الفصل 18 | من 33 فصل

رواية التل الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
15
كلمة
4,448
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

عاد وهدان من الخارج وجد الفتيات أمام التلفاز من دونها. "السلام عليكم." هللت الفتيات بعودته، وأسرعت الصغيرة تتعلق به. جال بعينيه يبحث عنها، فسأل زينة: "أومال حياة فين؟ أشارت على المطبخ: "جوه بتعمل العشا." عقد حاجبيه مندهشًا ودلف المطبخ ليجدها بالفعل تعد الطعام على الموقد، فقال معاتبًا: "هو ده اللي جولتلك عليه؟ انتبهت حياة لوجوده وعدلت من وضع الحجاب وهي تقول بخجل:

"البنات چعانين وجلت أعملهم حاچة خفيفة إكدة، وبعدين أني الحمد لله بجيت زينة." ابتسم لها بامتنان وتقدم منها وهو يرفع أكمامه: "يعني مكنوش جادرين يستنوا لما أرجع؟ ها يا ستي بتعملي أيه؟ بدأ وهدان في مساعدتها والسعادة تغلفهم من كل جانب. انتهوا من تناول طعامهم وهمت حياة بحمل الأطباق، لكن وهدان منعها: "سيبيهم للبنات خليهم يساعدوكي."

همت بالرفض، لكن السعادة التي أظهروها جعلتها توافق. بدأوا بحمل الأطباق وذهبوا بها للمطبخ، وشرعت زينة بغسلها. وقفت حياة معهم لتوجههم حتى انتهوا أخيرًا وذهبوا للفراش. عادت للغرفة فتجد وهدان ينتظرها بالدواء. أغلق الباب وتحدث بثبات: "البنات ناموا؟ أومأت له وتقدمت منه لتأخذ منه الدهان وتمتمت بحرج: "خليني أنا اللي ادهن، أني الحمد لله بجيت زينة." ظهر الامتعاض واضحًا عليه ونهض من الفراش: "اللي تشوفيه."

توقفت أمامه لتمنعه من الذهاب ورفعت عينيها إليه باحراج: "أني مش جصدي أضايقك بس حسيت إني تجلت عليك جوي." لانت ملامحه قليلًا وأكملت هي: "أسفة إن كنت زعلتك." كانت عينيها تنظر إليه بترقب وكأن حياتها واقفة على رده. ظل على وجومه يتلاعب بمشاعرها كي يتأكد من حاجةً في نفسه. أخفضت عينيها بحزن وهمت بالانصراف، لكنه منعها بأن وضع يده أسفل ذقنها ليرفع وجهها إليه كي ينظر داخل عينيها وتمتم باحتواء:

"أني عمري مـ أزعل منك، بس ممكن آخد على خاطري لما أحاول أجرب وانتي تبعديني." تاهت عينيها في بحوره الندية وشعرت بالخطر من مشاعرها التي بدأت تأخذها إليه وتطالبها بالغوص في أنهار الحنان الذي يغدقها به. رفعت الدواء في وجهه وتمتمت بلهجة مرحة قليلًا تمحي به الجو المشحون بينهما: "ها هتدهن ولا أخلي زينة؟ رفع حاجبيه بمكر وهو يأخذ منها الدهان: "تبعثي لى زينة وأبو زينة موچود؟

ابتسمت بامتنان وأخذها ليجلسها معه على الفراش وشرع في فعلها. كانت تنظر إليه وهو يدهن يدها بحنان جارف وتملي عينيها من ملامحه التي أصبحت عاشقةً لها، وعينيه التي تنظر إليها بحب لم ترى مثله من قبل.

رفع عينيه عندما لاحظ نظراتها فتقابلت العيون لتحكي ما لم يستطع اللسان البوح به، فيحكي كلاهما عن قصة شوق لا ترحم ولا ترأف بقلوبهم حتى تحولت الشكوى إلى احتياج. وقد شعر بأنه لن يستطيع التحمل أكثر من ذلك، فتلاحظ هي رجاءه بألا تخذله تلك المرة. ويعدها بأنها لن تندم على ذلك، فتلمع عينيه برغبة عندما لاحظ استسلامها. فرفع يده ليزيح عنها وشاحها فيسترسل شعرها الأسود محاوطا وجهها بتملك أرهق قلبه. فيبعد بأنامله خصلاتها خلف أذنها بعد إن استنشق عبيره حتى تغللت رائحته داخل رئتيه.

أخفضت عينيها بخجل لكنه منعها: "أوعاكي تبعديهم." فتعود عينيها لمرمى عينيه فيصيبها سهام العشق. وتنزل أنامله على عينيها فتجرحه بأهدابها، ثم يسترسل حتى وصل لمبتغاه وهو ثغرها الذي أرهقه ليالي طويلة وحلم بتذوقه وملمسه الرخو. اكتفى ولن يستطيع التحكم في مشاعره أكثر من ذلك، فمال بروية على ثغرها حتى تلاقت الشفاه وتناغمت على دقات القلوب فتعزف سنفونية بعشق لا متناهي ولن يأرقه شيئاً بعد الآن. *** في السيارة

ظل ينظر إليها بين الحين والآخر في مرآة السيارة وقلبه يرفرف بحبها. مما جعلها تخجل من نظراته وتحدثت بغيظ: "مش هتبطل نظراتك دي؟ رفع حاجبيه متسائلًا: "مالها نظراتي مضيقاكي في حاجة؟ نظرت له بجانب عينيها وهي تحاول التحكم في ابتسامتها التي ظهرت واضحة وتمتمت بدلال غير مقصود بل هو في طبيعتها: "بتكسفني." ضحك جواد بسعادة بالغة: "خلاص بلاش نظرات نخليها أفعال." شهقت بصدمة وغمغمت من بين أسنانها: "انت…" زمت فمها بغيظ ولم تستطع

قولها ليقول هو بتحذير: "أوعاكي تجوليها." ازداد غيظها منه وقالت بحنق: "تصدق أنا أستاهل إني جيت معاك." أيد حديثها: "بالظبط إكدة يبجى تتحملي نتيجة أفعالك." هزت رأسها بيأس منه. وانعطف جواد ليوقف السيارة أمام المنزل، ثم نظر إليها قائلاً بجدية: "خدي بالك ده مش فرح؛ ده واحد بيتچوز أرملة أخوه والمفروض أصلاً مكنتيش چيتي معاي بس اللي حصول، خدي بالك من كل كلمة."

أومأت توليب وشعرت حقًا بأنها أخطأت في المجيء. ثم ترجلت معه من السيارة وأخرج جواد الهاتف ليحدثه: "أني واقف برة بس معايا خطيبتي." "تمام مستنيك." استند جواد بظهره على السيارة ونظر إليها بحب متمتمًا بحبور: "عقبالنا." تهربت بعينيها منه ولم تستطع الرد من خجلها. كانت عينيها التي تظهر من النقاب كفيلة بأن توقعه في غرامها. فسألها: "بس قوليلي ليه رجعتي للنقاب لما عرفتك؟

لاح الحزن على ملامحها مما جعله يستاء من نفسه لتذكيرها بما حدث، وخاصة عندما قالت: "كنت مجبرة عشان محدش يعرفني وعشان كدة كنت حابسة نفسي جوه الأوضة." أراد أن يعيد المرح لحديثهم فرفع حاجبيه يتصنع التصديق: "على أساس لما لبستيه خرچتي منيها؟ دا أنا بجالي أسبوع بقنعك إنك تاكلي معانا." قاطعهم خروج مراد ومعه سلمى لتستقبل توليب. فقال مراد بحنق: "أتاخرت ليه يا ابن الخليلي؟ أجاب ببعض التحفظ الذي مازال ملتزمًا به معه:

"غصب عني أول ما جدرت چيت على طول." اندهشت توليب من تحفظه. وقد عاد ذلك الشخص المتهجم. رحبت سلمى بها التي تتظاهر بتقبلها للأمر ونيران قلبها المشتعلة تحتج بشدة، لكن عليها الرضوخ كي لا يضيع كل شيء من بين يديها. "أهلاً وسهلاً اتفضلوا." دلفت توليب معهم وهي لا تفهم لماذا فكرت بالمجيء معه، ولما ذلك الجفاء الذي يعامله به مراد رغم ما سمعته عن صداقتهم المتينة. دلت المنزل وسلمى ترحب بها بحفاوة: "اتفضلي يا…." أكملت بحرج: "توليب."

"اسمك جميل أوي." "متشكرة." "تحبي تقعدي هنا ولا نطلع عند طنط." ازداد شعورها بالحرج أكثر وهي لا تعرف من هي. لابد أنها والدة مراد. "خليني أسلم عليها." أومأت سلمى وأخذتها لغرفة نور. فوجدت أناسًا أيضًا لا تعرفهم. لكن تلك الفتاة التي تستلقي على الفراش تشعر بأنها رأتها من قبل. قاطع تفكيرها صوت سلمى التي تقدمها بابتسامة: "تعالي يا توليب." نظر الجميع لمصدر الصوت، فعقدت سهر حاجبيها بدهشة من تلك المنتقبة؟ قالت آمال بترحيب:

"أهلاً وسهلاً يا بنتي اتفضلي." قدمتها سلمى لهم: "دي تبقى توليب خطيبة جواد الخليلي." لم ترفع نور عينيها بل ظلت خافضة بوجوم. رحب بها الجميع عندما علموا بهويتها، وبالأخص آمال التي سعدت بشأن جواد كثيرًا. صافحتهم جميعًا. وعندما تقدمت من نور تذكرتها، فهي تلك الفتاة التي رأتها في القطار ذلك اليوم، لكنها لم تبدي ذلك بسبب صمتها الغريب.

حاولت نور الابتسام لكنها خرجت باهته. ولما لا وكل شيء حولها أصبح قيد راصخ يلتف حول عنقها وإن عافرت اشتد عليها الاختناق. قربت سلمى المقعد من الفراش كي تجلس عليه توليب وسألتها: "تشربي أيه؟ قالت توليب برفض: "لأ متشكرة مش عايزة حاجة." تحدثت آمال: "كيف ده دا انتي خطيبت الغالي واول مرة تشرفينا." نظرت إلى سلمى التي تنتظر ردها وقالت بهدوء: "أي حاجة."

أومأت سلمى وخرجت من الغرفة ليس للمطبخ ولكن لغرفتها. وقد انتهى ثباتها عند تلك اللحظة. وسمحت لدموعها العنان وأخذت تنتحب وتشهق ببكاء يمزق القلوب. اليوم فقط خسرت مراد للأبد. حلم عمرها وحبيب روحها الآن أصبح لأخرى ويكن لها مشاعر أكثر بكثير منها. في غرفة نور دلف مؤيد بعد أن طرق الباب وبيده عقد الزواج: "السلام عليكم." "وعليكم السلام." نظر مؤيد لنور بابتسامة وسألها: "عاملة إيه دلوجت؟ حاولت نور مبادلته الابتسام وردت بوهن:

"الحمد لله أحسن." قرب منها العقد وناولها القلم وهو يقول بثبات: "اتفضلي امضي هنا." تطلعت نور للعقد بتبرم ولم تطاوعها يدها لفعلها، لكن صوت مؤيد الحاني عاد طلبه: "امضي ومتخافيش." نظرت إليه بتوجس فأومأ لها بأن تطاوعه ففعلت مضطرة، وكل ذلك يحدث أمام أعين توليب التي صدمت مما يحدث. لقد أخبرها جواد بأنها أرملة أخيه، لكنه لم يخبرها أنها حامل منه، فذلك لا يجوز شرعاً ونهى عنه الرسول. لماذا يحدث هنا؟ بعد امضتها تطلع

مؤيد لوالدته وقال بهدوء: "لو سمحتي يا أمي عايزك برة." أومأت له آمال وخرجت معه. ثم استأذنت سهر وخرجت لتطمئن على طفلها. وبقيت توليب مع نور لحالهم. لم تستطع الصمت وقالت لنور بعد تردد: "ممكن اسألك سؤال؟ أومأت لها نور وقالت بإحراج: "أسفة إني بتدخل، بس اللي عرفته من جواد خلاني أندهش من اللي بيحصل؟ قطبت نور جبينها بدهشة وسألتها: "ليه؟ نظرت إلى جوفها الممتلئ وتمتمت باستنكار:

"جواد قالي إنك مرات أخوه بس لا يجوز الزواج من إمرأة حامل." ابتسمت نور بمرارة: "لأن جوازنا ببساطة مش جواز عادي." تابعت حديثها عندما ضيقت توليب عينيها بحيرة: "أحنا كلنا وقعنا في الخطأ ده ضحية لعبة قذرة من واحد وثقت فيه والآخر اكتشفت إن لا المأذون ولا الشهود حقيقيين، بالتالي مفيش جواز ولا حاجة تثبت نسب الطفل، فكان لازم أخوه يشيل الحمل ده وعشان كدة احنا بنتجوز بالطريقة دي." اندهشت توليب من صراحتها وقالت بإحراج:

"بس ده برضه جواز مشروط وده في حد ذاته حرام شرعاً، غير كمان نسب لنفسه طفل مش ابنه." تنهدت بألم: "للأسف مفيش في ايدينا حل تاني." رق قلب توليب لها، لكنها أخطأت من البداية ولابد من تحمل نتيجته. وللحق نقول بأن القدر نصفها رغم كل شيء عندما وجدت من يقف بجوارها وينتشلها من ذلك الضياع. "أنا عارفة إن اللي بتمري به صعب، بس عليكي بالاستغفار وابدأي صفحة جديدة مع ربنا." تجمعت العبرات في عينيها وهي تقول بألم:

"مكنتش أعرف إنه حرام، فكرت عن جواز المأذون أنه صح شرعاً وقانوناً، بس والله لو كنت أعرف مكنتش هوافق أبداً." ربتت توليب على يدها وتحدثت بتأثر: "أزمة وهتعدي وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرًا لكم. سيبك من أي حاجة وخليكي مع ربنا وانتبهي لصحتك لأن دلوقت فيه روح محتاجالك." أخذت نور نفس عميق كي تهدئ به روعها وقالت برضا: "إن شاء الله." حاولت توليب تغيير الموضوع ونثر جو من المرح كي تخفف به ذلك الجو المشحون:

"مع إني مستغربة إنك فتحتي قلبك ليا بالسرعة دي، بس حقيقي أنا مبسوطة إني اتعرفت عليكي." أيدت نور حديثها قائلة: "وأنا كمان مستغربة، بس بما إنك خطيبة جواد يبقى مش غريبة، مع إني حاسة إني شوفتك قبل كدة." أومأت توليب: "آه فعلًا من فترة طويلة اتصادفنا في القطر ووقعنا إحنا الاتنين." تذكرت نور فوراً وقالت بابتسامة: "آه افتكرت وكنت قاعدة في الكرسي اللي جانبي." أومأت توليب بمرح: "أيوه أنا، بس بجد صدفة غريبة." قاطعهم دخول سلمى

وهي تحمل أكواب العصير: "معلش اتاخرت عليكم." ابتسمت توليب بمجاملة وقالت: "مفيش تأخير ولا حاجة." وضعت المشروب على المنضدة بجوارهم وجلست هي على الفراش وهي تحاول بشتى الطرق أن تخفي حزنها: "مبروك مراد قالي إن كتب كتابكم بكرة." أومأت لها: "إن شاء الله لازم هتيجوا مش محتاجين دعوة." أجابت نور: "ياريت كنت أقدر بس الدكتور مانعني من الحركة شهر على الأقل، بس الأيام جاية كتير." _في الأسفل

انتهى المأذون من امضاء الشهود جواد ومؤيد، وقد كان عمه وكيلها كما طلب منه مراد. انصرف الجميع وخرج مؤيد معهم. فنهض جواد بدوره وهو يقول بوجوم: "أنا همشي دلوجت لأن الوجت أخر ومتنساش تاچي بكرة." ابتسم مراد لصديقه الذي وجد ضالته أخيرًا، وقال بحبور لصديقه الذي تعذب كثيرًا وأخيراً تبسمت له الحياة: "ماشي يا سيدي بكرة هخرج من المستشفى عليك، بصراحة وحشني أكل أم نعمة أوي." أومأ له جواد ومازال التحفظ سيد الموقف معه:

"إن شاء الله." خرج جواد كي ينتظر محبوبته وعيون مراد تنظر إليه بيأس منه ومن عناده، لكنه لن ييأس وسيظل خلفه حتى يعودوا كما كانوا. _خرجت توليب فتجده ينتظرها أمام المنزل مستندًا بظهره على السيارة. ابتسم فور أن هلت عليه بطلعتها الساحرة وقالت بحب: "أتاخرت عليك؟ صمت قليلًا ثم أومأ مؤكدًا: "كتيرًا جوي بس ملحوقة، كله ده هيتعوض بعد يومين." أخفضت عينيها بخجل وتابع وهو يتقدم منها:

"حاسس إن قلبي هيقف من الفرحة ولحد دلوجت مش مصدق نفسي." رفعت بصرها إليه بخوف وتمتمت بعتاب: "بعد الشر عليك متقولش الكلمة دي تاني." شملها بعينيه التي تريد أن تخفيها داخل أحضانه، لكنه أحكم رغبته وقال بثبوت: "طيب يالا عشان الوقت اخر." استقل السيارة وجلست هي بجواره وانطلق بها. لاحظ جواد شرودها منذ أن خرجت من منزل مراد فسألها باهتمام: "مالك يا توليب من وجت ما خرجنا وانتي سرحانة." تنهدت توليب بحيرة:

"اللي بيعمله مراد ده غلط كبير من كل الجهات، واولهم الجواز المشروط." هز رأسه بنفي: "بس ده مش جواز مشروط." عقدت حاجبيها بعدم فهم: "يعني إيه مش فاهمة، مش هو بيتجوزها عشان ينسب ابن أخوه؟ رد جواد وهو ينظر للطريق أمامه: "سبب بجانب السبب الأساسي." "اللي هو؟ رد ببساطة: "أنه حبها، مراد مستحيل يوافق على ده إلا إذا حبها فعلاً وده اللي فهمته من كلامه وتصرفاته." "بصراحة البنت دي صعبت عليا أوي، وكل اللي حصلها بسبب طيبتها الزيادة."

"جفلي على الموضوع ده لأن دي أسرار وخصوصاً أن مراد محكاش على حاچة، كل اللي اعرفه أنه مسجلش العقد خوف عليها من أبوه، خلينا في فرحنا." غمز لها بوقاحة وقال بمكر: "بعد الوقت بالثواني وحياتك." أغمضت عينيها بيأس من وقاحته وتابع هو بتحذير: "اللبس اللي أختارته هياچي بكرة بس اوعي حد يشوفه غيري." زمت فمها بغيظ: "مفيش غير ياسمين لأن مفيش غيرها بيدخل الأوضة، عملالي حظر ومنبهة عليا مقربش منها حتى." ضحك جواد قائلاً:

"مش مشكلة بس خليني اتفاجئ بحاچة زينة في الآخر." "إن شاء الله." ساد الصمت قليلًا فعلم جواد بأنها تود التحدث بشيء فسألها: "رايدة تسألي عن حاجة؟ ابتسمت توليب: "عرفت ازاي؟ رفع حاجبيه بفخر مصطنع: "خبرة في أمور الحريم." هزت رأسها بيأس منه: "حريم؟! ماشي يا سيدي." ترددت قليلًا قبل أن تقول: "جواد احنا كلها يوم وهنتجوز وللأسف محدش فينا يعرف حاجة عن التاني، أو تقدر تقول معرفة سطحية." تطلع إليها مبتسمًا قبل أن

تعود عيناه للطريق أمامه:

"ومين جال إني معرفش حاجة عنيكي، توليب وفيق السن واحد وعشرين سنة كلية علوم سنة رابعة اتولدتي في اسكندرية ونجلتوا القاهرة بسبب شغل أبوكي اللي اتوفى بإصابة عمل وكان عمرك سنة ونص، بعدها صديق أبوكي اتجدم لوالدتك بعد سنة ووافجت عليه عشان يحميها من أهل أبوكي وهو اللي رباكي زي بنته، لبستي النقاب أول ما دخلتي الچامعة، حفظتي القرآن عند محفظة اسمها….. السنة الأولى في الجامعة كانت جيد اللي بعدها جيد جداً واللي بعدها جيد جداً برضه، أقول تاني ولا كفاية إكدة."

اندهشت من معرفته كل تلك الأخبار مما جعلها تزداد تعلقًا به: "ماشي يا سيدي أنا بقا عايزة أعرف كل حاجة زيك كدة." لاح الحزن على ملامحه وتحدث بآسي: "مش هتلاقي فيها غير الفراغ." تأثرت بكلماته لكنها لن تتركه لذلك الفراغ، فقالت بمرحها: "خلاص عرفني مكانه عشان أملاه." التزم الصمت قليلًا ثم تحدث بجدية: "لما نروح بيبقى نقعد في الجنينة وأخبرك بكل حاچة." _ظل ينظر إليها بانتشاء وهي نائمة بجواره.

لا يصدق حتى الآن بأنها أصبحت زوجته قولاً وفعلاً. ابتسم بسعادة عندما وجدها تفتح عينيها بتثاقل وعندما لاحظت نظراته فعادت تغلقها بخجل. ضحك من فعلتها وتحدث بعشق: "مفيش داعي للكسوف ده، أني خلاص بجيت جوزك." لمس بانامله على خدها وتمتم باحتواء: "فتحي عينيك." فتحت عينيها وهي تحاول تهدئة خجلها مما جعل قلبه ينبض بقوة ومشاعره التي لم تكتفي بعد تطالبه بالمزيد والارتواء من شهدها:

"مش عايزك تبعديهم عني واصل، خليهم ديمًا إكدة جصاد عيوني." تبدلت ملامحها عندما تذكرت ذكرى مشابهة. نفس الكلمات المعسولة والحنان المفرط وخرجت منهما بعد ذلك على جحيم نيران مازالت تلتهب حتى اليوم. نعم وهدان غير، لكن عليها أن تكون أقوى والا تنجرف مرة أخرى خلف مشاعرها. اندهش من تبدل حالها فسألها وهو يداعب خصلاتها: "مالك سهمتي إكدة ليه؟ أجابت بتوجس: "خايفة." قطب جبينه بحيرة: "من إيه؟ "لإني سمعت نفس الكلام ده والآخر طعني."

صدمته بحديثها سواء بتشبيهه برجل خائن أو ذلك سابقه في لحظة كتلك. غضب وانفعل لكنه أحكم غضبه ونهض من الفراش ليرتدي ملابسه تحت أنظارها المتعجبة: "وهدان رايح فين؟ أجاب باقتضاب: "هتطمن على البنات." أجفلت عندما صفق الباب خلفه بحدة وعاد إليها ذلك الشعور بالخوف بعد أن أحاطها بالأمان والطمأنينة. ماذا قالت حتى يكون ذلك رد فعله؟

بعد تردد دام للحظات جذبت سترتها وارتدتها وذهبت تبحث عنه فوجدته جالسًا في بهو المنزل ويبدو عليه الوجوم. تقدمت منه باحراج وقد فهمت سبب زعله منها وقالت بارتباك وهو تفرك يديها ببعضها: "أني أسفة مكنش جصدي أضايقك." لم يجيبها وظل على وجومه. تقدمت لتجلس بجواره ومدت يدها لتلامس يده رغم شعورها بالخجل من فعلتها وتابعت برجاء: "ارچوك بلاش الجسوة دي لإني شبعت منها ورايدة أعوض سنيني الباجية معاك." أخفضت عينيها بحزن

عندما لم تجد منه رد فعل: "إحنا لساتنا بنجول يا هادي ولو هنفضل ندجج على كل كلمة مش هنعرف نكمل، لما جلت إكدة كان جصدي إنك تطمني مش تزرع الخوف چواتي وتخليني أجعد إكدة وأبرر كل كلمة خرجت مني، وأسفة مرة تانية إن كنت ضايجتك." وقفت لتعود لغرفتها لكنه أمسك يدها يمنعها وغمغم بثبوت: "بس أني مش بعمل إكدة عشان تتأسفي أو تبرري." نظر داخل عينيها وتابع بروية وهو ينهض ليقف أمامها:

"مينفعش إن أكون نايم في حضن مراتي وفي لحظة زي اللي كنا فيها وتفكريني بواحد تاني سبجني ليك." وضع يده على وجنتها يحتضنها بكفه وتمتم بوله: "انسي أي حاجة واجهتك وتعبتك جبل ما تدخلي داري وحياتي، عشان متأثرش على حياتنا، فهمتي؟ أومأت له بابتسامة خجلة أرهقت قلبه ومشاعره. جالت عينيه بمحياها يدقق في تفاصيله وتمتم باحتواء: "بحبك." رفعت بصرها إليه وكأنها لا تصدق ما قد تفوه بها وظنت أن ما حدث بينهم قبل قليل احتياجات جسد ليس أكثر،

فسألته بعدم استيعاب: "بجد؟ هز رأسه مؤكداً: "بجد." قرب وجهه منها وأخذ ثغرها في قبله محت كل الآلام التي شعرت به قبل أن تعرفه. أخذها في جولة كانت هي سيدتها وملكتها. _جلس جواد على الأرض بعد أن افترش ذلك الفراش ليجلسا عليه وانتظر عودتها. جاءت بعد قليل وهي تحمل أكواب العصير وأخذه منها ثم جلست بجواره وهي تقول: "يلا احكيلي بقا."

"ماشي يا ستي. أنا اسمي جواد عامر حسان، العمر تلاتين سنة خريج كلية تجارة، وأصبحت مهنتي بس على جد مزرعتي. أرمل ومعايا ولد، بس." زمت فمها بغيظ وغمغمت: "انت بتستغفلني، أنا عارفة كل ده، أنا بتكلم حياتك كلها." لاح الحزن على ملامحه ولم يرد أن يتحدث في ماضيه، لكنه أراد أن يخبرها بكل شيء. فقال بهدوء:

"أنا اتولدت في الصعيد وفي أكبر عيلة فيها واللي بترفض أن حد يتچوز براها، بس أبوي كان بطبعه عنيد واتعرف على بنت لبنانية "تظاهر بمرح" بس إيه من الآخر. اتچوزها غصب عن الكل واتمسك بيها وبعد عشر سنين ملت من الحياة أهنه وطلبت الطلاق وهملتنا ورجعت بلدها. وجتها عمي وجيه كان متوفي وجدي أصر أنه يتچوز مرته، بس كانت شديدة في طبعها حتى مع ولادها. مرات عمي فايز اللي ربتنا زي ولادها ولما كبرنا جدي حكم علينا كل واحد فينا يتچوز بنت عمه. رفضت وقتها لأن شمس بالنسبة ليا أخت مش أكتر، غير إن طباعنا مختلفة، ولأنه عارف نقطة ضعفي هي المزرعة عرف يدخلي منيها يا إما أرفض ويحرمني منها يا إما أوافق ويكتبها باسمي بيع وشرك."

نظر إلى ما بين قدميه وتابع: "وافجت وكانت أكبر غلطة عملتها في حياتي. الضريبة كانت جاسية جوي، وكان كل همها أنها تبعدني عن الخيل. بدأت بنغمة إنها تعيش في القاهرة وإني الصعيد بالنسبة ليا زي المايه لا يمكن استغنى عنه، بس جدي عشان يهدي الأمور بينا وافجها وضغط عليا إننا نعيش في القاهرة فترة إكدة ونرجع تاني." أخذ نفس عميق يهدئ به تلك النيران التي تعتل بداخله وهو يتذكر ذلك اليوم:

"وافجت لجل خاطر ابني. وفي اليوم ده كان لازمن أعدي على المزرعة عشان أظبط كل حاچة فيها جبل ما أمشي، بس هي رفضت لأنها خابرة زين إني لو روحت مش هقدر أفارجها." أغمض عينيه يحاول بصعوبة السيطرة على حريق قلبه: "اتخانقنا ومسكت الدركسيون عشان تلف العربية وفقدت السيطرة عليها واتصادمنا في عربية تانية ومعرفش إيه اللي حصل وجتها. لما فُقت لجتني في المستشفى و……"

التزم الصمت ولم يستطيع تكملة حديثه وفجأة وجدته ينهض لكن تلك المرة بصعوبة لم تلاحظها من قبل فقال بحدة: "الوجت أتاخر خلينا نرجع." أومأت له ولم تستطيع الضغط عليه ونهضت بدورها وسارت معه في صمت مطبق. _جلست كريمة على جمر ملتهب منذ أن علمت بزواجه وازداد حقدها عليه ولم تجد سوى أولادها كي تقذف سمها في آذانهم. طرق خالد الباب ودلف وعلى وجهه سعادة عامرة فأسرعت إليه تسأله: "عرفت حاجة عن عمك." رد بخبث:

"عمي ده سيبك منه لإني اتأكدت أنه بيبات في الشقة لحاله وسايب المفتاح مع مرات البواب بتنضفها جبل ما يوصل، إنما في الأهم." قطبت جبينها بحيرة: "إيه هو؟ "البنت اللي جواد هيتجوزها هربانة من جريمة قتل ومطلوب القبض عليها."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...