ويمنعنِي الحياءُ برغمِ أنّي أكاد أموتُ من شوقِي إليهِ. -رايح اجهز على ما تخلص. تحدث ورحل سريعًا، يستغل انشغالهم في تزيين انفسهم للحفل الذي بعد ساعات قليلة، ليردف أيان ينظر إلى أثره: _هو كدا هيقدر يشوفها؟ تحدث أيهم بهدوء: -معلش خليه يشوفها، دا من الصبح مانعينه بالعافية. ضحكوا جميعًا وهم يتذكرون اللكمات التي تلقاها كل واحد منهم بدون استثناء منه وهم يحاولون إيقافه عن الذهاب لها، ليكتشفوا جميعًا أن ريان أصبح عاشقًا.
دلف إلى غرفته بهدوء ليجد شقيقته وليان وكذلك شقيقتيها يجلسن على الفراش وكأنهم بانتظار شيء ما، رفع حاجبه يردد: _بتعملوا إي هنا؟ أن يجد أحد داخل غرفة نومه لهو أمر يبغضه، يقسم أنه لو كان في قصره وتجرأن على الدخول إلى جناحه لمزق رقابهن جميعًا، هذه غرفة خاصة لا يجوز لغيره وزوجته دخولها! ونظراته الغير راضية لم تفهمها أيًا منهن وتحدثت ليان بحماس: _حوراء بتقيس فستان ومستنيين نشوفها.
رفع حاجبه يرمقها باستنكار للحظات قبل أن تلمع فكرة في رأيه ليردد بخبث: _طيب، اطلعوا. نهضت آية وأريب ورحلا دون التفوه بكلمة، بينما قالت كيان باعتراض وليان تقف بجانبها: _لي يا أبيه؟ أجابها بهدوء وخبث: _علشان أنا كمان عايز أغير يا أختي العزيزة ولما تخلص حوراء تعالوا شوفوها. أماءت له باقتناع على عكس ليان التي تحركت مرغمة للخارج بعد أن رمقها ريان بتحذير، لتتأفف خارجة مغلقة الباب خلفها قائلة بغيظ:
_هو مش ممنوع يشوفها غير بكرا بالليل، إي اللي جابه دلوقتي! _وأنتِ فاكرة إن أبيه هيمشي عليه الكلام داه؟ هزت ليان رأسها باقتناع، نعم، ريان يفعل ما يريد دون أن يعبأ بأحد، المهم أن يحصل ويصل إلى مراده. جلس على الفراش وعيناه معلقة على باب المرحاض ينتظر خروجها. لقد اشتاق لها للغاية فهو من الصباح لم يرَ ملامح وجهها البريئة الغير متناسبة مع جمال وجهها المثير وعيناها السوداوان اللتان تشع بالبراءة!
لقد اشتاق لها حقًا وبشكل غريب. خرج من شروده على صوت فتح الباب لتلمع عيناه بمكر يتحين رؤيتها كالذئب الذي يتحين فرصة الانقضاض على فريسته! وهي داخل المرحاض تنظر إلى هيأتها بإعجاب وخجل، كان الثوب مكشوفًا أكثر من اللازم، لتشجع نفسها أن من بالخارج فتيات مثلها ولا بأس، زفرت على مهل وخرجت وهي تدور حول نفسها دون النظر إلى تلك الأعين التي تراقبها بمكر مخيف، تردد ببسمة واسعة وخصلاتها الطويلة تدور معها وحول وجهها: _إي رايكوا؟
جنان مش كدا؟ _أجن ما رأته عيني. تصنمت مكانها وكادت تسقط عندما وصل لها صوت رجولي خبيث، نظرت ناحيته لتتسع عيناها وتدفقت الدماء إلى وجهها بقوة، استدارت لتركض إلى المرحاض لتختبئ خلفه إلى الأبد ربما، ولكن ذراعه التي أحاطت بخصرها حالت بينها وبين مخطط إنقاذ نفسها من الانصهار حرجا. تحدث بمكر مبتسمًا، يزيح خصلاتها إلى خلف أذنها: _استني هقولك رأيي.
ثم ابتعد عنها خطوتين إلى الوراء وعيناه تسير على كل جزء منها من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها، حوريته تتألق في فستان أزرق أنيق، ذو تصميم ربما رأى سيدة ترتدي مثله قبلًا ولكن عليها... كان وكأنه للتو يكتشف هذا النوع من الملابس، فستان بأذرع متدلية على الأكتاف وذلك الشق الذي يظهر قدمها كلما تتحرك.
طال صمته وهو ينظر لها بإعجاب قبل أن ينظر لها بشكل سريع وبحدة وكأنه للتو استوعب الأمر، هل هذا ما تنوي ارتدائه في حفل المساء، وهي التي رغم خجلها منه ابتسمت تسأله بتردد: _إي رأيك؟ بفكر أحضر بيه الحفل. تحولت معالم وجهه المعجبة إلى أخرى حادة مخيفة، اقترب منها ومال هامسًا في أذنها بنبرة دبت الرعب بها: _والله لو لمحت طيفك بيه برا الأوضة هيكون آخر ما لبستيه قبل كفنك.
ارتجف جسدها وارتدت إلى الخلف ترمقه بصدمة وخوف، ما الذي يتفوه به؟ والآخر يطالع عيناها وعلى وجهه بسمة مريبة، ليتحدث فجأة بشكل غريب قبل أن يضع قبلة دافئة على وجنتها: _بس عسل، إي الحلاوة دي. نكز وجهها قائلة تلقائيًا: _إي الغزل الرخيص دا، وبعدين أنت قلت إي! ، دا كلام يتقال لزوجتك؟ أحاط وجهها قائلًا ببسمة واسعة تشع في عينيه ونبرة محبة: _فَتاةٌ كَالهِلالِ فَإِن تَجَلَّت، أَرَتنا البَدرَ في حالٍ ذَميمِ.
ابتسمت بخجل ليضحك بخفة قائلًا: _مبقيش غزل رخيص أهو، ويلا روحي غيري هدومك دي، أنا مجهز كل حاجة. _بس هو عاجبني. _إي المشكلة، وعاجبني أنا كمان، بس بتلبسيه في الأوضة غير كدا لا، ولما نرجع القصر اتحركي فيه براحتك. لمعت عيناها قائلة بسعادة: _يعني احتفظ بيه؟ _أكيد يا فاتنتي.
ابتسمت باتساع ليقبل وجنتها ثم تركها يتحرك إلى المرحاض ليأخذ حمامًا منعشًا قبل الحفل، تنهدت حوراء وأسرعت في استبدال ثوبها بآخر، وقفت أمام خزانة ملابسهما، ملابسها بجانب ملابس رجل! شعور غريب تسلل لداخلها لتبتسم بخفة وهي تلاحظ أن ثيابه أغلبها بالأسود إلا قليل، رغم قوته يكون لينًا معها وفي وقت غضبه تجده حنونًا عليها، ماذا تريد أكثر من هذا؟
تذكرت عيناه الرمادية الممتزجة باللون الأخضر، مميزة وغريبة، والأكثر غرابة هو تغير درجاته مع انفعالاته، ستسأله عن السبب حتمًا يومًا ما! خرجت من شرودها على همسه بجانب أذنها وجسده يشرف عليها من الخلف: _مالك بالهدوم وصاحبها هنا؟ التفتت له بسرعة وقد تعالى وجيب قلبها بفزع، لتعبس قائلة وهي تدفعه: _خضيتني يا ريان.
عقدت حاجباها وهي تحاول دفعه ولكن الآخر لا يتحرك، حاولت مرة أخرى بشكل أقوى ولكن وكأنها تحاول تحريك جبل، وهو يتابعها ببسمة متسلية مرددًا: _المفروض أبعد؟ نظرت له وهزت كتفيها قائلة ببلاهة: _المفروض والله! قهقه بحب بجذب رأسها إليه وعانقها بقوة، لتصرخ قائلة وهي تحاول إبعاد ذراعه المعضلة عن رأسها: _يا ريان راعي فرق الحجم والصلابة، راسي يا حبيبي... راسي يا ماما.
وهو الذي كان يمازحها تعجب كونه لم يستعمل شيء من قوته عليها لتتذمر هكذا! وقبل أن يرد عليها سمع طرقًا على الباب يليه صوت إياد: _ريان، اطلع يلا. وهي التي سمعت أخاها كادت أن تتحرك لتفتح له ولكنه أعادها إلى مكان وقوفها قائلًا: _خليكِ أنا هفتح.
أماءت له وهي وقفت أمام المرآة ترتدي حجابها حتى تذهب للفتيات، فتح الباب واتكأ بكتفه عليه وخصلاته المبتلة تهبط على جبينه بانسيابية، نظر إلى إياد ولكنه تفاجأ ببيجاد يقف خلفه يرمقه ببسمة بلهاء. صعق ريان عيناه يطالعه بغيظ مرددًا: _عايز إي منك ليه؟ تحدث بيجاد بمكر: _لقيناك اتأخرت وقلقنا ليكون حصلك حاجة. _لا قدّر الله. _وأنت بتغير. ابتسم له ريان بتكلف مرددًا من بين أسنانه: _لا متقلقش أنا هخلص وجاي.
تحدث إياد باستغراب وهو يراه أنهى ارتداء ملابسه بالفعل: _بس أنت لبست، فاضل إي تاني؟ أشار ريان إلى شعره ونظر له وكأنه يخبره ألا ترى هذا، ليضحك بيجاد وقال بنظرات خبيثة يتبادلها هو وصديقه: _خلاص سيبه يكمل تجهيز نفسه واحنا خلينا نشوف حالنا.
أماء له إياد بهدوء وتحرك مغادرًا معه ولم يفهم نظرات الخبث التي تدور حوله كونه يعتقد أن شقيقته برفقة الفتيات كما تركها، نظر لهم ريان بغيظ قبل أن يجد بيجاد يلتفت له يغمزه بعينه ليغلق باب الغرفة بقوة وصوت ضحكات بيجاد يصل له بوضوح. وما كاد يستدير حتى مرّ من جواره جسد صغير يفر من الباب وكأنها فأر هارب، تابع رحيلها السريع بحاجبان مرفوعان بسخرية قبل أن يبتسم وهو يهز رأسه بيأس منها، تحرك ليكمل استعداده وحفل الحناء قد اقترب.
وبعد وقت كان برفقة الرجال، ابتعد عنهم وهاتف شقيقته يطلب منها إعطاء هاتفها لزوجته التي تتجاهل رنينه على هاتفها، سيحاسبها على هذا لاحقًا... إن تذكر! _نعم! وصله صوتها الخجول ليتحدث بغيظ: _فكريني أكسر التليفون على راسك، المهم... في الأوضة تنتظرك المفاجأة يا ملكة الذئب. أنهى المكالمة دون سابق إنذار، طالعت الهاتف باستنكار قبل أن تعيده إلى كيان وتحركت هي إلى غرفتهما متشوقة لرؤية ما أحضره لها زوجها. دلفت إلى غرفتها لتتجهز
للحفل وهي تتمتم بانزعاج: _اتأخرت أوي. أكادت أن تخلع ثيابها لتفزع على صوت رجولي يصرخ بها بفزع أكبر، يشعر أن قلبه يكاد يتوقف وهو من ظن أنها لاحظته وهو ينتظرها على المقعد بجانب الباب، ولكن الأخرى التي دخلت على استعجال لم تفعل: _لا لا إياكِ، استني خلينا نتفاهم. التفتت تنظر له بفزع ووجه شاحب قبل أن يحمر غضبًا وغيظًا، صرخت به بكامل قوتها وجسدها يرتجف من تواجده: _أنت متخلف؟ أنت بتعمل إي هنا؟
أبعد بين أصابع يده التي تغطي عيناه خشية أنها خلعت ثيابها، ليزفر براحة وهو يضع يده على قلبه عندما رآها بثيابها كاملة، ابتسم ما إن سألته يتحدث وكأن لا شيء حدث... أو ما زال يحدث كونه لا زال داخل غرفتها! _وحشتيني. اتسعت عيناها وتفاقم غيظها، لتصرخ به حتى شعرت أن أحبالها الصوتية تكاد تتمزق: _أنت مجنون أنت؟ اطلع برا. _بقولك وحشتيني. تحدث بعدم اهتمام بصراخها، وبنبرة هادئة استفزتها، لتضرب الأرض تحتها قائلة بصياح:
_أنت مش بتفهم؟ غبي!! اطلع برا يا حيـ... سعلت بقوة من شدة صراخها، يبدو أن حبالها الصوتية تمزقت بالفعل، والآخر يراقبها ببسمة باردة وكأنه يستمتع باشعالها، رمقته بضيق قبل أن تتحرك ناحية الباب لتغادر هي، ولكن ذراعه أمسكت بها وهو يردف بنبرة رجاء: _ليان، ارحمي قلبي، أنا بحبك! أزاحته عنها بعنف قائلة بتحذير وسبابتها تكاد تخترق عينه: _وحش أما يلهفك، إياك تلمسني أو تقرب مني بأي شكل من الأشكال أنت فاهم؟
وافهم أنا لا بحبك ولا زفت، حل عني بقى. _أنا آسف. صمتت تنظر له بصدمة، عيناه اللامعة ووجهه الحزين ونبرته الصادقة زادت نفورها، نعم لم ولن يفلح هذا معها وإن قضى ما بقي من عمره يعتذر، هو من أوصلهما إلى هنا لذا لا يأتي ليطالب بوصالها وهو من قطعه أولًا، الحقير عندما لم يجد له طاقة في بعده عنها عاد لها، وكأنها لعبة يقترب ويُلقيها وقتما يشاء.
أزاحت خصلاتها خلف أذنها تستجمع أنفاسها، لن تنفعل أكثر من هذا وتفقد صوتها الجميل لأجل رجل، ما هذا القرف! أشارت ناحية الباب قائلة بنبرة جامدة وأعين تطالعه بقوة: _خمس ثواني ومشوفش وشك جوا أوضتي وإلّا الأمر مش هينتهي بيني وبينك يا غيث، وصدقني مش بتهدد. صرخت بها غيث هذه المرة، لقد تحمل كثيرًا وحاول وصالها كثيرًا وهي ترده في كل مرة:
_افهمي بقى يا غبية، والله أنا بحبك، لي مش عايزة تفهمي إني عملت كدا لأجلنا احنا الاتنين، أنا كنت خايف عليكِ، خايف ليكون حبك مجرد مراهقة وإعجاب، افترضي وقتها قلتلك ماشي وأنا كمان بحبك وبعد سنة ولا اتنين تلاقي نفسك لا بتحبيني ولا زفت وإنما كان مجرد إعجاب وزال مع الوقت، أنا كنت هعمل إي وقتها؟ كان لازم أبعد علشان تتأكدي من مشاعرك وإذا كنتِ بتحبيني ولا لا.
أنتِ ليه مُصرة تطلعيني غلطان ومش حاسة باللي أنا حسيت بيه، لو أنتِ اتعذبتِ مرة فأنا ألف، كان صعب عليا أشوفك بتضحكي للكل إلّا أنا، تهدي الكل ابتسامة وأنا لا، أنا بموت في كل لحظة وأنتِ قريبة مني بس أبعد من النجوم عني، والله عارف وفاهم شعورك. أنا إنسان غبي وحقير ومش بيفهم كمان، ألطفي بيا وحسبي أنتِ بمشاعري، ارحميني وحبيني زي ما بحبك، كفاية اللي ضاع مننا. ومن بين دموعها التي شقت وجنتيها، ابتسمت ببهوت
تهز رأسها قبل أن تقول: _اطلع برا. نظر لها بألم وحزن قبل أن يخرج بسرعة مغلقًا الباب خلفه بقوة، انهارت قواها لتسقط أرضًا تبكي بشدة، وأيان أخاها الذي اصطدم به غيث، تفاجأ وهو يرى عيناه حمراء كالجمر المشتعل، تعجب كونه هادئًا لا يظهر عليه غضب يومًا، لتتبع عينه وركض إلى شقيقته، فتح الباب ليجدها أرضًا تبكي بقوة، أسرع نحوها يضمها إلى صدره يهدأها، تشبثت له تبكي بقوة وكأنها تشكو له ما بداخلها.
احتدمت عيناه ويتوعد بالويل لغيث إن كان آذاها. رأى كل من ريان وأيهم وبيجاد وهشام حاله غيث وهو يكاد يخرج من القصر بأكمله ركض نحوه أيهم واوقفه ونظر إلى وجهه ليصدم بعينيه الحمراء ووجهه المتهجم. أهذا غيث الهادئ الذي لا يظهر على ملامحه الهادئة ملامح الغضب؟ ماذا حصل لكى يتحول صديقه إلى هذه الحالة؟ كانت هذه الأسئلة تدور في ذهن أيهم وهو يرى صديقه بهذه الهيئة. توجه نحوهم البقية. هتف ريان بهدوء: _تعالى يا غيث عايزك.
نظر له غيث بأعين حمراء وتبعه بدون أن ينطق بحرف واحد. دلف ريان إلى المكتب وتبعه غيث وأغلق الباب خلفه. _وبعدين؟ جلس غيث بإهمال على المقعد الذي بجوار ريان وأرجع رأسه إلى الخلف وأغمض عينيه وردف بتعب: _مش عارف ياريان أنا تعبت كل ما بحاول أقنعها بترفض وبتقفل في وشي كل الطرق مش عارف اعمل معاها إي بس خلاص هي شكلها مرتاحة من غيري. قاطعه ريان بغضب: _نعم ياروح أمك. أنت سامع اللي أنت بتقوله؟
تحدث غيث بتعب وإرهاق من محاولاته الفاشلة والتي تزداد كل مرة سوءًا: _أعمل إي تاني يا ريان؟ أنا بقالي ثلاث شهور بحاول أفهمها وبرضه اللي في دماغها في دماغها! مش عارف أعمل إي تاني أنا جربت كل الحلول لحد ما خلصت وخلِصت أنا معاها، هي مش عارفة إن في كل محاولة بستنزف جزء من طاقتي لحد ما خلصت خالص. نظر له ريان واردف بمكر: _ولو قولتلك عندي فكرة تحل كل دا!
نظر له غيث ليجد أعين تطالعه بخبث ماكر، ليبتسم بريبة منه وهو يتساءل ما الذي يفكر به حقًا! اسودت السماء وأضاءها القمر وأظلم القصر وأضاءته أنوار الفرحة. كان الشباب في الحديقة يقفون بجانب بعضهم في حفل عائلي فقط.
كان الذئب يقف بقوة وشموخ وهو يرتدي بذلة سوداء أسفلها قميص أبيض زاده هيبة وقوة، ووسامة، وبجواره صديقه وابن عمه ذو الأعين الزرقاء، بيجاد يتزين في بنطال أسود وتيشيرت أبيض أعلاه سترة تماشت مع لون عيناه والتي تناسقت على جسده العضلي بطبيعة عمله، والصديق الثالث، مكمل أضلاع المثلث، أسرعهم غضبًا وتهورًا ارتدى وعلى مضض تيشيرت أبيض بعد إلحاح من بيجاد ليكونوا ثلاثتهم يرتدون الأبيض في جزء من ملابسهم، ولكن أحكم رأيه في ارتداء
بنطال وسترة جلدية سوداء، وعيناه الخضراء كانت في تنافر مع أعين بيجاد وريان الذي جمع بين اللون الرمادي والأخضر اللامع، ولكن نظرات القوة والهيمنة التي تطوف بها وحولهم تجعل كل من يراهم يشعر بقرابتهم القوية حتى يتهيأ له تقارب الشبه بين ملامحهم.
وأيهم يقف متأففًا بملل متشحًا بالسواد في ملابسه، وعيناه وكأنها تعكس نيران داخله في لون ذهبي غريب، ومخيف للبعض، وبجانبه كلًا من أيان وغيث وارتدوا ملابس تخلت عن الرسمية تمامًا. وأخيرًا كان ذلك ذو الأعين البنية والبشرة البرونزية، يقف عاقدًا ذراعيه بجانب كبار عائلة الكيلاني. الكيلاني وبجانبه عامر ومصطفي وحسين. ينظرون بضجر إلى الحديقة المزينة ولكن جميعهم يقفون بأماكنهم كالأصنام. وبيجاد الذي ضاق ذرعًا بهم، هتف بغيظ
وهو يتجه لمشغل الموسيقى: _صدق الكيلاني، أنتوا عيلة غمة. تحدث هشام ساخرًا: _مستنيين تهيصها لينا يا بيجو. غمزه بيجاد متحدثًا: _تؤمر يا إتش. بدأت أصوات الأغاني ترتفع بقوة وبدأ بيجاد في الرقص وهو يضحك بقوة وشاركه في الرقص سريعًا كلًا من غيث وأيان بينما وقف ريان وأيهم وهشام يطالعوهم بهدوء، تراجع إياد إلى الخلف خطوتان يمنعهم من محاولة إقناعه في مشاركتهم حتى! نظر ريان وأيهم إلى هشام نظرة حارقة فنظر لهم هشام واردف بيأس
وهو يرفع يديه باستسلام: _عارف، عارف، أنا السبب. ردف أيهم بجمود: _طب كويس أنك عارف.
في داخل المنزل كانت تتجمع الفتيات حول حوراء يرقصن حولها بفرحة بينما هي تقف بينهم بخجل وكانت ترتدي فستان باللون الأحمر القاتم انساب على جسدها في زينة جميلة لامعة، ووجهها خالٍ من مساحيق التجميل تمامًا، وفوق رأسها كانت مفاجأة ريان الأخرى لها، حيث تاج أبيض لامع بشكل ملكي لا يعرف معنى البساطة، يخبرها بكل جدية وحب أنها ملكته، ملكة على الجميع وعلى قلبه.
وكانت كيان تلك ذات الأصول التركية، فاقت الجميع في بهية طلتها وسحر رونقها، وبجانبها ابنة عمها التي حملت أصول روسية وملامحها الأوروبية بجدارة كانت مميزة ومنفردة بها عن من حولها من فتيات امتزن بأعين وملامح عربية أصيلة، أعين حادة تزينت بكحل عربي أسود زاد لمعانها. والسيدات حيث ليلى وعبير وسميرة يجلسن يتابعنهم ببسمة واسعة وبالطبع أنتم لا تنتظرون مني قول إلّا سميرة أليس كذلك؟
تتابع كل شيء حولها بسخط وكره، وكأنها مجبرة على التواجد هنا بينهن! وفى الخارج كان الرجال يحاولون بأقصى جهدهم أن يجعلوا الثلاثي النكدي، ريان وهشام وأيهم، مشاركتهم البهجة والرقص. _يا هشام هيبتك مش هتنقص حاجة. _صاحب الليلة قدامك، تجنبني تمامًا. رمقه بيجاد بقرف ثم نظر إلى ريان ببسمة واسعة وما كاد يفتح فمه للحديث رفع ريان يده متحدثًا بتهديد: _خلي الليلة تعدي على خير، مش عايزينها تقلب جنازة.
وبيجاد الذي لم يكن أمامه سوى أيهم، أمسك يده يحاول جذبه مرددًا: _أنت اللي مش هتكسف دعوتي. جاءه رد أيهم وهو ينفض يده عنه: _إيدك لتوحشك يا حبيبي. رمق بيجاد ثلاثتهم بتهكم وقرف، يمرر عيناه عليهم من أعلى إلى أسفل مرددًا: _البومة بريئة من أمثالكم.
وتركهم عائدًا إلى الرقص، يرقص بمهارة وكأنه قضى عمره في ذلك، وضحكاته تعلو كلما حاول أيان تقليده فيفشل، وبعد وقت طويل وصل صبر ريان إلى نهايته وشوقه إلى حورائه زاد أكثر، يتساءل عن هيأتها في ذلك الثوب. لم يراها ولم يسمع صوتها حتى. وكأن الكيلاني كان مطلعًا على تفكيره حيث تحدث إلى عامر: _هات البنات يشاركونا الليلة يا عامر.
تحركت رأس إياد لهم بسرعة والاعتراض على ملامحه، والذي لم يلحق بأن ينطق به حيث تحرك عامر سريعًا لهن، تنحنح إياد في وقفته بعدم راحة وهو ينظر إلى الرجال وهم يرقصون، ويتمازحون ويتقاذفون الكلمات بخبث ومكر، تبًا، لن يجعل شقيقاته يشاهدن هذا أبدًا. تحرك حتى وقف بجانب ريان، حدثه بخفوت حتى هز ريان رأسه وأشار للرجال بأن يتوقفوا عن رقصهم وحديثهم الذي قد يتسبب في إحراج الفتيات، حرك بيجاد ذراعيه مرددًا:
_في الكلام وهنسكت، الرقص والله ما أنا قاعد. ضحك هشام بيأس من صديقه الذي قد يتوقف في شارع يجد به موسيقى للرقص، قبل أن يوجه أنظاره إلى أصوات الفتيات مبتسمًا إلى كيان بحنان التي ركضت نحوه ليستقبل عناقها ماسحًا على رأسها بحنان: _أجمل ما رأيت يا كياني. ابتسمت تشكره بسعادة ثم تحركت إلى عناق أخيها الذي استقبلها في حنان بالغ ظهر في حركته لها وهو يضمها إليه مقبلًا رأسها بحب، همست له بصوت متحشرج من سعادتها لأجله:
_بتمنى تكون دي ليلة بداية لليالٍ كتير أبدية فيها سعادة وراحة ليك. همس لها بحب حنون: _وجودك بجانبي يجعل ليلي منيرًا يا كيان. رمقته بأعين لامعة بدموعها وسعادتها وحبها الكبير الكبير إلى أخيها، قبل أن تنتفض قائلة: _الماسكرا، الحمدلله ضد الدموع. ضحك بخفة عليها مقبلًا وجنتها، قبل أن تشهق وهي تشعر بجسدها يسحب فجأة من بين ذراعي أخيها، ولم يكن سوى بيجاد الذي أحاط خصرها وأمسك بيدها يراقصها ببسمة واسعة يغمزها بعينه مرددًا:
_عذرًا على وقاحتي ولكن... جمالك ألغى الاستئذان في الحصول عليكِ. ضيق عيناها قائلة: _مش لايقة عليك الفصحى. هز كتفيه قائلًا: _مُهرة بين الحِمار، كدا شايفك. اتسعت عيناها وأطلقت ضحكات قوية وهي تتمايل معه تشاركه الرقص بسعادة.
تسير حوراء وهي تتمسك بذراع عامر. تنظر إلى أخيها في بسمة حرجة خجولة، وإياد يرفع حاجبه كونه هو هنا ووالد زوجها يأخذ مكانه، بينما غافلة عن ذلك الذي هدأت ملامحه وعلى وجيب قلبه وهو ينظر لها كالأسير، فاق من شروده على وقوفها أمامه وأبيه يردد بمكر: _مالك يا ريان؟ تحدث وعيناه تجول على ملامحها بعشق: _ابنك عشق يا عامر. ابتسم عامر براحة وهو يرى سعادة ابنه الأكبر، تراجع للخلف مع اقتراب ريان من حوراء يقبل جبينها ثم همس لها بحب:
_كالسجن تمامًا... عيناكِ. ابتعدت عنه قليلًا بخجل، لتبتسم إلى أخيها الذي عانقها يتمنى لها السعادة السرمدية. وهشام في عالم موازي، يقف وعيناه معلقة بتلك الآية في الجمال هو يعلم ما هذا الشعور الذي بداخله لأنه شعر به من قبل ولكن هذه المرة أقوى بشكل مخيف، يشعر وكأن نبضات قلبه تصل لمسامع الجميع، ومع شروده بها لم يلاحظ نظرات صديقه الخبيثة نحوه.
بينما غيث فقد اشتعلت عيناه بالغيرة وهو يرى تلك الفتاة ترتدي هذا الثوب القصير ليتوجه نحوها وامسك بذراعها واردف بغضب تستطيع هي إخراجه بسهولة وهو من يُلقب بالهادئ في هذه العائلة: _إي القرف اللي أنتِ لابساه دا؟ أبعدت ليان يدها عنه بعنف واردفت بنبرة باردة وبسمة مستفزة تعلو شفتيها: _اسمحلي أسألك سؤال، أنت مال أهلك؟
رمقها بأعين مشتعلة بفتيل غضب يكاد يحرقها، لترفع رأسها متحركة للوقوف بجانب أخيها بينما هي كانت في الحقيقة تهرب من غضبه وشعرت بتلوي أمعائها رعبًا، سمعت همس أيان بجانبها: _مش شايفة أنه over يا ليلو؟ رمقته بجانب عينها ولم تتحدث، ليس هو أيضًا، هل بالغت حقًا؟ وإن! لن تغير وهي من بقيت أيامًا تبحث عن ثوب ينال إعجابها. _بقيت عيلة ما شاء الله مكتملة، ولازم الكل يشاركنا الفرحة ويرقص، ولا إي يا كيلاني؟ ضحك الكيلاني واردف بمرح:
_أول مرة تقول حاجة صح وبعدين مينفعش صاحب الليلة ميرقصش. هتفت ليان بتشجيع: _أكيد، يلا يا ريان. هز ريان رأسه بالرفض لتنظر له حوراء ببراءة وهي ترفع عيناها له مرددة: _أنت بتعرف ترقص؟ نظر لها ريان وابتسم لها بحب لتتمسك هي بيده وتردف بفضول لرؤيته يرقص: _ارقص علشان خاطري يا ريان.
وهو من كان بيجاد يترجاه من أول الحفل، خضع لها من أول رجاء ليتحرك مجبرًا لأجلها حتى وقف في منتصف الرجال، وبسبب قوة ريان أجبر هشام وأيهم على مشاركته بكل سِلْم، ولم يهمس لهم بالقتل أثناء نومهم أبدًا!
كان ريان يقف متقدمًا عنهم بخطوة وهم خلفه بخطوة وكان على يمينه بيجاد وهشام وأيان وعلى يساره أيهم وغيث وإياد الذي انضم إليهم أيضًا بعد رجاء من شقيقاته. انبهرت حوراء بمهارة ريان في الرقص فحتى في هذه اللحظة لم تتركه الهيبة وهو يرفع رأسه بشموخ وكانت عيناه مثبتة عليها هي حورائه يطالعها بعشق كبير. وكان الكيلاني وأبنائه الثلاث ينظرون لهم بفرحة وبعد قليل انضمت كيان وليان في الرقص معهم.
بعد وقت ليس بقليل أبدًا توقفوا عن الرقص وتوجه ريان إلى حوراء ومد لها ذراعه لتنظر هي له قليلًا ثم وضعت كفها بكفه بخجل ليسحبها للمكان الذي كان يرقص فيه وأحاط خصرها وقربها منه ووضعت هي يديها حول رقبته بخجل كبير وبدأت بالتمايل معه على نغمة الموسيقى الهادئة وكان الجميع يطالعهم بفرحة وحب.
إياد ينظر لهم وهو سعيد برؤية تلك السعادة التي في أعين شقيقته ليزداد اطمئنانه عليها معه. وفجأة حملها ريان وبدأ يدور بها وتعالت أصوات صفير بيجاد وصراخ الفتيات بحماس وفرحة وضحكات الشباب. وبعد وقت أخذ أيان شقيقته ليان وبدأ يراقصها بمرح وفعل بيجاد المثل مع كيان شعر غيث بالغيرة والغضب على ليان بملابسها هذه ولكنه تمالك نفسه حتى لا يفسد لحظة سعيدة تدخل فيها العائلة نادرًا.
تقف أريب بجانب شقيقتها وشقيقها وفجأة وجدت يد تسحبها لتنظر سريعًا لتجده عامر وهو ينظر لها بضحك لتبتسم هي برقة ورقصت معه بخفة وهي تضحك، غمز إياد شقيقته آية لتهز رأسها بالنفي وما كادت تعترض حتى شهقت وهي تجده يحملها ويدور بها في مكانه لتتعالى ضحكتها وتحاول كبتها في صدره.
ظلت عيناه معلقة عليها وهي بين أذرع أخيها شرد في ضحكتها ولمعان عينيها، يليق بها الابتسام كثيرًا، خرج من شروده وهو يعنف نفسه بشدة وقرر الانضمام لهم ففي النهاية ذاك هو صديقه من يحتفلون ليلة قبل زفافه، وجذب معه أيهم ليبدأوا في الرقص للمرة الثانية وهم يبتسمون باتساع، ورغم ضحكات أيهم كان قلبه يبكي منفطرًا، يتهيأ له طيفها حوله وهي تطالعه ببسمة وضحكاتها تعلو في مسمعه.
انتهت الليلة بيوم حافل جميل. دلفوا جميعًا إلى المنزل ويده بيدها، يهمس لها بكلمات غزل تخجلها، قبل أن يتحول وجهه الباسم إلى حدة وهو يجدها تؤخذ من قبل الفتيات وهن يتحدثن في صوت واحد: _هنكمل سهرتنا مع بعض. ليخرج رده سريعًا بلهجة حادة: _لا طبعًا. أوقفه الكيلاني قائلًا: _روحوا يا بنات، ريان في كلام نخلصه وبعدها استرجع مراتك من الأسر ده.
تنهد ريان ولم يتحدث، يظهر على وجهه الاعتراض، يكفي الساعات التي ابتعدتها في هذا اليوم عنه، ليتحدث بيجاد بسرعة: _كيان، تعالي. نظرت له كيان بتعجب قبل أن تؤمئ برأسها، وقفت بجانب شقيقها بينما رحلت الفتيات، نظر ريان إلى بيجاد بترقب، إن كان شيئًا تافهًا ستكون فرصة ذهبية للتخلص منه. نظر لهم بيجاد وجد الجميع ينظرون له بترقب ليبدأ في التحدث عن تلك الفكرة التي خطرت بباله. هتفت كيان بمرح بعدما انتهى ويبدو
أنها نالت إعجابها وبشدة: _Güzel. ثم توقف لثوان قبل أن تقول بتفكير: _بس أنا أي دوري في الخطة دي؟ نظر لها بيجاد ثم نظر إلى ريان برهبة واردف بحذر: _يعني بعد إذن الباشا الكبير الرئيس، أنتِ هتتولي مهمة الـ. وما كاد ينهي حديثه حتى زمجر ريان به بحدة: _نعم يا روح أمك؟ قفز بيجاد خلف الكيلاني مرددًا: _استنى بس خلينا نتفاهم. _أنت عارف أنت بتفكر في إي يا حيوان أنت؟
تحدث بغضب وهو يتحرك نحوه ليقف هشام أمامه ضاحكًا، مرددًا بيأس من موقفه وهو _وللسخرية _يدافع عن بيجاد: _مش قصده يا ريان، أنت عارف بيجاد وتخلفه العقلي. أتاه صوت بيجاد الساخر: _الله يكرمك. هتف عامر بهدوء وظهر في نبرته الحنين: _أنا الفكرة عجبتني، وكمان ممكن تكون هدية لمامتك الله يرحمها. نظر له ريان وبدأت ملامحه في الهدوء تدريجيًا عندما ذُكر اسم والدته رحمها الله. تحدث عامر مكملًا حديثه:
_وكمان أنا متأكد إن حوراء هتفرح بكده، وبعدين دي ليلتها هي كمان، يعني انتهز أي فرصة لإسعادها، وبكرا بعد ما الليلة تنتهي وتبقى علينا كعيلة ننفذها مراعاة لنيرانك.
أنهى حديثه بمرح بينما الجميع يهز رأسه باقتناع، ليتنهد ريان وأشاح وجهه للناحية الأخرى بامتعاض، إن وافقت هي فلن يستطيع الرفض، مستعد لفعل أي شيء لإبعادها وإن كان المقابل احتراقه، تحركت كيان سريعًا لتبدأ في تنفيذ دورها في الخطة حتى غد، وجلس هو يزفر بضيق وحنق أن انفراده بها تأجل بسبب حديث لا يعلم ما هو.
جلس بجانبه صديقيه وهما يخفيان ضحكتهما بصعوبة على صديقهم الذي تغير تمامًا بعد رؤيته لتلك الحوراء، بينما كان أيهم ينظر له وبعينه الحزن وهو يتذكر حبيبته وزوجته أيضًا وكم كان لا يطيق الابتعاد عنها مثل ريان، الآن هو يرى فيه نفسه، وعشقه لحوراء كعشقه لزوجته التي تركت فؤاده فارغًا من دفئها! في اليوم المنشود.
بدأ عقله يفيق من نومة ليل دخل إليها بصعوبة، استشعر دفئًا وملمسًا ناعمًا بين ذراعيه، ابتسم بحب وهو يفتح عيناه يمني نفسه رؤية وجه ملائكي جميل، نظر إلى ما يتوسد صدره ببسمة تزين وجهه، قبل أن تعلو البلاهة ملامحه وهو ينظر إلى ما ظنه جسد من يحبها، ولم تكن سوى وسادة! نفضها عنه ورفع جذعه العلوي ينظر لها بعدم فهم، ما الذي جاء بها إلى أحضانه بدلًا مـ...
توقف تفكيره وهو يستعيد أحداث أمس، بينما ذهب لأخذها من عند الفتيات، صعد الدرجات سريعًا حتى وقف أمام باب غرفة تخرج منها أصواتهن، طرق عليه قائلًا: _حوراء. فتحت عبير الباب تنظر له بمعنى ماذا، لينظر هو لها بمعنى ماذا أيضًا، فهو قد هتف باسم من يريدها وهذه من خرجت له بدلًا عنها، تحدثت عبير ببسمة متيبسة: _حوراء هتفضل معانا الليلة دي. رفع حاجبه قبل أن يضحك بغير مرح مرددًا: _دا عند أمك الله يرحمها، خلينا محترمين وطلعوا مراتي.
ظهرت ليلى من خلف عبير قائلة: _ريان امشي من هنا، حوراء هتفضل مع البنات. ضغط على أسنانه قائلًا: _لو فاكرين إني همشي من غير مراتي فـ... وجد فجأة من يحيط بجسده وأكثر من ذراع تجذبه بعيدًا عن باب الغرفة وصوت بيجاد يعلو بشماتة: _ليلة مش هتقتلك يا ريان، وبعدين عيب عمايلك دي، مش بنت اللي تبهدلك كدا يا صاحبي. _ورب الكعبة أنا اللي هبهدلك وأمسح بوشك الأرض، ابعد عني يا متخلف منك له. تحدث هشام بتحذير:
_بلاش غلط أحسن ما نأجل الفرح لشهر وهتتمنع من شوفتها خالص. بعدها يتذكر ضحكاته القوية مع شباب العائلة ثم لا شيء. لقد نام! واستطاعوا حقًا أن يمنعوه من أخذها، تبًا لهم جميعًا سيريهم الجحيم. قفز من فوق فراشه وما كاد يتحرك إلى الباب حتى وجد انعكاسه في المرآة بهيئة يظهر عليها النوم، وهو من يهتم بهيأته سيفضل أن يُقتل على أن يراه أحد هكذا. تتعالى ضحكاتهم وهم يتذكرون غضب ريان أمس، وفجأة قفزت كيان بينهم بسؤال:
_احنا نسينا فستان حوراء!! محدش وصى عليه. _متقلقيش يا أختي العزيزة، كله تحت السيطرة. نظروا نحو الدرج، لتحمحم كيان وتراجعت للخلف تجلس بجانب أبيها، بينما قفز بيجاد يقف خلف مقعد الكيلاني ينظر إلى صديقه بحذر مبتسمًا ببلاهة، ابتسم له ريان بغضب قبل أن يوجه بصره إلى حوراء التي أبعدت عيناها عنه بخجل، لتستمع لصوت أخيها يتحدث بجدية: _المفروض نبدأ من دلوقتي علشان نخلص بسرعة.
أومأوا له بهدوء وتأييد لحديثه، ليتحدث ريان وهو يقترب من حوراء موجهًا حديثه للفتيات: _تمام، وطبعًا مفيش خروج ليكم، كل حاجة هتكون عندكم واللي هتنقصها حاجة تقولي. أماءت له الفتيات دون أن يتحدثن، بينما قبل جبين حوراء التي اتسعت عيناها بخجل شديد هامسًا لها: _صباح الجمال يا فاتنتي. _أنت رايح فين؟ نظر لها ريان وابتسم مرددًا بحنان: _هخلص شوية شغل ومش هتأخر.
أماءت له بهدوء ليعتدل في وقفته وتحرك إلى الخارج وتبعه بقية الشباب وتفرق كل منهم لوجهته. ذهبت الفتيات إلى أعلى في غرفة كيان حتى انفجرن في الضحك واردفت كيان بضحك: _أنا أول مرة أشوف حد بيتحكم بمزاج أبيه للدرجة دي، أنتِ عملتيله إي؟ رمشت حوراء بصدمة قائلة بفزع وهي تنفي برأسها بسرعة وكأنها اتهمتها بشيء فظيع: _أنا... معملتش حاجة والله هو كدا من الأول. _ميـــن؟؟؟ صرخت بها كيان وليان معًا لتفزع حوراء من صوتهما ونظرت لهما بقلق
بينما قالت كيان باستنكار: _مين دا اللي كدا من الأول، أنتِ متعرفيش أن ريان البسمة مكانتش بتبان على وشه. نظرت لها حوراء بذهول لتكمل ليان: _أنتِ مشفتيهوش لما بيكون قالب الخلقة، أعوذ بالله منه، دا حتى جدو وعمو عامر مبيقدروش يقفوا في وشه وقت غضبه. نظرت لها حوراء واردفت بتفكير: _العكس هو مهما كان عصبي بيكون حنين برضه. ضحكت كيان وليان واردفت آية بهدوء: _إي يا بنات، هتخوفوها منه ولا إي؟ تحدثت أريب ببسمة تنظر إلى شقيقتها:
_والأهم أنه حنين وكويس معاها هي ومش مهم هو إي مع غيرها، وبعدين أنا بتمنى واحد حلو كدا زي ريان، هيبة كدا وقوة ووسامة واستغفر الله العظيم إي اللي أنا بقوله ده. ضحكت الفتيات عليها لتردف حوراء بحب ظهر في نبرتها: _أنا مستحيل أخاف منه هو فعلًا ساعات بيتعصب وبيبقى في حالة صعبة بس بيفضل في الأول وفي الآخر زوجي وحبـ... صمتت فجأة وهي تستوعب ما كادت تتفوه به، لتتورد وجنتيها خجلًا وهي ترى نظرات الفتيات لها. هتفت آية بحنان:
_ربنا يسعدكوا دايمًا يارب. ابتسمت لها حوراء واحتضنتها بقوة لتردف ليان بسرعة: _احكيلنا ياحوراء انتوا اتقابلتوا إزاي، أنا لحد دلوقتي مكدبش عليكي مصدومة من تغير ريان وأنه حب، أيوا هو مش من النوع الغبي اللي بيقول أنه بيكره الحب والكلام الفارغ ده، بس كان من شدته يهيأ للكل أنه مستحيل يخضع لمشاعره تجاه بنت مستقبلًا.
نظرت لها حوراء وتذكرت ذلك اليوم الذي حدثت فيه كل الأشياء السيئة بالنسبة لها، وقصت لهم كيف قابلته ولكنها لم تخبرهم بأمر والدها وقالت أنه تم اختطافها من رجل لا تعرفه وكانت الفتيات يستمعن لها بصدمة وذهول، حتى شقيقتيها وقد امتلأت أعين آية بالدموع على ما مرت به شقيقتها بمفردها وهي تعلم حقيقة أخفتها شقيقتها في حديثها. هتفت ليان بسرعة وعفوية: _استني، يعني أي يعملك العملية علشان المستشفى بتاعته تنجح! تحدثت حوراء بهدوء:
_هو قالي كدا، وإن العملية تصنف من أدق العمليات وبنجاحها هترفع شأن المستشفى أكتر، وبكدا نكون احنا الاتنين انتفعنا. _إي دا؟؟ عملية أي دي اللي ترفع من شأن مستشفى هي المستشفى الأولى عالـ... أوقفتها كيان بسرعة قائلة بسرعة وقد تعلى وجيب قلبها: _الحمدلله فعلًا إن العملية عدت على خير، وأهو أنتِ بقيتِ بخير وأبيه نجح في شغله أكتر، بداية علاقة ناجحة.
أنهت حديثها بمزاح لتضحك معها حوراء ولم تلاحظ نظرات ليان غير المستوعبة لما سمعته، كيف لمشفى مصنفة من المستشفيات الأولى عالميًا تفوقًا في أجهزتها الطبية وعلاجها وأمهر الأطباء بها، أن تنجح بسبب عملية كهذه! خرجت من شرودها على صوت طرقات الباب ليجدن أنه طاقم من الفتيات كاملًا لتجهيز حوراء لليلتها المنتظرة والتي أتت وأخيرًا، ومعهن حقيبة بيضاء كبيرة مخصصة للملابس أظهرت أن بداخلها ثوب زفاف فاخر.
أتى الليل واقتربت الساعة التي سيخرجوا فيها، نظرت آية إلى شقيقتها بأعين لامعة بدموع السعادة لأجلها، كانت شديدة الجمال باهرة الطلة، تبدو وكأنها نجمة لامعة بعد أن صدمتها الفتاة أنه فستان صُمم خصيصًا لها في إيطاليا، مصحوب معه تاج ملكي لامع، ثم عانقتها أريب بقوة ضحكت على أثرها حوراء. حتى سمعن صوت طرق الباب. تحركت كيان لفتحه ولم تجد أحدًا ولكن كان إياد يقف بجانب الباب وقد رأته قبل غلق الباب، لتقول بهدوء: _اتفضل.
نحت جانبًا بينما وقف إياد عند الباب، نظر لشقيقتيه مبتسمًا لهما بحنان، استقبل عناقهما برفق ثم نظر إلى تلك التي هتفت باسمه بنبرة تحمل مشاعر جياشة. نظر لها إياد وامتلأت عيناه بالدموع وجاهد كثيرًا حتى لا يبكي وهو يرى صغيرته بثوب زفاف أظهر جمالها الذي ورثته عن والدتها، اقترب منها وطبع قبلة دافئة حنونة على جبينها، ثم احتضنها بكل حب وحنان يمتلكه، هامسًا لها بنبرة أجشة دافئة:
_تبارك الله يا حور عيني، أسعدكِ الله في حياتك حبيبتي. اقتربت آية وأريب يشاركانهما العناق وآية تردد من بين دموعها: _أنا ببكي لي؟ _لأنك هبلة. تحدث أريب بضحك ليضربها إياد بخفة على رأسها قبل أن تحيط حوراء بذراعه تزامنًا مع صوت كيان تخبرهم أن أخاها بالأسفل ينتظر، على أحر من الجمر ينتظر رؤية حبيبته وزوجته وهي تُزف له.
الزواج ليس نهاية القصة، ولا بدايتها، ولكنه مرحلة يبدأ فيها المرء يراقب حياته تتغير تمامًا دون مقدرته على منع ما يحدث أن يحدث!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!