أسرعت ضحى تخبر والدتها بما حدث وتحثها على الصعود إلى رغد لتطيب خاطرها. صعدت سعاد على الفور إلى رغد: "إنتي بتعيطي يا حبيبتي؟ معلش ماتزعليش، أصل إنتي لسه جديدة في البيت وما تعرفيش المكتب ده مقدس قد إيه. دا حتى أنا نفسي مقدرش أقرب منه، بس الحق على ضحى هي اللي غلطانة عشان ما قالتلكيش." "خلاص يا طنط حصل خير وأنا مش هقرب من أي حاجة تاني في البيت كلها." "إزاي بقى دا بيتك يا حبيبتي وإنتي حرة فيه. إلا المكتب طبعًا."
ضحكت سعاد وأخذتها في حضنها وأخذت تربت على ظهرها، فشعرت رغد بحنان رهيب لم تشعر به من قبل. ثم أبعدتها قليلاً وهي تقول: "طبعًا اللي حصل ده بابا مش هيعرفه صح؟ "لأ طبعًا اعتبريني خلاص، أصلاً نسيت كل شيء." "أنا قولت برضه إن عقلك كبير." "إيه يا عمر مالك؟ راجع شكلك أوحش من الصبح." "لأ أبدًا مفيش يا بابا." "أنا جبت الورق كله أهو." "طيب متشكر. ممكن ترجع مكتبك؟ بمجرد أن
عاد لمكتبه أخذ يحادث نفسه: "هتبتدي بقى تحشر نفسها في كل حاجة وأنا مش هأستحمل كده. بس اديني نبهت عليها متقربش لأي شيء يخصني، ولما أشوف هتسمع الكلام ولا لأ. أنا خلاص هأتجنن من الزفتة اللي في البيت دي." "خلاص يا ماما صلحتي رغد؟ "الحمد لله طلعت عاقلة ومخها كبير، عدت الموقف." "طب الحمد لله." "بقولك إيه يا رغود، ما تيجي نخرج عشان أمَارس هوايتي، التسكع في المول."
ضحكت رغد وقالت: "حلوة رغود دي. بس في الحقيقة أنا كمان عايزة أتسكع معاكي عشان محتاجة لشوية حاجات كده." "يبقى خلاص يلا نلبس." "بس بصي، أيوه يعني مش معايا فلوس." "يا لهوي! ودي مشكلة؟ ده إنتي بنت توفيق باشا! يلا يلا، أنا كمان معيش فلوس. هننزل ناخد من سعاد هانم اللي إحنا عايزينه ولا تقلقي. يلا نلبس بس." نزلت ضحى ومعها رغد وهي تقول: "ماما حبيبتي، حياتي." "آه، عايزة فلوس؟ طبعًا ما إنتي لابسة ومتشيكة وآخذة رغد معاكي."
"أمي طول عمرها ذكية زي بالظبط. يلا بقى يا روحي هاتي مبلغ كويس كده عشاني أنا ورغد." "طيب يا بكاشة، خدي وما تتأخروش." "ماشي." "من عينيه يا حبيبتي." "الحمد لله على السلامة يا توفيق." "الله يسلمك. أمال البنات فين؟ "خرجوا يشتروا حاجات ليهم." "طب كويس. قولولي إيه أخبار الأولاد مع بعض؟ رغد وضحى وعمر." "الحقيقة البنات انسجموا مع بعض أوي، لكن بالنسبة لعمر فمفيش معاملة بينه وبين رغد نهائي." "طب وإنتي إيه رأيك في رغد؟
"البنت زي النسمة، وفعلاً زي ما قلتي، واخدة كل طباعك، حنيتك، هدوءك، حتى حب الكتب زيك بالظبط." "يعني مفيش غير عمر اللي زعلان عليها؟ "عمر مش زعلان لا منها ولا عليها. عمر مش شايفها من الأصل، هو شايف سهى، سهى. وبنفسه يشيلها من دماغه ويرجع زي زمان بقى." "وأنا كمان يا توفيق، ربنا يهديه." "يلا يا ضحى، يلا بقى كفاية كده، اتأخرنا." "بصي المحل اللي هناك ده، آخر واحد." "لأ انتي كل واحد تقولي كده ومش عايزة تخلصي."
وفي أثناء الحديث وجذب رغد لضحى، ودون أن تشعر، اصطدمت رغد بشاب وكادت أن تقع لولا أنه أمسكها من ذراعها. فسارعت بالاعتذار له. والشاب ينظر إليها ولا يستطيع الكلام. "خلصت ذراعها من يده وتركته وجذبت ضحى وأصرت على العودة إلى البيت." كل هذا والشاب لا يرفع نظره عنها. فقالت: "مجنون ده ولا إيه؟ هو اتسمر كده ليه؟ "يعني مش عارفة الراجل يا حبت عيني اللي جراله ده من إيه."
"لأ يا ست النصاحة، من جمالك اللي يخبل أي حد يا بنتي، إنتي مش واخدة بالك من نفسك ولا إيه." "طب يلا نروح، حسن تعبت بجد." "الحمد لله على السلامة يا بنات." "الله يسلمك يا بابا." "ضحى، طلعت عينيكي يا رغد صح؟ "لأ دي طلعت عيني وروحي كمان، وآخر مرة أخرج معاها في الشوبينج بتاعها ده." فانفجر توفيق في الضحك. "ضحى: عجبك كده يا ست رغد." "أيوه طبعًا." وفي هذا الأثناء عاد عمر وسلم عليهم. فشعرت رغد بالانزعاج من وجوده.
"ضحى: حمد لله على السلامة يا عمر. حتتعشى معانا ولا إيه؟ ماما بتحضر العشا." "مليش نفس، أنا هطلع أنام." "سعاد: يلا يا ولاد، العشا جاهز." "توفيق: يلا يا بنات نتعشى سوا." "سعاد: أمال فين عمر؟ أنا كنت سامعة صوته." "توفيق: آه، طلع ينام على طول." "خلاص يا عمر، اتحرمت من اللمة الحلوة بسبب الزفتة دي. حتى ضحى بطلت تيجي تقعد معايا وتغلس عليا من يوم ما وصلت الزفتة." وفي هذا الأثناء سمع طرقات خفيفة، فقال: "ادخل."
"هنام خلاص يا عمر ولا ممكن أرغي على دماغك شوية؟ "أخيرًا افتكرتيني يا ست ضحى." "ليه بتقول كدا؟ "أصل من يوم ما وصلت الهانم، وإنتي مش بتقعدي غير معاها." "هو ده الموضوع اللي أنا جايه عشانه. رغد غير سهى خالص يا عمر." "ما تجيبيش سيرتها." "اسمعني من فضلك. رغد برغم من إنها اتربت بعيد عن بابا، لكنها واخدة كل طباعه وأسلوبه في الحياة. بابا اللي إنت بتحبه وتحترمه وأغلى حد عندك في الدنيا."
"أيوه بحب بابا توفيق، لكن اللي جابها دي بكرهها، بكره." "لأ مش صحيح، إنت مش بتكره رغد لأنك متعرفهاش ومش مدي نفسك أي فرصة تعرفها. إنت بتكره شبه سهى فيها. أرجوكي حاول تقرب منها عشان تعرف الفرق الكبير بينهم وعشان تعرف ترتاح في البيت في وجودها. دي مش ضيفة يومين وهتمشي، دي هتعيش معانا على طول. أنا نفسي ترجع لينا لمّتنا زي زمان يا عمر. يا ريت تفكر في كلامي عشانك وعشانا كلنا. يلا تصبح على خير." وتركته وانصرفت.
"سعاد: يلا يا بنات عشان تفطروا." "ضحى: حاضر يا ماما." "بصي، إحنا نفطر بقى ونطلع نتفرج على الحاجات اللي جبناها امبارح." "رغد: ماشي، مع إن أنا ما جبتش غير الألوان ولوح الرسم." "سعاد: ليه يا رغد؟ هي الفلوس ما كفتش؟ "لأ أبدًا يا طنط، حضرتك ادتيني فلوس كتير، بس أنا اشتريت الحاجات اللي فعلاً كنت محتاجة ليها." "وهي فلوسي دي فلوس أبوكي، ومن حقك تتمتعي بيها." "ربنا يخليكي ويخليه لينا كلنا يارب."
"ضحى: يااااارب ويفضل كده يديني فلوس أعمل بيها شوبينج." "سعاد: شايفة يا رغد، مش إنتي اللي دوب اشتريتي اللي إنتي محتاجاه. ضحى بقى بتنزل تشتري السوق كله." "عندك حق يا طنط، دي دوختني، ولا يمكن أخرج أشتري معاها حاجة تاني." "إنتي هتقوللي." في حجرة ضحى: "شايفة يا بنتي اللبس التحفة اللي اشتريته؟ ولا الشنط؟ كلها حاجات تهبل."
"ماشي يا ستي، أنا هروح بقى أجهز أدوات الرسم عشان بعد الغدا نخرج. أنا هروح أرسم، وحشني الرسم أوي من فترة كبيرة مش برسم." "ولا بتقري كمان؟ "آه، من يوم اللي حصل، مش بهوب ناحية أوضة المكتب." "لأ عادي، ادخلي جيبي الكتب اللي تحبيها، بس متقربيش من المكتب." "أنا نفسي أعرف بس الكره اللي جوه عمر ده ناحيتي، جابه منين." "عمر مش بيكرهك، عمر بيكره سهى."
"ضحى، ما آن الأوان بقى تحكي لي إيه اللي خلى عمر يكره سهى للدرجة اللي تتعدى كرهه ده ليا أنا كمان." "بقولك إيه، ما تيجي نساعد ماما في المطبخ." "كده بتتهربي برضه. على العموم أنا مش مستعجلة." "أهلاً ببناتي اللي محدش فيهم بيساعدني." "إيه يا ماما، ما إحنا جينا أهو نساعدك." "قولي بس يا طنط، تحبي أساعدك في إيه؟ "إنتي بتعرفي تطبخي يا رغد؟ "امممم، الحقيقة لأ." "كده يعني، زي الست هانم؟
"إزاي بقى يا ماما، أنا بعرف أسلق مكرونة وأعمل أحلى صلصة." فانفجرت سعاد ورغد في الضحك. ثم قالت سعاد: "شفتي الشطارة يا رغد." "ضحى: دي اكتشاف يا طنطة." "وإنتي هتفضلوا كده تتريقوا عليا؟ "يلا يلا، كل واحدة تشوف لها حاجة تساعد فيها، يمكن تتعلم." "بجد يا طنط، أنا عايزة أتعلم من حضرتك، أصل أكلك طعمه أوي." "ألف هنا يا حبيبتي. خلاص كل يوم تقفي معايا شوية، ومع الوقت هتتعلمي. يمكن ناس تانية تخلي عندها دم وتتعلم هي كمان."
"مين دول يا ماما اللي يمكن يخلوا عندهم دم؟ "لأ مش إنتي خالص يا ضحى." وانهمك الثلاثة في إعداد الغداء. "يلا بقى يا بنات حضروا السفرة على ما أغرف أنا. شكل بابا رجع، أنا سمعت صوت الباب." "ضحى: فريرة يا مامتي." وفي هذا الأثناء إعداد ضحى للسفرة، وجدت عمر يجلس في مكانه المعتاد. فشعرت أنه تأثر بكلامها معه، ودعت الله من كل قلبها أن يعود إلى سابق عهده معهم ومع الحياة.
وعند خروج سعاد ورغد من المطبخ حاملين أطباق الطعام، تفاجأت كلاهما بوجود عمر. ففرحت سعاد فرحًا شديدًا لذلك، في الوقت التي انزعجت فيه رغد من وجوده انزعاجًا شديدًا لم تخف وطأته إلا عندما تذكرت وجود أبيها وسطهم هذه المرة. "سعاد: أمال فين توفيق يا عمر؟ "بيغير هدومه ونازل."
"وما هي إلا ثوانٍ وانضم إليهم توفيق، وبدأ الجميع في تناول الغداء وسط ضحكات ومعاكسات ضحى للجميع. ودارت الأحاديث بينهم. إلا عمر فقد كان حاضرًا كالغائب. وما هي إلا دقائق قليلة وبعدها انصرف إلى حجرته دون كلمة." "وبمجرد أن أغلق باب حجرته عليه، حتى زفر زفرة عالية: أووووف، برضه مش قادر أتقبلها، مش قادر. أعمل إيه أنا دلوقتي؟ مش طايق أقعد في البيت. أنا هتصل بعماد أشوفه لو فاضي أخرج معاه شوية، أهو أعمل بنصيحة بابا."
وقام عمر على الفور بالاتصال بعماد، أقرب أصدقائه، دكتور نفساني، ولكن عمر لم يعترف به أبدًا كدكتور، فهو من الذين يعتبرون الطب النفسي مجرد رفاهية لا أكثر. "الو، إزيك يا عم الدكتور؟ "إزيك يا عمر؟ عامل إيه؟ إنت وحشني أوي. فينك؟ "قال يعني إنت بتسأل؟ ما إنت عارف بقى إني من البلد دي. لدي عشان الماجستير والدكتوراه اللي بحضرهم." "ماشي يا سيدي. بقولك إيه؟ فاضي نخرج سوا؟ "ياريت، دا أنا نفسي آخد هدنة."
"خلاص، تعالى ناخدها سوا. أنا كمان اليومين دول ظروفي مش ولابد." "ليه بس؟ "لما أشوفك هحكي لك على كل حاجة. يمكن تفيدني بالدكتوراه اللي قرفنا بيها دي." "هو إنت لسه برضه مش معترف بالطب النفسي؟ "لسه. بكرة تعرف قيمته." "المهم أجهز وأعدي آخدك." "ماشي، سلام." "سلام." "يلا بقى يا رغد، مش قولتي هترسميني بعد الغدا؟ "طيب يا ضحى، هطلع أجيب أدوات الرسم وأنزل على طول." "توفيق: إيه ده؟ إنتي بترسمي يا رغد؟
"أيوه يا بابا، مش أنا خريجة فنون جميلة." "معلش يا حبيبتي، ما كنتش أعرف، وإحنا ما تكلمناش في كل التفاصيل. إن شاء الله أفضي نفسي كده يوم ونقعد سوا ونتكلم في كل حاجة." "ماشي يا حبيبي." في الجنينة جلست ضحى، ووضعت رغد لوحة الرسم وبدأت في رسم ضحى. وفي هذا الأثناء تفاجأت بوصول جميلة، صديقة ضحى. وبمجرد أن شاهدت جميلة رغد قالت بفزع: "إيه ده؟ معقول سهى؟ إنتي رجعتي تاني؟ فقالت ضحى موضحة: "دي مش سهى، دي رغد، توأمها."
"ودي جميلة يا رغد صحبتي." فقالت رغد: "أهلاً وسهلاً. طب يا ضحى، أنا هدخل بقى أرتاح شوية." "طيب يا حبيبتي." "إيه يا ضحى؟ إيه الحكاية دي؟ إنتي عمرك ما جبتي سيرة رغد دي ولا إن سهى ليها توأم؟ "أصل رغد كانت عايشة بره مصر طول عمرها." "طب وإيه اللي رجعها؟ بس ما كانت خليها بره." "وإنتي مالك؟ إيه مضايقك؟ "أنا بس عشان عمر." "عشان عمر برضه؟ "آه، أمال إنتي فاكرة إيه؟
"يا بنتي، على ضحى. هو أنا يعني مش واخدة بالي إنك هتموتي على عمر وما صدقتي إن سهى اختفت." "طب ولما إنتي عارفة كل حاجة اهو، ما تظبطيني مع أخوكي." "يا بنتي، عمر دلوقتي مش بيطيق سيرة أي أنثى. ارتاحي بقى." "كده طيب." في أثناء دخول رغد للفيلا، كان عمر خارجًا منها بسرعة وهو ينظر في الموبايل. فصطدم بها فوقعت اللوحة وانسكب جزء من الألوان على ملابسه. فانفجر بها على الفور قائلاً: "إيه؟ إنتي عمية مش بتشوفي؟
مش تاخدي بالك وإنتي داخلة؟ فلم تجد ما تقوله وسقط منها كل شيء على الأرض. فاندفعت راكضة إلى غرفتها وأغلقت عليها الباب وجلست تبكي بحرقة. جاءت سعاد على الفور وقد رأت الموقف من البداية، فوجدته يقول على الفور وبصوت مرتفع: "شفتي الزفتة دي بهدلت هدومي إزاي." فقالت بحزم: "إنت اللي غلطان يا عمر. أنا شفت الموقف من الأول." "إزاي بس يا ماما؟ أنا كنت خارج وهي اللي خبطت فيا."
"كنت خارج وإنت مش باصص قدامك. كنت بتبص في تليفونك وإنت اللي خبطت فيها." "أنا مش عارف إنتوا كلكم بتدافعوا عنها كده ليه." "مش بدافع عنها، أنا بقول اللي شوفته." "خلاص يا ماما، خلاص. أنا هطلع أغير وأمري لله." كانت ضحى تدلف إلى الداخل في هذه اللحظة، وشاهدت والدتها يبدو على وجهها الحزن وعمر يصعد وهو يقول بعصبية: "دي بقت حاجة تقرف." "إيه يا ماما؟ إيه اللي حصل؟ وإيه ده؟ اللوحة بتاعت رغد مرمية كده ليه على الأرض وألوانها كمان؟
"سيبك من ده دلوقتي، اطلعى اقعدي مع رغد وهديها." "طب بس إيه اللي حصل؟ "اطلعلها وهي هتقولك كل حاجة. وأنا هنضف اللي حصل ده وجاية وراكي." "إيه يا رغد يا حبيبتي؟ حصل إيه وبتعيطي كده ليه؟ "أنا خلاص، أنا مش هقدر أقعد في بيت واحد مع البني آدم ده تاني. أنا هقول لبابا يشوف لي مكان تاني أعيش فيها." "إيه؟ إنتي بتقولي إيه يا رغد؟ أوعي يا حبيبتي تقولي الكلام ده لبابا."
"أمال عايزاني أفضل كده كل يوم والتاني يهيني ويهزئني من غير أي ذنب؟ أمال لو ما كانش أخويا كان عمل فيا إيه؟ "هو مين ده اللي أخوكي؟ "اللي اسمه عمر ده." "ومين قالك إن عمر أخوكي؟ "عمر أخويا أنا، مش وقت هزار خالص يا ضحى دلوقتي." "أنا بتكلم جد، عمر مش أخوكي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!