الفصل 16 | من 23 فصل

رواية الطبيب العاشق الفصل السادس عشر 16 - بقلم منة جبريل

المشاهدات
26
كلمة
4,447
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

لمعت عيناه بالشر والقسوة. وفجأة وقف أمام ريان واردف بغضب وكره شديد: _أنا عمري ما هصدق كذبك ونفاقك، عمري ما هسامحك يا ريان وأنت السبب. قابله رد ريان البارد: _أنت عارف إني مش السبب. زمجر أيهم بعصبية: _أنت السبب، غرورك وسيطرتك اللي كانت عمياك هي السبب، إحساسك إن ملكش كبير وأنك صاحب كل حاجة كان السبب، أنت السبب يا ابن عمي، وربي يا ريان ما هرحمك وحق مراتي وابني هرجعه، هحرق قلبك وحياتك بنفس الطريقة.

احتدت أعين ريان وفهم ما يرمي إليه الآخر. ولكن أيهم ابتسم له بشر وصعد سيارته مغادرًا وقلبه مثقل وبشدة. لمَ اختار هذا اليوم تحديدًا للنقاش؟ لأنه يعلم أنه يكون مستنفذ الطاقة ولن يحطم وجهه! زفر ريان بقوة وهو يرفع رأسه للأعلى. ربت هشام على كتفه فنظر له ريان ثم ذهب هو الآخر لسيارته وانطلق بها مغادرًا، ليبقى فقط هشام وبيجاد وغيث. اردف بيجاد بصدمة: _هو احنا مش كنا جايين نتكلم، أنا ملحقتش.

ظل ثلاثتهم ينظرون للطريق الذي سلكه ريان وأيهم منذ بشرود. قبل أن يقول بيجاد وتحولت نبرته للجدية يأخذ الخطوة الأولى في هذا الموقف: _غيث، في اليوم اللي حصل فيه كل حاجة كيان كانت مخطوفة، وهو أخد مني ومن هشام وعد إننا منتكلمش ولا كأن دا حصل. نظر له غيث واردف بصدمة: _مستحيل! أكمل بيجاد بجدية: _دي الحقيقة، وأنا مش هقدر أقول أكتر من كدا، ريان لو عايز هيتكلم. مسح غيث وجهه بقوة وغادر هو الآخر. لينظر هشام إلى بيجاد واردف بجمود:

_أنت عارف أنت عملت إيه دلوقتي؟ هز بيجاد كتفاه وتحدث وهو يعود لسيارته: _المهم مكونش جيت هنا على الفاضي. _أنت أخلفت بوعدك لصاحبك! _لمصلحته أضحي بعمري يا هشام. زفر هشام بقوة يتمنى أن ينتهي هذا الوضع وسريعًا. *** توقفت سيارة غيث وخلفه بدقائق سيارة هشام. ترجلوا هم الثلاثة ونظروا حولهم وجدوا سيارة ريان فقط ولم يجدوا سيارة أيهم. دلفوا إلى الداخل وجدوا ليان وآية وأريب فقط من يجلسن في بهو المنزل. هتف هشام بصوت أجش: _ريان هنا؟

أومأت له بالرفض واردفت ليان: _لا، هو مش خرج معاكم؟ هتف غيث من بين أسنانه: _آه خرج معانا بس مرجعش معانا. تجاهلته ليان وهذا زاد من غيظ غيث. ثم استمعوا جميعًا إلى صوت رقيق قلق وهو يأتي من اتجاه الدرج: _فين ريان؟ وقفت أمام هشام وبيجاد وهي تنظر لهم بتساؤل. هتف بيجاد بتفكير: _طالما غادرته برا يبقى موجود في البيت التاني. أومأت له حوراء وتخطتهم وكادت أن تذهب ولكن أوقفها صوت بيجاد: _ثواني، هوصلك. هتفت حوراء سريعًا:

_ملوش داعي، أنا عارفة الطريق. _مينفعش تروحي لوحدك، ممكن ميكونش هناك، تعالي. تنهدت حوراء وتبعته بصمت. نظر هشام إلى غيث قائلًا: _يستحسن تلاقي أيهم. مسح غيث على وجهه وخرج يبحث عن الغاضب الآخر. أعاد هشام بصره لهن ليعقد حاجبيه وهو يرى آية فقط تجلس أما البقية اختفوا! أين ذهبت ليان وأريب؟ نظر لها هشام وهو يلعن ذلك الإحساس الذي بداخله وجلس على مقعد قريب منها وانحنى للأمام وهو يسند ذراعيه على قدميه واردف بهدوء وهو ينظر لها:

_تعرفي إنك غريبة! نظرت له بعدم فهم. ليقول بهدوء: _اللي بتعمليه دا هيرجع عليكِ بالسلب، أنا شخص أسوأ من خارجي وأنك تجذبيني ليكِ دا غلط مش هتقدري تتخلصي منه. _أنت بتقول إيه؟ هتفت بها بحدة تطالعه بقلق وعدم فهم لكلماته، وكأنه بغير وعيه، بل شكت في ذلك حتمًا. نهض هشام وغادر بصمت وكأنه لم يتحدث بشيء، وبداخله نار مشتعلة وصوت في عقله يخبره أن يهرب قبل أن يعيد جرحًا لا زال أثره بداخله! ***

ظل يسير بهدوء وهو يرى صمتها مبالغ فيه ليقرر إزالة بعض من الحواجز التي بينهما. فتوقف فجأة لتصطدم بظهره وترتد إلى الخلف خطوتين. نظر لها سريعًا خشية أن يكون أصابها مكروه مردفًا: _أنتِ كويسة؟ أنا مقصدتش. شعرت بالخجل الشديد ونفت برأسها بصمت. ليبتسم بيجاد وأكمل سيره قائلًا وكأنه لم يحدث شيء: _بما إنك زوجة صديقي وابن عمي اللي بعتبره أخويا، إيه رأيك تتخذيني أخ ليكِ، زي إياد كدا، تقبلي بيا أخ؟

ابتسمت حوراء بشدة على مرحه وظهرت غمازتيها بشدة واردفت بمرح هي الأخرى: _امممم هفكر. ضحك بيجاد بخفة وهما يكملان سيرهما قائلًا: _بما أنك وافقتي أعرفك على نفسي. _لحظة أنا موافقتش؟ _أنا لا أُرفض عزيزتي. رفعت حاجبها ضاحكة، تستمع له بابتسامة خفيفة وهو يتحدث بشغف عن نفسه وصديقيه. علمت كم هو متعلق بهما، بل وأعطاها وجهًا لعلاقتهم القوية، حتى توقف أمام منزل هشام ليقول مبتسمًا:

_ومن هنا يا ستي أنا لا بطيق هشام ولا ريان ومصاحبهم مصلحة. ضحكت حوراء قائلة: _واضح بصراحة. ابتسم لها بخفة ثم تراجع خطواته للخلف وهو ينظر إلى ضوء المنزل: _الحمد لله هو موجود، إلى اللقاء.

لوح لها بيده مغادرًا لتبتسم حوراء بخفة ودلفت إلى الفيلا وبحثت عنه لتجده في غرفة التدريب التي كان بها عندما أتى بها هشام إليه. وقفت عند الباب تراقب ركضه على آلة تمرين. كان يبدو على ملامحه الغضب ولكن في الوقت ذاته ملامحه متعبة متألمة وحزينة وعيناه حمراء بشدة وقد قاتم لون رماديته وأنفاسه متسارعة. يغمض عينيه كمن يتمنى أن تظل مغلقة دائمًا وللأبد. كمن يهرب من شيء. كمن يرى شيئًا سيئًا للغاية ولا يرغب برؤيته. رق قلبها لأجله ولكنها كانت تعلم أنه الآن يحاول إفراغ شحنات سلبية بداخله!

ظلت تراقبه بصمت حتى جفلت على صوته، بأنفاس لاهثة ونبرة دافئة: _واقفة بعيد لي؟ نزل من على الآلة ملتقطًا منشفة بجانبه يمسح بها وجهه ورأسه من رذاذ العرق. نظر ناحيتها بملامح جامدة ولكن عيناه ترمقانها بحب. لتسأله بتعجب: _أنت إزاي... _قلبي بيحس بوجودك يا فتنتي. اقترب منها يحتضنها بحب دافنًا وجهه في كتفها يتنفس بقوة، وكأنه يلقي بحمله عليها. رفعت ذراعيها تعانقه بحنان هامسة:

_تقدر تقولي كل اللي جواك واللي بتفكر فيه يا ريان، خليني أشاركك كل حاجة. أبعد رأسه عنها يطالعها بتفكير للحظات وبدا مترددًا. لتبتسم له تشجعه أن يتحدث. ليمسك بيدها وسحبها خلفه إلى الغرفة الأخرى. أجلسها على الفراش ثم جلس بجانبها ووضع رأسه على قدمها. أمسك بكفها يضعها على رأسه في حركة فهمتها لتبدأ بتحريك أناملها بين خصلاته برفق. خرج صوته واهنًا وكأنه خلع الآن كل أقنعة القوة التي يتلحف بها دائمًا:

_أنتِ الوحيدة بعد أمي اللي تشوفني بالحالة دي، بس للأسف أمي سابتني حتى قبل ما أشاركها أكبر هم في حياتي. صمت ريان قليلًا. أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتحدث بملامح اتكمشت بضيق وحزن:

_قبل سنين، كنت في بداية شغلي تقريبًا، مش البداية أوي بس مكانتش لسه بالمكانة دي، كنت أنا وهشام وبيجاد بننسى النوم علشان نعلى بالشركة، وأيهم كان معايا، كان بقرب هشام وبيجاد مني في الوقت دا، لما شركتي تفوقت على شركات كبيرة في السوق ظهرولي أعداء من العدم، بأشكال وحيل غريبة بيعملوها علشان يدمروني بس كنا إحنا الأربعة متيقظين ليهم دايمًا، لحد ما ظهرلنا واحد مريض نفسي اسمه شاذلي صاحب شركات شاذلي الرفاعي، كانت شركة كبيرة وقديمة عننا، في البداية بعتلي مرسول بإني أتنازل عن صفقة كانت مهمة ليا زي ما هي مهمة ليه، وهترفعني أنا لفوق أوي لو كسبتها، أنا تجاهلت الأمر وقولتله واجه بشرف واللي يخسر الصفقة يتقبل الوضع عادي.

_بس وللحقيقة من جوايا كنت هعمل أي شيء علشان تكون ليا من غير خطط خبيثة، بيجاد كان معايا في القرار دا بس أيهم كان قلقان، إننا نقف قدام شركة كبيرة زي شركة الرفاعي يعتبر إننا بندمر كل شيء تعبنا عليه، وهشام كان واقف مع أيهم لإن من طبيعة هشام بيقلق علينا جدًا ولو شك في طريق نهايته فيها أذى لينا بيمنعنا، بس قدام إصراري وافقوا، وللحقيقة كبريائي منعني، متعودتش أتراجع عن حاجة لإني خايف، أنا أدخل في النار وآخد منها اللي عايزه ومش ههتم بالحروق اللي هخرج منها.

_شاذلي مسكتش، حاول يسرق ويهدد ويغتال بس كنا ليه إحنا الأربعة بالمرصاد، لحد ما في يوم.... صمت ريان وارتجفت أنفاسه، أغمض عينيه بقوة مكملًا بصوت أجش:

_لحد ما في يوم وصلني خبر اختطاف أختي، كيان كل حياتي بكل ما تحمل الكلمة من معنى، أحرق العالم قصاد دمعتها وشاذلي عرف دا فغير وجهته ليها، خطفها علشان يهددني ويلوي دراعي بيها وقدر، أنا أول ما عرفت اتجننت واخدت ورق الصفقة وكنت هروحله بيه وكل حاجة، بس بيجاد وقفني وأدالي ورق تاني قالي إننا نوهمه بإنه دا ورق الصفقة ومنها أوصل لكيان، بيجاد كونه ظابط في المخابرات كان هو اللي هيقدمنا في المواجهة لو كان فيها أي اشتباك، المفروض أعمال الشركة ميبقاش فيها الشغل دا بس حقد شاذلي وصلها للطريق دا.

_شاذلي حسبها صح ولجأ لإنه يفرق ما بينا علشان يقدر يكسبنا، بس بيجاد وقبل ما يكون معايا راح لمهمة في شغله، وهشام من الأول كان مسافر، كنت أنا وأيهم، وأنا عقلي وقف وإن اختي دلوقتي في خطر خلاني أتجاهل وجود أيهم واتحركت لوحدي، روحت للمكان اللي بعتلي عنوانه ولقيت رجالاته فعلًا ومعاهم أختي، أديتهم الورق وأخدت كيان ومشيت وكان الموضوع أهدى وأسهل مما توقعت، كنت هتصل على شاذلي بس اكتشفت إن تليفوني في الشركة، كان معايا تليفون احتياطي في العربية وكلمته منه، قولتله تبقى غبي لو فكرت إنك تلوي دراعي بحاجة، مش الذئب اللي يخضع لحد، ريان الكيلاني يحرق الكل وياخد اللي عايزه من غير ما يضحي بحاجة واحدة.

فتح عينيه ومسح على وجهه بقوة، نهض عن قدمها ونظر لها للحظات قبل أن يكمل: _سمعت ضحكته، سمعته بيقولي غرورك هيجيبك لورا روح الطريق الخلفي للطريق الصحراوي في هدية هناك مستنياك.

حسيت إن قلبي اتقبض وزودت من سرعة العربية ونزلت كيان رغم انهيارها قدام القصر وأمرت سليمان والحرس يكونوا حواليها، وأكدت عليها إنها متقولش لحد اللي حصل ومشيت بسرعة على العنوان وأنا بفكر في إيه اللي مستنيني، بس ورغم سرعتي وللأسف وصلت متأخر، متأخر أوي، لما وصلت. تغضنت ملامحه والذكرى تلوح أمام عيناه وكأنها البارحة، تحدث بصوت واهن:

_لقيت بسمة مرات أيهم ورقبتها. انتحرت، وأيهم. أيهم كان جنبها غرقان في دمها وهو بيلمسها زي المجنون وإيده بتتحرك عليها وعلى بطنها الكبيرة وهي كانت حامل، بس الدم اللي كان تحتها زي اللي من رقبتها قالي إن الاتنين راحوا، أيهم مكانش بينطق باصص عليها وإيده بتتحرك على كل جزء فيها من غير ما ينطق، بقيت مش عارف أتحرك من مكاني.

_أنا وبصعوبة قربت منه، حاولت أتكلم مقدرتش، أول ما لمسته وبصلي اتنفض، ووشه كله بقى مليان شر، فضل يضربني ويقولي أنت السبب، أنا هقتلك وهشيل قلبك من مكانه، فضل يقول كلام كتير قبل ما يغمى عليه.

لقيت تليفوني في العربية بيرن، وكان هشام بيقولي أنه رجع من السفر، بعتله العنوان بسرعة وأخيرًا لقيت حد يساعدني في استيعاب اللي حصل، هشام جه وفوقنا أيهم وبقينا مش عارفين نعمل إيه، أيهم قام من سكات ودفن مراته مكانها وابنها جوا منها ميت، دفن الاتنين في قبر واحد.

هشام قالي إن أيهم اتصل عليه وقاله إن مراته اتخطفت وأنه حاول يوصل لي بس معرفش، أنا اتصدمت وقولتله إن كيان كمان اتخطفت، بس إيه اللي حصل خلى أيهم من بعدها يتمنى موتي بأي شكل وكل مرة بيبصلي فيها بتكون نظراته مليانة غضب وكره معرفش، أيهم بعد ما دفنها مشي، افتكرته مشي على البيت. لما رجعت قالولي أنه سافر لألمانيا، ومن بعدها متقابلتش إلا قليل معاه وكان لقاءنا دائمًا ينتهي بطريقة عدائية، أيهم بقى سنينه بعدها في ألمانيا وإلى الآن كل ما أحاول أعرف فيه إيه يقولي أنت السبب ومش بيكمل.

ألقت حوراء نفسها بين ذراعيه تبكي بقوة على ذلك المسكين وما عاناه، لا تعلم ما تقول أو ما تفعل، لم تجد سوى البكاء ويد زوجها تربت على رأسها بحنان! ***

كان أيهم يجلس في سيارته وهو يقف بها في إحدى الشوارع الفارغة وكان يبكي بحرقة. يبكي بألم على فراقها له. يتمنى أن تعود له ولكن هذا مستحيل فيتمنى هو أن يذهب لها. نظر إلى المقعد الذي بجانبه والتقط صورة موضوعة عليه ولم تكن سوى صورتها. ظل ينظر لها باشتياق وحزن ودموعه لا تتوقف. شرد في صورتها وتذكر موقفًا لهما معًا.

كان يقف خلفها في شرفة منزلهم الذي اشتراه خصيصًا لها وهو يطل على البحر في منظر خلاب وكان يحيط خصرها بذراعيه ملصقًا إياها به وكانا يشاهدان الغروب معًا. تحدثت بسمة ببسمة وحب: _أيهم، أنا بحب الغروب أوي. _أكتر مني؟ سألها بمشاغبة وهو يقبل وجنتها من الخلف. لتضحك قائلة: _وأنا كنت هعرف الحب إزاي غير منك يا آيو، أنت اللي خليت لكل حاجة بعدك لون حلو ويتحب، إنما أنت فأنا بعشقك، أنت حياتي يا أيهم. اردف أيهم

وهو يشد على احتضانه لها: _وأنا بعشقك يا بسمتي ولو عندي كلمة أكبر منها توصف اللي جوايا ليكِ كنت قولتها، ربنا ميحرمنيش منك أبدًا. ترقرق الدمع في عينيها. ليجفل وهو ينهض ويوقفها أمامه يسألها بقلق: _لي الدموع دي يا قلب آيو؟ احتضنته بسمة بقوة تخبره بمخاوفها، وكأن قلبها يشعر: _خايفة أوي يا أيهم، خايفة تبعد عني أو أنا أسيبك لسبب أقوى مننا، أنا هموت من غيرك يا أيهم، والله ما هقدر أعيش من غيرك.

_أنا عمري ما هبعد عنك يا بسمة، ولو اجتمعت الأرض كلها على تفريقنا، وربنا رحيم بيا وبقلبي وعالم إني من غيرك هكون ميت يمشي على الأرض، ولو أنا مت هتفضل روحي حواليكِ وهطاردك زي الأشباح. اشتدت ملامح الخوف على وجهها وهي تردف: _بعيد الشر عنك يا أيهم، أنت لازم تفضل معايا لآخر لحظة في حياتي. غرق وجهه بدموع اللوعة والألم، احتضن الصورة إلى قلبه قائلًا بصوت مختنق ببكائه:

_بموت كل يوم من بعدك، بقيت عايش ميت، بقيت جسد من غير روح يا بسمة، أنا من غيرك ولا حاجة. انتحب في البكاء بصوت عالٍ يمزق نياط القلوب، يبكي فراقها ويبكي نفسه من دونها. لا يستطيع العيش بدونها. أصبحت حياته من بعدها سوداء. يكره كل شيء من بعدها. ماذا فعلت ليعاقبني الله بفراقك يا بسمتي؟

ادعو الله أن يأخذ روحي رحمة ورأفة بها فهي تتمزق بكل دقيقة تمر عليها وأنتِ غير موجودة بجوارها. يا الله. أريد اللقاء بمن أحيتني عندما دخلت حياتي ومن قتلتني بفراقها. *** استيقظت حوراء وجدت نفسها بين أحضان حبيبها لتتحرك بخفة وهي تنظر له لتجده فتح عينيه ونظر لها مردفًا: _أنتِ كويسة؟ تحدثت حوراء بصوت رقيق وحرج: _أنا آسفة، مش عارفة إزاي نمت و. _ولا يهمك، خلينا نرجع.

_ريان أنت لازم تشرح لأيهم الحقيقة مينفعش يقعد أكتر من كدا وهو بيتعذب وبيتهمك في عذابه دا، هو محتاجك دلوقتي جنبه علشان تكون سنده. _تمام هشرحله. أنا كنت هشرحله وأفهمه كل حاجة وقت ما خرجنا الصبح بس هو مكملش دقيقتين واقف معايا وسابني ومشي وبالذات إن النهاردة هو نفس تاريخ اليوم. شهقت حوراء ووضعت كف يدها على فمها وتجمعت الدموع في عينيها مجددًا. اعتدل ريان في جلسته واردف وهو يحيط وجهها بكفيه:

_مهما حصل متبكيش على حد أو لحد، دموعك أغلى من الأوغاد اللي عايشين حواليكِ، وبالمناسبة أنا أكبر وغد فيهم. ابتسمت من بين دموعها، ليقبل وجنتيها بحنان. لتنظر له قائلة بتفكير: _صعبان عليا أوي. هو أنا لو شوفته أقدر أتكلم معاه؟ تغيرت نظرة ريان مردفًا بغيرة: _لا. اردفت بسرعة تحاول إقناعه: _أنا بس هحاول إني أفهمه اللي حصل و. نظر لها ريان بغيرة. فمهما كان يريد أن يجعل أيهم يرتاح من عذابه إلا أنه لا يستطيع جعلها تتحدث معه.

فسمع صوتها وهي تكمل:

_وكمان أفهم منه سبب اتهامه ليك يمكن يقولي. أنا بس هحاول أتكلم معاه واخليه يفضفض ويطلع اللي جواه، الكتمان صعب أوي يا ريان بيستهلك طاقتنا وبيستنزفها بدون رحمة لحد ما نبقى معندناش طاقة نواجه بيها أي حاجة ولو أي حاجة تافهة حصلت بعد ما طاقتنا تخلص مبنقدرش نستحمل وبنقع ومبنقدرش نقوم، خايفة تكون طاقته خلصت ويقع وميقدرش يقوم واحنا مهما حاولنا نديله طاقة وأمل جديد هنفشل وهو هيغرق أكتر وأكتر في دوامة الحزن واليأس ومحدش هيقدر يطلعه منها. خليني أحاول أكلمه يا ريان يمكن أقدر أساعده في حاجة، أيوا مش هينسى مهما اتكلم وقال واتقال له بس وجع وحرقة قلبه هيخفوا شوية.

استمع لها بدون أن ينطق بحرف واحد وهو يشعر بالحزن الذي في صوتها. وجدها تنظر له بأعين حزينة تترجاه لتنهار حصونه أمام عينيها ولكن لا يستطيع. يشعر بأن نارًا تأكله من مجرد التخيل. ولكن حتى لا تحزن اكتفى بهز رأسه ولم يتحدث. سيمنعها فيما بعد بطريقة ما! ***

تجمع الجميع في الأسفل ومعهم سميرة ومصطفى هذه المرة. كان غيث يجلس وهو يحرك قدمه بسرعة وتوتر فهو يشعر بالقلق على صديقه برغم أنه أخبره أنه يريد الجلوس بمفرده عندما قام بالاتصال به ولكنه تأخر كثيرًا وظل يتساءل.. أين هو؟ وماذا يفعل؟ هل هو بخير؟ ما حالته الآن؟

كان بيجاد شاردًا في كل الأحداث التي مر بها حتى توقف تفكيره عندها. تلك التي سرقت قلبه من أول لقاء. واستولت على تفكيره. لقد اشتاق لها كثيرًا. هل هي تتذكره وتشتاق له مثل ما يشتاق هو لها؟

كان هشام نظره معلقًا على تلك الملاك الهادئ وهو يتذكر حديثهم في الصباح، أو بالأصح حديثه هو، وكم ظهر في نبرة صوتها الرقة المصحوبة بالشراسة ويتذكر نظرة عينيها الحادة. حاول إبعاد عينه من عليها ولكن لا يستطيع وكأنه فقد السيطرة على حواسه لتتصرف هي كما تشاء.

كان غيث ينظر إلى تلك التي تبتسم بإشراق ليزداد عشقه لها وكأنه يراها للمرة الأولى يؤنب نفسه كثيرًا على ما فعله في الماضي فهو بسبب اعتقاده أن هذا الأفضل لها، جرح قلبها الرقيق وعذب قلبها بالفراق لترد هي الآن عليه وتذيقه عذاب البعد وهي قريبة، جاهلة أنه كان يتعذب كل هذه السنوات أضعاف عذابها. فكم مرة صعد سيارته مقررًا المجيء إليها ولكنه يعود في آخر لحظة. لقد كان يتعذب بشدة وهو يحاول التحكم في نفسه. ولكن هي لا تعلم هذا هي كل ما تعلمه أنه جرحها إذًا ليتركها حتى تخرج كل الآلام والحزن الذي بداخلها حتى يستطيع هو إبدالهم بالفرح والسعادة.

كان إياد يجلس في صمت وهو ينظر إلى يده وهو يفكر في أمر شقيقاته. لقد اطمأن على واحدة وتبقى اثنتين. يدعو الله أن يرزق أخوته فرحة كبيرة تعوض ما عاشوه من حرمان وحزن وألم. أما الفتيات فكانوا يتحدثن معًا جاهلين ما يحدث حولهن وكان يشاركهن الحديث والمرح أيان وحسين وليلى. الكيلاني وعامر ومصطفى ينظرون إلى الشباب بعدم رضا على حالهم هذا فكل منهم حمل الهم وهو صغير. مهلًا! هل يفرق الهم بين الصغير والكبير؟ بالطبع لا!

ولكن هم يريدون رؤية الابتسامة على وجه هؤلاء الشباب. كانت جالسة بهدوئها المعتاد ورقتها المعروفة وجمالها الأخاذ وهي تنظر إلى ضحكة شقيقتيها وعلى وجهها ابتسامة سعيدة لرؤية شقيقتيها تبتسمان ولكن ما جعلها تحزن وهي ترى الحزن في عين شقيقها لتتساءل.. ما السبب! وماذا حدث!

أما ذلك العاشق فعينيه لم تنزل من عليها يتابع كل رمشة من عينيها الجميلة ورموشها الكثيفة. كل بسمة من شفتيها، وجهها الملائكي الرائع. كم يعشقها ويعشق براءتها وحنانها ولطفها ورقتها وجمالها ويعشق ضحكتها التي تعيد لقلبه الحياة. ولكن أيضًا كان لأيهم جزءًا من تفكيره. وعلى الجميع تطوف أعين سميرة الناقمة والحاقدة عليهم أجمعين. هتف الكيلاني بضجر وهو ينهض:

_إيه الكآبة اللي انتوا فيها دي، تصبحوا على خير، ويلا كل واحد يشيل الكآبة اللي على وشه دي ويتفضل ينام ومتقلقوش أيهم هيرجع وهو كويس، يلا يا عيلة غمضوا. ضحك الجميع على ردة فعله ونهضوا جميعًا ينفذون ما قاله. *** في منتصف الليل.

شعرت بالعطش الشديد لتنهض من جواره ببطء شديد حتى لا توقظه. نظرت بجانبها ولكنها وجدت زجاجة الماء فارغة لتقرر عدم إيقاظه فهي تراه مستغرقًا في النوم لتنهض هي ببطء وعدلت من وضع حجابها وأخذت زجاجة الماء وخرجت من الغرفة بهدوء وهي تحرص على عدم إصدار أي صوت لكي لا تزعجه ويستيقظ.

حمدت ربها عندما وجدت إضاءة بهو القصر مضيئة حتى لا تشعر بالخوف. هبطت الدرج بهدوء قاصدة المطبخ ولكنها توقفت بفزع وكادت تسقط زجاجة الماء من يدها وهي ترى أحد جالس في مكان مظلم بعيد عن الضوء لا يظهر من شكله، فقط عينان مضيئتان. خافت حوراء بشدة وتصنمت مكانها وهي تنظر له بفزع. *** إنها أفعال، تقتل بداخلنا. والسَّلام. مِـنَّــــــة جِبريـل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...