه يتسارع وهو يرى دموعها، هل أصبحت تشعر بالأمان معه حتى تبكي أمامه بعد ان أخبرته أنها أمام أخيها ومع ربها فقط تستطيع ذلك؟!

هل شعوره بالفرحة الآن طبيعي، أن يفرح لبكاء من يحبها وزوجته هل هذا يدل عن عدم استقراره نفسيًا! انحنى أمامها ومد يده يمسح دموعها بصمت وهي ترمقه بحزن وتخوف منه، كان يصرخ بها والآن يطالعها بنظرات لم تفهمها، ابتسامة جانبية شقت وجهه قائلًا بصوت هادئ بدا غريبًا بعد كل ذلك الصراخ والنبرة المخيفة: حوراء، إنتِ بـ....

نهضت حوراء فورًا قبل أن يكمل حديثه لتمسح دموعها بقوة واتجهت ناحية الباب وما إن فتحته حتى جفت دموعها من عينيها وركضت إلى الخارج ليظل ريان ينظر إلى أثرها بحزن، فها هي قد شعرت معه بالأمان وكان هو من يتسبب في هبوط دموعها تلك... لم ينكر أنه وفي جزء عميق بداخله شعر بالسعادة، تغمره لأن عيناها ذرفت دليل راحتها معه! ركضت إلى الخارج ليراها بيجاد وهشام اللذين كانا يقفان أمام باب الفيلا من الخارج، وقفت حوراء أمام

هشام واردفت بصوت هادئ: عايزة أمشي من هنا، بعد إذنك. أومأ لها هشام وهو ينظر لها ليستمعوا إلى صوت صديقهم وهو يتقدم باتجاههم سريعًا: حــوراء.... لم تنظر له حوراء بل اردفت سريعا موجهة حديثها إلى هشام: هتروحني ولا أروح لوحدي. رفعت حوراء نظرها إلى هشام لتراه ينظر خلفها لتعلم أنه ينظر إلى ريان لتتخطاه وتخرج من الفيلا بسرعة... لحق بها ريان وأردف وهو يقترب من هشام: هاخد الفيلا الليلة دي، ارجع مشوفش وشكم.

ثم لحق بها سريعًا تحت نظرات هشام المستنكرة وحديث بيجاد الضاحك: شوف اتغير إزاي! دا اللي همك؟ مش أنه طردني من فيلتي! يا إتش ما إنت كتير طردتنا من أوضتك، إيه الفرق يعني؟ تشنج وجه هشام وكاد يصاب بأزمة قلبية منهما، ليزفر بقوة متحركًا لسيارته مرددًا: يا ولي الصابرين يا رب. لحق به بيجاد سريعًا مرددًا: يعني هتبات معايا الليلة دي. لا، هنام في العربية. لا أبدًا، لو عايز افضيلك دولابي مش هقولك لأ، معايا كام هشام أنا!

تشدق هشام ساخرًا وهو ينطلق بالسيارة بعيدًا: فيك الخير. بينما تسير بسرعة لتهرب منه أو لتبتعد عنه، تشعر بالرعب من بكائها أمامه، تحتاج الآن أن تختبئ داخل ذراعي أخيها و... شهقت ما إن شعرت بأذرع تلتف حول خصرها تجذبها إلى الخلف، بل وترفعها بكل خفة وكأنها لا تزن شيئًا إلى الأعلى، حركت قدماها بالهواء وهي تشعر به يعود إلى الخلف صارخة: ريان سيبني، هصوت وأقول إنك خاطفني، سيبني حالًا.

وكأنها تحادث أصم، وهي تبدو البلهاء تحرك قدميها في الهواء والآخر يسير بها لداخل الفيلا وكأنه يستعد لجريمة ما، بعد أن خطف ضحيته التي تبدو كسمكة تغرق خارج الماء! تحرك نحو غرفة وأغلق الباب بقدمه ثم أنزلها لتندفع بسرعة بعيدًا عنه وتحركت نحو الباب لتخرج، ليمنعها وهو يعيدها لتقف أمامه لتصرخ به: إنت إيه؟ بقولك سيبني، إيه المعاملة دي؟ إنت هتجبرني أقعد معاك ولا إيه؟

كبلها ريان وضمها إلى صدره بقوة، حاولت دفعه ولكن وكأنها تحاول زحزحة جدار من مكانه، تعبت وتهدلت أكتفاها، لترفع الراية البيضاء وأحاطت رقبته بذراعيها تخبئ وجهها به، بدأت دموعها بالهبوط وصوت شهقاتها يعلو تدريجيًا ... زاد من احتضانه لها متنهدًا بقوة ويده تمسح على رأسها برفق. بعد وقت أفاضت به دموعها على صدره، أبعدها برفق عنه ورفع وجهها ماسحًا دموعها بأنامله، زفر بقوة ومال عليها طابعًا قبلات متفرقة حنونة على وجهها

ثم همس أمام وجهها بحنان: وإن كنت فرحان بشعورك بالأمان معايا، ألا إن دموعك جمر على روحي، أنا مستاهلش دموعك ولا إنك تحزني قلبك علشاني، أو علشان أي حد، ليحترق العالم ولا تبكي عيناكِ فاتنتي. رمقته بأعين باكية حزينة، تشعر بالندم لما تفوهت به وكان كل غضبه بسببها، لتردد بصوت خافت: أنا آسفة، مكنتش أقصد إنك أناني... أنا بس كنت... قاطعها قائلًا بحنان: أنا اللي مكنتش أقصد أخوفك مني، أنا…

صمت محاولًا بصق كلمة كوزن الحديد على لسانه ونفسه، أن يعتذر كان كمثل أن يركع أمام أحدهم ذليلًا، زفر بقوة وقال متخطيًا الأمر: شخص غير متفاهم وقت غضبي، فالأفضل تتجنبيني في الوقت ده. وحوراء التي لاحظت تراجعه في اعتذار شعرت به، ابتعدت عنه عاقدة ذراعيها، قائلة بتشنج: مش قادر تقولها يا دكتور؟ نظر لها ريان بعدم فهم لللحظات قبل أن تعلو قهقهته وهو يجذبها إليه، يعانقها بحب قائلًا: أنا أضعف منك يا قلب الدكتور.

لقد نسيت بكائها وحزنها وعلقت على عدم اعتذاره، لتقول بسخرية وهي ترتاح على صدره: مغرور. قهقه ريان بقوة، قلبه ينتفض بحب بداخله لها: بيحبك. ابتسمت بخجل ولم تتحدث، تخجل أن تعترف له كما يفعلها هو ببساطة، لتحمحم بقوة قائلة: يلا نمشي، إياد هـ... هنفضل هنا الليلة. نظرت له بعدم فهم، هذا منزل صديقه، ليقول ريان بهدوء وهو يخرج هاتفه: هكلم أخوكِ، هشام هيفضل مع بيجاد، أي سؤال تاني؟

ابتسمت بخفة ونفت برأسها، قبل أن تقع عينها على جروح قبضته، لتنمحي بسمتها قائلة: ريان، إيدك مجروحة، في علبة إسعافات أولية هنا! مش مهم، جرح بسيط. بس... أرسل رسالة إلى اخيها وتحدث وهو يلقي الهاتف على الفراش، وتحرك نحو المرحاض مرددًا: هاخد حمام منعش كدا وأنتِ بعد إذنك حضريلنا أكل يا حرمي المصون. أعمل إيه؟ وقف مكانه والتفت لها ويده معلقة في الهواء وهو من كان يباشر في خلع تيشيرته، عقد حاجبيه قائلًا:

لو مش عايزة خلاص، إنتِ مش مجبرة. اتسعت عيناها وهزت رأسها سريعًا قائلة، هي لا تعترض على الطهو لزوجها ولكن... لا مش كدا، هروح أشوف هحضر إيه. تحركت بسرعة لخارج الغرفة وعقلها توقف عن العمل، هي حتى لم تدخل مطبخ في حياتها إلّا في الثامنة من عمرها وكان لأجل أن تخبر والدتها ما تشتهيه، ومن بعد والدتها كان أخاها يقوم بهذا الدور ولم يسبق له أن سمح لأريب بمساعدته حتى.

كبت ريان ضحكته وهو يحيط علمًا بعدم إجادتها للطهو ولكن، هل يحلو الزواج بغير مكر؟ بحثت عن المطبخ حتى وجدته، حسنًا، كانت هذه أسهل خطوة وهي إيجاده، والآن ماذا؟ تنهدت بقوة وتحركت باتجاه الثلاجة وتفتحها بهدوء لتجد بها أنواع الخضراوات لتزفر بضيق من نفسها وهي تغلق الثلاجة مجددًا بيأس، لتبدأ بالدوران حول نفسها وهي تنظر إلى كل جزء من المطبخ وكأنها تنتظر منه أن يخبرها كيف تطهو!

توقفت عيناها على طبق فاكهة لتشعر بجوعها وهي من لم تتناول شيئًا من الصباح، لتتحرك نحوه وأخذت فاكهة منها تغسلها وباشرت في قضمها وهي تنظر حولها متنهدة كثيرًا. لا فائدة، لذا لن أتعب نفسي وأحاول حتى! كان قد انتهى من حمامه وارتدى قميص أبيض يتركه حرًا على جذعه، خرج من الغرفة غير مهتمًا بتجفيف خصلاته، اتجه إلى المطبخ ليبتسم وهو يراها تتناول فاكهة وتنظر حولها بيأس. اقترب منها قائلًا بخبث: معقولة جهزتي الأكل بالسرعة دي؟

نظرت له بسرعة وبأعين متسعة، توقف الطعام بحلقها لتسعل بقوة، اقترب يناولها كوب ماء ضاحكًا: براحة. ارتشفت القليل ثم نظرت له بخجل مرددة: في الحقيقة أنا... مش بتعرفي تطبخي؟ نظرت له بخجل وأومأت له بتردد، ليبتسم بمكر قائلًا: عارف. رفعت حاجبها بغيظ منه: والله!؟ طيب اتصرف لإني مش أكلت من الصبح و... نظر لها سريعًا ومال نحوها بشكل مفاجئ يشير إلى أذنه قائلًا: إيه؟ قولي تاني مسمعتش. رمشت بعيناها عدة مرات واقتربت من أذنه هامسة:

مأكلتش من الصبح، جعــــــانة. ابتعد بسرعة عنها ما إن صرخت في أذنه فجأة ونظر لها بحدة قبل أن تلين وهو يستمع إلى سمفونية جميلة تخرج منها وهي تغمض عيناها، مقهقهة بقوة، تنهد مبتسمًا وخرج من المطبخ قائلًا وهو يسحبها خلفه إلى الغرفة: إذا كان كدا، خليكِ هنا متخرجيش وأنا هطلب لنا أكل، على الله أشوف ضلك برا الأوضة. عقدت حاجبيها وهي تتابعه يأخذ هاتفه ويخرج من الغرفة، ما شأن بقائها هنا بطلب الطعام؟

أما ريان فكان غير راضٍ أن يرى رجلاً يطلب زوجته، بل أي رجل في العالم، ولكنه مجبر على جعلها تجلس مع عائلته وأخيها... لا بأس ريان، سيأتي يوم ويموتون جميعًا وستحيا أنت بها ومعها بعيدًا عن كل ذكور العالم. تجلس داخل حديقة المنزل تستمتع بالنظر للسماء ليلاً، قبل أن تجفل على صوت خلفها، لتنهض بسرعة تنظر إلى عينين كاللهب تنظر لها في الظلام، ابتسمت بتوتر قائلة بهدوء: أيهم... أهلًا، أنا آسفة لو وجودي هنا زعجك و...

نظر لها أيهم بتعجب، ما الذي تتفوه به هذه الفتاة، تبدو مختلفة عن جميع أخوتها، أو أقرب إلى زوجة ذلك الوغد، ابتسم بسخرية مرددًا: ولو زعجني، هتمشي؟ بهتت من وقاحته ولكنها أومأت برأسها وكادت تتحدث لتجفل على صوت رجولي خلفها، قريب منها: في داهية يا حبيب أمك.

احتدمت عينا أيهم ورفع بصره يوجهه خلفها، راقبه بحقد ليس موجهًا له لشخصه سوى كونه صديقًا لمن يبغضه، لطالما كان هشام ثقيلاً في تواجده عليه، رجل وقح يعطي نفسه حقوقًا ويتبجح بها… وآية التي بالمنتصف، كانت تشعر بقرب هشام منها، لتتقدم خطوة لتبتعد من بينهما، كان موقفها حرجًا وهي بينهما كعصفور بين صقرين، لتسخر الطبيعة منها وهي تشعر باختلال توازنها لتطلق صرخة أجفلت هشام الذي اقترب ليمسكها ليشعر بدفعة قوية في صدره أردته إلى الخلف خطوات.

تمنت عيناه وظن أن فاعلها أيهم، ولكن رآه واقفًا أمامه وقبضتيه داخل جيبي بنطاله، ليعقد حاجبيه متسائلاً عمن دفعه بتلك الطريقة، نظر إليها ليراها تتوسط صدر أخيها والذي ظهر بشكل مفاجئ وغريب، وكأنه كان داخل الأرض وانبعث منها ليمنع سقوطها! ساعدها في استعادة توازنها قائلًا بقلق: إنتِ بخير؟ رجلك كويسة؟ كان قلقًا أن تصاب بأذى فيعيد لها ما تخلصت منه منذ قليل، لتردد آية بأنفاس متسارعة تشكر أخيها لمنعه حرجًا شديدًا كان سيقتلها

إن سقطت أمامهما كالبلهاء: أنا كويسة. نظر إياد إلى هشام مرددًا بهدوء: شكرًا، بس أنا هنا. مش هقتل نفسي على لمسها، كان رد فعل مش أكتر. عارف، وقولنا شكرًا على رد فعلك اللي يستحسن تتحكم فيه في محيط أخواتك.

تشدق إياد بنبرة رغم هدوئها إلا أن بها شيء من الحدة، رؤيته لشقيقته بين هذين، واقتراب الآخر من ظهرها وهي كالقط المبلل بينهما أشعل نيران غضبه، لينطلق بسرعة نحوهما ليجد شقيقته تبادر في الابتعاد ولكن خذلتها قدماها ليحمد الله على قربه منها ليدفع الآخر عنها وهو يراه وكأنه يتهيأ الفرصة ليقترب منها، وإلا لما كان قريبًا منها بذلك الشكل!

وأيهم الذي لم يعِ اقترابه الشديد منها، لم يفهم نظرات أو تفكير إياد، كان الأمر بالنسبة له أكثر تعقيدًا وأن إياد لديه عقدة من شيء ما ليحيط إخوته الفتيات بهذه الطريقة الشديدة! وأيهم... كان ينتظر سقوطها ليضحك، ولكن إياد كان مخربًا له ولمتعته ليزفر بملل راحلاً عن محيطهم. قلب هشام عيناه ونظر إلى آية مرددًا: إنتِ كويسة؟

وإن كان سؤاله ليحرجها فقد نجح، أنها كادت أن تسقط أمامه يشعرها بخجل شديد، لتهز رأسها بخفة واحتقان وجهها بالدماء جذب انتباهه، راقبها وهي ترحل مع أخيها ليبتسم بخفة ثم تنهد وهو ينظر إلى السماء شاردًا. القدر يسخر منا دائمًا، ويغلف سخريته في علبة مزينة، عليها " حياتك تتحول إلى الأحسن". والسَّلام. مِـنَّــــــة جِبريـل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...