دخل بها المنزل بصمت رهيب، خاصة من ناحيته هو. لم تطق صبراً، تعلم أنها مخطئة فيما تفوهت به. لكنها ردت عليه وقد ارتفع صوتها بغضب: "إيه، أنت جارر جاموسة معاك؟ اعتدل لها ببرود وملامح وجه خالية من أي تعبير، وأجاب بنبرة باردة: "ماذا تريدين؟ نظرت له في عينيه، رأت لا شيء. كيف يمكنه التغير هكذا من لحظة لأخرى؟ هذا جنون بعينه. لكنها أجابت بتحدٍ. "عاوزة أتطلق." عقد جبينه ورفع حاجبه ببرود متناهٍ وأردف بهدوء: "تريديها؟
بنفس نظرات التحدي أجابته: "أيوه، أريدها!!! أيوه، عاوزة أطلق منك بصراحة، قرفت منك." أشار لها بأن تصمت حينما تبدلت ملامحه لغضبٍ بائن، وأردف بثقة وثبات: "سألبّيها لك، الأمر أصبح منهياً قبل ابتدائه." توترت، يبدو أنه جاد هذه المرة. لكن على أي حال، ستتخلص منه. هي لم تحبه، لم تعشقه. هي لا تنكر أنه عاملها بحنان ولطف واهتم بها أيضاً، لكنه ليس الشخص المناسب لها. نظرت له ببسمة مزيفة وأردفت بهدوء: "إمتى دا هيحصل؟
مش عاوزة أبقى على ذمتك لحظة واحدة." رسلان عليها بهدوء وثبات: "الوقت الذي تختارينه وتحددينه." نظرت له وأردفت بغيظ: "حتى دلوقتي!!! ولا أقولك، هات المأذون النهاردة نخلص كل حاجة." وجه لها نظرة أخيرة وأجاب بكلمة واحدة قبل أن ينصرف: "حسناً، هو كذلك."
تركها وصعد لغرفته وانهار بروده حينما أصبح بمفرده. طبقت عليه أنفاسه، فك رابطة عنقه ونفخ بضيق. لقد أعطى اهتمامه وحبه للشخص الخطأ. أحبها فبادلته المحبة كرهاً، أذاقته مرارة النفور. يجب أن يتخلص من كل هذا، حتى مشاعره. منذ متى لديه قلب يحب؟ ألم يكن هو رئيس العصابات الفاسد الباغي الداهية؟ منذ متى ولد بقلبه مشاعر وكأنه إنسان طبيعي؟
عليه أن يحب ويتزوج أمثاله، ليس لهم هذا، بل لقسوة قلوبهم. رأى آخر هو العنف والتعنيف، هذه طبيعتهم البحتة بفطرتهم الغريبة، وكأن طبعه غلب المشاعر وبإمكانه إنهاء هذا كله برمشة عين. لها أن تختار ما تحب، فلو كان لها نية في حبه لكانت أحبته من الوهلة الأولى. عزم على إنهاء الأمر اليوم، وحتى لو أذاق قلبه القسوة والمرارة، فهو أيضاً ليس لديه مرارة لنفورها منه وكأنه جرثومة. حسناً، فكل شيء سيعود لطبيعته، هذا ما أوهم به ذاته.
تفاجأت به بعد أذان العشاء قد جلب مأذوناً حقاً. كانت تعلم أنه يتوعد ويهدد فقط ولا يمكنه الاستغناء عنها. لكنها هي من تكون ليبقي عليها؟ وفي جلسة بغيضة جلس أمامها ببرود وأخذ المأذون يردد: "إن أبغض الحلال عند الله الطلاق يا ابنتي، فكري!!! لاحت لمعة دامعة بعينها. لم تصدق هذا، فهو خلصها منه وبنفسه وستصبح حرة بعد الآن. أعاد الشيخ السؤال مرة أخرى، فأجابت بنبرة متحشرجة: "أيوه." عاود سؤاله مرة أخرى: "أيوه إيه؟
لم تتمالك دموعها هذه المرة، رغم سيطرتها على نفسها جيداً، لكن تلك الدموع اللعينة أبت دون ذلك، فخرج صوتها باكية. تأثر الشيخ لها ونظر لـ "رسلان"، وجده جامداً ثابتاً. ولتلك المرة لم يتأثر بها ولا ببكائها. وأردف بحزم لا جدال له: "الأمر منتهٍ، افعل كل شيء." ثم نظر لها وأردف: "اجعلها حرة من قيودي." وقد كان. وانتهت تلك الليلة ببؤسها وآلامها على كلا الطرفين. انهارت في مضجعها باكية، لائمه لذاتها. أيعقل أنها تكن له بعض المشاعر؟
ظنته لا يمكنه التخلي عنها، ولكن تخلى وبمنتهى السهولة. بل لاحظت برود نظراته أثناء إلقاء الطلاق عليها. رغم أنه طلقها مرة واحدة، ولكنه بالأخير فصائل. لم تر بعينه أي ذرة مشاعر خلف ما راته سابقاً، رأت الجمود والسكون والثبات.
أما هو، فخرج بسيارته يتجول الشوارع لوقت متأخر وعاد للمنزل وصعد غرفته ونام. فقد أرهق نفسه وجلد ذاته بما يكفي. حتى وهو يعلم أنها ستظل أمامه دائماً في المنزل، لكنه تمنى لها السعادة. فقد حررها لتجد من تحب. هذه الفكرة لمجرد التفكير بها ألَمته وأزهقت نفسه.
مر أسبوعان كاملان ولم ير أحدهم الآخر. فهو كان أرهق نفسه بالعمل، كان يأتي متأخراً. أما هي فكانت تصعد لغرفتها مبكراً. وهكذا تآلفت الأمور وأخذت مجراها، فهما بنفس المنزل ولكن كل منهم كأنه بمجرة أخرى.
وذات صباح ارتدت "عطر" ملابسها، رغم أنها فقدت القليل من وزنها وشحب وجهها ليصارع وجوه الموتى. رغم لمحات الجمال به، خرجت في هذا الصباح الباكر. قادتها قدماها للذهاب إلى منزل فهد، رغم الارتباك والتوتر البادي عليها. تعلم ما سيفعله بها جيداً. أما فهد، فقد انتهى من ارتداء ملابسه حينما سمع صوت أمه وأخته يصيحون بأحدهم. نورا بغضب: "إنت إيه اللي جابك هنا؟
يابت غورري. إحنا مصدقنا إنه ارتاح منك. يلا أمشي من هنا. ربنا يسهلك بعيد عنا. الله ينتقم منك يا شيخة. إنت إيه إبليسة!!! أما والدته، فكان لها رأي آخر حينما جذبتها من ملابسها وانتشلت شعرها من خلف الحجاب ولطمتها أكثر من مرة على وجنتيها حتى انتفخت وبان عليها الاحمرار والتورم. نزل الدرج بسرعة متناهية وخلصها من يد والدته، التي قالت: "سيبني عليها بنت الكلب دي جايه ليه؟ يا حلتها. الله يحرقك بجاز ووسخ."
أما هو، هدأ والدته ولم يبالِ بتلك التي كانت بحالة فيضاوية رثة. أشْفقت "نورا" عليها، فخدها منتفخ بآثار أصابع والدته، خصل شعرها الناعمة تمردت من حجابها، ملابسها أصبحت فيضاوية. أجبرته عيناه للنظر لها، لكن لم يكن يبالي بها حقاً. أصبح ينفر منها، مخادعة، إبليسة، جهنمية!!! أشار لوالدته بالدخول هي وأخته، فقاطعته ونظرت للأخيرة بحقد وغيظ وأردفت: "لا مش هسيبك مع الشيطنة دي ولو للحظة واحدة، إنت فاهم!!!
نطق بغضب هذه المرة، فانصاعوا له ودخلوا على مضض. أما هو، نظر لها أخيراً: "جايه ليه؟ عاوزة إيه؟ إنت إمتى ناويه تخرجي من حياتي؟ ثم أخرج من بين أسنانه: "أنا نسيتك، يا ريت تنسيني، لأنني مانع نفسي إني أدفنك مكانك! واحترمي الراجل اللي إنت على ذمته، بلاش تبقي عاهرة وخائنة وست مش محترمة، بلاش تبقي منافقة وكدابة. إنت ليه كدا؟ ليه كل الصفات الزفت فيكي؟ إنت إيه بجد؟ أنا عمري مشفت وقاحة كدا؟ أردفت مقاطعة: "فهد أنا! قاطعها بصرامة:
"إنتي حية؟ عارفة يعني إيه؟ وبني آدمة مهزقة! انلأ عن نفسي ألف مرة أني عرفتك، ولا يوم كنت بحاول أقرب منك. ثم أضاف بصوت عالٍ وملامح وجه غاضبة: "إنتي عارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه دلوقتي؟ عارفة إني ممكن أذلك قصاد نفسك وممكن أكسرك، وهقول إنها هي اللي جت ليا برجليها، بس مش هعمل كدا، مع إنّي أتمنى. بس عارفة ليه؟ عشان إنتي عاوزة كدا وجاية لكدا!!! انهارت دموعها، أرهقت عيناها، أصبحت روحها لا حول لها ولا قوة. ما كل هذا المرار؟
أذاقته، ماهي الخطيئة التي ارتكبتها في حق أي بشرى، حتى من أعزته، أطاح بروحها ووبخ كيانها. أردفت بصوت متحشرج: "اسمعني يافهد، حرام عليك. مش كدا، اسمعني!!! أعماه غضبه، واقترب أكثر، وبصوت حانق غاضب أردف: "بقى إنتي يابت تعرفي الحلال والحرام؟ شرع جديد اخترعتيه؟ ولا هبده جديدة؟ اهبد ياهباد، أنا سامع أهو!!! نطقت بصراخ تلك المرة، رغم الآلام المفزعة التي حلت بحسدها:
"فهد، انت مش عارف حاجة. أنا حياتي اتلخبطت من يوم وفاة جدّي. أنا اطلقت من رسلان عشانك!!! قهقه عالياً، ارتفعت ضحكاته حتى كادت أن تشق الآذان، أصبحت أقرب للهستيرية إن لم تكن هي حقاً. أردف بشر: "ياعيني ياأختي، ودا من إيه إن شاء الله؟ عين وصابتك؟ ولا هو زهق منك؟ مع إنّ الصراحة إنتي مينزهقش منك!! قاطعته بغضب: "اسكت، ولا حرف واحد. بكرة تندم على كل حرف قلته في حقّي. انت ليه بتعمل فيا كدا؟ أنا ضحيت عشانك!!! اقترب منها أكثر
وشدد على رسغها وأردف بغضب: "ضحيتي عشانّي صح؟ حلو الكلام. سبتيني مرمي في السجن واتجوزتي. انتي إيه؟ مبتزهقيش من الهبد؟ الله يخرب بيت كدا يابعيدة! نظرت له بتحدي: "لأ، أنا عمري ما أكذب، بس هو دا اللي حصل." نظر لها بغضب وببسمة ساخرة: "ماشي، هسمعك. ضحيتي إزاي بقى؟ هاه؟ أنا سامع أهو، قولي، انطقي."
إن أخبرته بالحقيقة سيصدقها، لكن ستوقع رسلان في مأزق، ومن حقه أن يرفع عليه قضية. لا لا، هي لا تريد إيذاء رسلان بأي شكل أو آخر، حتى لو على حساب نفسها. أردف بغضب حينما طال صمتها: "هاااه؟ انطقي، بتفكري في هبده جديدة صح؟ بس خلاص، أحب أقولك أنا قفلت من ناحيتك خالص، معدش أي مشاعر تخليني أصدقك أصلاً. افهمي دا." ثم جذبها من ملابسها وغلق الباب خلفها بعد أن طردها شر طردة.
نظرت إلى الباب الذي أغلق بوجهها، تخيلته أنه باب قلبه، هو كذالك أغلق بوجهها. أصبح كل شيء كالماء بكفة اليد، آيل للسقوط. هبط الحزن على ملامحها، حتى هو جرح كيانها. رغم أن رسلان كان زوجها وكان به من القبول ما يجعلها تتيم به لاحقاً، لكن ذنب فهد أخذ يطاردها في كل لحظة. تنهر نفسها أنها كانت تميل لرسلان غصب عن إرادتها، وجدت به حنان واهتمام. تذكرت كم مرة نفرت منه، أحرجته، صاحت به. تذكرت كيف كان يعاملها كطفلته المدللة. كانت
تعلم أنه كان يزور غرفتها كل ليلة حينما كانت تتظاهر بالخلود للنوم، كيف كانت أنفاسه العطرة تقترب منها ويقبل أعلى رأسها، مماساً بهدوء على شعرها حتى تخلد للنوم بالفعل، فيدثرها ويتركها ويخرج بهدوء. لكن منذ افتراقهم لم يفعل هذا. لم تره بالأساس ولم يراها هو أيضاً. تشعر ببعض الاشتياق أو القليل منه لها، هذا ما أقنعت به روحها. فالحياة عذبتها، جعلت بحيرتها العذبة قاحلة، فالحياة بدون الشعور بالحب كالصحارى الجرداء.
أما فهد، وكالعادة، جلس بالمواصلة بعد مغادرتها، ولكن تلك المرة بملامح غاضبة بائسة. جلست "سما" بالقرب منه، عرفها من رائحتها دون النظر لها. سألته حينما وجدت تحفر الغضب على حبينيه ووجهه ككل: "سما، مالك؟ أجابها فهد ببرود، فهو لا يخبذ الحديث الآن: "ليه؟ يخصك؟ حمحمت بإحراج لكنها اردفت: "لأ، سؤال من باب العلم بالشيء." نظر لها بغضب: "ولامن باب العلم ولا شباك الجهل، ميخصكيش، وياريت تقفلي معايا كلام نهائي."
فرت دموع عيناها، رعبت ملامحه، تحركت من جانبه لتقف بعيداً عنه، وقد أصبحت هناك غشاوة بطبقة دموع تلوح في عينيها. تتحامل على نفسها، فالألم أصبح لا يطاق بجسدها. اقتربت قدمها من المنزل، كانت بحالة يرثى لها. أما رسلان، فكان يهم بالخروج لعمله حينما اصطدم بها داخل المنزل وحالتها رثة وآثار تعنيف على وجهها، فأسارع لها بقلق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!