الفصل 13 | من 23 فصل

رواية الطبيب العاشق الفصل الثالث عشر 13 - بقلم منة جبريل

المشاهدات
24
كلمة
4,404
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

شهق الجميع وتوسعت أعينهم ونهضوا من مقاعدهم سوى ذلك الذي يجلس ببرود ويطالعهم بعدم مبالاة. هتف مصطفى بغضب: _أنت إزاي ترفع السلاح على مرات عمك؟ ولم ينظر له ريان بل كان ينظر إلى تلك التي شحب وجهها وأصبحت كالأموات وهي تراه يوجه السلاح نحوها. أصبح صدرها يعلو ويهبط بسرعة رهيبة، تطالعه بأعين شاخصة وعقل شُل عن التفكير. اردفت حوراء بتلعثم وصدمة من ما يحدث: _ريان أنت بتعمل إيه... أنت مستحيل تعمل كده.

لم ينظر لها أيضًا وموجة غضبه تسيطر عليه. وضع اصبعه على الزناد مستعدًا لإطلاق النار والجميع حوله يحاولون إيقافه، عدا بيجاد التي من المفترض أنها والدته، وإياد الذي جذب شقيقتيه خلفه واقترب ببطء. صنم الجميع، وازدادت نبضات قلبهم، تسارعت وتيرة انفاسهم، تزامنًا مع صرخة من الفتيات عندما سمعوا صوت إطلاق النار. أمال بيجاد رأسه ليرى ما حدث بسبب التجمع الذي أمامه. وجد إياد أمسك بيده رافعًا له لأعلى مخطئًا الهدف.

نجحت سميرة في جعله يبغضها لأبعد حد، بل وينسى أنها أمه. نظر ريان بأعين قاتمة إلى إياد الذي منعه من إصابتها بشكل ما. إياد يرمقه بحاجبين معقودين ونظرات حادة، قبل أن يسحب السلاح من يده قائلًا بصوت جهوري حاد: _وربي لو تكرر اللي عملته ده بدون وجه حق، أختي مش هتشوف ضلها، بينك وبين مرات عمك مشكلة تتكلم فيها بعقل وتحلها وبلاش شغل إنك تستقوى على مرأة، عيب عليك. أخذ ريان سلاحه منه قائلًا ببرود:

_متدخلش في اللي لا يعنيك يا إياد، نقاشي أنا اللي أحدد يكون إزاي ومع مين، وبالنسبة لزوجتي فخلاص، أنك تفكر تبعدها عني ده في أحلامك ومش هتنجح. ثم نظر إلى التي شحب وجهها وقال بنبرة تحذيرية مخيفة: _ربما تكوني نفدتي المرة دي، بس لحد امتى يا سميرة، أنا متأكد إن نهايتك هتكون بائسة لأبعد حد. _ريان احترم نفسك. صاح بها مصطفى بحدة وانتفض جسده بغضب، ليقول ريان بنبرة جامدة: _لما تعرف تسيطر على مراتك تعالى اتكلم معايا يا... عمي.

_ريـــان...... هتف بها مصطفى وهو يرفع يده ليصفع ريان، وقبل أن تصل له يده أمسكها ريان بقبضة قوية وتجهمت ملامحه بشكل مرعب، خرج صوته وكأنه من بقعة داخل الجحيم انعكس في عينيه: _كان ممكن أقطع لك إيدك اللي فكرت إنك ممكن ترفعها عليا ومكنش هيفرق معايا أنت مين بس هعديهالك علشان عارف إن الحقيقة صعبة عليك... وهكملك كلامي... _الحقيقة إنك فاقد سيطرتك على مراتك وهي اللي ممشياك يا ابن الكيلاني.

أنا هقولك، هي أهملته وكانت بتعذبه لو بكى علشان جعان أو عايز حاجة، هي رمته لمرات عمه علشان تربيه بينما هي تستمتع بالفلوس اللي اتجوزتك علشانها. أنا هقولك، هي اهملته وكانت بتعذبه لو بكى علشان جعان أو عايز حاجة، هي رمته لمرات عمه علشان تربيه بينما هي تستمتع بالفلوس اللي اتجوزتك علشانها، وكانت تعمل ده في العلن، تقدر تقولي أنت كنت بتعمل إيه؟

كنت يا دوب بتروح تقول لابنك معلش أمك واستحملها، أنت كنت مستوعب إنك بتقول لطفل استحمل عذاب أمك لأنها مهما كانت أمك حتى لو موتتك عادي هي أمك، لا استنى أنت مسكتش على ده بس..!! اقترب ريان منه قائلًا بفحيح: _أنت سكت على صوتها لما كانت ترفعه على أبوك وتيجي أنت بعد ما تمشي تعتذر لأبوك علشان مش تشوفك وأنت بتعتذر له وتبهدلك، دي رجولتك؟؟ ... أنت عارف سبب بُعد ابنك عنك السنين دي كلها بسبب مين؟

بسبب مراتك اللي هرجع وأقول المفروض تكون أمه، عملت إيه هي لما عرفت إنه اشتغل وبقى ضابط في المخابرات المصرية؟ أول مهمة ليه استنى فيها دعوة حلوة توفقه، رغم كل اللي عملته واللي شافه منها بس استنى منها دعوة، فاكر هي دعتله بإيه؟ أنا هفكرك، قالتله روح إن شاء الله تكون أول وآخر مهمة ليك، أنت عملت إيه وقتها، قلتله جملتك الوضيعة كالعادة واللي هو حفظها من صغره، معلش دي مهما كان والدتك وروح ربنا معاك، ده اللي قدرت عليه يا راجل؟

أبوك وإخواتك الاتنين وابنك دول كلهم سكتوا على تصرفات مراتك البجحة واستحملوا عدم رجولتك خوفًا على زعلك وأنت سويت فيها لحد ما رجوليتك انعدمت خالص، عرفت حقيقتك دلوقتي يا مصطفى؟ فلما تيجي مراتك تجرح مراتى بكلامها، وبعد ما رجعت من غربة طالت سنين هي اتجرت ووجهت كلام لمراتي وفاكرة إنه كالعادة هيتسكت ليها خوفًا على زعلك، بس اللي نسيته أنها مراتي... مراتي أنا، سيدتها وسيدة البيت ده كله.

أنت إزاي طايق نفسك أو قادر تبص في المراية ومراتك هي اللي ممشياك على مزاجها؟

بس استنى هقولك على حاجة كمان، بمزاجي مراتك لسه واقفة على رجلها، لأ إياد ولا غيره كان هيقدر يغير مجرى الرصاصة اللي أنا عايزها بس علشان أريح ضميري خالص هديها فرصة أخيرة، فرصة تعرف فيها تتعامل إزاي مع أسيادها، وكمان علشان الموت هيريحها وأنا لسه مشواري معاها طويل، لسه في حاجات كتير لازم تندم عليها، ودلوقتي يا مصطفى، وبعد ما عرفت حقيقة نفسك طايق تعيش تاني؟ بس ولا يهمك أنا هسهلها عليك… ثم مد يده بسلاحه مكملًا ببرود:

_ريح نفسك بدل ما تعيش عمرك كله وأنت عديم الرجولة. وجد ريان من يزيح كف يده بقوة أدى إلى سقوط السلاح من يده، نظر له ريان وجده والده عامر وهو يقول بغضب: _مهما حصل وهيحصل يا ريان، كبير العيلة له احترامه، وعمك تحترمه برضاك أو غصب عنك، هتفضل تبجح بالطريقة دي فأنت غير مرحب بيك بالمرة هنا، ارجع لقصرك وشغلك زي ما كنت، بس أنك تستغل شوقنا ومحبتنا ليك في التصرفات دي فلا، أنا لا يمكن أسمح إن ابني يكون كده. أردف ريان

ببرود وهو ينظر إلى مصطفى: _شايف؟ لحد دلوقتي خايفين عليك من حقيقتك وحقيقة مراتك. كان يقف بلا حراك وعينه مثبتة على نقطة وهمية وكلام ريان ينزل عليه مثل الخناجر التي تنغرس في قلبه بكل برود لأنها وببساطة الحقيقة، نعم كان يفعل كل هذا ومن أجل من؟ من أجل تلك المرأة التي أحبها... أهمل ابنه ولم يسأل عنه طيلة السنوات التي غابها عنهم وهذا من أجلها... صمت على إهانة زوجته لوالده وهذا من أجلها...

صمت على كلامها الجارح التي وجهته إلى تلك الفتاة البريئة الطيبة وهذا من أجلها أيضًا، كان كله لأجلها…. عاد ريان ببصره إلى والده وقال مبتسمًا بجانبية باردة: _اللي متعرفهوش إن ابنك اتغير يا عامر، هو مش الطفل اللي سابك علشان يحقق شغفه وحلمه، في حاجات كتير صقلته أنت متعرفش عنها حاجة، وجودي هنا أو رحيلي عنه أنا اللي أحدده، ولأجل الكيلاني أنا واقف هنا وسطكم. ثم غمزه وربت على كتفه قائلًا:

_ولأجلك ولأجل الجميع هنا حتى مصطفى، عدا سميرة، أنتوا مهما كان عيلتي وتصرفاتي أنا لا بفرق بين كبير وصغير الحقيقة لازم يعرفها الكل، بس ده مش دليل على كرهي أو شيء تاني، العكس، أنا لو مش فارق معايا عمي مكنتش هتعب نفسي في الكلام معاه أصلًا، المهم.... دلوقتي رسالتي وصلت واللي يا سميرة لو حاولتي تتجاهليها صدقيني كونك ست كبيرة ده مش هيمنعني عنك، أيوا أنا برفع إيدي على ست مفيش مشكلة عندي طالما كانت زيك.

نهض أيهم ببرود وكأن لا شيء يحدث حوله واقترب من ريان واردف بهدوء: _استغربت لما مقتلتهاش، أصل عارف إن القتل عندك حاجة سهلة. نظر له ريان نظرة غامضة بينما أيهم خرج من المنزل بأكمله وهو يسير كالتائه وتبعه صديقه خوفًا عليه... نظر إلى صديقه الذي يجلس بدون حراك ينظر إلى الأرض ويسند كفيه على قدميه وبجانبه يجلس هشام بهدوء أيضًا.

نظر ريان إلى هشام ثم أشار له بعينه على بيجاد ليفهم الآخر ما يريده وأماء له بهدوء ليخرج ريان من المنزل. أردف هشام بهدوء وهو ينهض: _بيجاد، تعالى عايزك. نهض بيجاد بدون حديث وسار مع هشام إلى خارج المنزل ..... أخذ إياد شقيقاته اللواتي كان يتابعن ما يحدث بصدمة وصمت شديدين. ها قد مر منتصف الليل ولم يعود أي من الشباب... كان الكيلاني وعامر وحسين وليلى وعبير يجلسون في صمت والحزن يخيم عليهم.

أما مصطفى فكان يجلس في غرفة فارغة يفكر في كل ما قاله له ريان وهو يعلم أن ما قاله وإن كان جارحًا فهو الحقيقة. أردفت عبير بقلق: _هما ليه مرجعوش لحد دلوقتي؟ أردف حسين بهدوء: _دول رجالة وميتخافش عليهم فإهدوا أكيد جايين دلوقتي. كادت عبير أن تتحدث ليقاطعها صوتها الهادئ والقلق وهي تردف: _ريان لسه مجاش؟ نظر لها الجميع لينهض عامر ويتجه لها ويردف بحنان: _متقلقيش يا بنتي، أكيد في سبب لتأخيرهم ده تعالي اقعدي.

هزت حوراء رأسها بالرفض وعادت إلى غرفتها وهي تحاول الاتصال بريانها... ولكن لا رد... فزاد قلقها ووضعت الهاتف بجانبها وامتلأت عينيها بالدموع خوفًا وقلقًا عليه، كان اليوم صعبًا ومرًا على الجميع بفضل زوجها ولكن... هي متأكدة أنه لم يكن حلوًا عليه أيضًا. فوق أعلى وأخطر منحدر كان يجلس أضلاع المثلث الثلاثة وهم ينزلون قدمهم في الهواء. _متأكد إنك تمام؟ هتف بيجاد بضجر: _ارحمني، سألتني السؤال ده في الدقيقة حوالي ٩٩ مرة.

أردف ريان ببرود: _طيب أكملها ١٠٠ .. أنت كويس؟ ضحك بيجاد وابتسم له ريان فأردف هشام: _مش حاسين إننا تقريبًا كده اتأخرنا، خصوصًا إن في واحد وسطنا مبقاش أعز. اتسعت أعين ريان وكأنه تذكر للتو، لينهض وهو يسبهما يركض إلى سيارته بسرعة تبعه هشام وبيجاد وهما يضحكان على حاله، وبعد وقت كان الجميع على وضعهم قلقين على من بالخارج، ليجدوا الثلاث أصدقاء يدخلون عليهم. نهض الجميع فور رؤيتهم لهم وتوجهت نحوهم ليلى وعبير وهما يسألان بقلق:

_كنتوا فين وليه اتأخرتوا كده؟ أكملت عبير وهي تنظر خلفهم: _غيث فين؟ وأكملت ليلى: _وكمان أيهم، هما مش معاكم؟ أردف ريان بهدوء: _لأ مش معانا. ثم نظر خلفهم واردف بهدوء: _حوراء نامت؟ أردف الكيلاني: _لأ، هي قلقانة عليك ومستنياك. همهم ريان وتحرك بسرعة إلى الأعلى حيث زوجته. جلس هشام وبيجاد مع باقي العائلة، جد بيجاد وهشام الجميع ينظرون لهما ليقول بيجاد بتعجب: _بسم الله، مالكم؟ ليه بتبصولنا كده.؟ أردف الكيلاني بجدية:

_كنتوا فين الوقت ده كله؟ رفع هشام حاجبه الأيسر واردف بجمود: _ده شئ يخصنا إحنا! أردف عامر بهدوء: _مش مهم، المهم إن لما تكونوا هتتأخروا متقفلوش الفون. نهض هشام واردف ببرود: _تصبحوا على خير. رحل وهو لا يحب أن يملي عليه أحد ما يفعل أو يتدخل في حياته بأي شكل كان، ليهرع بيجاد خلفه قائلًا بمرح: _أنت هتسبني لوحدي، استنى.

تنهد الكيلاني وهز رأسه بيأس منهم، مهما حاول جمع هذه العائلة تتبقى هناك جروح تجرح كل منهم وتضع فواصل بينهم، لتقول عبير بقلق: _طيب دول رجعوا، ابني وأيهم فين؟ قال عامر مطمئنًا لها: _هيرجعوا كمان يا عبير، متقلقيش، يلا روحوا ناموا الوقت اتأخر. تنهدت عبير بقلة حيلة وذهبت مع ليلى، ليتحدث عامر بحزن: _أنا مش عارف أعمل إيه مع أخويا بعد اللي قالهوله ابنه. هتف الكيلاني بهدوء:

_اللي قالهوله ابنك كان الحقيقة يا عامر وفعلاً إحنا كنا ساكتين علشانه هو، بس محدش من الشباب مضطر إنه يستحمل تصرفات مراته وسكوته هو واكيد كان فيه يوم حد فيهم هيعترض على اللي بيحصل بس الخوف دلوقتي هيبقى من ريان ده بقى محدش فارق معاه وأي حد هيقرب من حاجة تخصه ده ممكن يمحيه من على وش الأرض. نظر عامر إلى والده سريعًا وكأنه تذكر شيئًا ليردف: _هو أنت يا بابا متعرفش إيه اللي بين ريان وأيهم واللي خلاهم يبقوا مش طايقين بعض كده؟

هز الكيلاني رأسه بالنفي ونهض مردفًا وهو يتنهد: _لأ معرفش، وإحنا ملناش دعوة بيهم يحلوا مشاكلهم بنفسهم... يلا روح نام ومتفكرش كتير، ابنك ميتخافش عليه ابنك يتخاف منه. ابتسم عامر قليلًا وهو يهز رأسه وذهب كل منهم ليرتاحوا من عناء يوم طويل. كانت جالسة تضم ساقيها إليها وتدفن رأسها بينهم وهي تبكي بخوف وقلق. سمعت صوت أقدام تقترب من غرفتها لتجف دموعها فورًا واعتدلت في جلستها ومن وضع حجابها ووجهت نظرها إلى الباب لترى من هذا.

وجدت الباب يفتح بهدوء ليطل هو بقامته الطويلة والعريضة والتقت سوداويتها برماديتيه الغريبة. لتنهض على الفور واتجهت نحوه بخطوات سريعة ليبتسم هو ويفتح ذراعيه لها لترتمي هي بين ذراعيه وهي تعانقه بشدة. أغلق ذراعيه حول خصرها وقربها منه أكثر زافرًا بثقل ما مر به من ساعات اليوم. سمع همسها الخافت والذي بالكاد استطاع سماعه وهي تردف: _قلقت عليك أوي... ابتسامة صغيرة شقت شفتيه ليردف بحنان وهو يقبل رأسها من أعلى حجابها:

_متقلقيش يا روحي أنا جنبك وهفضل دايمًا جنبك. ليشعر بها وهي تزداد من تعمقها بين ذراعيه ليزيد هو من التفاف ذراعيه حولها وكأنها أفعى، ولكن الفرق أنه لن يلتهمها. بعد دقائق شعر بانتظام وتيرة أنفاسها ليعلم أنها غفت رغم وقوفها، كبح ضحكته وحملها برفق يضعها على الفراش واندثر بجوارها يضمها إلى حيث مكانها الأول، إلى ضلعه الأقرب إلى قلبه، نظر لها متنهدًا، هامسًا ويده تمسح على وجنتها برفق:

_أنا أسوأ من إني أبعدك عن ظلامي، قدرك ارتبط بيا وللأبد. أصبح الصباح وذهب القمر ليختبئ في مداره، ليفسح مجالًا للشمس كي تشرق من جديد. وكالعادة كانت عائلة الكيلاني تتجمع في بهو المنزل بعد إنهاء فطورهم. تحدث حسين بهدوء: _كنت فين يا أيهم أنت وغيث الليل كله؟ هتف غيث برزانة متوليًا الرد: _كنا بنغير جو يا عمي، متقلقش. أردفت عبير بقلق: _وتغيير الجو ده يجرح إيدك كده... مال إيدك يا غيث وحصل إيه علشان تتجرح كده؟

نظر غيث إلى كف يده اليمنى التي يزينها شاش طبي متنهدًا وعقله يعيد ما حدث معه أمس مع صديقه. ذهب غيث خلف صديقه خوفًا من أين يصيبه سوء لغضبه، صعد جواره سريعًا في السيارة وانطلق الآخر دون النظر له حتى وكأنه في سابق مع الزمن. أردف غيث بهدوء: _هدي السرعة يا أيهم يا إما هتأذي نفسك أو غيرك.

لم يرد عليه أيهم وهو يزيد من سرعة السيارة بشكل مخيف، فضل غيث الصمت غير عابئًا باحتمال وقوع حادث شنيع قد يمزقهما داخل هذه السيارة، وبعد وقت طويل توقف أيهم فجأة ليرتد جسدهما إلى الأمام بقوة وصدر صوت مرعب من احتكاك إطارات السيارة بالأرض. زفر غيث بقوة يحمد الله كونه وضع حزام الأمان وإلا كان جسده الآن يقبع أسفل عجلات السيارة الأمامية!

نظر إلى أيهم الذي ترجل من السيارة بوجه ذابل وملامح باهتة، كان مكانًا غريبًا يكاد يصنف من الأماكن المهجورة، فقط رمال كثيرة وبعض آثار بيوت قديمة مهدمة. تحرك أيهم بخطوات واهنة تشعر وكأنها ترتجف في كل خطوة ويكاد يسقط على وجهه، إلى نقطة فارغة إلا من رمال وجزء مرتفع عن الأرض قليلًا حوله حجارة كثيرة وكأنه قبر ما!

وقف أمامه وكأن طاقته انتهت، سقط متراخيًا أمامه وتهدل كتفاه وكأن فوقهما ثقل جبل، احمر جفن عيناه وأضحت رؤيته للقبر أمامه ضبابية، انكمشت ملامحه بألم حارق، فرت دمعة حارة من بين جفنيه لتكون الإشارة الخضراء لغيرها، شقت دموعه وجنتيه وكأنها جمر يحرقه، انخفض رأسه وتحركت كتفته في بكاء شديد صامت، كان صامتًا قبل أن تنقطع أنفاسه وتثاقل الهواء على رئتيه ليصبح يشهق كالطفل الذي لا يملك رفاهة الحديث ليشكو ما يؤلمه!

ظل غيث واقفًا يظر له بحزن وعينه تشارك صديقه البكاء، مسح وجهه زافرًا بقوة يشعر أن الأجواء حوله أصبحت حارة، ضاق نفسه وانتفض قلبه حزنًا على صديقه. خبا الحزن والألم لسنوات طوال.

سنوات تفرقه عن يوم فقد فيه صديقه نفسه، حبيبته وابنه، وكذلك عائلته بعد أن رحل عن بلاد فقد فيها أنفاس زوجته رفيقة قلبه، غاب عن بلاده ثمان سنوات إلا أيام، من كل سنة كان يأتي دائمًا في اليوم الذي فقدها فيه، يقضي يومه معها باكيًا فراقها ثم يرحل مجددًا يعدها إن بقي في عمره بقية سيقابلها في ذات التاريخ العام القادم. لم يفكر في رؤية أب أو أم أو إخوة، يأتي ليجاور ثرى يحتضن أعز ما امتلك يومًا.

كان الأمر هذه المرة مختلفًا، ما زال على تاريخ ذكرى موته أيام، ولكنه أتى بعد أن علم بوجود السبب في فقدانه لها، ليقوده غضبه ونقمه إلى لقاه بعد سنوات، متوعدًا بعدم الرحيل إلا بنزع روحه، ولكن القدر قدم له هدية قيمة وهو يراه متعلقًا بامرأة وأخيرًا، فرصة ليذيقه بعض ما لا يزال يتجرعه إلى الآن.

تداخلت مشاعره بداخله لتشكل ثورة مخيفة وهو ينتفض عن الأرض بعد أن أتى في زيارة في يوم ليس اليوم المعتاد، ولكنه كان بحاجتها، رؤيته للجميع مع أحبائهم تشعره بوحشة تمزق فؤاده بإبر سامة. يتحرك نحو سيارته وهو يهتف بوعيد ونظرات مظلمة: _هقتله، هقتله بيها زي ما قتلني. وقف غيث أمامه وهو يحاول تهدئته، صائحًا به يريد أن يصل صوته لغياهب عقله المظلم بانتقام طويل: _أيهم اهدى، الأمور مش بتتاخد بالشكل ده، لازم تفكر و....

لكمه أيهم بقوة في وجهه ليرتد غيث إلى الخلف ولكنه عاد سريعًا يحاول السيطرة عليه ولكن يصعب عليه بسبب حركته العنيفة فأداره له سريعًا ولكمه هو الآخر في وجهه ليلتف وجه أيهم الجهة الأخرى ليصبح صوت تنفسه مرتفع، نظر إلى غيث بأعين مظلمة مخيفة ولكنه لم يفعل شيئًا وتوجه إلى السيارة ولكن منعته يد غيث مجددًا ليدفعه بعيدًا عنه بقوة ليسقط غيث على أثرها أرضًا مصطدمًا بحاجز شق كف يده اليمنى. امتعض وجه غيث ألمًا متحاملًا عليه

يقترب من صديقه مرة أخرى: _أيهم، اللي أنت بتعمله غلط، وبعدين هو شرحلك اللي حصل، لي مُصر أنه السبب؟ صاح به أيهم بحدة وغضب: _لأنه السبب فعلاً، كفاية رغي من غير فايدة وتعالى علشان نشوف إيدك دي. تنهد غيث ورافقهما الصمت حتى وقف أمام مشفى. دلفوا إليها وغيث يوقف تنظيف يده بصعوبة، رأتهما طبيبة هرعت إليهما تشير لغيث إلى غرفة ليدخل إليها سريعًا. _الجرح شكله عميق وهيحتاج تقطيب.

وقف أيهم بعيدًا ينظر إلى صديقه وباشرت الطبيبة في تنظيف جرحه وتأهيله للخياطة، ارتفع حاجبه بسخرية وهو يرى ممرضة تقف جوارها تتطلع إلى غيث بهيام والآخر في عالم آخر شاردًا. ابتسم بخبث وأشار له بعينه ما إن نظر له غيث عليها، نظر غيث إلى ما يشير إليه ليجد تلك التي تتطلع إليه وكأنها تنظر إلى فارس أحلامها وقد جاء أخيرًا، امتعض وجهه مولياً الناحية الأخرى يرمق صديقه بغيظ والآخر ابتسم ببهوت ساخرًا. _في حاجة؟

نظرت الممرضة بسرعة إلى أيهم الذي ينظر لها بسخرية، لتتسع عيناها وهي تنظر إلى الطبيبة بتوتر ولم تتحدث. _بس كده كفاية. _كفاية إيه، أنا لسه مخيطتش الجرح! تحدثت الطبيبة معترضة ليسحب غيث رباط طبي قائلًا: _مش لازم، شكرًا على كده. نظرت الطبيبة إلى أيهم لعله يقنعه، ولكن الآخر قال بهدوء وهو يتحرك إلى الخارج: _آخرتنا، وهتضطر أنت للشرح لإني مبحبش كده.

أفاق غيث من شروده ونظر أمامه ليجد الجميع ينظر له سوى أيهم الذي كان مريحًا رأسه إلى الخلف يغمض عينيه. هتف غيث بفزع: _أعوذ بالله... أنتوا ليه بتبصولي كده؟ أردفت عبير بقلق: _مالك يا حبيبي أول ما سألتك عن الجرح أنت بصيت على إيدك ومرديتش! نعم، شرد حتى قبل أن يجيب على والدته القلقة، تنهد بقوة مرددًا: _مفيش، مجرد جرح بسيط. فهمت عبير أنه لا يريد التحدث عن سببه، لتتنهد وهي تنظر إليه بصمت قلق.

نظر غيث إلى تلك التي تتطلع إلى يده وعلى وجهها علامات القلق ليبتسم بهدوء بداخله عليها، وإن حاولت إنكار مشاعرها، فعينها تعانقه في كل مرة تراه فيها. غمزها بعينه لتتسع عيناها ونهضت بسرعة مغادرة، لتعلو قهقهة غيث لتصل إليها تزيد توترها وحنقها. تأتِ رياح الذكريات مُقلبة، بين ثنايا الروح غوائرُ. والسَّلام. مِـنَّــــــة جِبريـل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...