الفصل 9 | من 33 فصل

رواية التل الفصل التاسع 9 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
19
كلمة
4,442
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 27%
حجم الخط: 18

فاقت توليب من شرودها على صوت الصغير الذي تململ في نومه، فربتت على ظهره وهي تهمس له ببعض الكلمات التي جعلته يهدئ ويعود لنومه مرة أخرى. تنهدت بتعب من عودة الذكريات التي ظنت بأنها محتها من عقلها، لكن يبدو بأنها أخطأت حينما ظنت ذلك. فقط هدأت مشاعرها التي استطاعت ترويضها بعد عناء وبكاء ليالي طويلة، لن تسمح بعودتها مرة أخرى، فيكفي ما مرت به ولن تعود وتتعذب كما حدث من قبل.

سمعت صوت الآذان لصلاة الظهر، فنهضت كي تؤدي فرضها وتحاول ألا تشغل نفسها بشيء آخر. ودعت ربها أن يزيح غمتها بأسرع وقت قبل أن تعود نار الحب التي استطاعت إطفاءتها بعد عناء وتشتعل من جديد. لن تتحمل. *** في منزل مراد، دلف مؤيد المنزل وأشار لنور بالدخول، فدخلت بوجوم انتهى سريعًا عندما وجدت مراد يترجل من الدرج ولم يتفاجأ بوجودها وكأنه كان منتظرها. تقدم منها، وهم مؤيد بالحديث لكنه منعه بإشارة من يده وتحدث هو بوقار:

"رايد أقول كلمتين قبل ما تدخلي الدار دي وتعيشي معانا." رفعت عينيها إليه بحيرة، وتابع هو حديثه بجدية: "بصرف النظر عن الطريقة اللي دخلت بيها حياتنا، بس في دلوقتي روح بتربطك بينا وبتربطنا بيكي، ولازم كل واحد يتغاضى عن أي سوء، وأولهم جوازتك الباطلة من أخوي." "مراد ملوش داعي…" قاطعه مراد بحدة: "محدش يقطعني وسيبني أخلص حديدي." تابع بقوة:

"إني كلمت محامي وطلبت منه يحاول يثبت العقد بأي شكل، عشان الطفل اللي جاي ده ميتأخذش بذنبكم ويقولوا عليه ولد حرام." رمقته نور بغضب وصاحت به: "أنا مسمحلكش إنك تتهمني…" قاطعها بحدة أشد: "أنا مجلتش حاجة من دماغي، دي حقيقة. لا زواج بدون ولي، حتى لو كان عند مأذون وبإشهار. وإنتي وافقتي بدون ولي وبدون إشهار، يعني جوازة باطلة، أو بمعنى أدق جواز محرم. لو الحكومة اعترفت بيه فالشرع غير معترف. وبعد شهور العدة هيكون فيه حديث تاني."

أنهى حديثه وخرج من المنزل متجهًا للصلاة ويستغفر ربه بتضرع حتى وصل للمسجد. نظر مؤيد إليها بإحراج وتمتم معتذرًا: "إني مش عارف أعتذرك إزاي بس…" قاطعته نور بوجوم: "متأقولش حاجة، هو عنده حق في كل كلمة قالها، بس لو كنت أعرف كل ده مكنتش وافقت أبدًا، بس ده قدري ولازم أرضى بيها." أخذت حقيبتها وتحدثت بجدية: "لو تقدر توفر لي أوضة تانية هكون شاكرة ليك." أومأ لها بتفاهم: "حاضر." نادى على العاملة التي أسرعت إليه: "نعم يا بيه."

"اطلعي مع ست نور ودخليها الأوضة اللي جنب أوضة الدكتور مراد." تطلعت إليه نور بإحراج: "مفيش أوضة غيرها؟ ابتسم إليها ببشاشة وتحدث برزانة: "متجلجيش من أي حاجة. اطلعي أوضتك واعتبري إن البيت بيتك. بعد إذنك هلحق الصلاة قبل ما تفوتني." خرج مؤيد، وحملت هي حقيبتها وصعدت مع العاملة حتى وصلت للغرفة. في الأسفل، دلفت سهر المطبخ وهي تغمغم بحنق: "عجبك كده؟ اديها رجعت تاني." ابتسمت سلمى التي تقف أمام الموقد تحضر

الطعام لخالتها وسألتها: "وإنتي إيه اللي مضايقك من وجودها؟ البنت شكلها بنت حلال وطيبة." ردت بسخرية وهي تجلس على المقعد: "طيبة؟ دي شكلها مش سهلة أصلًا، وبصراحة إني أخاف على جوزي منها." أغلقت سلمى الموقد وفتحت المبرد لتخرج منه بعض الأطعمة وهي تقول بيأس منها: "لا متخافيش، خلي عندك ثقة في نفسك أكتر من كده." اغتاظت سهر من حديثها ونظرت إليها بحنق وهي تجهز طاولة بطعام إفطار: "الفطار ده لمين؟ حملت سلمى الطاولة وردت بإيجاز:

"للي مضاقتش الأكل من امبارح." صعدت إلى الطابق العلوي فوجدت حنان تخرج من الغرفة المجاورة لها فسألتها: "خير يا حنان؟ "دي الست نور أخذت الأوضة دي وكنت بنضفها." أومأت لها سلمى: "طيب روحي انتي." دلفت سلمى بعد أن طرقت الباب فوجدت نور جالسة على الفراش بكمد. رأفت بحالها ووضعت الطعام على المنضدة وجلست بجوارها لتقول بتأثر: "نور أنا آسفة لو مراد قال كلام ضايقك، بس صدقيني…" قاطعتها نور بثبات وهي تنظر إليها:

"بس الدكتور مراد مقالش حاجة غلط، هو قال الحقيقة مش أكتر. حقيقة إني إنسانة ساذجة، أضحك عليا بكلمتين حب مزيفين وجريت ورا وهمه عشان أفوق في الآخر على ألم دمر كل حياتي." أخذت نفس عميق وأخرجته بآسى: "صدقيني أنا مش زعلانة منه أبدًا. وإن كنت وافقت أرجع مع مؤيد فده عشان أنقذ ابني من سهام هانم. ولو ليا مكان تاني مكنتش قعدت لحظة واحدة هنا." تبدلت ملامح سلمى للحزن وتمتمت برأفة:

"أنا معرفش إيه اللي حصل وخلاكي تمشي كده، بس أنا عارفة إن مراد صعب يتقبل حاجة زي دي وممكن يكون قالك كلمة جرحتك، لكن هو عمره ما ظلم حد. وخليكي واثقة إن محدش منا هيظلمك لأي سبب من الأسباب." ربتت على يدها وقالت بحب: "أنا هنزل أفرح خالتي لأن من وقت ما عرفت إنك مشيتي مبطلتش عياط. أنا جبتلك حاجة خفيفة تاكليها لحد ما نحضر الغدا." هزت نور رأسها برفض: "مليش نفس." "مينفعش، إنتي حامل ولازم تاكلي." ربتت على يدها وخرجت من الغرفة.

أما نور فقد تركت لدموعها العنان وأخذت تبكي بنحيب تتمزق له القلوب. تبكي على كل شيء، على من ملك فؤادها يومًا واستطاع خداعها ببراعة حتى جعلها تسلم نفسها له بكل رضا، وعلى والدتها التي توفت بحسرتها، وطفلها الذي لم يرى النور بعد وقد لقب بابن حرام. ماذا لو لم يستطيع المحامي تسجيل العقد؟ ماذا ستفعل حينها؟ بمن سينسب ذلك الطفل؟ زاد بكاؤها ولم تستطيع التوقف وقد انهار كل شيء من حولها. ***

عاد وهدان من عمله فيجد بناته وحدهن منتظرين عودته. ترك الحقائب من يده وتقدم منهم بقلق: "مالكم قاعدين كده؟ أومال فين خالتكم؟ قالت زينة، وهي ابنته الكبيرة بعمر الثمانية أعوام: "خالتي مجاتش النهاردة بتقول إنها بعافية." ازداد امتعاضه من تلك المرأة، لكن لن يلومها فقد انشغلت في تجهيز عرسها. فعاد يسألها: "اتغديتوا؟ هزت زينة رأسها بنفي، فانفطر قلبه عليهم: "ليه يا زينة؟ "معرفتش أسيب أخواتي لوحديهم وأخرج أجيب أكل."

تقدمت الصغيرة منه والتي لم يتعدى عمرها الثلاثة أعوام وتمتمت: "إني جعانة." ازدرد غصة في حلقه ونزل لمستواها ليقول بتشجيع: "إيه رأيكم لو نعمل كلنا الأكل مع بعض؟ للثلاث فتيات بسعادة، فقام بحمل الحقائب ودلف بهم للمطبخ كي يعد لهم الطعام.

بعد تناول العشاء، أوى الأطفال للفراش إلا من الصغيرة التي اعتادت النوم بين ذراعيه منذ وفاة والدتها. وضع طفلته الصغيرة في فراشها وجذب عليها الغطاء وفعل المثل مع الآخرين، وجلس يفكر فيما انتواه وأجله كثيرًا. خرج من المنزل وطرق على باب أحد الجيران القريبة منهم، فخرجت له سيدة كبيرة في السن، فقال بتهذيب: "بعد إذنك يا خالة، كنت رايدك تجعدي مع البنات لحد ما أروح مشوار وأرجع طوالي." أومأت المرأة برحابة صدر:

"من عينيه يا ولدي، روح انت وإني هفضل معاهم لحد ما ترجع." "كتر خيرك." ذهب إلى وجهته وهو يدعو بداخله أن يوفق في تلك الخطوة. هو بداخله لا يريد، لكن عليه ذلك لأجل بناته. توقف أمام باب منزلها ورفع يده بتردد ليطرق بابها، لكن فوجئ بالباب يفتح ويجد أختها أمامه، فتسأله بريبة: "انت مين؟ رد بهدوء: "إني جاي أقابل عمك إذا كان موجود." تقدم صالح من الباب يسألها: "واقفة كده ليه؟ نظر إلى وهدان وقال بثبوت: "مرحباً يا ولدي، اتفضل."

دلف وهدان وجلس مع صالح في مضيفته. وبعد حديث قصير قرر فتحه في الأمر: "أنا حابب أدخل في الموضوع على طول، إني جاي أطلب منك إيد بنت أخوك حياة." ***

جلست ياسمين في الحديقة وهي تتنفس لأول مرة رائحة الحرية بعيدًا عن ذلك السجن. لاول مرة منذ أعوام عديدة لم تشعر بأنها تحت ضغط شديد. ما بين قلبها وبين عقلها الذي كان وما زال رافضًا لذلك العشق المحرم. ورغم تحررها إلا إنه ما زال رافضًا له، لكن تلك المرة خوفًا عليه. جدها لن يرحمه إن علم بقصتهم، فإن وافقت من قبل على حكم الإعدام لأجله، فعليها أن تقبل بالبعد الشاق لأجله أيضًا. وكأن التفكير وحده لا يكفي، إذ

سمعت صوته من خلفها يقول: "السلام عليكم." اهتزت نظراتها ولم تقوى على الالتفات إليه، وأخذ قلبها يهدر بعنف، وخاصة عندما تابع: "أنا جاي أقابل جواد." حمحت ياسمين وكأنها تبحث عن صوتها ونهضت لتجيب دون الالتفات إليه: "جواد؟ فوفق هطلع أناديها." سرعت بالولوج، وأخذ هو ينظر في أثرها حتى اختفت من أمامه. ما زالت تلك الفتاة التي يهتز ثباتها عندما ترتبك، وتصبغ وجنتيها باللون الأحمر عندما تتلعثم أمامه.

جلس على مقعدها وجالت الذكريات في خاطره. آتي إلى القصر لأجل الانتقام، فيسقط هو صريع العشق الذي أحكمه وقيده بقيود الهوى. عاد من شروده على يد جواد التي ربتت على كتفه: "رجعت للسرحان تاني؟ جلس على المقعد قبالته فابتسم آدم بمصابرة: "مش سرحان ولا حاجة، إني سبت القصر وجاي أشتغل عندك." عاد جواد بظهره للوراء وقد تلاعب الشك بداخله عندما وجده يتهرب بعينيه من مرمى عينيه:

"بس انت من يومين كنت رافض شغلك في المزرعة، إيه اللي غير رأيك؟ "مفيش، كل الحكاية إني ملقيتش شغل برة القصر فجلت أجي عندك، إلا إذا بقا مش عايزني معاك." لم يرد الضغط عليه وتركه حتى يأتي ويخبره بنفسه، فتحدث بثبوت: "على العموم، إني كنت محتاج لمهندس زراعي ومش هلاقيه أفضل منيك." أيده آدم بشدة: "وأني معنديش مانع، مع إنك هترجعني للدراسة من تاني لإني نسيت كل حاجة درستها." "إني واثق إنك قدها. المهم احكيلي إيه الأخبار في القصر؟

"مفيش جديد من آخر مرة كنت هناك، والأمور ماشية زي ما جدك عايز والكل طواعية كالعادة." *** اندهش صالح من طلبه لكنه رحب بذلك. فهو يعرفه جيدًا ويعلم بأخلاقه، فقال بحيرة: "والله يا ولدي إني مجدرش أقول فيك حاجة، بس هي من وقت اللي حصل وهي مش طبيعية، وأني خايف لـ اللي حصل مع جواد الخليلي يحصل معاك."

"متجلجش، إني خابر كل حاجة وخابر إنها عملت كده من حرجتها على ولدها، بس جواد بيه الله يكرمه رفع دعوة بالحضانة، وانت خابر زين إن المحامي ده مبيخسرش أي قضية، وأني رايدها تعوض حرمانها مع ولادي لأنهم محتاجين أم، يعني هما هيعوضوها عن ابنها وهي تعوضهم عن أمهم." هز رأسه بحيرة: "والله يا ابني الموضوع ده في يدها هي. إني هبلغها وارد عليك، وإن كان عليا معنديش مانع." ابتسم وهدان بامتنان واستأذن منه:

"طيب اسمحلي أستأذن لأن البنات لوحدهم وهستنى ردك." نهض صالح ليوصله للخارج: "إن شاء الله." *** دلفت ياسمين غرفة توليب فتجدها منطوية على نفسها في الفراش، ويزن يلهو بجوارها. تقدمت منها لتجلس بجوارها وتحدثت بيأس: "وبعدين يا بنتي؟ هتفضلي حابسة نفسك كده؟ ابتسمت توليب بمرارة وهي تعتدل في جلستها لتتمتم بحزن: "عايزاني أعمل إيه؟ وأنا في أي لحظة ممكن أتحبس ويضيع مستقبلي."

"إني صحيح معرفش حاجة عن القواضي والحاجات دي، بس اللي كلنا عارفين إن ده دفاع عن النفس. أولًا ده تعدي بالاغتصاب، وثانيًا تعدي على أبوك بالخنق لولا إنقاذك منه. ولو كنتي سلمتي نفسك في الوقت والحال مكنتش هتاخدي يوم واحد بعد ما يشوفوا آثار الاعتداء عليكي وعلى أبوكي." ابتسمت بمرارة:

"لو كان بالسهولة دي مكنتش ههرب إطلاقاً، بس المواضيع اللي زي دي بتاخد وقت طويل أوي لحد ما يعرضوكي للنيابة والنيابة تحولك للطبيب الشرعي وبعدها للمحاكمة، وده اللي خلى بابا يعمل كده ولبس نفسه التهمة بدالي." "طيب خلينا نعرف جواد وهو يحكي لمحامي العيلة ونشوف هيقولنا إيه؟ هزت رأسها بنفي وتحدثت بتحذير: "لأ، أوعى. لو عملتي كده همشي. مش لازم جواد يعرف أنا مين؟ ضيقت ياسمين عينيها بحيرة، فعدلت توليب حديثها كي لا تشك ياسمين بشيء:

"أقصد يعني إني هتحرج من الموقف، فبلاش تعرضيني للاحراج ده." تنهدت باستسلام: "خلاص، اللي تشوفيه. مع إني مش معاكي في اللي بتقوليه ده." حدثتها برجاء وهي تمسك يدها: "معلش، ياريت تريحيني. كفاية إني ظهرت قدامه من غير النقاب ودي أول مرة تحصل."

"شوفي يا توليب، جواد أخويا غيور قوي، يعني مستحيل تلاقي حد من رجّالته داخل البيت من جوه غير حامد، لأن أمه وأخته اللي شغالين في البيت. بس بوجودي مش هيقدر يدخل تاني، بمعنى إن ملوش لازمة من أساسه. وبالنسبة للنقاب." وبعدين متنسيش إن وقت ما يلاقييكي بالنقاب هيعرفك على طول. تحسست توليب تلك الإصابة التي ما زالت آثارها مطبوعة على يدها، وهزت رأسها بتفاهم: "إن شاء الله هنزل، بس لما أضمن إنه بره البيت." ربتت ياسمين

على يدها وتحدثت بمصابرة: "خلاص، اللي تشوفيه. إني هنزل أشوف أم نعمة خلصت الغدا ولا لسة، وهرجعلك تاني." خرجت ياسمين بعد أن أخذت يزن كي يرى والده، وأخذت توليب تتحسس ذلك الجرح الذي ما زال تاركًا أثره على يدها، كما ترك أثره في قلبها. عادت إليها ذكريات ذلك اليوم. **فلاش باك** انتبهت توليب لصوت إلين التي نادتها، فنظرت إليه لتستأذن منه: "بعد إذنك، أنا لازم أرجع." استدارت لتمضي، لكنه أوقفها قائلاً:

"لو رايدة تتعرفي على الخيل أكتر، خلي نعمة تجيبك على الإسطبل بكرة قبل المغربية. في الوقت ده الخيل بيكون هادي." أومأت دون قول شيء وذهبت مع إلين التي اندهشت من وقوفها معه: "معقول توليب تقف مع شاب وتتكلم معاه؟ عجيبة بجد." صححت لها توليب بابتسامة: "تقصدي الحصان مش صاحبه." أكدت إلين بغيظ: "لأ، أقصد صاحبه. مش هو. يلا حسن عمو سألني عليكي."

ظلت توليب طوال الوقت تنتظر تلك المقابلة بفارغ الصبر، حتى شعرت بأن الوقت ثابت لا يمر. ارتدت نقابها وتوجهت للشرفة كي تقف بها قليلاً، فإلين نائمة وياسمين في غرفتها.

خرجت إليها، فتندهش عندما وجدت جواد ما زال داخل السياج مع حصانه. ظلت تراقب اهتمامه به، والحصان الذي أخذ يمرح داخل السياج ثم يتقدم من مالكه وكأنه يلتمس منه الدلال. اندهشت من ذلك الترابط بينهم، وكأنهم صديقين تحابا منذ الصغر. ودت في تلك اللحظة أن تنزل وتشاركهم ذلك الترابط، لكن لا تملك الجرأة لفعلها، كما إن دينها لا يسمح بذلك. عادت للداخل وأغلقت الضوء واستلقت على الفراش وهي تناشد النوم كي تمر تلك الليلة التي طالت كثيرًا.

عادت من ذكرياتها على دخول ياسمين: "يلا ياستي، جواد خرج وجال إنه مش هيرجع إلا متأخر." تقدمت منها ياسمين تجذب يدها: "يلا بقى نتغدى ونتمشى شوية في الجنينة." وافقت توليب على مضض ونزلت معها لأسفل وتناولت طعامها مع ياسمين ويزن، الذي ألف وجودها وأخذت تطعمه بيدها وهو يلتف حول المائدة بمرح. نظرت توليب إلى ياسمين وسألتها بتردد: "ياسو، ممكن أسألك سؤال؟ تركت الملعقة من يدها وردت بتأكيد: "أكيد طبعًا، اتفضلي." تحدثت بإحراج:

"ليه حرمتي نفسك من طفل زي ده؟ يمكن لو خلفتي من خالد كان هيكون دافع له إنه يتغير لما يحس إنه بقى أب ومسؤليته كبرت." ابتسمت بمرارة وهي تجيبها: "هتصدقيني لو جلتلك إني كنت بتمنى ده أكتر من أي حد في الدنيا؟ زادت مرارتها وهي تتابع بحزن: "بس إني كنت خابرة مصيري زين جوي، فمحبتش يكون ابني ولا بنتي مشتتين بعد الطلاق. أنا مفكرتش في الحبوب دي إلا بعد ما اتأكدت من خيانته لي." نظرت إليها بقهر وتابعت:

"خابرة يعني إيه تبجي لسه عروسة وجوزك يسيبك ويروح لواحدة تانية؟ كأنك مزعتي قلبي بسكينة تلمة. ومن وقتها أخدت الحبوب وقررت إن مخلفش منه لحد ما أتأكد إنه اتغير." ابتسمت بسخرية مغمزة بالألم: "بس للأسف، كل مدى ما كانت خيانته بتزيد، وعشان كده أصرت على الطلاق في الآخر." نهضت من الطاولة وقالت بتهرب: "إني هخلي نعمة تعملنا شاي ونشربه في الجنينة، هتنبسطي جوي فيها."

أومأت لها توليب وتركتها تتهرب من حديثهم، ونهضت هي أيضًا كي تغسل يدها وأخذت يزن معها. *** لم تندهش حياة عندما فاتحها صالح في الأمر، فقد كانت تلاحظ نظراته لها في المزرعة، حتى عندما وقف يحامي لها أمام سيده، فقال صالح: "بصراحة يا بنتي، إني مش هلاقيه أفضل منيه ليكي. ابن حلال ويستاهل كل خير. وكفاية وقفته مع مرته في مرضها، وأني كبرت ورايد أطمن عليكي قبل ما أموت." رمشت بعينيها مرات متتالية وتمتمت بخفوت:

"بعد الشر عليك يا عمي، ربنا يديك الصحة." "تسلميلي يا بنتي، بس إني الحمد لله اطمنت على اختك ورايد أطمن عليكي انتي كمان. ها جولتي إيه؟ تنهدت بتعب: "سيبني أفكر شوية وبعدين أردك عليك." عادت إلى غرفتها وهي تفكر في طلبه. تعلم جيدًا بأنه يود أم لأولاده، ولا تنكر بأنها تريد أيضًا أبًا لابنها عندما يعود إليه. لكن ماذا ستفعل لو تزوجت وخسرت القضية بسبب ذلك؟

كما إن والدتها متوفاة حتى تترك الحضانة معها. لا، لن توافق وتخسر طفلها، وهذا قرارها الأخير. *** نهضت آمال من الفراش وهي تصر على الذهاب إليها عندما أخبرتها سلمى بعودة نور. "طيب خليكي يا طنط، وأنا هبعتله." ردت آمال بإصرار: "لأ، إني اللي لازم أطلع لها عشان أعتذر من اللي قاله ابني."

وافقتها سلمى وأخذت بيدها لتساعدها على الصعود للدرج. وعندما عاد مراد من الخارج ووجد والدته تهم بالصعود على الدرج بمساعدة سلمى، علم حينها بأنها ذاهبة إليه. تقدم منهم ليساندها على الصعود، لكنها ابت ذلك وغمغمت بامتعاض: "كتر خيرك يا ولدي، مش محتاجة مساعدتك." تنهد بتعب وتمتم بلوم: "ليه بس يا أمي؟ إيه اللي حصل لكل ده؟ رمقته آمال بعتاب وغمغمت بملامة: "مكنتش تيجي منك انت ياشيخ مراد اللي حافظ كتاب ربنا." قطب

جبينه بحيرة وسألها بجدية: "وإني إيه اللي عملته عشان أكون أغضبت ربنا؟ تمتمت بإدانة: "وكنت رايد تعمل إيه أكتر من اللي عملته؟ بدل ما نرحب بيها ونحسسها بأنها وسط أهلها، نجوم نتهمها في شرفها ونعاملها بالشكل ده." استنكر مراد حديثها وتحدث باعتراض: "إني متهمتش حد، إني بعرفها غلط عملتها."

"مش بالطريقة دي يا ولدي ومش وقته. وبعدين انت خابر زين إن الإنسان غير محاسب على وزر ميعرفش حرمانيته. والغدر هنا جاه من أخوك مش منها. كل الحكاية إنها حبته ووثقت فيه وهو اللي غلط مش هي. وهنا دورنا إننا نحتويها ونعتذر بالنيابة عنه مش نعاملها بالطريقة دي." زم فمه دلالة واضحة على مدى استيائه وغمغم بضيق: "خلاص يا أمي، إني اعتذرتلها وهي هتعيش بعد كده معززة مكرمة في البيت هنا لحد عدتها ما تخلص."

عقدت آمال حاجبيها بعدم فهم وكذلك سلمى التي أخذ قلبها يهدر بخوف، فسأله آمال: "تقصد إيه؟ تهرب مراد من أسئلتهم: "كل وقت وله أدان يا أمي، بعد إذنكم." صعد إلى غرفته وترك سلمى بقلب ينتفض خوفًا. ماذا يقصد بحديثه؟ ساندت خالتها وصعدت بها إلى غرفة نور، والتي ما زالت مستمرة في البكاء. وعندما سمعت صوت الباب محت دموعها ونهضت لتفتحه، فوجدت آمال وسلمى أمامها. فارتدت لتسمح لهم بالدخول، فتحدثت آمال بعتاب وهي تجلس على المقعد بارهاق:

"إكدة برضك تمشي وتسيبيني بعد ما رديتي فيا الروح." اخفضت عينيها بأسف وتمتمت باقتضاب: "صدقيني غصب عني." أشارت لها لتجلس بجوارها: "إني خابرة إنك مصدومة في آسر زي ما أنا انصدمت فيه، بس أكيد كان في سبب للي عمله ده." ابتسمت بمرارة وتمتمت بآسى: "مش هتفرق خلاص، اللي حصل حصل وانتهى، مفيش داعي نتكلم فيه." تقدمت منها سلمى وتحدثت بحيرة: "بس أنا عارفة آسر كويس، مش ممكن يعلم حاجة زي دي. ممكن يكون عمل كده خوف عليكي من أبوه."

لم تقتنع نور بدفاعها عنه وتمتمت بإباء: "أنا مرجعتش عشان أستمر معاكم، كل الحكاية إني هفضل لحد ما المحامي يثبت العقد والاقي مكان مناسب أعيش فيه أنا وابني، وبعدها همشي من سكات." "ليه يا بنتي؟ عايزة تحرميني من عوض ابني؟ "أنا مش بحرمك، بس ده أفضل حل للكل. أنا عايزة أكمل حياتي مع ابني بهدوء، مش عايزة أدخل في صراعات وشك وغيره. وبعدين أنا مش همنعه عنكم، ولما تحبوا تشوفوه مش همنعكم." همت آمال بالمعارضة، لكن سلمى تحدثت بروية:

"ربنا يسهل. لما ييجي وقتها هيكون لينا كلام تاني." لم تجادل نور وأومأت بصمت. نعم، ستؤجل أي قرار لحين يأتي ذلك اليوم. *** مرت الأيام على الجميع وما زالت توليب حبيسة غرفتها. تعلقت بيزن كما تعلق هو بها، وأصبح يقضي وقته معها، حتى في نومه يبكي إن لم يجدها بجواره. وأثناء الغداء، جلس جواد على الطاولة وهو يشعر بالسعادة عندما تقدم منه طفله ونطق تلك الكلمة التي حلم بها كثيرًا: "بابا." ابتسم جواد وهو ينظر إليه بتوق، فهم بحمله،

لكنه أشار بإصبعه الصغير: "تولي." نظر جواد لياسمين يستفهم عن مقصده، فقالت بارتباك: "ده يقصد زهرة، لأنه اتعود إنها تأكله." ضيق جواد عينيه بحيرة وهو يستفهم منها قصة تلك الفتاة: "انتي بتقولي إن أهلها مسافرين؟ هزت ياسمين رأسها بتأكيد: "آه، بيعملوا عمرة وهي ملهاش إخوات، فطلبت منها تجعد معايا لحد ما يرجعوا. إيه؟ إنت اتضايقت من وجودها؟ نفى بصدق:

"لأ طبعًا، أهلاً وسهلاً بيها في أي وقت. بس إني ملاحظ إن يزن اتعلج بيها قوي، ولو مشيت هيتعب تاني؟ "إني بفكر أطلب منها تشتغل عندينا في المزرعة، إيه رأيك؟ هي خريجة علوم وممكن تفيدك في المزرعة." عقد حاجبيه بحيرة وهو يسألها: "تفيدني في إيه؟ "أصلها علم حيوان وممكن تفيدك في التعامل مع الخيل." ازدادت عقدة جبينه: "وأهلها ممكن يوافقوا على شغلها هنا؟ لاحظ جواد ارتباكها، وخاصة عندما قالت بتلعثم:

"أكيد مش هيوافقوا، بس إني ممكن أقنعهم." نهض جواد وهو يقول بفتور: "لو احتاجتها هقولك إن شاء الله. إني خارج ومش هرجع إلا متأخر. إن احتاچتي حاجة كلميني."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...