الفصل 6 | من 33 فصل

رواية التل الفصل السادس 6 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
19
كلمة
4,312
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

نظر إليه الجميع بدهشة، وأولهم حسان الذي تحدث بحدة: "انت بتقول إيه؟ نهض خالد من مجلسه وتحدث بثبات: "بقول مش هتجوز إلا لما أقعد معاها لوحدي." نظرت إليه ياسمين بوجوم، وقررت الموافقة كي تعرف ما ينوي الوصول إليه، فنهضت بدورها: "موافقة." تطلع إليها بحنين جارف وتمتم بامتنان: "تعالي نقعد لحالنا." أشار لها لغرفة المكتب، ودلفت معه، ثم أغلق خالد الباب خلفه. فوقفت هي تنظر إليه تنتظر حديثه.

لكن ما أدهشها حقًا هو رؤية ذلك الانكسار داخل عينيه، وكأنها ترى شخصًا آخر، وخاصة عندما تحدث برجاء: "ياسمين أنا آسف، اديني فرصة خليني أكفر عن ذنبي في حقك، وأوعدك مش هخليكي تندمي." شعرت بصدق حديثه، لكنه جاء متأخرًا، فردت بهدوء:

"للأسف يا خالد مبقاش ينفع، أنا وأنت نفس قصة جواد وشمس، اتحكم علينا نعيش مع بعض مجبرين، خلينا نخرج على الأقل من غير خسائر وجرح قلوب أكتر من كده. الأفضل إننا ننسحب بهدوء لأن قلبي خلاص جفّل بالنسبالك." "بس أنا بحبك." "بتحبني بس عمرك ما حسستني بده، يبقى بلاش منه أفضل، خلينا ننسحب بهدوء وبلاش نجرح بعض أكتر من كده." تقدم منها خطوة، فارتدّت هي للخلف، مما جعله يندهش من مدى رفضها له، فغمغم بألم: "للدرجة دي رافضة جربي؟

أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وتمتمت بجمود: "خالد أنا عمري ما حبيتك، وأنت خابر كده من البداية، ومع ذلك أصرّيت تتجوزني. يمكن أنت خفت تقول لجدي لأ، بس لو وقفت جنبي لما جلتلك مش رضاك، كنت هحترمك على الأقل، بس أنت أصرّيت، يبقى تتحمل." تحدث بصدق: "بس أنا فعلاً مجدرتش أقول لجدي لأ، لأنك خابرة زين هو ممكن يعمل إيه، كان عندي أمل تحبيني بعد الجواز زي ما حصل مع يسر وعدي." قاطعته بانفعال:

"متقارنش نفسك بيا، عدي عمره ما ظلم يسر ولا فكر حتى يخونها، إنما أنت الخيانة في دمك من قبل حتى ما نتجوز، أنت خنتني بعد فرحنا بأسبوع واحد، وكنت بتعرفها كل أسرارنا وجليت مني قدامها." هز رأسه بنفي وتحدث رافضًا اتهامها: "محصلش، عمري ما فكرت أجلي منك." قطّبت جبينها بدهشة وهي تسأله بتهكم: "كل اللي عملته ده ومجولتش مني؟ ابتسمت بمرارة وتابعت:

"خلينا نخرج بالمعروف يا خالد، وبلاش نفتح في الماضي، خلينا نحتفظ باللي باقي بينا وهي صلة الدم، وكفاية اللي حصل لحد كده." شعر خالد بأنه حقًا خسر تلك المرة: "يعني خلاص مفيش أمل؟ هزت رأسها بنفي: "خلاص يا خالد مبقاش ينفع." في الخارج.

كان جواد جالسًا على جمر ملتهب وهو منتظر انتهاء الأمر والخروج من القصر. لم تخفَ عليه نظرات عدي المُدينة له بقتل أخته كما يزعم الجميع، والآن يفرق بين أخيه وزوجته، ويحيى الذي ينظر إليه باشفاق وفي نفس الوقت يدينه. يعلم جيدًا بأن العيون كلها مصوبة تجاهه، لكنه لم يبالِ. هو موجود فقط لأجل أخته، وبعد خلاصها سيتركهم خلفه ويذهب دون الالتفات لهم.

خرجت ياسمين بصحبة خالد وحسان، يأمل أن تكون نفوسهم تراضت وانتهى الأمر، لكن خاب أمله عندما وقف خالد أمامها ويلقي كلمته بعد صمت دام للحظات: "أنتي طالق." لم تتخيل أن تكون وقع الكلمة على أذنها بتلك الحدة. نعم، كانت تأمل الخلاص منه يومًا، لكن لم تتخيل أن تؤلمها كذلك. أما حسان، فقد نظر إلى خالد بغضب تلاشاه وهو يمضي على قسيمة الطلاق وخرج من القصر تاركًا الجميع خلفه غير عابئ بشيء.

مضت ياسمين بدورها وانسحبت بهدوء مع أخيها وخرجوا من القصر، وهو يشعر بالنصر رغم دموع أخته التي لازمتها حتى عادوا إلى المزرعة. فهذا أنسب كل لها، وهنا ارتاح قلبه الذي لم يهدأ مطلقًا منذ أن تركها في القصر ورحل. الآن فقط استرد باقي عائلته من ذلك القصر وانطوت صفحته. في محطة القطار. جلست توليب على مقعدها تنتظر انطلاق القطار إلى وجهة لا تعرفها، وبدأ الخوف يتسرب إليها. ماذا ستفعل إن لم تجدها؟

وماذا إن لم يسمح لها أحد بالبقاء إذا علموا بمصابها؟ ماذا لو صادفت الشرطة هناك وتم القبض عليها؟ لا، لن تذهب، ستعود. نهضت مسرعة عندما دوى صوت القطار معلنًا عن انطلاقه، واستدارت لتترجل منه، لكنها تعثرت في أحد المارة وسقط كلاهما أرضًا. نظرت إليها توليب معتذرة: "أنا آسفة، مكنتش أقصد." نهضت نور وهي تتمتم بتفاهم: "حصل خير."

انتبهت توليب لتحرك القطار، فنهضت مسرعة لتترجل منه، لكن فات الأوان وانطلق القطار مسرعًا إلى وجهته. فأسندت رأسها بكمد على الباب وأخذت تنظر إلى الطريق من نافذته، فتتساقط دموعها رغماً عنها. وظلت على ذلك الحال لحظات حتى استسلمت وعادت لمقعدها.

مرت ساعات طويلة داخل القطار، وكل واحدة منهم تتساءل ماذا ينتظرها. وعند كل محطة يفكر كلاهما بالترجل والعودة، لكن يمر الأمر عليهم بالإجبار ويظلون في أماكنهم. ظلوا على ذلك الحال حتى وصل القطار إلى وجهته. ترجل الاثنان وخرجا معًا دون أن تلتفت إحداهما للأخرى. أشارت توليب لسيارة أجرة وتقدمت منه تسأله: "ممكن توصلني لقصر حسان الخليلي؟ رحب الرجل وسمح لها بالصعود.

أما نور، فلم تعرف عنوانهم أو اسم عائلتهم، فجلست على الرصيف تفكر ماذا تفعل. كل ما تعرفه عنهم بأن أحدهم يدعى مراد والآخر مؤيد. ظلت على ذلك الحال لحظات حتى فكرت في الذهاب لكبير البلدة وهو يساعدها. فاقتربت من سيارة أجرة وسألت الرجل: "ممكن توصلني للعمدة أو أي حد كبير في البلد؟ رد الرجل بتهذيب: "تحت أمرك."

صعدت السيارة وانطلق السائق متخذًا طريقه، وظلت هي تفكر ماذا لو لم يستطع أحد التعرف عليهم، فالأسماء تتشابه والقرية تبدو كبيرة. فقررت نور أن تسأل السائق: "تعرف حد في البلد اسمه الدكتور مراد وله أخ مهندس معماري اسمه مؤيد؟ فكر الرجل قليلًا ثم سألها: "تقصدي مراد العوامري؟ هزت رأسها بحيرة: "مش عارفة اسم عيلتهم، بس كل اللي أعرفه إن عندهم حالة وفاة من أسبوع." أومأ الرجل مؤكدًا: "يبقى هما، أخوهم كان عايش في مصر؟ أكدت مسرعة:

"آه بالظبط." "يبقى هما، عشر دقايق ونكون عنده." تنهدت نور براحة: "متشكرة أوي." "لا شكر على واجب." عادت نور بظهرها للوراء وهي تشعر بالراحة، فقد تساهلت الأمور في طريقها، لكن لا تعرف ما يخبأ لها فور وصولها.

ظلت توليب تنظر للطريق من نافذة السيارة تشاهد الحقول والخضرة التي تحتل جزءً كبيرًا من تلك البلدة الصغيرة. تذكرت حينما أتت إليها في زفاف ياسمين بصحبة أبيها وإلين. كيف كان جالسًا بجوارهم يشرح لهم أهمية الزراعة وكل شيء متعلق بها. كانت سعادتها لا توصف بتلك المناظر الخلابة، تلك الأطفال الذين يمرحون في الطرقات بأمان، والنساء اللاتي يحملن الطعام لأزواجهن في الحقول. وأخرى تساعد زوجها في جمع الثمار. النخيل الذي يحمل التمر بمختلف أنواعه، والأطفال تتدارى حوله وهم يمرحون بحرية. كل شيء حولها تراه كأنه يعاد مرة أخرى أمامها.

ظلت على حالها حتى بدأ القصر بشموخه يظهر أمامها تدريجيًا، وبدأ شعور الرهبة يتسلل إليها حتى فكرت في التراجع. لكن إلى أين؟ فهذا هو المكان الوحيد الآمن لها. توقف السائق أمام القصر، وظلت هي للحظات تنظر إليه وشيء بداخلها يطلب منها التراجع، لكن فات الأوان. ترجلت من السيارة لتحاسب السائق، ثم انطلق عائدًا بسيارته. نظرت للقصر بوجل، ثم تقدمت من أحد الرجال ويبدو أنه مكلف بالحراسة، فسألته: "لو سمحت، ممكن أقابل ياسمين؟ نظر لها

الرجل بتفحص وأجاب بهدوء: "ست ياسمين هملت الجصر." اتسعت عينيها بصدمة كبيرة وشعرت بأن الدنيا تلتف بها. فقد بدأ الليل يسدل ستائره، والقطار لن ينطلق إلا في الصباح، فماذا ستفعل الآن. وقفت توليب بصدمة لا تعرف ماذا تفعل، فلا يمكنها العودة الآن، ولا تعرف مكان تقضي فيه ليلتها. وقفت حائرة حتى ظهرت تلك السيارة التي تقدمت من البوابة الكبيرة، فأسرع الجميع بفتحها كي تعبر السيارة، لكنها توقفت أمام توليب.

ترجلت نور من السيارة وشكرت السائق، ثم تقدمت من المنزل تفكر فيما يقابلها بداخله. طرقت الباب والخوف سيد الموقف. ففتحت لها إحدى العاملات وسألتها بوجل: "لو سمحتي، ممكن أقابل الست أم مراد؟ أومأت لها وقالت بترحيب: "اتفضلي، هي موجودة جوه." دلف نور وهي تحمل حقيبتها وتجوب عينيها المكان حتى استقرت على والدته التي تجلس في بهو المنزل بكمد وبجوارها أبناؤه. تقدمت منها العاملة وهي تقول: "في واحدة بتسأل عليكي."

نظر الجميع إلى نور التي ظهرت من خلف العاملة بنظراتها المرتبكة، فغمض مراد بصره عندما وجدها أمامه دون حجاب وبنطال أسود ضيق قليلًا، وغمغم بضيق: "استغفر الله العظيم." نهضت سلمى لترحب بها: "أهلًا وسهلًا، اتفضلي." تركت نور الحقيبة من يدها ونظرت إلى آمال وقالت بصوت واهن: "لو سمحت، ممكن أتكلم مع حضرتك لوحدنا؟ تطلعت إليها آمال بوداعة وقالت بترحيب: "اتفضلي يابنتي، مفيش حد غريب، دول ولادي." اخفضت عينيها بحزن عميق وتمتمت:

"معلش، بس أنا جايلك في موضوع شخصي." اندهش الجميع، وأول ما قام هو مراد الذي نظر إلى أخيه: "يلا يا مؤيد عشان نروح المشوار اللي جلتلك عليه." أيده مؤيد وخرج معه، كما فعلت سلمى مع سهر، وتركوهما وحدهما. أشارت لها آمال بالجلوس: "اتفضلي يابنتي، تعالي جنبي." جلست نور على الأريكة بجوارها وقالت بغصة: "البقاء لله الأول." ردت بصبر: "الحمد لله على كل حال، خير يابنتي."

تناولت نور حقيبة اليد وأخرجت منها عقد الزواج وقدمته لها بريبة. نظرت أمال للورقة بحيرة، فيبدو أنها قسيمة زواج، وسألتها: "إيه دي يابنتي؟ "افتحيها وانتي تعرفي." أخذت أمال الورقة وفتحتها بين يديها، فتتسع عينيها بصدمة وهي تشاهد صورة ابنها بجوار صورة تلك الفتاة بعقد زواج رسمي لهما. نظرت إليها أمال بصدمة، فتخفض نور عينيها بألم:

"آيوة أنا وآسر متجوزين، بس كان مخبي على ولاده عشان كان رافض جوازنا، ولما عرفت إني حامل قرر يواجه أبوه، بس ملحقش." توقفت نور بهلع عندما تراخى جسد أمال وفقدت الوعي. *** في النيابة. قررت النيابة إخلاء سبيله لعدم ثبوت أي أدلة تدينه، بل كل الأدلة تشير إلى توليب. عاد توفيق إلى المنزل ويبدو عليه القلق على صغيرته. لم يعرف ما حدث لها ولم يخبره أحد عنها شيئًا. فتح تميم الباب ودلف خلف والده الذي حمل هموم الدنيا على كاهله.

"توفيق حمد لله على السلامة." جلس على المقعد بارهاق وغمغم بتعب: "الله يسلمك ياسلوى." جلست بجواره وهي تسأله بتأثر: "عامل إيه دلوقتي؟ عاد بظهره للخلف وتحدث بتعب: "تلات أيام مروا عليا وأنا في الحبس كأنهم تلات سنين، ربنا يستر ومحدش يقدر يوصلها." "آه، أنا هروح أجهزلك الحمام وبعدين أحطلكم الغدا." أومأ لها توفيق وذهبت لتحضر ملابسه، ثم نظر إلى تميم يسأله: "أختك فين دلوقتي؟

أخفض تميم عينيه ولم يستطع الرد، مما جعل القلق يتسرب لقلب توفيق، فعاد يسأله: "مترد عليا، أختك فين؟ تمتم تميم بوجل: "مش عارف." عقد حاجبيه مندهشًا ونهض وهو يسأله: "يعني إيه مش عارف؟ هي مش عند إلين؟ هز رأسه بنفي: "أنا روحت امبارح أسأل عليها، إلين جالتلي إنها بعتها الشقة اللي في… ولما افتكرت إنها نسيت المفتاح راحت وراها، بس ملقتهاش، والبواب جالي إن محدش دخل العمارة." أمسكه توفيق من تلابيبه وهدر به: "وأنت كنت فين؟

وإزاي واقف قدامي كده من غير ما تقلب الدنيا عليها." أسرعت سلوى تبعده عنه وهي تتساءل: "إيه ياتوفيق، في إيه؟ نالها نصيبًا من غضبه وهو يهدر بها: "فين بنتك ياهانم؟ ولا أنتِ شيلاها من حساباتك." نظرت سلوى إلى تميم وقالت بقلق: "تميم قالي إنها عند إلين وأنا مردتش أروح لها عشان محدش ياخد باله." تحدث تميم باحراج: "ماما متعرفش حاجة." صاح به يعنفه:

"أنت تخرس خالص ومسمعش صوتك، كنت فاكر إني سايب راجل في البيت، بس يظهر إني كنت غلطان واتطلعت عيل." نظر لسلوى وتابع بتعنيف: "وإنتي ياهانم، اللي مصدقتي وخلصتي منها، متصلتيش على إلين ليه واطمنتي على بنتك." انقبض قلبها بخوف على ابنتها وغمغمت بخوف: "أنا انشغلت بيك وقلت هي مع صاحبتها." نظرت إلى ابنها وقالت بانفعال: "أختك فين؟ عاد يخفض عينيه ولم يستطع الرد عليها، فهو بحث عنها ولم يجدها. دفعهم توفيق بعيدًا عنه وهو يقول بغضب:

"خليكم، أنا اللي هدور عليها." لحقه تميم لكنه منعه بحدة: "خليك مكانك، مش عايز أشوفك قدامي." توجه إلى منزل إلين التي فرحت برؤيته: "أهلاً ياعمو، حمد لله على السلامة." "الله يسلمك يا بنتي، أومال فين توليب؟ قطّبت جبينها بدهشة وسألته: "هو تميم معرفش مكانها؟ أنا من وقت ما خرجت من الشقة وأنا معرفش عنها حاجة، حتى الفون أدهم خلاها تقفله." نهش القلق قلبه وعاد يسألها: "طيب متعرفيش حد من أصحابكم ممكن تروح عنده؟

هزت رأسها بنفي وقالت: "لأ، أنت عارف إن توليب ملهاش أصحاب غيري." شكرها توفيق وذهب يبحث عنها في مكان آخر. لم يترك مكان إلا وبحث به، فزاد عليه الإرهاق وعاد إلى المنزل والخوف لا يرافقه. وما إن دلف المنزل حتى أسرعت إليه سلوى تسأله بلهفة: "عرفت حاجة عنها؟ هز رأسه بنفي وهو يلقي بجسده على الأريكة: "ملهاش أثر." انقبض قلبها خوفًا على ابنتها وغمغمت بقلق: "يعني راحت فين؟ أنا خايفة تكون اتخطفت." أسند رأسه على

ظهر الأريكة وأجاب بوجوم: "ياريتني أعرف، والمشكلة إن فونها مقفول، يعني مش هنعرف نوصلها إلا إذا كلمتنا هي." "خلاص نبلغ الشرطة." رد بسخرية تغلفها المرارة: "هقولهم إيه؟ أقولهم دوري على بنتي اللي مطلوب القبض عليها؟ واللي بنفسي هربتها منهم؟ جلسوا جميعًا بكمد وقلبهم يئن بحزن عليها، وتوفيق لم يكف عن الاتصال عليها وإرسال الرسائل ربما تراها. انتبهت سهر التي كانت تتدارى لتسمع حديثهم لسقوط أمال، فأسرعت إليها بعد أن نادت

سلمى ونظرت إلى نور بغضب: "أنتِ عملتي فيها إيه؟ هزت نور رأسها بنفي: "معملتش حاجة." قاطعتها سلمى: "مش وقته يا جماعة، روحي يا سهر هاتي الجهاز والانسولين بسرعة." رمقتها سهر بنظرة حانقة ثم ذهبت لتحضر الجهاز وتقوم بالاتصال على مؤيد كي يعرف ما يدور. هم مؤيد بالصعود لسيارته لكنه توقف قائلاً: "استنى نشوفهم بيتصلوا ليه." أجاب: "خير ياسهر." قاطعته بلهفة: "الحج يامؤيد، البنت اللي جت دي معرفش قالت إيه لأمك خلتها سقطت من طولها."

أغلق مؤيد الهاتف بخوف ونظر لمراد قائلاً بقلق: "أمك تعبت، تعالى نشوف فيه إيه." عاد كلاهما إلى الداخل ليتفاجآ بوالدتهم غائبة عن الوعي وسلمى تقوم بقياس السكر لها. تقدم منهم يسألهم بقلق: "إيه اللي حصل؟ شحب وجه نور عندما رمقها مراد متسائلًا، فاخفضت عينيها بأسف دون النطق بشيء. لكن سلمى انتشلتها من أعينهم الحانقة: "متقلقوش، السكر مش عالي أوي، هتفوق دلوقتي."

أعطاها مراد جرعة مخففة من الأنسولين، فبدأت آمال تفتح عينيها رويدًا. وقع نظر مراد على تلك الورقة التي سقطت على الأرض، فمال ليلتقطها، فتتسع عينيه بصدمة وهو يقرأ محتواها. رفع نظره إليها، فرمشت هي بعينيها مرات متتالية وقد هربت الدماء من عروقها حتى كادت أن تسقط بدورها، لكنها تماسكت. سألها مراد: "إيه اللي في الورقة دي؟ ازدردت لعابها بصعوبة بالغة وتمتمت برهبة: "دي قسيمة جواز." هدر بها مراد:

"خابرة إنها قسيمة جواز، بس إزاي وإحنا منعرفش حاجة عن الموضوع ده." رأت سلمى حالة الفتاة رغم أنها لا تفهم شيئًا، فتقدمت من زوجها تقول بتعاطف: "مراد، براحة على البنت، مش شايف وشها عامل إزاي." صاح بها مراد بغضب: "خدي سهر وادخلوا جوه دلوقتي." أجفلت سلمى لعلمها بمدى غضبه واشفقت على الفتاة، وسحبت سهر التي عاندت قليلًا، ثم ذهبا معًا للداخل. تمتمت آمال بتعب: "براحة يا ولدي، خلينا نفهم فيه إيه." صاح مراد بوالدته:

"اسكتي إنتي يا أمي، خليني أفهم." عاد بنظره إليها غير عابئ بحرمانية النظر إليها من شدة غضبه، وعاد يسألها: "جولي، إيه الحكاية بالظبط." اهتزت نظراتها وحاولت التحلي بالشجاعة أمام تلك العيون التي لا ترفق بحالها، فتمتمت بألم: "أنا كنت متجوزة آسر من غير أهله ما يعرفوا، عشان كانوا رافضين جوازنا. جالي إنه حل مؤقت بس لحد ما يقنع والده، وفي اليوم اللي قرر يواجهه فيه، عمل الحادثة ومات." تغشت الدموع عينيها وتمتمت بحزن:

"وللأسف عمته طردت ماما وهددتني عشان كده جيت أتحامى فيكم." لم يقتنع مراد بحديثها وعاد يسألها: "وإنتي عرفتي طريقنا إزاي؟ وإحنا أول مرة نشوفك." اخفضت عينيها وهي تمحو عبراتها بظهر يدها وتمتمت بألم: "عشان ماما الله يرحمها كانت شغالة عندهم، وآسر كان مواعدني إن لو أبوه أصر على الرفض، هنيجي نعيش عندكم، بس للأسف مات قبلها." لم يقتنع مراد بحديثها وعاد يسأل: "معقول آسر أخوي كان جايلك العنوان بالتفصيل؟ حاول مؤيد تهدئة الأمر،

لكن مراد صاح به: "استنى إنت." ثم نظر إليها ينتظر إجابة، فتمتمت بألم وهي تمسح عبراتها: "كان حاكيلي عنكم، وقالي إن بلدكم اسمها التل في المنيا. لما نزلت من القطر سألت السواق، وأديته المعلومات اللي أعرفها، لقيته عارفكم وجابني على هنا." عاد مراد ينظر إلى الورقة ويقرأ محتواها بتمعن، فكل شيء بها صحيح، اسمه كاملًا واسم والدتهم وصورته، والإمضاء التي يعلمها جيدًا. طوى الورقة بين يده ونظر إليها بحدة: "والمطلوب؟ لاح الانكسار

في عينيها وتمتمت برهبة: "أنا مش عايزة حاجة غير إنكم تحموني، عمته اتسببت في موت ماما وهددتني إنها هتأذيني لو مبعدتش، وأنا مليش مكان أروحه، وخصوصاً إني حامل." اتسعت أعينهم بصدمة أخرى، وكأن صدمة واحدة فقط لا تكفي، فتأتي ما هي أشد وأقوى. هز مراد رأسه بصدمة وهو يغمغم بنفور: "استغفر الله العظيم، استغفر الله العظيم."

كل ذلك يحدث وأمال تكتفي بالدموع التي تتساقط بغزارة من عينيها، فهي تعلم ابنها جيدًا، لا يسمح لأحد بالتدخل أثناء حديثه. أما نور، فقد شعرت بأنها غير مرحب بها بينهم، وعليهم الانسحاب بكرامتها. مالت لتأخذ حقيبتها وهي تقول بألم: "أنا آسفة إن كنت عملتلكم إزعاج، وأنا بنسحب…" قاطعتها آمال برجاء: "هتهمليني ببني عيني وتروحي فين؟ خليكي يابنتي الله يرضى عليكي، أنتِ الحاجة الوحيدة اللي بتجيلي من ريحة الغالي." نادى مؤيد

على زوجته التي أسرعت إليه: "خير." أشار لها على نور وقال بأمر: "خديها جوه، خليها ترتاح شوية من الطريق، وبعدين نكمل كلام." لم تستطع نور الرفض لأنها حقًا متعبة من الطريق وتشعر بألم شديد بعد تلك السقطة التي تعرضت لها في القطار. سارت معها، لكن نظرات سهر أخافتها، فنادى مراد على سلمى التي جاءت بعد ذهاب نور: "نعم يامراد." "خليها تلبس عباية من بتوعك وتغطي شعرها ده."

أومأت له وأسرعت إلى غرفتها لتخرج لها عباءة وحجاب، وذهبت إلى الغرفة التي كانت خاصة بآسر عندما يأتي من خلف أبيه. وجدت سهر تخرج من غرفتها، وما إن رأتها حتى سحبتها بعيدًا لتقول بسخط: "البنت دي مش مرتحالها، وشكلها كده خطافة رجالة، وجودها هنا غلط علينا." نهرتها سلمى: "يا شيخة حرام عليكي، أنتِ مش شايفة حالتها." همت بالذهاب، لكن سهر منعتها: "أنا جلتلك وخلاص، وإنتي حرة."

تركتها ودلفت للداخل، فتجد نور تجلس على المقعد وتضع وجهها بين يديها وتبكي بقهر على حالها. أشفق عليها سلمى وجلست بجوارها لتقول بحزن: "بلاش عياط عشان البيبي." رفعت نور وجهها الذي شحب من شدة البكاء وتمتمت بخفوت: "متخيلتش إن كل ده هيحصل، ومكنتش أعرف إن الموت قريب مننا بالحد ده، وإلا كنت ضغطت على قلبي اللي ضعف قدامه ووافقت إن ده يحصل." ربتت سلمى على كتفها وتمتمت بتأثر:

"لعله خير، ربنا عمره ما بيجيب حاجة وحشة، ويمكن ربنا عمل كده عشان يترك لولدته عوض عنه جزاء لصبرها، اتركي أمرك لربنا، وهو هيعمل الأصلح ليكي." ناولتها الملابس وقالت بتعاطف: "قومي البسي الهدوم دي وحاولي تنامي شوية." أومأت لها بامتنان وأخذت الملابس وخرجت سلمى لتتركها ترتاح قليلًا. في الأسفل.

جلس الجميع بوجوم وكأن على رؤوسهم الطير، ومراد لا يكف عن الاستغفار، ومؤيد لا يستوعب تلك الصدمة حتى الآن. أما آمال، فقد ظلت تحمد ربها على ذلك العوض الناتج عن صبرها، فقد عوضها الله بقطعة من ابنها تهون عليها ذلك الفراق الذي نحرها بغير رحمة. وأول من قطع الصمت هو مؤيد: "هنعرف إيه دلوقتي؟ نظر مراد إلى والدته التي عاد الأمل يغزو روحها وتمتم بنفور: "أنا لو اتكلمت هقول كتير، خليني ساكت أفضل." نظرت إليه آمال بعتاب:

"إيه يا مراد، مستكتر عليا عوض ربنا؟ مسح وجهه بيده وغمغم بنفي: "حاش لله يا أمي، بس ربنا عرفه بالعقل، إزاي عايزاني أصدق اللي بتجول ده." تحدث مؤيد بحكمة: "بس العقد صحيح، والبيانات الموجودة بتأكد صحته." زم فمه دلالة على مدى غضبه وغمغم باستياء: "هنعرف كل حاجة، بس مش دلوقتي." رمقته آمال بعتاب: "ليه يا ولدي، مستكتر عليا الفرحة، والبنت شكلها غلبانة ومش بتاعة الكلام ده."

"يا أمي، بصي للموضوع من جهة تانية، دي واحدة منعرفش عنها حاجة، بقول نتأكد الأول من حديثها وبعدين نحكم." سأله مؤيد بحيرة: "وهتعرف إزاي؟ "في واحد صاحبي شغال في السجل، هديله اسم آسر، لو فعلاً جوازهم حقيقي هيظهر في السجل، ولو مش حقيقي…" نظر أمامه وهو يتابع بتوعد: "يبقى جابته لنفسها." "طيب ولو طلع حقيقي؟ تنهد بتعب: "وقتها يحلها الحلال."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...