متألمة! يائسة، غير مهندمة. على وجهها آثار تعذيب. اقترب رسلان بقلق بدا ظاهرًا على ملامحه. حتى وقف أمامها وأمسك وجهها. نظرت لعيونه، ووجدت بهم قلقًا رهيبًا. سألها بنبرة قلقة: "ما بكِ؟ من فعل هذا؟ تكلمي، من فعل بكِ هذا؟ هيا جاوبيني." بينما نظرت له، وجدته غاضبًا. فبادرها في الحال بصوت غاضب: "هيا جاوبيني، من فعل بكِ هكذا؟
لم تجبه، وكأنها في عالم آخر من الهذيان أو ما شابه. لم يطاوعها فمها في إخراج أي حرف. فقط الرؤية تشوشت أمامها، حتى هو بهتت ملامحه. فقط فمه يتحرك بصراخ. فوجدت نفسها كأنها تنسحب إلى بئر مظلم، كأنها فقدت عقلها به. سقطت على ذراعه، فحملها بقلق ظاهر وأخذ يردد اسمها. "رامي! وقف في ردهة المدرسة بقمة غيظه. وزملائه يلتفون حوله. أما هو، فكان ينتظر شخصًا.
دخل "علي" المدرسة بتوتر. جرى عليه وأخذ يدير رأسه للناحيتين. لمحه "رامي" فابتسم في خبث، وكأنه وجد ضالته. فتقدم منه ووقف أمامه. أما الآخر، فرفع رأسه عاليًا. "بقى أنا يا واطي يا واطي تضحك عليا وتخمني في خمسين جنيه؟ "الاه مش أنت اللي ادتهملي بمزاجك؟ قبض رامي على ملابسه بغضب وأردف بسخط: "ولاااا، انت فاكرني فانكي ولانايتي؟ لاااا، ده أنا لفيت بلاد. طب ورب العباد، إن مجبتش الفلوس لأخليك ترند بس ترند متعلم عليه."
نفض علي يده بغضب وأردف: "ولا جنيه هتاخده، مش من حقك أصلًا. ده تمن الليلة اللي بيتها عندنا. ولاهي كانت تكية جنابك. آآآه، مهي قتة محلولة يابا." قبض رامي على ملابسه مجددًا وارتفع صوته: "لا يااض، خفت أنا. ليلة إيه يا معفن اللي أباتها عندك بخمسين جنيه؟ ده أنت نهارك أسود."
ثم ركله في بطنه، فبادله الآخر واشتدت المصارعة بينهم والسباب. لم يقدر أصدقاؤهم على إنهاء الأمر. فتدخل أحد المدرسين وحول الأمر إلى المدير، الذي أرسل إخطارًا في الحال واتصل بأولياء أمورهم. فتحت عيونها ببطء، وجدته يجلس أمامها. اقترب منها وجلس بجانبها. "كيف حالك الآن؟ طيب، حنون، يسألها عن حالها، يطمئن عليها. تشعر الآن بمدى طيبته وحنانه. "الحمد لله." أومأ لها بهدوء ولم يخرج من جوفه حرف آخر. أما هي، فقامت وجلست.
فركت يدها بتوتر وأردفت: "أنا آسفة." عقد حاجبه باستغراب وأردف: "لماذا؟! "على اللي حصل مني." تتساله وتتأسف بعد فوات الأوان. كان كل شيء ينتهي بكلمة. فعلت به الأفاعيل، هانت رجولته. يعلم أنه بدأ معها بالخطأ، لكنه لم يؤذها وهي زوجته، بل عاملها بمنتهى الحب، دللها كأنها طفلته. فقارنت بينه واختارت عشقه. يعلم أنها ذهبت له بعلم أن آثار ما بها له علاقة به. لاحظت أن صمته طال ولم يجب ويرد عليها. فهمست بصوت عذب: "رسلان."
نظر لها وأردف ببرود: "الأمر انتهى. كل شيء انتهى قبل بدايته. والآن أنت حرة، وأسفك مقبول. تصبحين على خير." وكأنها انسحبت روحها مجددًا بخروجه. اللعنة عليه. رمى بذرة الحب والاهتمام عليها، فأنبتت. فهي بالآخر كال أرض، لا تفرق بين الصالح والطالح، بل تنبت البذرة بنوعها. رما عليها حبًا واهتمامًا، فطرحت بقلبها حبًا له. ليته كان يعاملها بجفاء، لكان الأمر أهون عليها. لم تجد للنوم طعمًا ولا راحة، كأنها تنام على نيران.
انتصف الليل ولم تر للنوم أثر. تسللت ببطء نحو غرفته. طرقت الباب بهدوء. أمامه، فكان يغوص في سبات عميق. استيقظ على طرقات خفيفة بباب غرفته. كان وسيمًا حينما أجبر عينيه على الاعتياد والذهاب للباب بشعره الناعم المبعثر ومنامته القطنية ذات اللون البني التي برز من خلالها جسده المعضل. فتح الباب واستغرب وجودها. كانت تنظر له بذهول. لحظة، وعيت إلى نفسها، فحمحمت بإحراج وذمت شفتيها كال أطفال، فبدت لطيفة للغاية.
"ممكن تقعد جنبي لحد ما أنام؟ لاحت بسمة صغيرة على وجهه وأردف: "لا، أنت لست زوجتي ولست سلطانًا عليكِ." حمحمت بإحراج وأدارت ظهرها للخروج، فغلق الباب خلفها وعلى وجهه لاحت بسمة جميلة. تشتت أفكاره. لم يبت كعملة سوداء. لعنة حلت بجميع أطرافها عليه. أصبح نسيانها محالًا. أصبحت ملازمة لتفكيره وروحه. فقد غلبه حبها، رغم كل العبر غير الآدمية الموجودة بها، لكن لقلبه رأى آخر. أيعقل أن يمحى كرامته مجددًا في سبيل حبها؟
لن يفعل هذا مهما كلفه الأمر. لكن راوضه قلبه البائس المحطم. فلعنة أشد لعنات، هي ماكرة، إبليسة، حمقاء، لا تصلح للحب، بل تصلح للتلاعب بمشاعر الآخرين وتسدد لهم طعنات قاتلة في أفئدتهم. انكوى هو بنيران عشقها التي لم يستطع التغلب عليها. نفخ "فهد" في ضيق. قبض على خصلات شعره بغضب وتشتت. متى، أو إلى أي مدى تخرج من تفكيره؟ متى تخرج من قلبه؟ لا يستطيع كرهها ببساطة، لأنه الحب!
الحب التعويذة السحرية الملعونة الساخرة التي ترمى في قلوب، فتنزل الأفكار، وتشتت العقول، وتمحى العرف. نوع من أنواع الجنون والمرض. هو في حد ذاته مرض. سعيد الحظ، يمكنه الشفاء منه! دخلت والدته وجدته منكفئًا ويده تحضن وجهه، وبدأ عليه العبوس والقنوط. "مالك يا فهد؟ فيه إيه؟ نظر لها بهدوء، فنفطر قلبها لحاله. "مفيش ياما، سلامتك!! أجابته بنبرة حزينة منفطرة: "هتفضل كده لامتى؟
أبوك عاوز يجوزك ويفرح بأولادك. اتجوز يا ابني، وأنت هتنساها. دي لو كانت خير لك، كانت هتبقى ليك." رفع رأسه بصمود وبنبرة حاول أن يجعلها عادية، لكن اهتزت نبرته: "فعلاً، هي شر وأكبر شر صابني. وعشان كده أنا هتجوز. لازم أتزوج. هي ولا حاجة بالنسبة ليا." رغم فرحة والدته، لكنها أحست أنه دخل في عناد مع نفسه، مجرد عناد فقط. ولتدعو الله أن يرزقه راحة البال وطمأنينة الفؤاد. فجرح الحب غالبًا لا يداوي.
دخل منصور غرفة المدير بوجه قانط للغاية. وجد رامي وقد ارتبك لدخول والده. فزغر له منصور بغيظ، ثم رسم وجه لطيف بشوش أمام المدير، عكس ما بداخله. "السلام عليكم يا أستاذ عبد العظيم. فيه إيه يا عم؟ ده رامي ابنك، أول ما يغلط، الطشة على قفاه. والله، أستأذنت أول ما اتصلت بيا. أستأذنت وجيت." "عجبك الواغش اللي عامله رامي ده يا أستاذ منصور؟ إيه هي سويقة دي؟ مدرسة مش حارة." نظر منصور لـ "رامي" بغضب وغيظ، ثم عاود
الوجه اللطيف كره أخرى: "حقك عليا أنا المرة دي." لأن المدير من نبرته، أردف: "عشان خاطرك بس يا أستاذ منصور." نطق منصور بنبرة أمرة وقد نظر لـ "رامي" بغضب وأردف: "يلا يا ولد صالح صاحبك. يلاااا." اقترب رامي ورسم بسمة سمجة مزيفة واحتضن صديقه، واقترب هامسًا في أذنه: "حسابك معايا بعدين يا بغل. بس ننشر غسيلنا الوسخ بره." رسموا الاثنان بسمة مزيفة وود كاذب، وكل منهم ينظر للآخر بتوعد.
أما في المساء، اجتمع أصدقاء منصور المقربون يشاهدون مباراة كرة قدم بمنزل منصور. حيث كانوا يضحكون بصخب. فهم عشرة عمر طويل، معظمهم أصدقاء الطفولة. "مالك يا منصور؟ شايل طاجن ستي؟ إيه عجزت؟ يا ساتر عليك يا جدع. مالك نكدي النهارده؟ أجابه عزيز بضحك: "هو نكدي النهارده بس، ده نكدي على طول. اسكت يا مكرم، متضغطش عليه، أحسن الضغط يعلى عليه، هو والسكر، ومنلحقوش!! تدخل رشيد بضحك:
"أكيد على عليه زود يا عم شوية. أنت ناسي كل مرة بيحفل علينا إزاي؟ سيبنا ناخد فرصتنا." أما منصور، فكان ينظر لهم بسماجة، وهم بدورهم يضحكون بلا أدنى سبب. فتح رامي الباب ودخل. سلم على ثلاثتهم ولم يقترب من والده خوفًا منه. فما كان من ثلاثتهم إلا أخذ يضحكون بصخب. "إيه يا رامي؟ مش هتسلم على الحاج ولا إيه! ثم تبادلوا الضحكات مرة أخرى. أما منصور، فرد بسخرية: "معلش بقى، أصله مبيسلمش على رجاااااالة!!
لم ينبس أحدهم بكلمة واحدة، وجلسوا في صمت. وجدها تجلس بعيدًا عنه وتنظر له بخوف. على كل، ارتاح من ثرثرتها الواهية. لكن خطر فكرة برأسه. فاقترب "فهد" وجلس بجوارها وأردف بكلمة واحدة: "تتزوجيني؟! دلو من الماء البارد لو سقط عليها بليالي الشتاء لكان حتمًا أهون بكثير من هذا. أصابتها قشعريرة خفيفة مع حالة من الزهول. ففتحت فاها وسقط فكها ونظرت له بشرود. فأردف بسخرية: "اقفلي بوئك ياماما عشان الدبان."
لحظة، واستوعب عقلها ما قاله. فنظرت له مجددًا وأردفت بدون تصديق: "فهذا هو فتى أحلامها الذي اقتحم حياتها، فجعل لها طعمًا ولونًا. يطلب يدها. أم هو وهم وتخيلات عبثية؟ "لحظة بس، هاتلي الجملة من أولها وبهدوء." استغربها. هي كلمة واحدة، لكن لا مانع أن يعيدها على سمعها مجددًا. "هي كلمة واحدة يا آآآه. يلا، تتجوزيني." لم تعط نفسها أي فرصة للتفكير، بل تعاملت بتهور وغباء. "أيوا، أيوا طبعًا موافقة!!
أما هو، نظر لها باستغراب. أهبله، هي. منظرها يؤكد لك هذا. لم تعرفه غير معرفة سطحية. تتعامل كأنها طفلة ليس إلا. أردف بنبرة عادية: "طب، يومين وفكري واسألي عني." أردفت مقاطعة له: "لا، أنا موافقة. هو أنت فيه زيك يا راجل؟ هاه. خش في المهم، امتى هتتقدم؟
نظر لها باستغراب. غريبة، هي حقًا، لكنها تبدو بريئة، طيبة، عكس سابقتها. يبدو أنها لم تبرح تفكيره، وسيقارنها دائمًا وأبدًا مع غيرها. ليت للقلوب ممحاة تزيل الحب وآثار الماضي. ليت أفاق من تفكيره على صوتها، حينما أردفت: "هاه؟ هتتقدم امتى؟! أجابها بهدوء: "هظبط أموري وأقولك!!
تسقي الأزهار التي ترعرعت أكثر وأصبحت باهية. فعطر تهتم بها دائمًا بنفسها. أخذت تدندن بصوت جميل لحنًا عذبًا. فصوتها رائع، بل أروع الأصوات التي يمكنك سماعها. سرحت بخيالها الذي قاده اللحن المبهج. لم تنتبه لعودة "رسلان" من عمله ومتابعته لها بانسجام. حوريته الصغيرة، طفلته التي احتلت قلبه. ارتسمت بسمة حاملة الكثير من البهجة على وجهه. فقد ارتاح لسعادتها. لكن غابت بسمته للتو حينما أكدت له نفسه أن سبب تلك السعادة ما هو إلا بسبب خلاصها منه. وهذا اللحن تدندنه غارقة به وبأفكارها، ترسم مستقبلًا لها ولعشيقها. ولهذا الحد من التفكير، عبس وجهه بقنوط وغضب.
وأردف لها بنبرة غاضبة: "عطر، يكفي هذا الحد. صوتك مزعج للغاية. أصاب أذني بالتلوث السمعي. اللعنة! صوت نشاز." عقدت يدها على خصرها وأجابته بغضب: "صوتي أنا مزعج؟ ولا صوتك أنت اللي بخمسين لون زي صوت البحة؟ بادلها نظرات غاضبة وأردف بغيره: "مزعج، مزعج. ما رأيك؟ صوتك مزعج حقًا. لا تغني ثانيًا." أردفت عطر بغضب: "حلو، وحش، عاجبني. إيه رأيك؟ حد قالك عاوز رأيك؟ أردف بنبرة مغتاظة وهز كتفه باللامبالاة المصطنعة:
"أنا أقول رأيي بحرية. لو كان جميلًا لقلت لك هذا." "بقولك إيه؟ يالااااا. متصدعنيش. حط رأيك في جيبك واتكل على الله. يلا يا خويا، هوينا." كانت كوميدية ولطيفة للغاية، جعلته يبتسم غصبًا عنه. صدم رسلان حينما وجد آخر شخص يتوقع وجوده. ارتبك بشدة. أما عطر، فنظرت له باستغراب، ثم وجهت أنظارها لهذا الشخص وعقدت حاجبيها مستغربة. ترى من هذا؟ اقترب الشخص من رسلان. تمنى رسلان أن يختفي في الحال، خاصة بوجود عطر. حقًا، إنها لمأساة.
حبايبى اتفاعلوا ورايكم يهمنى. ايه توقعاتكم للجاى؟ عزيزى القارئ، أنت لم تر شيئًا بعد. أنت على حافة التشويق والإثارة. اترك لي مرورًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!