دخلت الغرفة دون استئذان. عندما لمحها سامر، قاما واقفين واحمر وجهه. ذهبت إليه وعلامات الغضب تعتلي وجهها، وبدون أي كلمة، هوت على وجهه بالقلم. جحظ عينيه وقال بغضب: = ليه كده يا أمي، ليه؟ قالت الأم بغضب: + علشان لما تكسر كلمتي وتروح تتلم على بنت من الشوارع وتحمل منك، يبقى أنا معرفتش أربي وأنت ناقص ترباية. = بس ريحانة مش بنت من الشوارع، ريحانة بنت مؤدبة، لما تعرفها هتحبها. قطعت الأم كلامه بصوت غاضب:
+ وأنا مش عاوزة أتعرف على حد، واللي في بطنها لازم ينزل، وده آخر كلام عندي. واعمل حسابك، فرحك على سالي الأسبوع الجاي. ظفر بغضب وقال: = بس أنا بحب ريحانة ومش عاوز البنت السمجة دي.
+ وأنا قلت الأسبوع الجاي فرحك، وانسي إنك كنت تعرف بنت بالاسم ده. واللي في بطنها لو منزلتهوش، أنت حر. قولها كده، لو منزلش يلزمنا، لكن هي برا، وإحنا محدش بيربي عيالنا غيرنا. اعمل حسابها إنها لو جابته، تنسي في يوم إن عندها طفل من عيلتنا، وبرضو مش هتتجوزها. لتكون فاكرة إنها بتلوي ذراعنا بالحمل. الهانم شكلها متعرفش إحنا مين.
ولكن يشاء القدر ويكون تليفون سامر اتصل بالغلط على ريحانة، وسمعت كل الحوار وهي لا تكاد تصدق ما تسمعه. ولكن الأكثر خذلانًا عندما سمعت سامر وهو يقبل أن يزف على غيرها الأسبوع المقبل. أغلقت الخط وعاودت الاتصال وهي تبكي بحرقة، وشعرت أنها رخصت نفسها مثل ما قالت لها أختها. قالت بصوت أنهكه البكاء: -أيوا يا سامر، هعمل إيه؟ قال سامر: = في إيه يا ريحانة؟
أنا كلامي كان واضح من الأول، الطفل لازم ينزل. أنا بصراحة مش مستعد أكون أب دلوقتي، أنا إيه اللي يلخمني من دلوقتي بتربية طفل وتحمل مسؤولية، لسه بدري. -بس أنا عديت مرحلة الإجهاد خلاص، ما عدتش ينفع ينزل. لو نزل دلوقتي فيه خطورة عليا. تنهد بغضب وقال: = تمام يا ريحانة. وأنا ابني محدش هيربي غيري. اعملي حسابك من دلوقتي إنك تنسي إنك خلفتي، علشان الطفل ده هيتربي عندي، وده قرار مافيش منه رجعة. -اللي هو إزاي يا سامر؟
أنت أكيد بتهزر، إيه الكلام الفارغ ده.
= لاء مش بهزر على فكرة. أمي ملهاش رغبة في إن اتجوزك. وأنا كنت واضح معاكي من الأول، وقلتلك تفكيرها إزاي. وأنا معنديش استعداد أخسر كل العز اللي أنا فيه ده، وأجي أقعد معاكي في شقتك اللي تحت السلم دي. ولا هسمح لابني إنه يتربى فيها. يا بنت الناس، أنت اللي خلفتي، الاتفاق اللي بينا مش أنا. كده أنا قلت اللي عندي، وعداني العيب. حضرتك هتيجي تعيشي هنا عندنا في الفيلا لحد ما تولدي، وبعد كده أنا آسف يا ريحانة، مش هقدر أعملك حاجة. هتفضلي تمشي. أنا بحبك، بس زعل أمي مش هيخلينا سعداء مع بعض، هتحاول تنغص عيشتنا. من أولها كده يا بنت الناس، يا تنزلي البيبي، يا تنسي إنك خلفتي أصلاً. القرار معاكي.
اعتصر الألم قلب ريحانة، وبقيت أشلاء حدوتة وانتهت باللعن، وكأنه وكأنها ما كانت وما كان، وكأن الزمن توقف على آخر لقاء. كانت تود أن تودعه بطريقة تليق بها، ولكنها لعنت في حدوتة وكأنها مذنب. وعليها دفع الجزاء. هي تعلم جيدًا أنها مذنب، ولكن لم تكن تتوقع أن تتحمل وحدها ذنب اللقاء، وكأنها هي لعنة وأصابته وأفسدت عليه الحياة. تنسى الود وحملها وحدها ذنب اللقاء. أيحق للصياد أن يحمل فريسته ذنب البقاء؟
فهو من رمى لها الطعم، وكل ذنبها أنها أكلته. هي قد أخطأت وهي تعلم ذلك جيدًا، ولكنها كانت جائعة. الجائع لا يميز بين الطعام والطعم، يأكل كل ما يقدم دون النظر لنوع الطعام، وهذا ما كان يود أن يفعله الصياد. ولكن عندما يفوق من غفلته، يلعن ما كان فيه وما عمله، ويتركها ويرحل دون أن ينظر خلفه. لا يعلم ماذا ترك، كل ما يود الفرار من ذنبها لينجي حاله ويغسل نفسه من الذنب. فقد تركها أشلاء لا تصلح له ولا لغيره، بقايا إنسان.
وصف ما كان بينهم بالعنة، وكان كل ذنبها أنها كانت صادقة معه. نتساءل من المخطئ؟ هل الصياد أم الفريسة، أم من تركه الفريسة جائعة تلتهم الطعام من سلة الاهتمام الزائف. أحببته كأنه،، لن يغادر أبدًا.. وغادر كأنه لم يحبها يومًا.. فاقت ريحانة على صوت أختها وهي تحتضنها وتطمئنها، وقالت بصوت حنون:
+ أوعي تخافي، وإنتي معايا محدش هيقدر يقرب لك، لا إنتي ولا اللي في بطنك. أنا هفضل أحارب معاكي وهنحافظ عليه. إحنا مش عاوزين حاجة منهم، طظ فيهم. أنا هاخدك وهنبعد من هنا ومش هيقدروا يوصلوا لينا. هزت ريحانة رأسها بوهن شديد، فقد تملك منها التعب أقصاها. مر شهران دون أن يتصل بها سامر، وهي كل يوم تنتظر أن يتصل بها ليعتذر عن ما فعله معها، ولكن الانتظار دون جدوى.
وصلت لآخر الشهر السادس، فقررت هي أن تتواصل معه، فاتصلت به، ومن هنا سمعت آخر حاجة ممكن تتوقعها. لقد توفي الله سامر من شهر!!!!! أثر حادث أليم. نزل الخبر على ريحانة مثل الصاعقة. ولكنها فاقت على صوت الطرف الآخر وهو يتوعد لها، فكانت أمه هي من تحدثها وتقول بتوعد:
-ابن ابني محدش هيربي غيري، إنتي سامعة ولا مش سامعة. من دلوقتي لحد ما تولدي جهزي نفسك وانسى إنك كنتي حامل أصلاً. أنا حاسبة شهور حملك كويس، وقبل التاسع ما يبدأ هتلاقيني فوق راسك علشان آخد ابن ابني منك. كفاية إن ابني أول مرة يعارضني بسببك، وقف قدامي وقالي مش هتجوز، وساب الفرح، وكان جيلك. عمل الحادثة، إنتي السبب في موت ابني. أنا هحرمك من ابنك زي ما حرمتيني من ابني. أغلقت ريحانة الخط وهي ترتعش من الخوف وتحتضن بطنها بشدة.
دخلت روح ولاحظت حالة أختها، هدأت من روعها، وبدأت ريحانة تحكي لها ما حدث. أخذت روح القرار أنها ستترك لهم البلد، ومع أول ضوء الفجر أخذت روح ريحانة وبعض أغراضهم، واتنقلت بها لقرية صغيرة لا تعرف فيها أحد. باااااااك. فاقت روح على صوت صفير القطار يعلن وصولها للقاهرة. مسحت روح دموعها بظهر يدها، واحتضنت الرضيعه، وقد بدأت تعلن عن جوعها. فقد أعدت لها الحليب الصناعي وبدأت في إطعامها.
تاهت روح في زحام المدينة، وذهبت لدكتورها في الكلية، وقصت عليه حكايتها، فهو كان بمثابة الأب الروحي لها. اقترح عليها أن يكتب الطفلة باسمه، وبالفعل تمت كتابة غزل على اسم الدكتور، وسرعان ما جهز لروح ورق البعثة، وسافرت روح لتتحول حياتها لحياة أخرى جديدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!