انقبض قلب آمال بوجل وهي ترى حالة ابنها بعد تلك المكالمة وأمرها للعاملة أن توقظ نور وتبعثها إليه. "طيب يريحني بس وجولي ايه اللي حصل." ظل يزرع الغرفة ذهابًا وإياباً وهو يغمغم بغضب: "هتعرفي كل حاچة بس اصبري." دلفت نور بوجل وقد ارتدت العباءة والحجاب كما طلبت منها سلمى وتمتمت برهبة: "صباح الخير." رمقها مراد بغضب جحيمي جعلها تزدرد لعابها بصعوبة، وخاصة عندما تقدم منها وهو يرفع عقد الزواج في وجهها قائلاً:
"چيبتي الورجة دي منين؟ رمشت بعينيها تحاول استيعاب ما سمعته، فعاد يهدر بها جعلها تنتفض في وقفتها: "چولتلك چيبتي الورجة دي منين؟ اتسعت عينيها بحيرة وتمتمت بوجل: "تقصد ايه مش فاهمة." "إجصد إن العجد ده مش متسجل يعني مش حجيجي." قطبت جبينها بدهشة وسألته بعدم فهم: "أنا مش فاهمة تقصد ايه؟ تحدثت أمال بحيرة: "ما تتحدت على طول يا ولدي وتفهمنا في ايه؟
"بعت واحد يسأل عن صحة العجد ده في السجل وإذا كان آسر متزوج ولا لأ، ورد عليا دلوجت وخبرني أن العجد غير صحيح لأنه مش متسجل. يعني لا هي مرات ابنك ولا اللي في بطنها ده حفيدك." اتسعت عينين نور بصدمة كبيرة وصرخت به: "انت بتقول ايه؟ أكد مراد باحتدام: "بجول اللي سمعتيه واتأكدت منه، فلو انتي چاية طمعانة في فلوسه فأنا بجولك اطمعي بعيد عنينا لأننا كشفنا لعبتك."
هزت رأسها بعدم استيعاب لما يحدث، وكأنها داخل كابوس مزعج وسينتهي فور استيقاظها. لن يفعل آسر ذلك، لن يكسر قلبها ويحطمها بذلك الجبروت. هو من يكذب عليها حتى يتخلص من حملها، فقالت بحدة: "انت أكيد بتكدب عشان تتخلص مني." انفعل من نعتته بالكاذب، وحاول بصعوبة السيطرة على أعصابه وأشار لها بالعقد: "اكبر دليل على صدق حديدي إن مفيش أختام على العجد ولا دمغات ولا حتى اسم المأذون، يعني العجد ده مية في المية مفبرك."
شعرت برعشة تنتابها حتى إنها لفت جسدها بذراعيها، وهي تلاحظ ذلك لأول مرة. لكن عقلها أبى الاعتراف بذلك وتمتمت بتيه: "مش حقيقي، آسر مستحيل يعمل فيا كدة." انزعج مراد من عدم اعترافها بالحقيقة فصاح بها: "انتي لساتك مصرة تكملي لعبتك الهابطة دي." رفعت عينيها إليه، فظهر فيهما ضياع لم ير مثله من قبل، مما جعله يبعد عينيه عنها. فذبحته بقولها: "ياريتها كانت لعبة." قطبت جبينها بعدم استيعاب وتابعت بآسى: "انت عارف ده معناه ايه؟
معناه إن الانسان الوحيد اللي حبيته ووثقت فيه والتمست فيه حب وحنان عشت عمري كله محرومة منه يغدر بيا بالشكل ده، مستحيل أصدق كلامك وأكذب احساسي بالحب اللي كان بيني. مستحيل أكذب دموعه اللي مكنتش بتظهر غير ليا أنا، ولا دموعي اللي كان بيمسحها بقلبه قبل ايديه، ولا الحب اللي كل واحد فينا بيعوض التاني بيه." هزت رأسها وتابعت بتشتت: "بتقول إنها لعبة، بس كنت أتمنى فعلاً إنها تكون لعبة وآسر يفضل بالصورة اللي رسمتها له." رفعت
عينيها إليه وقالت بنفي: "أنا مش كدابة ولا جاية طمعانة في حاجة، كل الحكاية إني جيت أتحامى فيكم، وآسفة على أي إزعاج سببته." خرجت من الغرفة بعد أن كسرت قلب أمال، ونظرت لأبنها بعتاب: "ليه بس أكدة يا ولدي؟ ليه متأكدتش مرة واتنين وتلاتة جبل ما تتهمها اتهام زي ده؟ غمغم مراد باحتدام يداري به تأنيب ضميره: "ما كل حاچة كانت جدامك اتأكد إيه أكتر من إكدة."
لم تبرح آمال مكانها على الفراش، ومراد الذي جلس بكمد على المقعد وقد شعر حقًا بصدقه. لكن ماذا يفعل وقد أكد الرجل شكه. لم يتحمل آدم البقاء في القصر بعد ذهابها. وقرر ترك العمل به. فدلف القصر ليقابل حسان، والذي سأله عن سبب تركه للقصر: "وايه السبب اللي يخليك تهملنا؟ تهرب بعينيه من مرمى عين حسان وتمتم بثبات: "بفكر أسافر القاهرة وأشتغل بمؤهلي هناك." نهض حسان وتقدم منه وهو لا يصدق ما يخبره به. وقف أمامه وتحدث بشك: "بس إكدة؟
هز رأسه دون أن ينظر إلى عينيه وأردف بروية: "هصدجك وهجول إن ده السبب الأساسي، بس طلبك مرفوض." رفع آدم نظره إليه بحيرة وتابع حسان وهو يوليه ظهره لينظر من النافذة: "أني هبعتك المزرعة تجوم بمؤهلك زي ما بتجول، والسبب التاني…." صمت قليلًا كأنه يتلاعب به ثم أكمل: "إنك تكون عيني اللي بشوف بيها كل حاجة بتحصل في المزرعة." أغمض عينيه بملل من تلك العائلة التي اتخذت منه جهاز تجسس على بعضهم البعض. رفع عينيه بصدمة عندما تابع:
"زي بالظبط ما كنت عين جواد في القصر." رمش بعينيه باحراج شديد عندما استدار حسان لينظر إليه، فغمغم بنفي: "بس أني…." قاطعه حسان بقوة: "أوعاك تنكر وتجل من فهمي، أني حسان الخليلي اللي مفيش حاجة في الجصر ده ولا براه تخفى علي، وكنت خابر من البداية وسيبتك توصله اللي اني رايد يوصله." دنى منه أكثر وتابع بسخط: "لو كنت بتنجل كل حاجة حبًا في جواد فأنت المرة دي هتنجل بمقابل مكنتش تحلم بيه. فكر زين ورد عليا."
خرج آدم من القصر وحديث حسان يدور بخلده. لن يستطيع الرفض. وإذا وافق فسوف تتبدل خططته التي سعى خلفها بعد أعوام من التفكير. عاد إلى منزله وهو يفكر في ذلك الأمر. لن يفيده البقاء في المزرعة الآن، فقد كان يخطط لشيء آخر. دلفت عمته الغرفة فتجده مستلقيا على فراشه بتلك الحالة من الشرود. لقد تعبت حقًا من إقناعه بالعدول عن قراره. تعلم جيدًا بمدى حرقته، والتي لا تقل مطلقًا عن حرقتها، لكن لن يستطيع كلاهما مجابهة ذلك الرجل والذي لا يعرف شيئًا عن الرحمة. تقدمت منه
لتجلس بجواره وقالت بآسى: "وبعدهالك يا ولدي مش ناوي ترجع عن اللي في دماغك؟ لم يجيب وظل على وضعه وكأنها تحدث تمثالاً أصم. فغمغمت بعتاب: "ليه مصر تحرج جلبي عليك وتخليني أفضل على نار لحد ما تعاود تاني؟ "يظهر إنه انكتب علينا نعيش الحرجة دي طول عمرنا، والسبب فيها عايش حياته ولا كأنه عمل حاجة." قالها آدم بثبات رغم النار التي تعتمل بداخله وغضب لو خرج لأحرق القصر ومن فيه.
"ما جلتلك يا ولدي خليه للي خلجه؛ انتجامه هيكون اشد وأجوى." "مش جبل ما خد تاري منه واحرج جلبه زي ما حرج جلبي." "وبعد ما تعمل إكدة إيه اللي هينوبك؟ خرجت الكلمات من فمه وهي تحمل وعيد: "هكون انتجمت لأبويا وأمي، وبعدها هنرحل تاني من البلد دي ونرجع لدارنا." لم تستطع اقناعه ككل مرة، فانسحبت بهدوء وخرجت من الغرفة تاركه إياه لذكريات الماضي التي لا ترحمه.
_في غرفة نور كانت حقيقتها كما تركتها أمس، إلا من تلك الصورة التي وضعتها على المنضدة. ألقت نظرة عتاب أخيرة عليها، وتلك الابتسامة التي كانت تشرق دنياها أصبحت تبغضه. لقد استطاع خداعها بحرافية وسقطت هي في براثنه بكل سهولة. خدعها باسم الحب وأوهمها بسعادة أبدية لتتفاجئ بعدها بجحيم دمر عالمها الوردي وقضى على كل أحلامها. لن تظل هنا، عليها الذهاب والحفاظ على ما تبقى لها من كرامة. حملت حقيبتها وهمت بالذهاب، لكن أوقفها طرق الباب ودخول سلمى، التي تطلعت إليها بابتسامة اختفت ما إن رأتها
تحمل حقيبتها وسألتها: "رايحة فين؟ ازدردت غصة مؤلمة في حلقها وغمغمت باقتضاب: "ماشية." قطبت جبينها بدهشة فدنت منها أكثر لتلمس ذراعها: "ليه؟ انتي مش قولتي هتفضلي معانا." هزت رأسها بنفي وتمتمت بحزن: "معدش ينفع." فتحت حقيبتها الصغيرة وأخرجت منها علبة كبيرة نسبيًا ومعها هاتفها وناولتها إياهم قائلة: "الحاجات دي كانت هدية من آسر، مبقتش تلزمني بعد النهاردة." لم تفهم منها شيء وعادت تسألها: "طيب فهميني بس إيه اللي حصل؟
حاولت التظاهر بالابتسام لتلك الفتاة الطيبة وتمتمت بثبوت: "كل الحكاية إني حسبتها غلط من كل النواحي." نظرت إلى عباءة سلمى التي ترتديها وتابعت: "معلش بقا اسمحيلي آخد العباية بتاعتك والطرحة، وإن صادفتنا الحياة مرة تانية هرجعهم."
خرجت دون أن تضيف كلمة أخرى وتوجهت إلى الخارج. لا تعرف إلى أين، ولم يكن أمامها سوى الذهاب إلى أهل والدها وستحكي لهم قصتها. إما أن يقفوا بجوارها وهذا شيء وارد كي يأخذوا الأمر لصالحهم، أو يحكموا عليها بالموت ويكونوا بذلك قد انتشلوها من ذلك العذاب. _خرجت سلمى من الغرفة وهي تحمل العلبة وتلك الصورة التي تركتها ورحلت. صادفت مؤيد يخرج من غرفته فذهبت إليه تسأله: "في ايه يامؤيد نور مشيت ليه؟ قطب جبينه بحيرة وسألها بجدية:
"مشيت إزاي وليه؟ أشارت على الأشياء في يدها وتمتمت بحيرة: "معرفش، هي طلبت مني أدوي دول لطنط وخلاص." أخذ منها الصورة وتطلع إليها ليرى آسر يحتضن تلك الفتاة بثوب عرسها، فرفع بصره إلى سلمى يسألها: "فين مراد؟ هزت كتفيها بنفي: "مش عارفة، أنا قومت ملقتوش جانبي، ممكن يكون عند طنط أو راح المستشفى." توجه مباشرةً إلى غرفة والدته تتبعه سلمى. دلف الغرفة ليجد والدته تجلس على فراشها بكمد ومراد يتحدث في هاتفه ويسأل بجدية:
"يعني اتأكدت من الاسم زين؟ "…." أنهى المكالمة قائلاً: "تمام." أغلق الهاتف ونظر إلى والدته بضمير مرتضى: "خليته يتأكد مرة واتنين، ياريت نجفل على الموضوع ده ومحدش يتحدت فيه نهائي." سأله مؤيد بحدة: "موضوع إيه اللي مش رايد حديت فيه؟ التفت مراد إلى أخيه وسلمى التي دلفت خلفه، فلم يريد أن يشوه صورتها أمامهم، فغمغم بتبرم: "مفيش حاجة، حديت ميخصكش." تقدم منه مؤيد وتحدث بأباء:
"اللي يخص أخوي يخصني، ورايد أعرف إيه اللي خلاها تهمل البيت بعد ما كانت جاية تتحامى فينا." حاول الثبات وعدم الالتفات لضميره الذي يأنبه وقال بتسويف: "روح اسألها، أني معنديش علم بحاجة زي دي." تطلع مؤيد إلى والدته وسألها بحدة: "متجولي انتي فيه إيه بالظبط؟ نظرت إلى مراد الذي رمقها بتحذير، فرفضت التحدث. وحينها تحدث مؤيد باحتدام: "يبجى أعرف منها أفضل."
خرج مؤيد من الغرفة ومن المنزل بأكمله كي يلحق بها ويعرف منها ما حدث. لكن سلمى تقدمت من زوجها لتقول بعتاب وهي تناوله الإطار والعلبة: "على فكرة هي طلبت مني أرجع لك دول قبل ما تمشي." تطلع مراد إلى الصورة وأخيه يحتضنها بسعادة لم يراه بها من قبل، الصورة واضحة وليست (مفبركة)
. عقد حاجبيه بحيرة ثم وضعها على الفراش وفتح العلبة ليجدها تحتوي على خاتم زواج قد حمل اسمهم من الداخل، وقلادة باهظة الثمن يتدلى منها كلمة "حبيبتي"، وسوار يحتضن أطرافه اسمها (نور) . ازدادت حيرته حتى إنه لم يعد يفهم شيء مما يحدث. الصورة واضحة وحقيقية وليست خدعة، وامضاؤه أيضًا كذلك. تقدمت منه سلمى عندما لاحظت حيرته وتحدثت بلوم: "مكنش ينفع اللي عملته ده يا مراد، البنت جاتلنا تتحامى فينا ودي مهما كانت أمانة أخوك."
لم يتحمل سمع المزيد وانسحب بهدوء خارجًا من المنزل متجهًا لجهة أخرى ربما تؤكد له براءة.
_جلست نور تنتظر وصول القطار المتجه إلى الإسكندرية، منوية الذهاب إلى أهل والدها. هي لم تراهم من قبل سوى مرة واحدة عندما جاء عمها يأمر والدتها بالذهاب معهم كي يزوجها لأبنه، لكن والدتها رفضت بشدة وأصرت على رفض أوامره. ليتها وافقت، فمهما كان عذابها معهم فهو أرحم بكثير من ذلك الذل الذي تعانيه الآن. توقفت سيارة مؤيد أمام محطة القطار وهو موقن بأنها هناك. أخذ يبحث عنها حتى لمح طيفها تصعد قطار الإسكندرية. توجه إليها ليجدها جالسة على المقعد تنظر من النافذة بشرود.
دنا منها ليقول بثبات: "المفروض لما تفكري تهملي الدار تستأذني صاحبها لولا ولا إيه يا بنت البندر." لم تندهش نور من وجوده، بل اندهشت من تلك السرعة التي لحقها بها. فهو يختلف تماماً عن أخيه، ذلك المتغطرس. فنظرت إليه بابتسامة مغلفة بالمرارة وردت بهدوء: "عشان مش بحب سلام الوداع، ديمًا بهرب منه، وعشان كدة بنسحب بهدوء من غير ما حد يحس بيا." آلمته بانكسارها فأراد محوه بمزاح:
"أني بجا أختلف معاكي في حاجة زي دي، بحب ديما أودع حتى لو راجع تاني لأني مش ضامن هنتجابل تاني ولا لا، وعلى العموم احنا لساتنا فيها واتفضلي ارجعي معانا استأذني لولا جبل ما ترحلي." اخفضت عينيها بحزن عميق وتمتمت بخفوت: "مبقاش ينفع، خليني أمشي لأن ده أفضل للكل." جلس على المقعد المقابل لها وتحدث برزانة:
"أني معرفش إيه اللي حصل خلاكي تسيبي البيت أكدة وتمشي، بس اللي اعرفه زين إنك مرات أخوي وأمانة عندينا واللي في بطنك الحاچة الوحيدة اللي باقية من ريحته، يبجى لازم ترجعي معاي من غير ما تخليني أرچعك بالغصب." قال كلمته الأخيرة بمزاح جعلها تبتسم رغم مرارة حلقها، فقالت بأباء: "صدقني مش هينفع أرجع معاك البيت ده تاني، خليني أمشي بهدوء وكفاية…." قاطعها مؤيد بإصرار:
"جولتلك مينفعش ومش عايز أعيد كلامي كتير، إني معرفش إيه اللي دار بينك وبين مراد، بس إني رايد أقولك كلمتين تحطيهم حلجة في ودنك، انتي وابنك ليكم حق علينا وحقكم إنكم تعيشوا في الدار معززين مكرمين، وإن كان على الدكتور مراد فهو جلبه طيب بس عيبه إن طبعه حامي حبتين ومتزمد في دينه جوي، كل الحكاية إنه رافض طريقة زواجكم مش أكتر من إكدة." ابتسم ببشاشة وتابع إقناعها:
"وعلى فكرة هو اضايج جوي إنك مشيتي، وهو كمان اللي بعاتني عشان أرجعك." نهض حاملاً حقيبتها وتحدث بمزاح: "ها هتمشي معاي من سكات ولا أنفذ تهديدي؟ لم تستطع الرفض رغم اعتراضها على العودة، لكن ليس بيدها شيء سوى الرضوخ وتحمل الإهانة التي تلقتها من أخيه حتى لا يعاني طفلها كما عانت هي. جلس مراد أمام شيخه ومأذون القرية يأخذ رأيه بصحة العقد، فأجابه بروية بعد أن اطلع على العقد:
"العقد فعلاً غير صحيح، سواء من عدم وجود اسم المأذون ولا حتى رقم بطايق الشهود ولا دمغات ولا حتى الختم." قطب جبينه بحيرة وسأله: "يعني معنى كديتك ده إن الزواج ده مش حقيقي والعقد متفبرك؟ تنهد الشيخ ووضع العقد على الطاولة أمامه ورد بإيجاز: "للأسف يا ولدي ده اللي ماشي دلوجت." لم يفهم مراد شيء من حديثه فتابع الشيخ:
"الچواز دلوجت بقى زي اللعبة بالظبط، والمأذون دلوجت بقى بيمشي كل واحد على هواه مادام المقابل هيكون عالي. يعني اللي عايز يتجوز واحدة صغيرة وموصلتش للسن المسموح بيه بيعقدوا عند مأذون وكل حاجة بس مش بيسجلوا لأن لو اتسجل هيبجى باطل، أو واحد بيتجوز من ورا أهله وعشان ميعرفوش مبيسجلش العقد، وواحد تاني بيضحك على بنات الناس ويوهمهم بالمأذون والشهود والجسيمة وهي متفرجش حاجة عن العقد العرفي."
"بس المأذون أكده لو اتعرف هيكون إيه عقابه؟ "السجن طبعاً، وعشان إكدة بيخفي الدفتر ده ومش بيدي الورجة لحد لأنها ممكن تتاخد ضده، بس الغريبة أهنه إنه اداها." زم مراد فمه دلالة على مدى استيائه من أخيه، فعاد يسأل: "طيب ده بيُعد جواز حقيقي ولا باطل؟
"الچواز إشهار يا ولدي حتى لو بدون عقد ولا حتى شهود، ولو فيه عقد وشهود من غير معرفة الأهل بيكون باطل، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال "لا نكاح بدون ولي" والأب هنا قادر أنه يبطل العقد لو بنته اتجوزت بدون رضاه، ولو الأب مش موجود يبقى الأخ والذي يليه من الأقارب."
أومأ له مراد واكتفى بهذا القدر، لا يريد أن يسمع المزيد. أخذ العقد واستأذن من شيخه وخرج من المسجد. عاد إلى المنزل والتفكير في الأمر لا يرحمه. إذا فقد خدعها أخيه حقًا، ماذا سيكون مصير ذلك الطفل؟ فإما أن يظل مجهول النسب، أو تنتظر حتى ولادتها وترفع دعوة لنسب الطفل ويكون بذلك قد عرض الطفل لعار سيظل ملازمًا له طول عمره، والأدهى إذا كانت فتاة. لما فعل أخيه ذلك الإثم؟ لما لم يفكر في عواقبه؟
ظل يتخبط في فكره حتى وصل إلى المنزل. كان السكون يعم المكان، فصعد إلى غرفته وأغلق الباب خلفه، لا يريد التحدث مع أحد الآن حتى يصل إلى قرار. في المزرعة عاد جواد إلى منزله وهو يحمل طفله الذي استكان على كتفه بعد لحظات خوف مر بها. دلف بهو المنزل فيجد ياسمين تنتظره بقلق بالغ، وفور رؤيته أسرعت إليه بلهفة: "جواد الحمد لله إنك لقيته." أومأ لها وناولها إياه: "خديه نيمه جانبك وميفارقش جارك لحظة واحدة." حملته ياسمين وقالت بقلق:
"طيب طمني واحكيلي إيه اللي حصل." رد جواد بتعب: "نيميه لول وانزلي عشان عايزك في موضوع." هزت رأسها بالإيجاب فدلف هو المكتب وصعدت هي لغرفة توليب كي تطمئنها عليه. كانت توليب قد انتهت من صلاتها عندما دلفت ياسمين بيزن. وفور رؤيته نهضت توليب وهي تحمد ربها على عودته سالمًا ودنت من ياسمين التي وضعته على الفراش وقالت براحة: "الحمد لله إنكم لقيتوه." تطلعت إليها ياسمين: "خلي عينك عليه لحد ما أشوف جواد عايزني ليه."
أومأت لها بتفاهم وخرجت ياسمين متجهة إلى غرفة المكتب. في المكتب دلتفت ياسمين لتجده يتحدث مع المحامي الخاص بعائلتهم: "أنا عايزك ترفع الدعوة بأسرع وقت، رايد الطفل ده يكون في حضانتها في خلال شهر بالكتير." "…." "حاول بأي طريقة وأنا أتفق معاها على كل حاجة، النهاردة هتعملك توكيل وامشي في الإجراءات وخلصها." "…." "تمام." أغلق جواد الهاتف وتطلع إلى أخته التي ترمقه بحيرة وسألته بعدم استيعاب:
"يعني هي تخطف ابنك وأنت تيجي تحل مشاكلها؟ نهض من مقعده وتوجه إليها ليرد بحكمة: "دي أم واتاخد منها ضناها بغدر، وده خلاها تشوف ابنها في كل طفل بتجابه. وبعدين هي لا آذته ولا حاجة، كل الحكاية إنها حست إننا هنبعده عنها زي ما طليقها عمل معاها وعشان كدة هربت." تنهد بتعب وسألها: "المهم إيه قصة البنت اللي لقيتها في أوضتك دي؟ ازدردت لعابها بوجل، فهي لم تكذب عليه من قبل، فوجدت صعوبة وهي تقول:
"دي زهرة كانت زميلتي في الجامعة وأبوها وأمها مسافرين في عمرة وجات تجعد معاي لحد ما يرجعوا." أومأ بتفاهم لكن تحدث بتنبيه: "مع إن اللي جولتيه ده مش داخل دماغي، بس خليها تجعد زي ما هي رايدة بس بدون أي مشاكل." "إن شاء الله مفيش مشاكل." في منزل توفيق عم الحزن أركان المكان تمامًا كقلوبهم، ولم يعد للبيت تلك البهجة التي كانت تحوطه من كل جانب. فقالت سلوى بحزن: "وبعدين ياتوفيق هنعمل إيه؟ هنفضل ساكتين لحد البنت ما تضيع مننا؟
تنهد بتعب وتمتم بانهزام: "هنعمل إيه بس أكتر من اللي عملناه، موضوعها دلوقت بقى في إيد ربنا إن الراجل ده يفوق ويعترف بالحقيقة." "ولو مفاقش ولا قدر الله مات إيه هيكون مصيرها؟ هز رأسه بضياع وأسند رأسه بين كفيه: "مش عارف ياسلوى مش عارف." دلف تميم من الخارج بوجوم، فقد كان آخر أمل له هو والد صديقه. أسرعت إليه سلوى تسأله بلهفة: "عملت إيه؟ جلس على المقعد بارهاق وغمغم بضيق:
"قالي إن الأفضل تسلم نفسها، لأن لو الراجل ده مات القضية هتثبت أكتر عليها وهتحكم حكم نهائي." ارتمت سلوى على المقعد وأخذت تصفع على ساقيها وهي تقول بضياع: "البنت ضاعت مني، بنتي ضاعت مني." أسرع تميم يمنعها من ذلك وتحدث بقوة: "اهدي ياماما إن شاء الله كل حاجة هتتحل." هزت رأسها بعدم استيعاب لما يحدث: "تتحل فين وبنتي متهمة في جريمة قتل؟ تتحل إزاي ياناس، تتحل إزاي؟
احتواها تميم بين ذراعيه وأخذت هي تبكي بحضنه بضياع، أما توفيق فقد أخذ يفكر في حل لتلك المعضلة لكن لم يجد سوى سفرها للخارج في أسرع وقت. _عادت ياسمين إلى الغرفة وكانت توليب شاردة كعادتها وهي جالسة تتلاعب في خصلات يزن وهو نائم بجوارها. لم تعد تلك الفتاة المرحة التي تعرفت عليها، بل فتاة ضائعة لا حول لها ولا قوة. تقدمت منها لتجلس بجوارها وتحدثت بابتسامة: "هتفضلي حابسة نفسك كدة في الأوضة؟ اعتدلت توليب في جلستها وغمغمت بشجن:
"بحاول أتأقلم على حياتي الجديدة." اعتصر قلبها حزنًا عليها وتمتمت بأمل زائف: "متجوليش إكدة إن شاء الله كل حاجة هتتحل والراجل ده هيفوق ويعترف بكل حاجة." ابتسمت بآسى: "ياريتها كانت بالبساطة دي، حتى لو فاق من الغيبوبة عمره ما هيعترف على نفسه." "بس ده كان دفاع عن أبوكي اللي كان بيموت بإيديه." تحدثت توليب بتهكم:
"انتي بتتكلمي كدة لأنك متعرفيش الشخص ده، ده أحقر إنسان ممكن تشوفيه في حياتك. واديني بتضرع لربنا وهو اللي هيفرج كربي بأقرب وقت." أيدت حديثها: "ونعم بالله." نهضت من جوارها وتابعت: "أنا هسيبك تنامي شوية لأنك منمتيش طول الليل واني كمان مش قادرة أفتح عينيه وهاخد يزن عشان تنامي براحتك." منعتها توليب من أخذه وقالت برجاء: "لأ سيبيه أنا مطمنة وهو جانبي."
وافقتها ياسمين بابتسامة وخرجت من الغرفة بعد أن أغلقت الستائر كي تتركها تنام بأريحية. نظرت توليب إلى يزن بابتسامة صادقة واستلقت بجواره، مندهشة من تعلقها به بتلك السرعة. لاح الحزن بعينيها، تمامًا كما حدث من قبل.
_أنهى جواد عمله في المزرعة وعاد إلى غرفته عندما شعر بألم كبير في قدمه فقد تحامل عليها تلك الليلة. أبدل ملابسه وقام بخلع الساق الصناعية وقد شعر بألم مبرح بها. تناول أدوية مهدئة للألم واستلقى على فراشه بإنهاك. تذكر تلك الفتاة التي اقتحمت عزلته وراوده شعور بأنه رآها من قبل لكن لا يذكر متى. لكنها ذكرته بصديقة ياسمين التي اقتحمت قلبه يومًا ولم تخرج منذ ذلك الوقت. وكأنها لعنة سقطت على قلبه حينها خاصة كي تجعله يعيش ذلك العذاب الذي لا يرحم.
فلاش باك وقف مع الطبيب وهو يعالج حصانه الذي أصيب في ساقه ولم يستطيع أحد الاقتراب منه حتى هو إلا بحقنه بمهدئ كي يستطيعون معالجته. انتهى الطبيب من ربط الضمادة ونظر إلى جواد قائلاً: "الجرح عميق أوي بس الحمد لله بدأ يلتئم شوية بشوية." شكره جواد وظل يعتني به حتى بدأ جرحه بالشفاء، لكنه مازال يمنع أحد من الاقتراب منه. وفي يوم الحناء
أخرجه جواد من الإسطبل وخرج به إلى السياج الملتف حول الإسطبل كي يتركه يمرح قليلًا. وفور أن خرج رماح بدأ يهرول حول السياج وكأنه ظل حبيسًا لشهور وليست أيام قليلة. وقف جواد يراقبه بحب صافي كصفاء قلبه النقي. كانت تلك الفتاة تشاهد الموقف بإعجاب، فهي عاشقة للخيول وقد أصيبت بخيبة أمل كبيرة عندما لم يساعدها مجموعها لدخول كلية الطب البيطري، واختارت العلوم قسم علم حيوان لأجل حبها للخيل. استأذنت من ياسمين التي بعثت معها نعمة كي
لا تضل طريقها، ووقفت من البعيد تشاهد جواد وهو يمتطي ظهر الجواد بروية وانطلق به يطوف داخل السياج بهدوء. سرعان ما أسرع قليلاً في مشهد خطف قلبها. تقدمت من السياج لتشاهد عن قرب، وقد هالها ذلك الفارس الذي يمرح بحصانه الأسود كسواد ليله، إلا من إضاءة خافتة معلقة على السياج. راودتها رغبة بالتقاط بعض الصور له لكنها لم تملك الجرأة لفعلتها. انتبه جواد لوقوفها ولاحظ اهتمامها، فعلم أن هناك من هو عاشق للخيل مثلها. وقف حصانه كي لا
يرهقه
وترجل من فوقه ليقول بثبات: "ملاحظ إنك بتحبي الخيل." شعرت بالخجل من حديثه لكن تطرقه للأمر جعلها تستجيب لحديثه وتمتمت بتأكيد: "بحبه جدًا من وأنا صغيرة." مسح رماح رأسه في صدر جواد الذي ملس بدوره على صفحة وجهه وتمتم بصبو: "الخيل أفضل صديق ممكن تجابله في حياتك." رمقه جواد بتوق وتابع: "بيحس بحزنك زي ما بيحس بفرحك، وكل ما تديه اهتمام يديك حب ووفاء."
أعجبت توليب بحديثه الذي لامس قلبها وآتاها رغبة بأن تملس على وجه الحصان كما يفعل هو. وكأنه علم بتلك الرغبة إذ قال بنهي: "أنصحك بلاش لأنه مش بيتعود على الناس بسهولة، وخصوصاً إذا كان مخبي وشه زيك، خليها مرة تانية." خرج صوتها متزمراً: "بس إحنا مسافرين بكرة بعد الفرح." ابتسم وهو ينظر للشيء الوحيد الظاهر منها وهي عينيها التي لفتت انتباهه بلونها المضيء كلون الشمس وتمتم بابتسامة: "هخليكي تشوفيه بكرة جبل ما تسافروا." ارتبكت
عندما ناداها ذلك الصوت: "توليب."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!