طرقت روح الباب واستأذنت تأخذ ابنتها مع تقديم الاعتذار لدخولها. قال جاسر دون أن ينظر لها بصيغة أمر: -سبيها وروحي كملي شغلك. -وياريت تفهمي إن هنا مستشفى مش حضانة. -أكيد ممنوع اصطحاب الأطفال، ولا إيه يا دكتورة؟ -ومن الواضح إن الطفلة متعودة تيجي هنا. احمر وجه روح من الخجل وقالت: + أنا بعتذر، بس أنا بجد معنديش مكان أسيبها فيه. + والنانى إجازة. + غير إنها مريضة ربو مزمن، صعب إني آمن عليها مع أي حد.
رنّت الكلمة في أذنيه، لأن والدته أيضاً مريضة ربو. قال لها سؤال مفاجئ: -طيب فين والدها؟ ليه متسبهاش معاه؟ انتفضت روح من سؤاله، فهذه أول مرة أحد يسألها عن والد غزل. أجابت متلعثمة: + والدها اتوفى من قبل ما غزل تتولد. تملك القلق منه وأشار لها بالخروج. أخذت روح ابنتها وخرجت مسرعة. رفع جاسر التليفون وتحدث مع أحد في مصر وقال بصيغة الأمر: = روح حافظ خليل. = تاريخ حياتها كله يكون عندي.
= أدق التفاصيل من ساعة ما اتولدت لحد ما جت إنجلترا. = ما تسبش معلومة حتى لو كانت هايفة. = عاوز أعرف اتجوزت مين، وجوزها عايش ولا ميت. = وليه الطفلة اتكتبت باسم دكتورها في الكلية. = كل حاجة وأي حاجة. = وفي أسرع وقت ممكن. = معاك بس يومين مش أكتر، مفهوم؟ ظل جاسر يراقب الطفلة وهو غير مصدق ما يرى من وجه التشابه الغريب اللي بينها وبين والدته. ظل جاسر يدقق النظر في روح، فقد تملكه إحساس غريب أنه قد رآها من قبل.
سابقاً جلس يقلب في موبايله، ثم قام واقفاً مذعوراً وهو يقول بذعر بصوت منخفض: -إنها هي هي بعينها، ولكن كان اسمها ريحانة. -معقول غيرت اسمها عشان تقدر تهرب من أمي؟ -هي مرات سامر الله يرحمه؟ -هي اللي سرقت ابن سامر وعايشت أمي في حزن طول السنين دي كلها وهي عمالة تدور عليها. -والله لأدفعك التمن غالي قوي. -وبنتنا هناخدها منك برضاكي أو غصب عنك. اقترب جاسر من غزل وهي تلعب وانخفض لمستواها وقال وهو يداعبها بحنان:
-الدكتورة الصغننة بتعمل إيه؟ أجابت الطفلة بمرح: + بكشف على عروساتي، أصلهم تعبانين خالص. ابتسم على برائتها، ثم مد يده يداعب خصلات شعرها وأخذ خصلة دون أن أحد يشعر. لمحت روح جاسر وهو قريب من غزل، جاءت تجري تحتضن ابنتها وتقول باستفهام: -خير يا أستاذ جاسر؟ -غزل ضايقت حضرتك في حاجة؟ نظر لها وقال: -لا أبداً، أنا بس كنت بلعبها. ثم تركها ورحل دون أن يلتفت لها. رن هاتفه وقال بجدية: -أيوا، وصلت؟ -لأ إيه؟ ثم أكمل بجدية حادة:
-يعني ماتعرفش مين أبوها؟ الطرف الآخر: + الاسم اللي حضرتك بعتوهولي، الدكتورة روح طالبة في كلية طب القاهرة. + ما كانش ليها أي علاقات من أي نوع، حتى مع زمايلها في الكلية. + كانت المعاملة على قد بالظبط. + اختفت شهرين ورجعت وعلى إيدها طفلة بتقول إنها بنتها. + مع إن كل الشواهد بتقول إنها قبل ما تختفي ما كانتش حامل أصلاً!!! بدأ الشك يتسرب لقلبه. معقول تكون كانت عايزة تنسب طفل لأخويا مش ابنه؟
ثم أخرج من جيبه منديل به شعره من غزل، أرسلها لمعمل التحاليل. وبعد عدة ساعات، طلعت نسبة التطابق بينه وبين غزل. ولكن جن جنونه بالتأكيد. في حلقة مفقودة. منين ما كانش ليها علاقات؟ وإزاي قبل ما تختفي ما كانتش حامل أصلاً؟ بدأ جاسر يتقرب من روح بطريقته غير المباشرة، حاول الاهتمام بيها بشكل مبالغ فيه. ولفت فعلاً اهتمامها. ولكن لاحظ أن أحد الدكاترة بيحاول يقرب منها ويتودد لها. لا ينكر أنه شعر بنوع من الغيرة.
ربما قد تسلل حبها إلى قلبه. فقطع الشك باليقين وذهب لها وقال مباشرة بدون تجميل الكلام: -دكتورة روح، أنا بتقدم ليكِ للجواز. -تقبلي؟ شهقت روح من المفاجأة، فقد شلت تفكيرها، ولكنها كانت منجذبة إليه فعلاً. تمالكت نفسها ورسمت الجدية وقالت: + أستاذ جاسر، مش عارفة أقول لحضرتك إيه، بس أنا عندي ظروف تمنعني من الارتباط. -ممكن أعرفها ولا هي سر؟ + لا خالص مش سر. + أنا زي ما حضرتك شايف، عندي طفلة صغيرة وأنا كل حياتها.
+ مش هينفع أسيبها وأتجوز. + هي ملهاش غيري وأنا كل حياتها. -هو أنا قلتلك سبيها؟ -مين جاب سيرة إنك تسبيها؟ -تأكدي إن أنا هكون ليها أبوها اللي ما شفتهوش. -أنا حبتها من أول ما شوفتها. تلعثمت روح. لا يوجد أي سبب آخر للرفض. ماذا ستفعل؟ من المؤكد أنه سيكتشف أنها مش أم غزل. ظلت في حيرة، هل تخبره أو تؤجلها ليوم الزفاف؟ وقررت أنها ستؤجل الكلام في الموضوع ده. هزت روح رأسها وعلى وجهها علامات الخجل.
ابتسم جاسر على خجلها وكأنها بنت لم يسبق لها الزواج. تمت مراسم الزفاف. واعتلت معاها صوت دقات قلب روح خشية من افتضاح أمرها. ولكن دائماً تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. وكان الحظ يلعبها مرة أخرى. لم يستطع جاسر التحكم في أعصابه. وأول ما اتقفل الباب عليهم، اقترب منها وأمسك ذراعيها بقسوة لدرجة أنها أخرجت آه مكتومة. وقال وهو يجز على أسنانه من الغيظ: := أوعي تكوني فاكرة إنك كده هربتي ببنت سامر.
:= انتي لو كنتي في المريخ كنت هجيبك. جحظ عين روح، ولكنها تحكمت في ثباتها الانفعالي كي لا يفتضح أمرها. وقالت بثبات وهي تجذب يدها من يده: -إيه؟ في إيه؟ -وانت بأي حق تتكلم معايا كده؟ -وإياك ثم إياك تتجرأ وتمد إيدك عليا تاني. ضحك بسخرية وقال: -زمان ضحكتي على أخويا، ودلوقتي فاكرة إنك تعرفي تضّحكي عليا؟ -لأ، أقسم بالله بحق كل دمعة أمي نزلتها على ابن سامر اللي اختفى معاكي. -لا تشوفي أيام تكرهي فيها نفسك.
-أنا اتجوزتك عشان أعرف أوريكي تهربي بابن سامر إزاي. قالت روح بلغة التحدي: -طظ. -أه طظ. -أنا مش بتتهدد، وأنا مطلقة يا جاسر منك. -وهنشوف، وبنتي محدش فيكم هيلمس شعرة منها. -وأنا لو كنت أعرف إنك أخو سامر ما كنتش قبلت اتجوزك. = انتي يا بنتي جاية الجرأة دي منين؟ = انتي هنا في سجني وأنا سجانك. قالت وهي تحتضن ابنتها وتدخل غرفة من غرف الشقة: -أعلى ما في خيلك اركبه. -أنا مش بخاف على فكرة. قال جاسر بتحدي:
:= لا معايا لازم تخافي. := زمان سامر كان بيحبك علشان كده اتهاون في حقه، لكن أنا لأ. := هطلع عليكي كل السنين اللي فضلت أدور فيهم عليكي وعلى ابن سامر. := على مستقبلي اللي سبته عشان أعرف ألاقيقي. := أنا سبت المستشفى هنا لما وقعت خالص عشان كنت بدور على جناب البرنسيسة وهي هنا. := بس الله في سما يا ريحانة، مش ريحانة برضوا. := لهتشوفي أيام تكرهي نفسك فيها. أغلقت روح على نفسها الغرفة وكأنه لم يتحدث.
حضنت ابنتها وانسابت دموعها كشلال. إلى أن غلبها النعاس. استيقظت روح وقد بدأ الظلام يحل. وجدت رأسها ثقيلة من كثرة البكاء. ووجدت غزل نائمة. ابتسمت لها وقامت تنظر لنفسها في المرايا. قد أنهكها البكاء. غسلت وجهها ولاحظت أن الهدوء يعم المكان. فتحت باب الغرفة في حذر. ولم تجده. تجولت في الشقة بخفة باحثة عن المطبخ، فكانت جائعة بشدة. فتحت الثلاجة وأخذت القليل من الطعام. وابتسمت عندما لمحت كيس البن.
عملت مج قهوة كبير وجرت مسرعة على غرفتها. ولكن كانت غافلة أن في أحد يراها من خلف الكاميرا ويبتسم على طفوليتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!