صعدت ياسمين غرفة توليب مع يزن الذي أسرع إليها يلقي نفسه بحضنها، والتقفته هي بسعادة. تحدثت ياسمين بغيظ: _اسكتي، كان هيودينا في داهية وإحنا على الغدا، عمال يشاور على أوضتك ويقول لجواد: تولي، بس ربنا ستر وما أخدش باله. ابتسمت توليب بحب لذلك الصغير الذي هون عليها كثيرًا، وقالت بامتنان: _بصراحة هون عليا كتير أوي، مش عارفة لولا هو كنت عملت إيه. تقدمت منها ياسمين تجذبها من يدها وتقول بلهجة لا تقبل نقاش:
_ما تعمليش حاجة غير إنك تقومي تنزلي معاي دلوقت، جواد خرج وقال إنه مش هيرجع إلا وخارجي. وافقت على مضض ونزلت معها للأسفل يتناولون قهوتهم في الحديقة. انتبهت توليب على صوت الخيل فسألتها بحنين: _هو الخيل قريب من هنا؟ أصلي بأسمع صوته باستمرار. _لأ، الخيل بعيد عن أهنه، ما فيش غير حصان جواد هو اللي في الإسطبل اللي جار البيت. تمتمت اسمه بخفوت: _رماح. _آه يا ستي، هو اللي عورك يوم فرحي.
ابتسمت توليب للذكرى وتحسست يدها موضع الجرح وشعرت بحنين جارف للذهاب إليه ورؤيته. رن هاتف ياسمين ونهضت لتجيب عليه في الداخل، تبعها يزن وانتفض قلبها مرة أخرى عندما سمعت صهيله. ودون إرادة منها وجدت قدميها تأخذها لهناك. سارت حتى وصلت الإسطبل، وخدمها الحظ عندما وجدته خاليًا. فتحت الباب ودلفت بروية فوجدت ذلك الحصان الذي خطف قلبها كصاحبه، واقفًا بشموخ الأدهم وسواده اللامع. تقدمت بوجل وعادت تتحسس تلك الندبة.
وذكريات تلك اللحظة تتشابه أمامها. نفس الوقت ونفس الحصان، ولا يختلف سوى المكان. دنت منه حتى لا يفصلها عنه سوى الباب الصغير، وابتسمت له بحنين وكأنه عرفها إذ أخفض رأسه وكأنه اعتذار صريح لها، مما جعلها تضحك بخفوت. فتمتمت بروية: _عايز تقول لي إنك عرفتني؟ مع إن صاحبك ما عرفنيش. رفعت أناملها بعد تردد دام للحظات لتتحسس مقدمة رأسه، وظلت تداعبه لسعادة وذكريات لا تنسى تداعب مخيلتها. في الخارج
وقف جواد يشاهد آدم وهو يقوم بعمله بتفحص تلك الآفة التي أصابت النباتات. قام بأخذ عينة منه وتقدم من جواد ليقول بأسف: _الحشرة صابت الزرع كله، ولو سيبناها هيحصل كيف ما حصل السنة اللي فاتت. انزعج جواد مما يحدث، ونظر للنبتة التي أصيبت بالفعل بشكل يدعو للقلق وسأله: _والحل دلوقت؟ _ما فيش حل غير المبيدات. جعد وجهه باستياء وغمغم برفض: _بس أنت خابر إني برفض استخدامها عشان الأمراض اللي بتسببها.
_الموضوع مش زي ما أنت فاهم، المبيدات دي أنواع. من سنين طويلة ظهرت الحشرات اللي دخلت على الزرع ودمرته كله، فالإنسان كالعادة فكر في حل يتخلص منها لجل العالم ما يدخلش في مجاعة، فاخترع المبيدات دي يرش على الزرع ويموت الحشرات، ونسي تمامًا إنه زي ما تخلص من الحشرات الضارة اتخلص معها من الحشرات النافعة اللي بتتغذى على السموم اللي في التربة والزرع. ولقى إن بعض الناس اللي أكلوا من الزرع جالهم تسمم خفيف.
_يعني جاء يحارب الطبيعة حارب نفسه. ضحك آدم وتحدث بتأكيد: _بالظبط كده، بس جاء بعدها خفف المبيد بحيث إنه ما يقضيش على كل الحشرات، يعني لو ما حاربتش الطبيعة هي اللي هتحاربك. تحدث جواد بسخرية: _وتقول إنك نسيت؟ هز كتفيه ببساطة مصطنعة: _كنت فاكر كده. _طيب أنا راجع البيت دلوقت لإني افتكرت معادي مع المحامي، باشر أنت العمال لحد ما أرجع. عاد جواد إلى المنزل وكعادته يذهب إلى الإسطبل كي يطمئن على حصانه.
تقدم من المكان وانتبه لحركة وصوت أنثوي في الداخل. قطب جبينه بحيرة وفتح الباب بهدوء، فيتفاجأ بتلك الفتاة تداعب رماح، وما زاده حيرة أنه يبادلها بغنج. فذلك الحصان لا أحد يستطيع الاقتراب منه سواه. ظل يؤكد النظر بها يريد أن ينظر لعينيها، فهو لن يخطئ في تلك العينين التي أسقطته صريعًا لها منذ أن رآها للمرة الثانية في الإسطبل. يذكر ذلك اليوم جيدًا بكل تفاصيله وكأنه الأمس.
رفعت يدها كي تمررها على مقدمة الحصان فيهدر قلبه بعنف وتزداد وتيرة تنفسه عندما لاحظ تلك الندبة. هي نعم هي، لم يخطئ قلبه عندما أخبره في البداية بأنها هي. ماذا حدث إذًا جعلها بذلك الانطواء؟ تدارى مسرعًا خلف أحد الأعمدة عندما استدارت لتنصرف وخرجت من المكان بعد أن جعلت قلبه ينبض بعنف كما فعلتها من قبل. انتبه جواد لصوت هاتفه فأخرجه من جيبه ليجيب: _وعليكم السلام. _... _آه مستنيكم في المزرعة.
أغلق الهاتف وألقى نظرة أخيرة على حصانه وكأنه يطالبه بالتأكد أكثر. عليه أن يتأكد هو بنفسه. عاد إلى المنزل وفور دخوله نادى أم نعمة والتي أسرعت إليه: _نعم يا ولدي. _خلي نعمة تروح مع حامد عند حياة وتجيبها وتيجي دلوقت. أومأت أم نعمة وهمت بالذهاب لكنه أوقفها: _أنت تعرفي البنت صاحبة ياسمين دي؟ هزت رأسها بنفي وهي تجيبه:
_لا والله يا ولدي، أول مرة أشوفها عندنا، وبعدين أنت خابر إن ياسمين ما لهاش أصحاب غير البنتين اللي حضروا فرحها. _يعني هي مش واحدة منهم؟ نفت أم نعمة بتأكيد: _لأ طبعًا مش هي، أنا فاكرة الاثنين زين ولو شوفتها هعرفها إنما دي غيرهم. هز رأسه بتفاهم بعد أن أصيب بخيبة أمل أخرى: _طيب روحي أنت. عادت أم نعمة للمطبخ وعين توليب تسألها بوجل: _سألك عني؟ نظرت إليهم بامتعاض وهتف بهم: _مش عيب عليكم تخلوا واحدة في السن ده تكذب؟
هزت ياسمين كتفيها بحيرة: _أنا برضه ما خابرة، أنت مش عايزاه يعرف بوجودك ليه؟ رمشت بعينيها وهي تحاول التحدث بثبات: _معلش ريحوني الفترة اللي قعداها معاكم وبلاش أسئلة كتير. خرجت من المطبخ عندما تأكدت من ذهابه وصعدت إلى الغرفة وأغلقت الباب خلفها لتسمح لدموعها العنان. لقد رآها وشك بها، ولولا انتباهها لوجوده لعرفها، ولن تستطيع أن تظهر أمامه بعد الآن. عليها أن ترحل بأسرع وقت.
أخذت هاتف ياسمين الموضوع على المنضدة وقامت بالاتصال على والدها. وحينما أجابها اجهشت في البكاء وهي تحدثه: _بابا. نهض توفيق من مقعده وألقى نظرة على سلوى التي تقف في المطبخ تعد الطعام ثم دلف غرفته وأغلق الباب خلفه. فهو لا يريد أن يسمع أحد حديثهم: _أنا معاكي يا حبيبتي وكنت منتظر مكالمة زي دي. اجهشت بالبكاء وقد انتهى تظاهرها بالثبات وتمتمت بحرقة: _عايزة أرجع لحياتي، مش عايزة أعيش العذاب ده من تاني.
رق قلبه لحزنها لكن عليه أن يكون أكثر حزمًا معها كي تقوى على ضعفها وتحدث بقوة: _أنت اللي بتعيديه من تاني، قلت لك ألغي تفكير المشاعر وخليكي عقلانية عشان تقدري تنسي، لكن رجعتي مشاعرك تاني تسيطر عليكي من وقت ما شوفتيه. هزت رأسها تنفي كلامه بالكذب: _بس أنا مش بأعيط عشانه. سألها بتمهل كي لا تواصل الكذب عليه: _أومال عشان إيه؟ أغمضت عينيها لتتساقط الدموع المعلقة بأهدابها وهي تجيب بضياع: _عايزة أرجع لعيلتي ولدراستي ولحياتي.
مش عايزة أعيش حياة الهروب دي، وخايفة لحد يعرفني وأكون مهددة بالسجن في أي وقت، أرجوك يا بابا أنا عايزة أرجع. تنهد بتأثر وهو مكبل اليدين لا يستطيع فعل شيئًا لها. فرغم امتعاضه من ذهابها لذلك المكان إلا إنه المكان الوحيد الآمن لها: _معلش اتحملي شوية لحد الأزمة دي ما تعدي وإن شاء الله قريب أوي.
وإن كان على قلبك اشغليه بحاجات تانية، بلاش تديه فرصة يرجع ذكرياته، وأنت كمان بلاش تتواجدي في مكان هو فيه وافتكري إنه له بيت وعيلة، مش هنكون سبب أبدًا في هدمها، أنا واثق في بنتي وعارفة أنها ما تقدرش تكون سبب في تعاسة حد. لم تخبره بأمر جواد، فإن فعلت ذلك ستثبت له بأنها ما زالت عاشقة لذلك الرجل. أغلقت الهاتف بعد أن اطمأنت والدتها عليها وأعادت الهاتف إلى المنضدة.
مسحت دموعها التي لا تكف عن النزول ودلفت المرحاض كي تتوضأ وتقيم صلاتها كي تتضرع إلى ربها وتطلب منه أن يرحمها من ذلك العشق كما رحمها من قبل. أما هو فقد دلف الغرفة والحيرة لا ترحمه. قلبه يخبره بأنها هي. لكن الجميع حوله يؤكدون بأنها ليست هي. وكلامهم الأصدق، فهو لم يراها بدون غطاء الوجه ذلك لكنهم رأوها وتعاملوا معها. لما قد تنكر أخته أو العاملة ذلك؟
كما إن توليب لا تهدأ مطلقًا فقد كانت شديدة المرح ولا تكف عن الثرثرة عندما كان يشاهدها من البعيد مع أصدقائها. لكن تلك دائمًا منطوية وصوتها مغلف بالانكسار. جلس على الفراش وقد أصبحت قدمه تؤلمه تلك الفترة إذا استمر في الضغط عليها. قام بنزعها وقرر أخذ قسط من الراحة حتى يأتي المحامي. وضع يده أسفل الوسادة وأخرج (اسكتش) الرسم الخاص به وقام بفتحه وأخذ ينظر إلى الصور التي رسمها لها.
تلك الخبيئة التي جذبته إليها بمرحها وعفويتها. نظر إلى الرسمة التي تحتويها وهي ترفع يدها لمقدمة الأدهم دون خوف كما حال الجميع. وأخرى لها وهي تستند بيديها على السياج تشاهد الحصان وهو يمرح أمامها. وأخرى بهياج الحصان وهي أمامه بيد نازفة. وكان ذلك المشهد الأخير الذي أنهى البداية. عودة للماضي كان واقفًا يباشر العمال لكن بذهن شارد. ينتظر مرور الوقت حتى يراها مرة أخرى. فلأول مرة يصادف أحد يشاركه عشقه للخيل.
افترى فمه عن ابتسامة عندما تذكر اسمها. "توليب" فهي أيضًا زهرته المفضلة. ها قد أتى الوقت أخيرًا عندما وجدها تخرج من البوابة الخلفية مع نعمة متجهين إلى الإسطبل. سينتظر قليلًا حتى لا ينتبه إليهم أحد. لكن صوت حامد الذي يناديه وهو يتقدم منه مسرعًا أربكه فسأله: _خير يا حامد في إيه؟ أخذ حامد يلتقط أنفاسه وتمتم بوجل: _الحصان رجله رجعت تنزف تاني وثاير هناك وكل ما حد يقدم منه يهيج عليه.
انقبض قلبه خوفًا عليها، أسرع لاتجاه الإسطبل كي يمنعها من الدخول لكنها سبقته إليه. دلفت توليب المكان وشعرت بالسعادة عندما وجدت الحصان داخل غرفة صغيرة وباب قصير. يسمح لها برؤيته، قالت نعمة بوجل: _أنا هستناكي بره عشان بأخاف من الحصان ده قوي. جذبتها توليب من ذراعها وهي تقول برفض: _لا طبعًا ما ينفعش تسيبيني لوحدي، اصبري شوية لما أتصور معاه.
أخرجت الهاتف من حقيبتها الصغيرة ودنت منه وهي توليه ظهرها كي تلتقط الصورة، لكن ما إن تقدمت منه حتى ثار الحصان وأخذ يرفع قدمه في الهواء وكادت قدمه أن تصيبها لولا تلك اليد التي انتشلتها بسرعة من أمامه، لكن حوافره أصابت يدها إصابة بالغة فيسقط كلاهما ويصاب جواد في كتفه. صرخت نعمة وأسرعت تنادي على الرجال. أما جواد فقد ارتعب عليها ونهض لينظر إلى يدها التي تنزف بغزارة وتضغط عليها بيدها الأخرى وهي تتألم بشدة. جذب يدها
بخوف شديد كي ينظر للجرح: _وريني يدك. لكنها شعرت بالحرج ولم تسمح له بذلك وتمتمت بألم وهي تنهض: _اطمن ده جرح بسيط. دلف الرجال ومن ضمنهم عدي الذي سألها بقلق عندما رأى حالة الحصان والدماء التي تنزف منه ومن تلك الفتاة: _خير يا جواد إيه اللي حصل؟ وضع جواد يده على جرح ذراعه وتمتم بثبات وهو ينظر إلى نعمة التي لفت جرح توليب بشالها كي تمنع نزيفه: _ما فيش حاجة، ابعتوا للدكتور ضياء بسرعة يشوف الحصان.
وجهزوا العربية عشان تروح المستشفى. نظر الجميع إلى يد توليب التي تنزف بشدة وكذلك هو وقال عدي: _وأنت كمان دراعك بينزف. حاولت توليب الاعتذار لكن جواد تحدث بألم مماثل لألمها: _لازم تروحي لأن حوافر الحصان حادة وبتسبب مشاكل كبيرة. وافقت توليب وذهبت معه وقد تولى عدي القيادة ونعمة جلست بجوارها في المقعد الخلفي. كان الألم غير محتمل لكنها ظلت ثابتة كي لا تقلقه وخاصة وهي تراه يراقبها في مرآة السيارة.
وصلوا للمشفى وتوليب لم تعد تستطيع تحمل الألم فقالت وهي على وشك البكاء كطفلة صغيرة: _حد يكلم بابا بسرعة. تحدث عدي بحكمة: _خلينا نطمن الأول عشان ما يقلقش عليكي. أبت ذلك وأصرت على مجيئه. أخذتها الممرضة ودلفت بها لداخل إحدى الغرف ودلف خلفهم الطبيب وكذلك حدث مع جواد. باك عاد إلى حاضره على صوت الباب فنهض ليرتدي القدم الصناعية وذهب ليفتحه وقالت نعمة: _المحامي تحت ومعاه ست حياة. _طيب حضري القهوة وأنا جاي حالًا.
لم تستطع حياة رفع عينيها عندما دلف جواد بل أخفضتها بإحراج من فعلتها. ألقى عليهم السلام فأجابت بخفوت، وجلس جواد على مكتبه وسأل المحامي: _عملت إيه؟ زم الرجل فمه باستياء وتحدث بأسف: _للأسف رفعت الدعوة بس اكتشفنا إن طليقها أخد الولد وسافر. اتسعت عين حياة بصدمة وقد شعرت بالعالم يتوقف من حولها. هل معنى ذلك أنها لن تراه مرة أخرى؟ انتبهت لصوت جواد الذي سأله: _اتأكدت من الخبر ده بنفسك؟ أكد له عبد المجيد بثقة:
_آه طبعًا واتأكدت إنه سافر بالفعل لشغله في دبي، بس عرفت إنه هينزل إجازة قريب وكلفت حد يعرفني وقت نزوله عشان نعيد رفع الدعوة. تطلعت إليهم حياة بتشتت وتمتمت بوهن وهي تحيط جسدها بذراعيها: _يعني مش هشوف ابني تاني؟ رمشت بعينيها وهي لا تستوعب ما يدور حولها: _هيعيش بعيد عن حضني؟ مش هالاقي حضن أتدارى فيه من قسوة الدنيا اللي مش راضية ترحمني؟ رفعت عينيها إلى جواد وسألته: _وأنت وعدتني إنك هترجعه لحضني. ضيقت
عينيها برجاء وهي ترجوه: _أرجوك رجعلي ولدي، هو الحاجة الحلوة اللي بتجيلي، نفذ وعدك ورجعه، أبوس يدك. أغمض جواد عينيه بغضب من نفسه. فهو لم يستطع الوفاء بوعده لها فحدثها بثبوت: _ما تقلقيش ابنك هيرجع لك ويكون في حضنك، وأول ما يظهر هجيبه لعندك من غير قضايا، أنا قلت أمشيها قانوني بس بما إنه لاوع معانا يبقى يتحمل. خرجت من منزل جواد وهي تشعر بألم شديد فقد ضاع أملها في عودة ابنها إليها.
وقد خذلتها الحياة تلك المرة لكن بأشد وأقسى. خرجت من المزرعة تسير بلا هوادة ولم تبالي بذلك السائق الذي أمره جواد بإعادتها إلى منزلها. خيم الليل عليها وهي تسير بتشتت وكأنها تسير وفق خطوات لا تعرف وجهتها. ماذا يخبئ لها القدر بعد ذلك؟ أخذت ترتجف إثر تلك النسمات الباردة التي واجهتها فأخذت تلف جسدها بذراعيها تلتمس الدفء. اشتدت الظلمة في طريقها لكنها لم تبالي وواصلت طريقها دون الالتفات حولها.
رغم أنه لم يتركها لحظة واحدة منذ أن خرجت من المزرعة وظل يسير خلفها يكتفي بمراقبتها والاطمئنان عليها حتى تصل إلى منزلها. توقفت عن السير حينما شعرت بخطوات خلفها. استدارت لتعرف هويته فوجدته هو. لم تشعر بالخوف منه بل لامست فعلته قلبها. لم يتركها كما تركها الآخرون ولم يبالوا بسيرها وحيدة في هذا الطريق الخالي ولا في ذلك الوقت المتأخر. تقابلت نظراتهم والتي تحكي عن احتياج كل منهما للآخر.
اجفلت عندما وجدته يتقدم منها وعادت تحتضن جسدها كما تفعل عندما تبتجل، لكن نظراته الهادئة جعلتها تستكين بهدوء وخاصة عندما وجدته يقول بروية وهو يقف أمامها: _ما تخافيش، أنا بس خفت عليكي من الطريق وقلت أمشي وراكي لحد ما حد يتعرض لك. اهتزت نظراتها وشعرت برعشة تنتابها من كلماته التي تصف مشاعر لم تصادف صدقها من قبل: _روح لحالك يا ابن الناس، أنا قضية خسرانة ما فيش مني رجا. ابتسم بحزن ورد أسى:
_كلنا كده مش أنت لوحدك، بس أدينا بنعافر قصاد الدنيا مرة بتشد ومرة بترخي، وأهي أيام وبتمر من عمرنا. تاهت نظراتها كما تشتت عقلها وهي لا تعرف ماذا تفعل. تذهب معه وتعوض احتياجها مع أطفاله أم تعود لوحدتها تنتظر عودة ذلك الرجل بابنها؟ فقال وهدان بصوت أشبه للرجاء: _قلتي إيه؟ _في غرفة مراد تجلس على الفراش تنظر إليه وهو يمشط خصلاته أمام المرآة. لا تعرف لما بدأ الخوف يتسرب إلى قلبها. منذ أن سمعت حديثه مع نور.
ما الذي ينوي فعله إثر انتهاء عدتها؟ هل يفكر مراد في الزواج منها؟ هزت رأسها بنفي فقد أخبرها من قبل بأنه لن يفعلها وهي تثق بوعده لها. لكنه أيضًا لم يعدها بشيء، لقد طمأنها فقط عندما أخبرها أبيها بأنه سيحن يومًا للإنجاب وسيجبر حينها على الزواج من أخرى. ماذا ستفعل لو فعل ذلك؟ هي تعلم جيدًا بأنها لن تتحمل رؤيته مع أخرى. ولن تتحمل أيضًا أن يظل وحيدًا دون طفل يحمل اسمه ويكون سندًا له.
انتبه مراد لشرودها فألقى الفراشاة من يده وتقدم منها بابتسامة بدلتها إياه تمحي بها قلقها. فاستلقى بجوارها وهو يتمتم بابتسامة: _مالك سرحانة في إيه؟ هزت كتفيها بنفي وقالت برقة: _فيك طبعًا. رفع حاجبيه متمتمًا بمزاح: _بس كده؟ هزت رأسها بتأكيد: _أنت عارف ومتأكد إني ما عنديش غيرك أفكر فيه. _بس أنا برضه خابرك زين وخابر إن فيه حاجة شغلاكي بقى لك فترة. شعرت بأن حديثه يخفي شيئًا أو يود التطرق لأمر ما فقالت بدون مقدمات:
_مراد أنت ممكن تتجوز عليا؟ لم يتفاجأ بسؤالها فهو يعلم بأن وجود نور سيسبب الغيرة لها ولزوجة أخيه. فرد بجدية بها بعض المماطلة: _شوفي يا سلمى أحنا عايشين في الدنيا دي بنفذ الأقدار اللي ربنا قسمها علينا من قبل حتى ما نتولد. أنا ما أقدرش أوعدك بحاجة أنا ما أعلمش الغيب فيها، بس حقيقي أنا مش رايد غيرك في حياتي. ازداد قلقها بعد حديثه وخاصة عندما أولاها ظهره وأغلق الضوء.
لا يفعل ذلك إلا عندما يود الهرب من مواجهتها، يبدو أن حديث والدها صحيحًا حينما أخبرها بأنه سيفعلها عاجلًا أم آجلًا. ماذا ستفعل لو فعلها حقًا؟ كيف ستتحمل مشاركة أخرى فيه؟ فالانسحاب غير وارد في قاموسها فهي لن تستطيع البعد عنه مهما حدث. رغم أنها تعلم جيدًا بأن ما تشعر به تجاهها ليس سوى مودة خالصة. أما هو فقد شعر بنصل حاد يخترق قلبه وهو يرى خداعه لها. لكن ماذا يفعل وكل شيء يوضع أمامه تحت الإجبار؟
علمه والده منذ صغره أن يكون الحمل الأكبر من نصيبه ولذا عليه أن يواصل التحمل مهما بلغ الحمل على كاهله. أما نور فقد ظلت حبيسة تلك الغرفة لا تفارقها مهما حاولوا الضغط عليها. فقد قررت الانتظار حتى تضع طفلها ويتم تسجيله شرعًا وحينها لن تظل لحظة واحدة في ذلك المكان فقط عليها التحمل والصبر. حتى يأتي ذلك اليوم. ... _قلتي إيه، موافقة تكملي معايا ولا لأه؟
التقت عيناهما وكل واحد فيهما ينظر إلى الآخر بأسئلة كثيرة حتى شعروا بأن العالم توقف من حولهم ولن يكمل مسيرته حتى تتم الإجابة عليها. لكن صوتها الخافت أنهى كل تلك الأسئلة وكان جوابًا واحدًا كافي بأن يرد على الجميع: _موافقة. لاحت ابتسامة على فمه لكنها لم تظل طويلًا. حينما تابعت: _بس هيكون حبر على ورق. لم يرفض أو يجادل سيكتفي بذلك ولن يضغط عليها: _وأنا موافق، يلا عشان أوصلك لأن الوقت أخر قوي.
أومأت له بصمت وسارت معه حتى وصلوا إلى المنزل وانتظر حتى رآها تدلف وعاد إلى منزله. للمرة التي لا يعرف عددها يجد أطفاله لوحدهم في المنزل مستلقين بإهمال على فراشهم دون غطاء في ذلك البرد القارس. تقدم منهم لينثر الغطاء عليهم وذهب إلى المطبخ فتتفاجأ بأن خالتهم لم تعد لهم طعام العشاء وناموا جوعًا. انفطر قلبه على حالهم وقام بإعداد أطعمة خفيفة وذهب إليهم كي يوقظهم لتناول الطعام.
استطاع إيقاظهم بعد عناء وأخذ يطعم الصغيرة التي تبلغ من العمر ثلاث سنوات فلاحظ ملابسها المتسخة وكذلك الآخرين. لم تعد خالتهم تهتم بهم منذ خطوبتها ولا يلومها على ذلك. نظر إلى زينة وتحدث بتردد: _أنا بأفكر... يعني أجيبلكم واحدة تفضل معاكم أهه وتاخد بالها منيكم. _وخالتي؟ _خالتك خلاص مبقتش فاضية عشان بتجهز لفرحها، وكمان اللي هتاجي دي هتفضل معاكم وتبات كمان، ها جولتي إيه؟ موافقة؟ ردت برضا: _آه موافقة، بس هتاجي ميتى؟
سعد لموافقتها وقال بحب: _في أقرب وقت إن شاء الله. لم يستطع تركهم للنوم بتلك الملابس فقام بتبديلها لهم، ثم وضعهم على الفراش ليناموا. *** بعد مرور أسابيع قليلة، استقبل مراد ومؤيد صديق آسر المقرب والذي كان مقيم معه في الخارج. وبعد الترحيب تحدث بجدية وهو يضع حقيبة صغيرة أمام مراد:
_الشنطة دي فيها بعض المتعلقات بآسر الله يرحمه، كان ناسيها في أمريكا ولما نزلت قلت أجيبها معايا يمكن تكون فيها حاجة مهمة، ولما روحت لوالده رفضوا وقالوا إنه تعبان ومش هيقدر يقابل حد، فقلت أجيبها ليكم أفضل. شكره مؤيد، لكن مراد شعر بالرهبة من تلك الحقيبة، لا يعرف لماذا. وبعد انصرافه قام مراد بفتح الحقيبة ليكتشف أنها أوراق طبية وبعض التحاليل. ظل يقلب بينهم حتى وجد أحد التحاليل والتي تثبت بأن أخيه لا يستطيع الإنجاب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!