سافرت روح إلى إنجلترا لاستكمال شهادة الدكتوراه. عملت طبيبة في إحدى المستشفيات هناك بجانب دراستها، وهي أيضًا تراعي ابنة أختها التي اعتبرتها ابنته. مر خمس سنوات، طوال هذه السنوات وهي تراعي الطفلة وتعطيها كل الاهتمام وكأنها أمها. والطفلة كانت تعتقد أنها أمها. تناست روح أن هناك من يتربص لها وينتظر عودتها. لا أحد يعلم مكانها لأنها خرجت من مصر باسم روح، وهم يبحثون عن ريحانة. لا أحد يعلم أن ريحانة فارقت الحياة.
وذات يوم، ذهبت روح لعملها متأخرة، ولكنها صدمت أن هناك اجتماع مجلس إدارة وعلى كل رؤساء الأقسام ضرورة الحضور بسبب تغيير مدير المستشفى وأن المالك هو من سيقوم بإدارة المستشفى. طَرقت روح الباب واستأذنت واعتذرت عن التأخير، ولكن أوقفها صوت حاد وهو يقول بلغة إنجليزية متقنة وكأنه من أبناء البلد: -ممكن أعرف حضرتك جاية متأخرة عن الاجتماع ربع ساعة ليه؟
الدكتور اللي ما يحترمش مواعيده ما يستاهلش لقب طبيب. إحنا مش شغالين في فرن عيش بلدي تيجي على مزاجك، إحنا في مستشفى كبيرة. لو كل واحد جه متأخر يبقى نقفلها أحسن. لفتت انتباهها كلمة "فرن عيش بلدي". ابتسمت داخلها وعلمت أنه مصري بالتأكيد رغم إتقانه اللغة إتقانًا تامًا. احمر وجه روح من الخجل، ولكنها أجابت عليه بلغة إنجليزية ولكن ليست بنفس الإتقان:
:= أولاً أنا ما عرفتش إن فيه اجتماع، ثانيًا أنا دخلت الشغل في معادي، بس اللي أخرني إني ما كنتش أعرف بالاجتماع عمومًا. بعتذر عن التأخير. أجاب بجدية: تمام، اتفضلي. وده أول لفت نظر لحضرتك، وأنا الأول عندي زي الأخير. هزت رأسها وابتسمت نصف ابتسامة وجلست دون أن تعيره أي اهتمام. عرف المدير نفسه وقال:
-أنا جاسر التهامي من مصر وصاحب المستشفى، ومن هنا ورايح أنا اللي هتولى إدارة المستشفى لأن المدير القديم كان متهاون مما كثرت الأخطاء. وفي بعض القواعد اللي هنمشي عليها من هنا ورايح وحابب أقولها قبل ما نبدأ التعرف على بعض: لازم تعرفوا إن عندي: أن الغلطة الأولى هي الغلطة الأخيرة، ما عنديش تهاون. ولا ممنوع منعًا باتًا التأخير، مرفوض بشكل قاطع.
ثانيًا: كل رئيس قسم مسؤول منه الفريق اللي معاه. المسؤول أمامي رئيس القسم مش المخطئ. واللي شايف نفسه مش قدها يقول من دلوقتي وأنا أشوف مدير قسم ثاني. ورفع عينيه اتجاه روح، التي بدورها أرسلت له نظرات تحدي. ثم أكمل كلامه: ثالثًا: الكل هينزل شيفتات ليل. ونظر للجدول أمامه وقال بسخرية: -أنا شايف هنا مهازل. إيه التهريج ده؟ ده في ناس من ساعة ما اشتغلت ما مسكتش شيفت ليل من أصله. مين فيكم الدكتورة روح؟ رفعت روح عينها وقالت:
أنا دكتورة روح، وأكيد عندي أسبابي. إيه اللي يخليني ما أمسكش شيفت بليل؟ نظر لها نظرة عميقة وقال: -يعني إيه يا دكتورة من خمس سنين ما مسكتيش شيفت ليل؟ خير؟ قالت روح بنبرة غضب: = أنا قلت لحضرتك عندي ظروف مينفعش أمشي بليل، والمدير القديم كان متفهم ظروفي كويس. -الظروف دي إحنا هنا ملناش دعوة بيها، دي حاجة تخصك إنتي. لكن هنا الشغل شغل، ولو شايفة حضرتك مش قد الشغل أنا بقبل الاستقالة عادي جدًا.
وصل الغضب عند روح أقصاه، وقامت واقفة وقالت بغضب بلغة العربية دون أن تشعر أنها تتكلم عربي: = هو في إيه حضرتك؟ من ساعة ما دخلت وعمال تصدر في قرارات وأوامر. ده ينفع، ده مينفعش. انزل على الأرض معانا وشوف ظروف الناس اللي معاك. واستقالة إيه اللي هقدمها دي؟ انت تعرف القسم بتاعي كان عامل إزاي وبقى إزاي؟ مش بعد النجاح اللي عملته ده أسيبه وأمشي. وشيفت ليل ما بشتغلش ومن غير سلام عليكم. وتركتهم وماشية.
قام جاسر واقفًا وهو يتتبعها بنظراته، ثم أشار لمساعده على أنه يتبعها. ثم وجه كلامه لباقي فريق العمل: -أخيرًا، الغلطة الأول زي الأخيرة عندي. الاجتماع انتهى. ذهب جاسر لمكتبه وعلامات الغضب قد تملكت منه. دخل المساعد، رفع جاسر عينيه وأشار له بالجلوس. تحدث المساعد وكأنه مبرمج:
+ اسمها روح حافظ خليل، مصرية، عندها ٢٩ سنة، دكتورة أمراض النساء. أخدت شهادتها من جامعة القاهرة بدرجة امتياز. سافرت هنا بمنحة من الجامعة، بس الغريب إن المنحة اتعملت لها في أربع أيام بتوصية جامدة من الدكتور بتاعها. وصلت إنجلترا من خمس سنوات هي وابنها كان رضيع. بس في حاجة كمان لفتت انتباهي، إن اسم ابنها على اسم الدكتور اللي طلعها البعثة. رفع جاسر حاجبيه وقال بتعجب: !!! = يعني هي متجوزة دكتورها؟ أشار المساعد بالنفي وقال:
+ ما أظنش يا فندم، لأنه كبير عليها قوي. هو تقريبًا عطاها الاسم، بس تقريبًا كان بيحاول يساعدها علشان هو كمان اللي خلص ورق خروجها من مصر وبسرعة غير طبيعية. هز جاسر رأسه وقال: := تمام قوي كده، بس عاوز أعرف حياتها في مصر كانت عاملة إزاي، ومين اللي ممكن يكون أبو الطفل ده. قام المساعد واقفًا وهز رأسه وخرج.
ظل جاسر يفكر في كم المعلومات التي حصل عليها. مر اليوم وانشغلت روح في عملها ما بين المرضى وعمليات الوضع تحت أنظار جاسر المراقبة لها. روحت آخر اليوم وكلها شوق لابنتها المدللة. دخلت روح منزلها الصغير تبحث عن صغيرتها التي كانت برفقة المربية. فور سماع الصغيرة صوت أمها، تركت لعبتها وجرت تحتضن ابنتها الصغيرة. حملتها وقالت لها بحنان: عصفورتي الحلوة، عملتي إيه في غيابي؟ قالت غزل بابتسامة:
+ سمعت كلام الناني وأكلت طبقي كله وشربت كمان اللبن كله كله. قالت روح وهي تحتضنها: -ياروحي عليكي شطورة يا قلبي. يلا حبيبت مامي تغسل أسنانها ويلا على النوم. هزت غزل رأسها وقالت: حاضر يا مامي. وفي صباح اليوم التالي، أجبرت روح على أخذ غزل معها العمل لاعتذار الناني. ذهبت غزل برفقتها إلى المستشفى وفي يدها حقيبتها الصغيرة، فهي مقتنعة أنها طبيبة مثل أمها.
أول ما دخلت المستشفى، تركت يد والدتها وذهبت تجري كالعادة، فهي معتادة أول ما تدخل المستشفى تجري على المدير لتمارس عملها كطبيبة معه. جرت روح كي توقفها، ولكنها كانت أسرع منها واقتحمت مكتب المدير، الذي بدوره قام واقفًا عند دخول الصغيرة بدون استئذان. رفعت الصغيرة نظرها ثم قالت بتلقائية وعينيها تبحث في كل مكان: :+ هو فين صاحبي؟ راح فين؟ نزل جاسر لمستواها وابتسم لها وقال: := مين بقى صاحبك ده؟ قالت غزل بزعل:
:+ اللي كان قاعد هنا مكانك. = طيب والجميل عاوزة إيه؟ + أصل أنا دكتورة بتاعة أكشف عليه. ضحك جاسر بهستريا وقال: = خلاص اعتبرني أنا المريض الجديد بتاعك. نظرت له غزل ثم قالت: -ماشي، حتى إنت أصغر وأحلى بكتير. حملها جاسر وهو يدقق النظر لها وهو في حالة ذهول من الشبه الغريب بينها وبين والدتها. الطفلة فعلاً فيها شبه كبير من والدته. طَرقت روح الباب واستأذنت لتأخذ ابنتها مع تقديم الاعتذار لدخولها. قال جاسر
دون أن ينظر لها بصيغة أمر: := سيبها وروحي كملي شغلك. وياريت تفهمي إن هنا مستشفى مش حضانة. أكيد ممنوع اصطحاب الأطفال، ولا إيه يا دكتورة؟ ومن الواضح أن الطفلة متعودة تيجي هنا. احمر وجه روح من الخجل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!