الفصل 16 | من 33 فصل

رواية التل الفصل السادس عشر 16 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
17
كلمة
4,090
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

نهض وهدان من مقعده عندما أنهى طعامه وذهب للمرحاض كي يغسل يده. لكنه صُدم بحياة التي صدرت منها صرخة ألم عندما انسكب على يدها كوب القهوة. فانتفض جسده بتوجس. "أني آسف، ما أخذتش بالي." أغمضت عينيها تحاول تحمل ذلك الألم وغمغمت بوجع. "حصل خير." انقبض قلبه عندما لاحظ احمرار يدها، فأمسكها بقلق وهو يقول بخوف. "الحرق شديد جوي، تعالي نروح للدكتور." رفضت حياة بإصرار. "لا، أني زينة. دي حاجة بسيطة مش مستاهلة."

لم يقتنع بحديثها وقال بأمر. "لا، أني لازم أطمئن بنفسي. غيري هدومك ويلا نروح للدكتور." وافقت عندما لاحظت تورم يديها ودلفت الغرفة كي تبدل ملابسها، لكنها لم تستطع. حاولت الضغط عليهم كي ترتدي ثيابها حتى صدحت صرخة ألم جعلته يجفل ويسرع للداخل. فيراها واقفة وقد سقطت عباءتها على الأرض ويداها احمرت وتورمت بشكل ملحوظ.

تقدم منها وهو يخفض عينيه كي لا تشعر بالإحراج ورفع عباءتها من الأرض وقال بعتاب عندما وجدها تخفي ذراعيها العاريتين. "متخافيش، أني زي جوزك برضك. خليني ألبسك." وافقت حياة على مضض لشدة الألم الذي يشتد بها. ساعدها وهدان في ارتداء العباءة بحذر، ورغمًا عنه سقطت عيناه على ذلك الاحمرار الذي طال كتفها عندما لامسته يده. وقال بأسف. "مكنش قصدي."

وضع الحجاب على رأسها وأحكمه جيدًا، ثم خرج بها من المنزل متجهًا إلى المشفى القريبة منهم. ارتبك عامر بشكل ملحوظ وتمتم بثبات. "جواد؟ انت هنا من مِتى؟ سخر جواد من جده الذي يظن أن والده مازال عاشقًا لها وهو تزوج من غيرها وعشق أخرى. رد جواد بتهكم. "من أول ما قفلت تليفونك." ثم تركه ورحل. عاد إلى منزله وعيناه تختلس النظر إلى شرفتها المضيئة. نظر في ساعته فوجدها الواحدة صباحًا.

ما الذي يشغل تفكيرها وجعل النوم يرحل بسلطانه عنها؟ عاد لغرفته وابدل ملابسه بمنامة قطنية، ثم استلقى على الفراش وامسك هاتفه ليهاتفه. نظرت إلى الهاتف الذي يعيد رنينه للمرة الثالثة لكنها لم تجب. كانت تنظر إليه بابتسامة عريضة وقلبها ينبض بعشقه. توقف عن الرنين لكنه صدح معلنًا وصول رسالة. لا ضير في ذلك. تناولت الهاتف وفتحت الرسالة فتجده يخبرها. "ردي يا إما هتلاقيني بخبط عليكي." شهقة بصدمة وكتبت بغيظ.

"يزن نايم جنبي وانت عارف لما حد بيزعجه بيعمل إيه." "خلاص يبقى ردي وبلاش الراس اليابسة دي، عايزك في موضوع مهم." "عادي لو استنى للصبح، أنا مش مستعجلة." "بس الموضوع ما يتأجلش للصبح، لازم في حموتها أكده." "قولتلَك لأ، وبعدين إيه قصة الفون ده؟ "ياسمين جالتلي إنك قافلة تليفونك ومش هينفع تفتحيه، فكان لازم أجيبلك غيره تكلمي الچماعة عندكم براحتك." ضحكت توليب على كلمته. "طيب وليه مسجل رقمك بـ أنا؟

"أني سجلته وانتي غيري براحتك بالاسم اللي يعجبك." "ماشي." "بكرة الصبح على الساعة عشرة أكده هستناكي قدام الإسطبل، رايد أفرجك على حاجة أكده." "إيه هي؟ "هتعرفي بكرة، تصبحي على خير." "وانت من أهله." أغلقت الهاتف والإبتسامة لا تفارق محياها. تعلم جيدًا بأنها تغامر لكن عليها أن تغتنم تلك اللحظات كي تكون ونيستها في سجنها. ستلغي كل شيء يعكر صفو تلك اللحظات فقد طرق الفرح بابها ولن ترفض ضيافته.

جلست على المقعد بمساعدته وقد بدأت الدموع تتجمع بعينيها والطبيب يعاين الحروق التي أخذت مساحة كبيرة في يدها وبالأخص أناملها. بدأ الطبيب عمله وقلبه هو يهدر بوجع عليها. وبعد الانتهاء تحدث بجدية. "مكدبش عليكم، الحرق شديد جوي ومحتاج اهتمام ورعاية، وبالأخص اللي على كتفها ودراعها. الادوية اللي هكتبها دي تتاخد بانتظام ومش عايز أي تقصير." عادوا إلى المنزل وقد هدأ الألم قليلاً بعد الأدوية التي أخذتها. فسألها بهدوء.

"الوجع هدي شوية؟ أومأت بصمت فقال بروية. "طيب قومي نامي قبل ما يتعبك تاني." ساعدها على النهوض وسار بها لغرفتهم وساعدها على الاستلقاء في الفراش. نظر لملابسها الثقيلة وقال بتردد. "اخلعي عبايتك دي عشان تقيلة جوي وهتتعب الجرح اللي على كتفك." وافقت مرغمة بسبب عدم تحمل شيء على كتفها المصاب. وساعدها وهدان بحنانه الذي تفاجئت به حقًا واهتمامه الزائد.

لم ترَ ذلك الحنان ولم تشعر به من قبل ولذلك تركته يساعدها وتنعم هي بذلك الاهتمام. ساعدها على الاستلقاء ثم جذب الغطاء عليها كي لا تشعر بالإحراج منه. لكنه أبعدها عن كتفها. "أجيبلك كباية ميه؟ اندهشت لعلمه بحاجتها للماء فأومأت بصمت وجاءها بالكوب ووضع يده خلف ظهرها كي يساعدها على الاعتدال وباليد الأخرى قرب الكوب من فمها وجعلها ترتوي حتى اكتفت. أعاد الكوب على المنضدة وسألها باهتمام. "محتاجة حاجة تاني؟

هزت رأسها بنفي وتمتمت بامتنان. "متشكرة جوي." ابتسم بحب وقال باعتذار. "على إيه، أني السبب في كل ده." "لا مش انت، أني اللي سرحت وأنا ماشية." رفع حاجبيه بمكر وهو يسألها. "وكنتي سرحانة في إيه بقى؟ ابتسمت بحب وقالت. "هتعرف بس مش دلوقتي." زم فمه بمزاح. "إحنا فينا من التشويق ده؟ بس ماشي نصبر شوية." انتبه الاثنان لآذان الفجر. فنظرت إليها متحدثًا.

"الفجر وجب ومش هتعرفي تنامي من غير ما تصلي. تحبي أجيبلك الماية هنا ولا تروحي الحمام." ازداد احراجها منه وقالت باحراج. "هروح الحمام أحسن." أومأ لها وقام بمساعدتها للذهاب للمرحاض وساعدها أيضًا على الوضوء دون أن يضع الماء على يديها. وقفت خلفه لتؤدي صلاتها والتي لم تفعلها من قبل. وقد كانت هذه فرصته لإقناعها بالصلاة دون أن يحرجها.

وكم شعرت بالراحة والاطمئنان وهي بين يدي الله تصلي بخشوع جعلها تندم على تركها للصلاة كل تلك الفترة. وظلت تشكر ربها على تلك النعمة التي أنعم عليها بها وهو الزوج الصالح والذي أخذ بيدها لطريق الحق. في الصباح. فتحت توليب عينيها اثر أشعة الشمس التي اقتحمت غرفتها. نظرت إلى يزن الذي استيقظ بدوره ونظر إليها باستياء كحاله دائمًا عند الاستيقاظ. فقالت توليب وهي تلاطفه. "أوعى يكون زيك كده يقوم من النوم مش طايق نفسه."

جعّد يزن وجهه أكثر فضحكت وهي تعتذر له. "متزعلش أوي كده، قوم بقى عشان تغسل وشك وتغير هدومك وتنزل تفطر مع بابا تحت." تمتم يزن باعتراض. "معايا." هزت رأسها بأسف. "مش هينفع لإني بفطر هنا، يلا قوم بقى." نهضت به وهي تحمله وابدلت له ملابسه ونادت لياسمين التي أصبحت منطوية تلك الأيام. وليست بحاجة لمعرفة سبب عزلتها. وقف جواد أمام المرآة يعدل ملابسه باهتمام زائد، ثم خرج من غرفته فيجدها تعطي يزن لنعمة ثم تعود لغرفتها مرة أخرى.

لم تقبل مطلقًا دعوته لتناول الطعام معهم بل تصر على تناوله في غرفتها، وخاصة عندما عادت ترتدي النقاب أمامه. فليكن إذًا، ففي خلال أسبوع واحد ستجبر على النوم في أحضانه وليس الطعام فقط. حمحم باحراج عندما لاحظت نعمة وجوده. فنادى عليه يزن بسعادة وهو يجري عليه. "بابا." حمله جواد وسأله بلطافته. "كيفك يا بطل؟ نمت زين؟ هز يزن رأسه فتابع جواد.

"وميكونش زين ليه وانت نايم في حضنها اللي أبوك بقى له سنتين بيحلم بيه يا ابن المحظوظ انت." شهقت نعمة بخجل وانصرفت من أمامه. فيزم فمه باستياء وقد تناسى تمامًا وجود نعمة. "استغفر الله العظيم، يلا ننزل الساعة قربت على تسعة." وقفت توليب بدورها أمام المرآة تعدل من وضع النقاب على وجهها وهي تشعر بالسعادة والرضا لما تمر به. وتلاشت تمامًا تلك العقبات التي تقف أمامها.

نظرت للهاتف الذي أعلن عن وصول رسالة فقامت بفتحها وكان محتواها. "جاهزة؟ أومأت برأسها وكأنه واقفًا أمامها وكأن صمتها قد بلغه رسالته. "أنا مستنيكي جنب الإسطبل يلا." ترددت كثيرًا في أخذ الهاتف لكنها أخذته تحسبًا لأي ظرف وخرجت من المنزل متجهة إلى الإسطبل. فتجده منتظرها بجواره. سارت على استحياء حتى تقدمت وقد أخذ ينظر إليها بعشق حتى دنت منه وقال بمرح. "عليكي غرامة تأخير خمس دقايق بحالهم."

"دول مش عليا أنا، دول تحسبهم على يزن لأني هربت منه بمعجزة." "ماشي سماح المرة دي يلا." أوقفته باعتراض. "طيب قولي الأول هنروح فين؟ طمأنها بابتسامته وصوته الرخيم. "هتعرفي." سارت بجواره وهي لا تعرف إلى أين. لكن يكفي تواجده معها ولن تسأل عن شيء. توقفوا أمام غرفة صغيرة ومغطاة من كل جانب. فتمتم بأمر. "خليكي هنا." تقدم هو وحده وجذب ذلك الغطاء والذي سقط معه بسهولة. فتظهر أمامها غرفة زجاجية مليئة بالزهور بمختلف ألوانها.

أشار لها بالتقدم وفتح بابها ودلف ينتظر دخولها وهي منبهرة بما تراها. أغلق الباب خلفهم ونظر إلى ذهولها برحابة صدر وتمتم بحبور. "عجبك؟ أجابت ومازالت مأخوذة بالمنظر. "انت بتسأل؟ استند بظهره على الجدار وقال بحب.

"ورد التوليب ده بدأت زراعته من بعد ما شفتك. استعنت بمهندس زراعي كبير وهو اللي اقترح إننا نعمله في مكان زي ده يكون مهيألها سواء في الربيع أو الخريف. زرعتها بكل ألوانها، لونها الأحمر والأبيض والأصفر ملقتش ألوان تانية عشان أزرعها." تقدم منها وهو ينظر داخل عينيها وتابع بوله. "كنت ديما بحلم بوجودك معايا فيها وكنت بتخيل يدك بتزرع وبتروي فيها. كنت بحلم باليوم اللي القدر ينصفنا فيه ويجمعنا."

وضع يده في جيبه ليخرج علبة صغيرة وفتحها أمامها. فتتسع عيناها الذهبية بلوعة كادت أن توقف قلبها. وخاصة عندما تابع. "وإني بطلب إيدك لأول مرة فيها." تجمعت العبرات في عينيها وهي لا تصدق ما يحدث معها. هل ذلك الحلم التي عانت من عذابه طوال تلك السنين يتحقق الآن بتلك السعادة؟ حبيبها الذي باتت لياليها تزرف الدمع على عشقٍ لم ينصفه الزمن. هل حقًا يقف أمامها الآن يطلب منها الزواج؟

هل هو حلم آخر من ضمن قائمة الأحلام التي تزداد واحدًا كل ليلة؟ أم حقيقة وحبيبها يقف الآن وينهي ذلك الشقاء الذين عاناه منها تلك المدة. "تقبلي تتجوزيني؟ ازدادت دموعها انهمارًا مما جعله يجفل ويسألها بتوجس. "طلبي ضايقك؟ هزت رأسها بنفي وقالت ببكاء. "لأ مضيقنيش بس أنا كمان عشت سنين بحلم باللحظة دي بس كنت بقول أنها مستحيل تحصل، وهي فعلاً مستحيل تحصل." أخفض عينيه وانكمشت يده وقد تلاعبت به الظنون.

لن يلومها إن رفضت فمن حقها أن تتزوج رجل كامل وليس به عيب. "تخصدي يعني عشان ظروف ر…." قاطعته توليب بلهفة. "أوعى تكمل، أنا مش بفكر فيها أصلًا عشان تشغلني أو أتردد بسببها." أخفضت عينيها بأسف وتابعت. "بس أنا واحدة متهمة بجريمة عملتها وممكن في أي وقت يتحكم عليا…." قاطعها هو أيضًا بدوره. "وأني أوعدك إن حاجة زي دي مستحيل تحصل طول ما أني عايش." تقدم منها خطوة وتابع بثقة.

"ولو وصلت إني أحارب الدنيا كلها عشان أخلصك منها مش هتردد لحظة واحدة وأفضي عشان أقدر أساعدك وانتي مرتي، إنما كده كل حاجة صعبة عليا." تمتمت بألم. "مش عايزك تعيش العذاب ده مرة تانية." تحدث بإصرار وهو ينظر داخل عينيها. "هعيشه لو حصلك ده واني مكبل ومش قادر أعملك حاجة. لو بقيتي مرتي هقدر أتحرك أكتر من كده. وافضي وأني أوعدك إنك مش هتندمي." "وأهلي؟ أجاب بحبور.

"الصبح… لاه…. النهاردة بالليل هكون عندهم وأطلبك من أبوكي وخلال أسبوع هيكون الفرح." قطبت جبينها بدهشة. "بس أسبوع بدري أوي." "خلاص نخليها يومين، معنديش أي مانع." ضحكت توليب وقالت باستسلام. "لما نشوف بابا الأول هيقول إيه." اتسعت ابتسامته وهو يحتويها بعينيه. "كل خير إن شاء الله." رفع يده مرة أخرى بالعلبة وسألها بعبث. "هتاخديها ولا غيرتي رأيك؟ تهربت بعينيها منه وتمتمت بخفوت. "هاخدها." أرهف السمع إليها بتظاهر.

"بتقولي إيه مش سامع." خطفت منه العلبة وقالت بمكر. "هفكر." خرجت من المكان وخرج خلفها وهو يزم فمه بتوعد لها. "استني عندك، رايحة فين؟ أجابت وهي تواصل سيرها. "راجعة البيت، زمان يزن لسه بيدور عليا. قلتله هستخبى وانت دور عليا." سار جواد بجوارها وقال بمكر. "طيب متيجي نعملها وانتي استخبي في أوضتي واني أدور عليكي." شهقت بصدمة ولم تجيب عليه وواصلت سيرها حتى وصلت للمنزل.

ظلت حياة في الفراش لا تقوى على النهوض ولم يتركها وهدان لحظة واحدة. وظل يعتني بها باهتمام زائد. دلف الغرفة وهو يحمل طاولة الإفطار. فتقدم منها ليضعها أمامها وقال بيأس. "يظهر إن اليومين اللي أخدتهم أجازة دول نسوني البيض بيتسلق إزاي." نظرت إلى الطعام الموضوع على الطاولة الصغيرة بحب وقالت بصبو. "معلش تعبتك معايا." رد بصدق وهو يجلس أمامها حتى يطعمها بيده.

"ولا تعب ولا حاجة، هو حد يكره يأكل واحدة حلوة زيك كده، ده حتى يبقى مبيفهمش." فتحت فمها بخجل عندما قرب اللقمة من فمها. وتناولتها بحياء جعلته يبعد عينيه عنها وهو يقول بهدوء. "مش هبصلك عشان متتحرجيش." ابتسمت حياة وقد راقها شعوره بها وقالت بخجل. "بس أني مش مكسوفة منك، أني بس خايفة أكون بتجل عليك." ناولها المزيد وهو يقول بروية.

"ولا بتجلي ولا حاجة، دي مودة ورحمة بين أي اتنين متجوزين. وبعدين افرضي إن اللي حصل العكس كنتي هتتخلي." هزت رأسها بنفي وقالت بثقة. "لأ طبعًا لأن ده دوري." "يبقى دوري أني كمان ولازم أواصله." لم تجد الكلمات التي تصف بها مدى امتنانها واكتفت بابتسامة مشرقة أشرقت دنياه. فقال بصدق. "كفاية عليا الابتسامة دي." انتهت من تناول طعامها فقام بوضعها في المطبخ وعاد إليها ليناولها دواءها. ثم جاء موعد الدهان. فتتبدل ملامحها بضيق.

"بلاش ده لأنه بيتعبني جوي." تناول يدها بروية وهو يقول. "معلش اتحملي شوية." بدأ يضع الدهان على يدها بخفة كي لا يؤلمها. حتى انتهى منه. ثم أشار لها على كتفها. "خليني أدهنلك كتفك." سمحت له باستحياء حتى انتهى منه أيضًا. ونهض متعللاً بغسل يده ولكنه نهض كي يستطيع التنفس بعد أن توقف وهو بذلك القرب منه. لن يتحمل ذلك كثيرًا فقد بدأ يفقد سيطرته على نفسه تلك الآونة الأخيرة. وقد ازداد عشقه لها وبدأ يشعر بتجاوبها معه.

سينتظر حتى تشفى يديها وحينها سيفاتحها في الأمر. وافقت نور على الذهاب إلى الطبيبة بعد أن أصروا عليها للاطمئنان على حال الجنين وقد أصبح الألم مستمر معها حتى أصبح لا يحتمل. فذهبت مع سلمى وكان مراد بانتظارهم في المشفى وقد حجز لهم عند طبيبة مختصة لديهم. استقبلهم أمام المشفى وعندما رأوه تقدموا منه وأشار لهم بصمت كي يتبعوه حتى وقفوا أمام إحدى الغرف. "السلام عليكم." أجابت الطبيبة التي جلست في انتظارهم.

"وعليكم السلام، اتفضلي يا مدام نور." جلست نور وجلست سلمى قبالتها وبدأت الطبيبة تسألها. "انتي في الأسبوع الكام؟ أجابت نور بخجل من تواجد مراد الذي وقف يشاهد ما يحدث. "تمانية وعشرين." "متأكدة؟ أومأت نور بصمت فطلبت الطبيبة معاينتها. نهضت ونهضت معها سلمى لتساعدها وبدأت الطبيبة معاينتها. ظهر القلق على وجه الطبيبة وقالت بعتاب لمراد. "انت ازاي يا دكتور مراد سايب المدام من غير متابعة الوقت ده كله."

"كانت بترفض تيجي والنهاردة أقنعتها بالعافية." نظرت إليه سلمى بصدمة عندما لم ينفي قرابته بها. لكن نور لم تبالي بشيء سوى ابنها. "خير يا دكتور؟ ردت الطبيبة بحدة. "الماية قليلة أوي ووضع الطفل مهيئ للنزول في أي وقت." ظهر القلق واضحًا على وجهه وسألها باهتمام. "طيب نموه مكتمل ولا في أي مشاكل؟ "النمو كويس بس برضه لو نزل دلوقتي هنضطر نحطه في الحضانة واحنا في غنى عن كل ده." نهضت الطبيبة وعادت لمقعدها وقالت.

"أنا هكتبلها على أدوية تساعد معانا ودورها إنها تلزم السرير لحد الفترة دي ما تعدي على خير." أومأ لها وقد بدأ يشعر بالقلق حقًا. أخذ الورقة من الطبيبة وخرج معهم في صمت مطبق حتى وصلوا للسيارة وقال بأمر. "خليكم هنا لحد ما أجيب العلاج وأرجع." نظرت سلمى لنور التي شحب وجهها وقالت. "متقلقيش إن شاء الله خير." لم تجبها نور وظلت على حالة القلق التي انتابتها حتى عاد مراد وعاد بهم للمنزل. وفور دخولهم قال مراد بأمر.

"استني أنا عايزك في أوضة أمي." انقبض قلب سلمى ونظرت إليه تستفهم منه لكنه تهرب منها وسبقهم لغرفة والدته. أما نور فقد أيقنت بأنها ستتعرض لاتهام آخر منه. فذهبت خلفه ودلفت الغرفة لتجده واقفًا ينتظرها وآمال جالسة على الأريكة بوداعة وابتسامة على محياها. وعند رؤيتها. "تعالي يا بنتي." تقدمت منها نور وهي لا تفهم شيء وسألتها. "خير يا طنط؟

"خير إن شاء الله، الدكتور مراد طمني عـ اللي في بطنك والحمد لله بس كان عايز يفتحك في موضوع كده." عادت تنظر إليه بقلق تنتظر حديثه حتى تحدث بثبوت. "دلوقتي كلها أيام وتولدي وطبعًا مفيش حاجة تثبت إن الطفل ده ابن آسر…." حاولت نور قطع حديثه لكنه منعها بلهجة حازمة. "لو سمحتي متجاطعنيش." التزمت الصمت وتابع هو. "ومفيش قدامي حل تاني غير إني أكتب عليكي وأسجله باسمي." اتسعت عينيها بصدمة كبيرة وقالت بعدم استيعاب. "انت بتقول إيه؟

"بقول اللي مفيش حل غيره، لو انتي عندك اتفضلي جولي." هزت رأسها بنفي وقالت بحدة. "معرفش بس اللي انت بتقوله ده مستحيل من كل الجهات واظن انك شيخ وعارف حاجة زي دي." "ولإني شيخ وحافظ كتاب ربنا عارف إني بقول ايه، وعارف إنه لا يجوز سواء من الزواج من امرأة حامل وإني أنسب الطفل ليا، بس للأسف مفيش حل تاني." "وأنا مستحيل أوافق وأخون سلمى." صاح بها مراد وكأنه يعاني أيضًا من ذلك المصير.

"جُلتلك مفيش حل تاني، فكري انتي ولو لقيتي جولي." هزت رأسها بنفي. "معرفش بس أكيد فيه." جلس مراد على المقعد وغمغم بضيق. "الطفل عشان يتسجل لازم يكون فيه عقد صحيح حتى لو كان عرفي، إنما اللي معاكي ده مزور يعني ملوش أي قيمة لا شهود حقيقية ولا حتى مأذون حقيقي." اندهشت نور من كم الخداع الذي عاشت به مع ذلك الرجل وتمتمت بعدم استيعاب. "أخوك ده كان إيه؟ جنسيته إيه؟

حسابه إيه عند ربنا دلوقتي لما ضحك عليا وخلاني صدقته وأوهمي بحب مزيف وهو كان بالدناءة دي. رغم حقيقة الأمر إلا إنه لم يتقبل حديثها." "اذكروا محاسن موتاكم." ابتسمت بسخرية وقالت بتهكم. "محاسن موتاكم، فين الحسنة اللي عملها عشان أفتكرها؟ سنتين وهو بيحوم حواليا وبيوهمي بحب مزيف واحلام وردية وانتي كل دنيتي وكل حياتي وآثريه كان بيخدعني طول الفترة دي عشان أفعال دنيئة عايز يوصلهالي؟ اشمعنى أنا؟

ولا عشان إحنا غلابة ملناش ضهر ولا سند؟ ليه أنا بالذات مع إن فيه غيري كتير مستعدين يبيعوا نفسهم وولادهم." ضيقت عينيها بحيرة وتابعت. "أذيته في إيه ولا جرحته امتى." غشت عينيها الدموع وتابعت بحزن. "عشت عمري كله ماشية جنب الحيط ببعد عن المشاكل عشان عارفة إني مش هلاقي حد يحميني ولا يقف جانبي، يمكن عشان كده اختارني أنا." "على صوتها وهي تتابع."

"لأني لو شديدة وقوية وليها أب ولا أخ يدافع عنها مكنش عمل فيا كده، إنما إزاي دي فرصة أعمل فيها اللي أنا عايزة وتخلف وأخد الطفل منها وأرميها في الشارع، تبقى مين دي عشان تقف قصاد." نظرت إلى مراد وأردفت بعتاب مزق قلبه. "وانت جاي تكمل دوره؟ ولا فرصة انت كمان بدل طفل يبقوا اتنين ومع السلامة بعدها." (صرخت به بأعلى صوتها) "مش كده ولا إيه." نهض مراد ليتقدم منها وهو يقول بهدوء. "اهدي عشان الانفعال غلط عليكي."

ضحكت نور بهستيرية وتمتمت بوجع. "الانفعال اللي غلط عليا؟ اومال اللي عملتوه ومصرين تعملوه ده إيه، بس خلاص لحد كده مش هسمح لحد إنه يلعب بيا تاني." وقبل أن يفهم معنى حديثها وجدها تحطم كوب الماء الموضوع على المنضدة حتى تناثر على الأرض وأخذت القطعة المتبقية في يدها وقربتها من شرايينها وهي تقول بإصرار. "خلينا نرتاح كلنا."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...