تحميل رواية التركي والصعيدية بقلم سنسن ضاحي pdf
بقلم سنسن ضاحي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فى مدينة اسطنبول التركيه داخل إحدى المنازل الراقيه يجلس رجل فى الستون من العمر يتناول قهوته الصباحيه باستمتاع الا ان جاء بجواره ابنه "رسلان" شاب فى الحادى والثلاثون من العمر يعيش هو ووالده بعد وفاة والدته رسلان شاب وسيم ذكى يحب والده كثيرا رئيس مجلس إدارة شركات والده "اركان آغا " الحوار بالتركى رسلان بمرح: صباح الخير والدى العزيز! اركان ببسمه: بخير رسلان مادمت انت كذالك! لما أتيت متاخرا امس رسلان؟ رسلان: لا شئ ابى كنت اسهر مع "بيرن" خطيبتى. اركان بضجر: حسنا ولاكن انتبه إلى أعمالك وتغاطى عن تلك ا...
رواية التركي والصعيدية الفصل الأول 1 - بقلم سنسن ضاحي
فى مدينة اسطنبول التركيه داخل إحدى المنازل الراقيه يجلس رجل فى الستون من العمر يتناول قهوته الصباحيه باستمتاع الا ان جاء بجواره ابنه "رسلان" شاب فى الحادى والثلاثون من العمر يعيش هو ووالده بعد وفاة والدته رسلان شاب وسيم ذكى يحب والده كثيرا رئيس مجلس إدارة شركات والده "اركان آغا "
الحوار بالتركى
رسلان بمرح: صباح الخير والدى العزيز!
اركان ببسمه: بخير رسلان مادمت انت كذالك!
لما أتيت متاخرا امس رسلان؟
رسلان: لا شئ ابى كنت اسهر مع "بيرن" خطيبتى.
اركان بضجر: حسنا ولاكن انتبه إلى أعمالك وتغاطى عن تلك السخافات!
رسلان: كما تريد ابى اسف سوف اتركك لقد تأخرت كثيرا اللى اللقاء!
اركان بشرود: وقع فى فخ بيرن المنحله ساجعلك تتركها عاجلا يارسلان!
ونسيب تركيا ونروح إلى إحدى محافظات الصعيد
******
تقف عطر فتاه فى ٢٢من عمرها تمتلك جمال ساحر وعيون جميله وبشره ناصعة البياص وشعر كسباكك الدهب طبيبعى بدون اى صبغات تقف تلف الحجاب حول راسها ثم تدخل عند والدها لتطمئن عليه فهو مصاب بالزهايمر لا يفقه شيا اطمنت على والدها ثم نزلت تطمئن على جدها مكرم حمدان فى الثمانون من عمره
عطر: جدى حبيبى عامل ايه دلوجتى!
مكرم: بخير ياحبيبة جدك تعالى هنا جوليلى زعلانه ليه ولاويه بوزك.
عطر: الملل ياجدى الملل هيجتلنى من وجت ماتخرجت وانا قاعده فى الدار اكده.
مكرم: حالك زى كل حال بنتت البلد.
عطر: اه منا بجعد اسلى نفسى اشغل كروشيه اجعد مع ابويا إللى مرات نسينى ومرات فكرنى ابويا صعبان عليا جوى ياجدى!
مكرم بالم: ربنا يشفيه يابتى انا مش عارف بعدى مين هيحميكم انتى وابوكى ياعطر مش عارف مين هياخد باله منكم ويراعى الأملاك ابوكى جاله زهايمر فى سن صغير كان زمانه دلوجت عنده كومة شباب.
عطر: ليه ياجدى بتجول كده حسك فى الدنيا وبعدين ياسى جدى هو انا مش زى الراجل ولا ايه طيب ده انا حفيدتك الوحيده العسوله!
مكرم بالم: وهوده إللى انا عاوزك فيه ياعطر موضوع لازمن تفهميه انتى كبيره دلوجت.
عطر باستفهام: خير ياجدى فيه ايه؟
مكرم: انشاء الله المحامى جاى بالليل وهيوثقلك الميراث كله ليكى انتى لوحدك لازم تعرفى انى كان ليا بنت اسمها رنيا فى فتره زمان سفرنا انا وابوكى وجدتك ورنيا كان عندى أعمال فى تركيا الكلام ده يجى من خمسه وتلاتين سنه المهم عمتك حبت واحد تركى هو جه طلبها لاكن انا رفضت مكنش ينفع اسيب بنتى هناك ياعطر دى كانت فتره مؤقته المهم عمتك كانت خلاص اتعلقت بالشاب ده فإنا كنت عاوز الم الموضوع فحجزت التذاكر عشان نرجع مصر لاكن اتفاجانا برنيا اما تقولنا مش هتنفع تنزل معانا عشان اتجوزت انا اتصدمت وابوكى اتهور وكان هيموتها وجبناها معانا بالغصب لاكن جوزها التركى كان واصل واهله وصلين وباين كده مش اما يرفضوله طلب جه خدها من قلب بيتى انا حسيت وجتها انى عاجز بس قولتلها مش عاوز اشوفها تانى وفعلا قطعتها رغم أنها كانت بتبعتلى صور وجوبات وحاولت الاتصال بيا لحد معرفت انها ماتت زعلت عليها وسمحتها بس مش هسامح جوزها إللى حرمنى منها وعرفت انه عنده شاب حفيدى بس حتى من قبل مشوفه بكرهه وعشان كده هكتبلك كل الاملاك ليكى عشان ميطلوش منى ولا مريم!
عطر بدموع: انت بتقول ايه ياجدى هاه انا كان ليا عمه وليا اهل انا اول مره اعرف!
مكرم بغضب: دول مش اهلك انا وابوكى بس إللى اهلك دول عالم غيرنا حتى لو من دمك المفروض ابنها إللى هو حفيدى يورث لاكن انا مش هطوله مليم من املاكى وزى مقولتلك بالليل المحامى جاى وهيخلص كل حاجه.
ثم تركها فى صدمتها وغادر
******
فى شركة أركان دخل مراد مكتب رسلان وجده منغمس فى اعماله يشمر أكمام قميصه وامامه كومة من الاوراق منشغلا بها
مراد: اوووه كيف حالك الآن دائما منشغلا بالنهار وبالليل فى وكر الشياطين.
رسلان بنظرة غيظ: ماذا تقصد بوكر الشياطين؟
مراد بضحك: اظنك تفهم جيدا انا اقصد الملهى الليلي ليس الا!
رسلان بالا مبالاه: اذا هيا على عملك لا وقت لاضيعه معك!
مراد: اعرف انت دائما منشغلا امممم.
رسلان: انت تود اذا ان اطرحك ارضا حسنا انا ليس لدى اى مشكله فى هذا هيا مراد إللى عملك فأنا فى انتظار "بيرن".
مراد بضجر: امممم اذا سوف أغادر السلام عليكم!
رسلان: وعليكم السلام.
جائت بيرن فتاه لعوبه عمرها٢٩ تحب وتعشق فقط أموال رسلان وهو أيضا يتسلى معها ليس أكثر ولاكن الأمر انقلب حتى أصبحت خطيبته
بيرن وهى تحتضنه: اووووه لقد اشتقت إليك كثيرا رسلان.
بادلها رسلان حضن عميق: وانتِ أيضا محبوبتى لقد انتظرتك لما كل هذا التاخير.
بيرن بخبث: ابى كان لا يريد خروجى وانا كنت لااود المجئ حقيقة بسبب ملابسى المهتراه.
اعطاها رسلان كريدت كارد: خذى هذا واشترى مابوسعك وكل مايعجبك.
ثم قبلها قبله فى فمها بعد قليل من الوقت تركته بيرن وغادرت أما هو جلس على كرسيه وتابع اعماله.
*****
يالهووووووى يالهووووى يادى النصيبه الحجينى يأست عطر.
عطر بخضه: فيه ايه انطجى.
الخدامه: جيت ادخل القهوه للبيه الكبير لقيته مكفى على الكرسى وقاطع النفس.
عطر وقلبها يقف من الرعب جرت سريعا: اطلبى الدكتور بسرعه يلا.
دخلت بخطوات ثقيله وهى غير مستوعبه صدمتها تلك ايعقل ان يتركها ملازها وامانها وحنانها غريبه لا لا يبدو انه نائم فقط هو لن يتركها هم كانوا منذ قليل يتحدثون.
وقفت قبالته وانحنت عليه تكلمه كانه يسمعها وضعت كفة يدها على خده وهى فى حاله من الا تصديق ولا وعى.
عطر بدون تصديق وجنون: جدى جدى انت سمعنى هااه... بلاش كده ياجدى انا مبحبش كده ..جدى قوم قوم يجى جدى لا اوعى تجول انك هتسبنا لا جدددددى متسبناش ياحبيبى قوم بجى عشان خطرنا قووم انت سندنا انا وبويا جووووم ياجدى لااااا ياجلبى اووعى.
ارتمت فى احضانه وظلت تهز راسها ودخلت فى حالة الا وعى.
جاء الطبيب ودخل معه بعض الغفر وانتشلوها بشده من احضانه.
لا سبوووونى لا هو هيخدنى معاه لا انا مش عاوزه اعيش بعدك تانى يا حبيبى جووووم عشان خاطرى قوم ارجوك ارجوك اوع تسبنى اوعى انتا دنيتى.
تمت مراسم العزاء وعطر فى حاله لا تحسد عليها بتاتا تدخل إللى والدها الذى لايفقه شئ وتضمه إلى احضانها فهم اصبحوا ملاذ بعض كل أو بالاحرى هى اصبحت ملاذ لوالدها مرت الايام عليها كئيبه لا طعم لا لون.
حتى مر على فراق جدها ثلاث شهور حتى جاء أحد المحامين إليها ذات يوم.
المحامى: ربنا يجعلها اخر الاحزان يابنتى.
عطر بحزن: الله يرحمك ياحبيبى وحشنى جوى.
المحامى: تعيشى وتفتكرى بس انا جاى عشان نشوف موضوع الورث ده.
عطر: إللى تشوفه اعمله.
المحامى: للاسف يابنتى اليوم اللى اتوفى فيه جدك كنت جاى اسجل كل حاجه باسمك بس النصيب كده والدك معندوش اهليه بسبب مرضه فبكدا انتى هتاخدى تلت الاملاك بس والتلتين التانيين هيروحوا لرسلان اركان اغا حفيده الذكر.
عطر بغضب: انت بتقول ايه ياستاذ حمدى ياخد التلتين ليه ياخد اكتر من ابويا؟
المحامى باسف: للاسف ياعطر هانم ابوكى حاليا فقد عقله يعنى زيه زى الاطفال فكده الثروه تروح للذكر الأقرب ورسلان هو صلت القرابه الشديده.
احنا بعتناله فاكس وانتى وحظك ان مسالش على الثروه انتى تستلمى نصيبك وهو لو مجاش هنتحفظ على نصيبه.
وتركها وغادر فى الحال.
******
اركان: جدك المصرى توفى يا رسلان!
رسلان ببرود فهو يكره جده هذا كثيرا: ممممم لايهمنى لما تحدثنى به انا اكرهه كثيرا بسبب الدموع التى تسبب بها لامى!
اركان بتعقل: انا اطلب منك ان تسافر مصر تحصل املاكك وميراثك وتاتى فى الحال.
رسلان بغضب: لا اريد منه شئ لا افعلها ابى لن ولن أسافر ولا اريد منه اى شئ!
اركان: ولاكن هذا ارثك انت ووالدتك هذا حقك رسلان.
رسلان بغضب اعمى: قولت لك لن افعلها لن أسافر بتاتا!
اركان بمكر: كم تريد اذا اترك ارثك لخالك الذى عذب والدتك مرارا وتكرارا!
نظر رسلان امامه بغضب وقرر الانتقام منه.
رواية التركي والصعيدية الفصل الثاني 2 - بقلم سنسن ضاحي
مرت الأيام تتوالى على عطر الزهرة التي دبلت كثيرًا
ولم يبق منها سوى رحيقها.
كان كل اهتمامها بوالدها فقط.
تجلس معه رغم أنه لا يفقه من حديثها شيئًا.
فتارة يتذكرها وأخرى لا.
عطر: "أقوم أنا عاد يا بوي."
أعطته دواءه الذي لا يغني ولا يسمن من جوع.
وقبلت رأسه وانصرفت بهدوء.
وما إن خرجت من غرفة والدها حتى سمعت ضوضاء بالخارج وأصواتًا متداخلة.
وأتت إليها إحداهن، وهي تعمل خادمة بالمنزل.
جاءت مهرولة وهي تلطم خدها بضجر.
سعدية: "الحقيني يا ستي، واحد زي الحيطة بره ولسانه معووج. ضرب عطا ضرب خلاهم زي القتلة وعاوز يدخل وأنا مش فاهمة منه شيء."
عطر بذهول ولم ترد بكلمة، بل خرجت للتو.
في تلك اللحظة كان رسلان يدخل المنزل بكل برود وثقة، إلا أن رآها.
عطر بعربجة لم تعهدها سابقًا، كأنها تبدلت مئة وثمانون درجة.
عطر: "انت ياحيوان يامتخلف اطلع برررره. هو كان بيت أبوك ولا بيت اللي خلفوك؟ أنا هطلب لك الشرطة حالا."
رسلان بغضب، فهو يعرف العربية لأن والدته كانت دائمة التحدث بها.
رسلان بالعربية: "أجل هو كذالك أيتها الشمطاء."
عطر بتعجب: "شمطاء مشط لما يلوحك ويقسم راسك."
رسلان: "هذا بيتي."
عطر: "هذا إيه يعني؟"
رسلان ببرود: "بيتي. والآن اغربي عن وجهي. لم أعد أتصور أن أراكِ مرة أخرى أيتها المزعجة الثرثارة."
عطر: "ما تبس يا عم بقا إيه؟ هتعملي نفسك خارج من فيلم صلاح الدين؟ لا بقولك إيه، أنا هادية صحيح، لكن اياك تنسى إني صعيدية ودمي حامي وممكن أوديك في ستين داهية."
رسلان: "حسنًا، الآن فهمت. فلاحة."
لم تتمالك عطر أعصابها أكثر من هذا.
فهذا الفضولي الغريب أخرجها عن شعورها.
وفورًا ضربته على وجهه بطريقة مهينة لأي رجل.
في تلك اللحظة، خرج رسلان عن شعوره وتحولت عيناه إلى اللون الأسود الحالك.
وتبدلت ملامح وجهه من البرود إلى الغضب.
فمسكها بغضب من خلف حجابها وأطبق يديه على فكها.
فنظرت له بتحدٍ، ثم تحول إلى ألم.
أردف رسلان بالتركية، مما يدل على غضبه الشديد: "اسمعي يافتاة، أعلم جيدًا أنكِ حفيدة الوغد وابنة الشخص الذي أمقته جيدًا. ومن سوء حظكِ العاثر أنكِ وقعتِ في يد من لا يرحمك. أنتِ وأهلكِ ستذوقين معي كل أشكال العذاب، وسأذوق معكِ كل أشكال المتعة دون ثمن. سأنتقم منكِ أشد الانتقام."
ثم حذفها أرضًا دون رحمة وصعد إلى الطابق الأعلى.
بعد قليل من الوقت، وبعد بكاء لا حصر له من عطر، حتى أصبحت عيناها منتفخة ووجهها كالطماطم الناضجة.
تعاهدت في نفسها أن تنتقم من ذلك المقتحم الغريب.
فلم تنتظر، وفي الحال اتصلت بالمحامي الذي أتى على عجل.
عطر: "يعني ده ابن عمتي؟"
المحامي بلا مبالاة: "أيوه ووريث شرعي. وكل واحد خلاص هيستلم أملاكه وحصته قانوني."
عطر: "بس المتخلف ده هيقعد هنا ولا إيه؟ لازم تتصرف. ليه في أي خرابة هيقعد فيها؟ ده غبي وأنا بكرهه."
وفي تلك اللحظة دخل رسلان وسمع ما تقوله عليه، بخلاف بعض الكلمات التي لم يفهمها.
المحامي بترحيب وتجليل، وقد تجاهل عطر: "يا أهلاً يا أهلاً رسلان بيه. والله مصر كلها نورت بوجود حضرتك."
نظرت عطر لهم بغضب، وبالأخص رسلان.
رسلان: "هل جمعت لي كل ما يخص أملاكي؟"
المحامي: "كله هنا في المستند ده."
رسلان أخذ منه المستند وأعطى عليه نظرة سريعة.
المحامي: "أي أمر آخر يا رسلان باشا؟"
رسلان: "حسنًا، تفضل. شكرًا لك."
عندما خرج المحامي، نظرت عطر بغضب وحقد لرسلان.
عطر: "كان يوم أسود يوم ما جيت. ياريت كان داسك قطر."
لم يعطها رسلان ردًا وتركها وذهب ببرود.
عطر: "حشرة."
وذات ليلة، بعد علم رسلان بنوم عطر، دخل غرفة خاله وأغلق الباب جيدًا.
وجده نائمًا بهدوء.
رسلان: "الآن تنام بهدوء دون تأنيب ضمير. تنام وقد أذقت أمي شتى ألوان العذاب. سأنتقم منك ومن ابنتك الغبية. والأيام ستريك هذا. أعلم جيدًا."
أصبح جو المنزل مملاً بالنسبة لعطر، فقد قررت الخروج للمقابر لزيارة جدها والبوح بكل ما في صدرها حتى تهدأ قليلاً.
وأثناء خروجها رآها رسلان.
رسلان: "إلى أين تذهبين؟"
عطر: "وانت مالك؟ ما شي بارد صحيح. غوري في داهية من وشك ده." (عفوًا يا عطر، فوجهه كالبدر والقمر).
رسلان بهدوء مخيف: "عودي للداخل."
عطر: "بقولك إيه، أنا أصلًا جبت آخري منك. انت ليك أملاكك ولا أكونش من ضمنهم وأنا مش عارفة."
وهمت بالخروج فمسكها من رسغها.
فتأملت، فنظر لعيناها بتحدٍ وغضب وأردف: "هيا ادخلي. وللعلم، حتى خروجك بإذني. وإن فعلتِ أي شيء دون علم مني ستكون النهاية بالنسبة لكِ."
أحست عطر في حديثه الجدية، فصعدت إلى غرفة والدها وأخذت تبكي بحسرة ومرارة.
هي ذاقت كل أنواع العذاب، ذاقت المرار بعد رحيل جدها سندها في هذه الحياة.
أما رسلان، فكان يخرج صباحًا ويعود ليلاً.
ودائمًا كان يتحدث عبر الهاتف مع والده ومراد ليطمئن على عمله ويخبرهم أنه سوف يأتي قريبًا.
ولكن هناك فكرة في باله سينفذها ويأتي في أقرب وقت.
كان يضحك أركان بمنتهى الخبث والحقد على ذلك المخطط الذي رسمه رسلان بالانتقام من تلك الطفلة البائسة.
كانت عطر تشاهد إحدى المسرحيات الخاصة بعادل إمام وتضحك.
وعند ذاك الحد رآها رسلان، فصمم تعكير اللحظة.
وتقدم وأغلق التلفاز.
رسلان: "هذه ضوضاء. أنا لا أحبها."
عطر: "حبك برص. بقولك إيه يا كرومبو، غور من وشي بلغتك دي."
رسلان: "هذه العربية."
عطر: "عربية تاخدك يا شيخ."
لم يفهم رسلان بعض كلامها، ولكنه اقترب منها بخبث وأردف: "ارفعي حجابك. أريد رؤية شعرك. أظنه سيكون جميلًا مثل وجهك."
ثم نظر إلى شفتيها وظل يقترب وأغمض عينيه واقترب أكثر.
فوجد رأسه خبط في الحائط، وفرت هي من أمامه في التو والحال.
رسلان: "فتاة شرسة. ولكن سأجعلكِ خاضعة لي قريبًا."
في تلك اللحظة رن هاتف رسلان، وكانت بيرن.
بيرن: "اشتقت لك كثيرًا."
رسلان: "وأنا كذلك. كيف حالك؟"
بيرن: "لست بخير. لماذا تأخرت؟"
رسلان: "هناك تصفية حساب قديم سأنهيه، وفي الحال أكون لديكِ."
بيرن: "رسلان، ليتك تعلم كم أحبك."
رسلان: "اعلمي أن زواجنا سيكون قريبًا جدًا."
بيرن: "أهذا حقًا؟"
رسلان: "حقًا."
بيرن: "هذا أحلى خبر قلته. والآن، إلى اللقاء. أحبك."
رسلان: "أحبك."
جمع رسلان كل الأملاك الخاصة بعطر بمنتهى الدقة.
وجاء ليلاً بعد أن وضع قرص منوم وكاميرات مراقبة داخل غرفتها.
وتسلل وأغمض عينيه وخلع ملابسها.
وجاء بعقد تنازل.
ومسك إصبعها وبصم مكان التوقيع وزور إمضتها.
وألقى عليها قبلة في الهواء بضحكة شريرة قائلًا: "طابت ليلتك."
رواية التركي والصعيدية الفصل الثالث 3 - بقلم سنسن ضاحي
وجاء الصباح وحمل معه الألم والرهبة والاندهاش كله في آن واحد لتلك البائسة الصغيرة، فتحت عطر عيونها بتروٍ لصباحٍ مليء بالمفاجآت.
ولحظة واحدة حسمت الأمر حينما وجدت عطر نفسها بملابسها الداخلية وهناك بعض الملابس ملقاة على الأرض، ففي الحال لطمت خديها ولملمت شتات نفسها في رهبة واندهاش وهي تحرك رأسها غير مستوعبة ما هي عليه الآن.
عطر بفزع: يالهوي يالهوي يادي الوقعة السودة، يادي المصيبة، انجني يارب.
تحركت في فزع نحو خزانة ملابسها ولبست على عجالة ووضعت الحجاب باهمال وهرولت إلى الدرج، وكادت تتعثر عدة مرات حتى وجدت ضالتها.
كان رسلان يجلس يتناول قهوته ببرود، وبنظرة ماكرة.
حتى أتت له عطر، مسكته من قميصه ووجهت له ضربة على خده وبصقت على وجهه.
عطر: انت عملت إيه يا كلب يا حيوان؟
رسلان ببرود: لا شيء.
عطر: لا شيء! لا يا راجل! ولا تصدق، انت مش راجل، انت حيوان وواطي وحقير، وأنا هوديك في ستين داهية، ده غير إني هشرب من دمك يا تركي يا واطي!
رسلان بنظرة شيطان متمرد: الآن فقط يمكنني أن أحدثك بلغة الشارع المصري لتهابي حضوري وتعلمي من هو رسلان أركان.
عطر: رسلان أركان! عاهر رخيص مستغل! هوديه في داهية وهشرب من دمه!
تكلم رسلان بالمصري، ولكن بلكنة تركية، فبدا كلامه مثيراً للغاية.
رسلان: بصي يا حلوة، أوعي تنسي، برغم إني تركي، لاكن أصلي عربي مصري صعيدي.
عطر: وضيف على ده إنك عاهر وحقير! عملت فيا ليه كدا؟ أنا آذيتك في إيه؟ منك لله يا حيوان!
رسلان: لمي لسانك اللي عاوز أقطعه، على فكرة أنا صورتك فيديو ظريف كدا أنا وإنتي، وناوي أخليكي نجمة مجتمع بيه على الميديا، ههههههه.
عطر بصدمة: أنا مش فاكرة حاجة، هو أنا في كابوس؟ أكيد أنا بحلم، أكيد أنا مش في الواقع، ليه؟ كل دا؟ وابتدت دموع القهر تنسال من بين عيونها. هو أنا آذيتك في إيه؟ عاوزة أفهم، ولا عشان انت اجنبي فسهل عليك الاستغلال من غير حرمانية.
رسلان وهو يجلس واضعاً قدماً فوق الأخرى: شششش اسكتي وخليني في المهم. طبعاً مبارح انتي بعد ما شربتي جامد واترميتي في حضني، أنا اتنازلتلي عن كل أملاكك ليا.
عطر: نعم يا رووووح أمك! أنا شربت واترميت في حضنك كمان!
رسلان ببرود وضحكة مستفزة: هو ده اللي حصل.
في الحال اقتحمت يد عطر الصغيرة وجه رسلان كالقطة، تخربش وجهه بشراسة وحقد.
مسكها رسلان من رسغها ولوى ذراعها، فتألمت، ولكن ألم روحها التي انكسرت أكبر وأشد.
رسلان بشر دفين: لا إيه! إيدك خدت عليا قوي، وأنا بفكر أقطعها، وبعدين انتي سبتي المهم ومسكتي في إنك شربتي، لا اسمعيني، انتي ملكيش حاجة في البيت، انتي ولا والدك، انتي تنازلتي، وتروحي زي الشاطرة كدا معايا توثقي أملاكك ليا قانوني.
عطر: انت بتقول إيه؟ أنا متنازلتش عن شيء.
في الحال أخرج رسلان مستنداً من جيبه وهو ما زال قابضاً على يدها، ورفعه أمام وجهها، فحركت وجهها بنفي، فضغط أكثر على يدها فتألمت.
رسلان: هتروحي.
عطر: لا لا، دا حقي أنا وأبويا.
رسلان: يبقي بكرة الفيديو يغرق الميديا لبنت حسب ونسب.
عطر: انت شيطان! أنا بكرهكككك وهموتك.
رسلان: يلا عشان توثقي كل شيء بدري بدري.
عطر: دا في ولا أحلامك! مش هيحصل.
رسلان بنظرة غضب: يبقي انتي عاوزة سمعتك في الوحل.
مر بعض الوقت إلا أنها وافقت عطر على مضض، لتتلاشى الفضيحة، فدائماً كانت تتميز بسمعة أسرتها الطيبة، فلا تدنس بعد كل هذا سمعة جدها وسمعتها في الوحل.
عاد رسلان وعطر إلى المنزل، كانت منكسرة للغاية، ذبلت وبان الوجع والقهر والظلم على ملامحها.
رسلان بالتركية: هذا جيد جداً، كم أنا سعيد ومحظوظ.
لم تفهم عطر حديثه ولا تبالي.
صعدت الدرج، ولكن صوته الذي باتت تكرهه كره دفين، ولأول مرة تشعر بشعور غير المحبة، شعور يتزايد، شعور الكره والكره له، حتى باتت تلعن تلك القرابة، بل تكره عمتها أيضاً.
رسلان: جهزي نفسك انتي ووالدك، لأنكم ماليكمش مكان هنا، لأني هبيع البيت وأسافر.
عطر بصدمة، فما أكثر الصدمات اليوم.
عطر: طب أنا وأبويا هنروح فين؟ انت خدت أملاكنا، هنعيش فين وإزاي؟ وأبويا المريض هروح بيه فين؟ حرام عليك، ليه كدا؟ خلاص ياسيدي، أنا اتذليت، خلاص، أنا انكسرت، خلاص، انت الأقوى.
رسلان: هذا لا يهمني، غداً تذهبون.
عطر: ماشي، خلاص، ادينا يومين أشوف فيهم مكان.
رسلان: يومين بس، لا أكثر، لا أقل.
صعدت إلى والدها وأعطته دواءه، وتمنت أن تنام ولا تقوم، ولاكن سريعاً قامت، توضأت وصّلت، وظلت تقرأ القرآن وتتوسل إلى الله أن ينجيها من الغم، وتستغفر لما حدث بالأمس، رغم أنها لا تتذكر شيئاً، ولو كانت بوعيها لقتلت نفسها، وهذا أشرف لها من الانقياد للرذيلة.
أما عند رسلان، كان يتحدث مع والده عبر الهاتف.
رسلان بالتركية: ههههههه، نعم، أصبحت معدمة فقيرة.
أركان: انت ذكي وعقل مدبر.
رسلان: كل هذا تعلمته منك، فماذا يكون ابن الأسد؟
أركان بضحك: ابن الأسد قط.
رسلان: قط كبير، هو أسد أيضاً.
أركان: قل لي متى تأتي إلى هنا؟
رسلان: في أقرب وقت بالتأكيد.
أركان بشر: لا تترك معها أي نقود، نريدها ووالدها أن يكونوا في الشارع.
رسلان: هو كذلك، لن تتحصل على أي مال، سيخرجون من المنزل كما دخلوا إلى الدنيا.
أركان: ما أروع تعبيراتك.
رسلان: لا تنس أني شاعر.
أركان: هذا صحيح، إلى اللقاء، طابت ليلتك.
رسلان: إلى اللقاء.
في غرفتها التي أصبحت معتمة بلا روح، بعد أن كانت تفوح بالبهجة والسعادة، فالمكان أيضاً يحس بصاحبه، يفرح لفرحه ويحزن لأحزانه.
لم تنم عطر، بل ظلت مستيقظة طوال الليل بين البكاء والذهاب للاطمئنان على والدها، وقد عرفت إلى أين ستذهب، وهذا أراحها قليلاً، وقرأت الفاتحة على روح جدها، حينما تذكرت نصيحته لها لشيء كانت ستفعله، ولكن نصحها بقلب كهل حكيم مر عليه حلو الأيام ومرها. هدأت قليلاً وذهبت في نوم متقطع.
أما رسلان، فقد اعتاد على الأجواء المصرية وأحبها كثيراً، وكان يتناول الفطار ويخرج ولا يعود إلا في المساء.
مر اليومان، نزلت عطر بشنطة ملابسها هي ووالدها.
كان رسلان يجلس في الصالة ويضع قدم فوق الأخرى، ينظر لهم ببرود، وأمر أحداً منهم أن تفتش الحقيبة التي بحوزتهم جيداً، فلم تجد إلا الملابس وصورها هي وجدها.
رسلان: ودلوقتي اطلعوا بره، وما حصلش لينا شرف بوجودكم.
اصطحبت عطر والدها الذي لا يفقه شيئاً، بل هو كالطفل فقط، ونظرت إلى رسلان بانكسار، فبادلها النظرة ببرود.
أغلقت إحداهم الباب خلفهم.
فلم تتحمل عطر أكثر من هذا، فتساقطت على درجات سلم المنزل وبكت بانكسار، فهذا المنزل شهد أحلى الذكريات والأيام التي ذهبت مع أعز من ذهبوا.
تمالكت أعصابها وعدلت حجابها، ومسكت بكف والدها، والأخرى الحقيبة، وذهبت قاصدة وجهتها.
رواية التركي والصعيدية الفصل الرابع 4 - بقلم سنسن ضاحي
حين اقتربت من المنزل العتيق تثاقلت قدماها.
ولكنها تحملت وبثت تلك الروح الضائعة منها وقالت لنفسها محاولة الصبر:
"اجمدي كدا ياعطر، الدنيا مش بتبقى حلوة على طول. لازم لكل شئ وشين، حتى الإنسان برضه ليه وشين. لازم أدوق المر بعد حلاوة عيشتي، اهو دنيا والحمد لله."
اقتربت وفتحت الباب الذي ملأه عمق الماضي البعيد.
هذا المنزل لجدتها أم أمها، كانوا لا يحتاجون إليه.
كانت والدتها تأتي إليه من حين لآخر، وبعد وفاة والدتها نست أمره.
تذكرت ذات مرة حينما أخبرها جدها:
"عطر... بجولك إيه يا جدي، بيت والدتي ملوش لازمة، إيه رأيك لو نبيعه؟"
جدها: "أوعي تبيعي الماضي الحلو يا عطر، أوعي تبيعي ذكريات والدتك، خليه يا بنتي، اهو كل شئ وله عوزة."
عند ذلك فرت الدموع منها ومسحتها سريعاً.
"دايماً يا جدي قلبك علينا، كان قلبك كان حاسس. يلا الحمد لله على كل شئ."
بدأت عطر ترتيب وتنظيف غرف المنزل والمنزل بأكمله بعد أن أعطت لوالدها دوائه وأنهت بعد وقت ليس بقليل كل شيء.
وجلست تفكر كيف تدبر أحوالها.
دواء والدها أوشك على الانتهاء.
من يقول أن المليونيرة الصغيرة أصبحت بائسة وفقيرة؟
وكل هذا بسببه هو، هو من جعلها هكذا.
من علية القوم لفتاة ليس معها حتى عشرة جنيه 😂.
تمتمت عليه في سخط قائلة:
"يا ابن التييييييت."
في الجهة الأخرى، كان يجلس بفرحة تشع من عينيه.
ها هو قد حقق أمنيته المستحيلة وانتقم ممن سببوا التعاسة لوالدته.
"أنت تعلم يا رسلان، لو أن والدتك على قيد الحياة لرفضت هذا الإجرام الذي ارتكبته في حق تلك العائلة البائسة. ففي الأول الأهل هي الحب والسند."
كان رسلان في انتظار بيرن بلهفة، فهو قد اشتاق لها كثيراً.
وبعد عدة ساعات، أتت تلك الماكرة بملابس خليعة قمة في الفجر والبذاءة.
احتضنت بيرن ررسلان الذي بادلها هو الآخر.
بيرن: "ياللهي كم كنت أشتاق لك وأتوق لرؤيتك."
ثم استنشقت عطره في حركة خليعة وعيون كالثعلب.
رسلان: "لقد اشتقت لكِ كثيراً."
بيرن: "أخبرني متى سنسافر؟"
رسلان: "قريباً."
توالت الأيام على عطر، كانت كل يوم تخرج تبحث عن عمل دون جدوى.
فقد طفح بها الكيل ويئست، ولكن كان لديها القناعة الكاملة أن ربها هو من سينجيها من هذا كله.
انتهى دواء والدها، فذهبت إلى الصيدلية التي أمام منزلها.
كانت مترددة، محمرة الوجه، محرجة.
لمعت دموع داخل عينيها، ولكنها تمالكت ألا تفر منها دمعة.
فلم تقو على دخولها وذهبت للمنزل.
لكن وجدت والدها في حالة يرثى لها، فهو كالطفل الصغير ولكن بمرض.
فما كان منها إلا أن كتبت ورقة وذهبت إلى الصيدلية.
قرأها الصيدلي ونظر إلى وجهها الذي يشع إحراجاً ولمعان الدموع بعينيها.
الصيدلي بنبرة عادية: "أنا هديكي الدواء، لكن وقت ما يكون معاكي فلوس تجيبيه."
قالت بنبرة ممنونة: "أيوة والله العظيم."
أخذت الدواء بفرحة عارمة وهي تدعو أن يتيسر الحال.
فالصيدلية أمامها وستحرج من الخروج دون أن تقضي دينها.
عطر: "منك لله يا بعيد، أنت كنت فين؟ اللهي تتصك نملة عمية."
أوقفها صوت رجولي بحت وهي تفتح باب منزلها.
فنظرت له، رأت رجلاً في الستين من عمره يرتدي جلباب صعيدي ويمسك عصاه في يده.
"هو انتي صاحبة البيت ده؟ ومتتخضيش، لمؤاخذة نسيت أقولك أنا مين. أنا الحاج عبد القادر وعاوزك في سبوبة."
عطر وقد ارتاحت لكلامه بعض الشيء: "سبوبة إيه لمؤاخذة كدا؟"
عبد القادر ببسمة: "لا، كل خير يا ابنتي. طبعاً انتي عارفة أن الصيدالية قصاد بيتك."
عطر بسرعة: "أيوة، ودي فيها إيه؟ المفروض تكون فوق السطح ولا إيه؟"
عبد القادر: "مش القصد يا بنتي. اسمعيني الله يرضى عنك، أنا عندي الضغط."
عطر مقاطعة له: "وهو أنا جبتلك الضغط ولا إيه؟"
عبد القادر بزهق: "أنا قصدي إن البيت يلزمني ده بعد إذنك."
عطر بسخرية: "نعم، يلزمك؟ وكمان بعد إذني؟ ليه هو علبة مناديل؟"
عبد القادر وقد طفح به الكيل من مقاطعتها لكلامه: "يا بنتي اسمعي للآخر."
عطر: "ولا آخر ولا أول، اتكل على الله يا حاج."
تأفف عبد القادر وقال: "أنا عاوز أأجر منك البيت ده، ونتي شايفة إنه كبير ودورين."
عطر: "ولما تأجر البيت، أقعد أنا في الكرتونة؟"
عبد القادر: "انتي هتبقي زي ما انتي، انتي ووالدك في البيت واحنا هنشطبه. وأنا عارف إن البيت فيه باب خلفي، خليه للخروج ليكي. وإهو تطلعيلك بقرشين ينفعوكي بدل كل يوم بتدوري على شغل."
في تلك المرة لم ترد سريعاً، وفكرت.
يبدو أنها فكرة جيدة، تنقذها أو هدية من ربها.
نظرت للحاج وقبل أن تنطق، قال:
عبد القادر: "تلات آلاف في الشهر، هاه، نقول مبروك؟"
عطر لنفسها: "تلاتة حلوين ويقضونا."
ثم نظرت له وقالت: "طب الإيجار يكون لأسرة متجوزة؟ لاكن عذاب وكده يبقى لا تلاتة ولا مية ألف حتى."
هنا انفجر عبد القادر من الضحك حتى أدمعت عيناه وقال: "يا ستي ولا أسيدك إلا أنا، ده لابني الدكتور فهد. دكتور جراح، فهمتي يعني عيانين. وأنا من فترة كنت عاوز أعرف أصحاب البيت المهجور ده عشان أأجره. ولله الحمد مكنتش متوقع إن صاحبته زي الأطفال. طلعت عيني."
عطر وقد أحست أنه رجل به طيبة العالم كله: "خلاص، أنا موافقة."
عبد القادر بجدية: "خلاص يا بنتي، بعد العصر نكتب العقد وأسلمك شهرين شهر وشهر تأمين."
عطر ببسمة: "خلاص تمام."
عدت الأيام وكان العمل لا ينقطع من تشطيب لسباكة، وصنعوا سلم خلفي خاص بنزولها وخروجها بعيداً عن صالة المرضى وغرف أخرى خاصة.
أما عطر كانت تخرج لتسوق الخضار.
وفي يوم اشتاقت لمنزلها القديم بذكرياته، فذهبت وتخبأت في ركن بعيد تنظر للمنزل بشوق.
حتى رأت ررسلان يقبل أحداهن، فسخطت على فعله قائلة:
"تركي فاجر، عال البيت الطاهر نجسته. منك لله!" وغادرت في الحال.
أما ررسلان فقد رآها فقبل بيرن في الحال حتى لا تضع قدمها هنا مرة أخرى.
بيرن: "رسلان، سوف أسافر غداً."
رسلان ببرود: "حاضر."
بيرن: "أراك سعيد لسفري."
رسلان: "ليس صحيح، بل عقلي مشغول بافتتاح فرع لشركاتي هنا في مصر وسأكون دائم السفر بين إسطنبول ومصر."
بيرن: "ولما كل هذا؟"
رسلان: "أعجبتني الأجواء المصرية."
بيرن: "كما تريد."
انشغل ررسلان بافتتاح فرع لأكبر شركاتها بالصعيد.
مرت الأيام عادية وروتينية.
أما عطر كانت تتصفح الجوال وسمعت صوت صراخ وضجيج.
في الأول تجاهلت، ولكن تعالت الأصوات ولم تحتمل أكثر من هذا.
فدفعها فضولها لترى.
أما بالأسفل، كان يصرخ أحدهم بغضب:
"ده انت دكتور بلطجي!"
عاد فهد: "نهار أمك أسود، انت تقصد مين بكلام أمك ده؟"
ونغزة في صدره.
الرجل: "أقصدك انت، لأ ياك هتخوفني ولا يهتز لي شعرة منك."
فهد: "حسابك تقل يا ابن التييييت."
تدخل أحدهم: "إيه اللي حصل لكل ده؟"
فهد: "الواطي ده عاوز يدخل المرضى بمزاجه."
عيادة أمه هي.
الرجل: "ده انت آخرك دكتووووور عجول، واحنا اللي عملنا لك لازمة."
تقدم منه فهد بغضب، فالرجل بالنسبة له حشرة.
فهو يمتلك طول فارع وعيون بنية حادة وأهداب طويلة وصوت صعيدي حاد.
فهد وهو يخرج كلماته بهدوء: "انت قلت إيه؟ سمعني كدا."
الرجل: "طب اسمع ياطرش، انت دكتور عجول."
فهد: "طب أنا هوريك دكتور العجول هيعمل في خلقتك إيه يا عجلة."
اقترب منه فهد ونطحه في مقدمة رأسه فنزف جبينه.
في تلك اللحظة، لم تتحمل عطر همجيته ونزلت في الحال ساخطة على هذا الدكتور المزعج.
عطر: "انت عملت إيه في الراجل ياحيوان يادكتور الغبرة انت؟"
فهد: "نعمممم، يا أم وحش سمعيني تاني."
رواية التركي والصعيدية الفصل الخامس 5 - بقلم سنسن ضاحي
نظر الجميع لهذا الصوت الأنثوي الغاضب.
صوت تحدٍ لا يقدر عليه أحد.
"امشي يا بت العبي بعيد." قال فهد بنبرة همجية خالصة.
هنا تملك الغيظ عطر وردت: "إيه الهمجية دي؟ انت دكتور ولا بلطجي؟ نهارك أسود، أنا هطلب لك البوليس."
جز فهد على أسنانه. كاد أن يسحقها لوهلة. خافت منه عطر، ولكنها استدعت الشجاعة والتحدي قائلة: "أيوه هجيب لك البوليس والناس دي تشهد."
ثم استعانت بأحدهم قائلة: "مش صح يا حاج؟ الأستاذ اللي عامل نفسه دكتور ضرب الراجل الغلبان ده."
هنا عقد فهد ذراعيه.
قال الرجل: "الصراحة يا بنتي، الراجل هو اللي غلطان. الدكتور فهد في منتهى الذوق والاحترام."
نظرت له بغيظ من نفاقه، ثم وجهت نظرها لفهد. وجدت نظرة الانتصار تنبعث من عينه، كأنه يقول لها: "يا ويلك..."
لم تيأس وصممت على أخذ حق هذا المسكين من هذا الغول، ففي النهاية كل شيء في بيتها وستحاسب على ذلك كله.
نظرت للمجني عليه بعيون حزينة على حاله.
"إيه رأيك؟ أنا صاحبة البيت وهشهد معاك إنه اعتدى عليك، متخافش، إحنا مش في غابة وحقك هيرجع لك." قالت عطر.
قال الرجل: "لأ خلاص، حصل خير والدكتور فهد حبيبي، حبيبي ومتدخلش بينا."
أصدر سحرية ضحكة شامته ودخل في نوبة ضحك وشاركه الجميع. تمالك ضحكه رويدًا وقال: "وهنا ينطبق المثل اللي بيقول: من تدخل فيما لا يعنيه..."
أكمل الرجل: "يسمع ما لا يرضيه."
ثم أكمل ضحكه ناظرًا لها بسخرية.
لم تحتمل عطر أكثر من هذا وخلعت حذائها، ضاربة به المجني عليه في غيظ منه.
أما في قسم الشرطة.
"افتح يبني المحضر." قال الضابط.
"والله يا باشا ده هو شبشب واحد بس." قالت عطر.
قال الضابط بنبرة مذهولة: "وكمان بتعترفي؟"
"كله ده بسبب دكتور الغبرة." قالت عطر.
"ألفاظك يا آنسة، إنتِ إزاي تعتدي على حمدان الدقش؟" قال الضابط.
"قصت له ما حدث."
"برضه، أقنعيني. الدكتور من الأول مسامح ليكي؟ هو وواحد إيه اللي يدخلك؟" قال الضابط.
"كنت عايزة آخد له حقه، كنت بدافع عنه." قالت عطر.
نظر الضابط لعقليتها الصغيرة، ولكنها جانية. للحظة عطف عليها، ولكن عاد لسابق عهده، فهو شرطي ولا مجال للعاطفة.
"بصي، للأسف أنا هضطر أحجزك للصبح." قال الضابط.
هزت عطر بدموع مشاعره: "لأ بالله عليك، أنا والدي تعبان، مقدرش أسيبه."
هزته مشاعره، فهو في النهاية إنسان. ولكن ليس لهذه الدرجة، لما يستثنيها هي؟ فقد ورد عليه أكثر من هذا، ولكنه رأى في عينيها الضعف والبراءة.
"بصي، أنا اسمي زين. إنتِ هتمشي دلوقتي، ولكن الصبح تيجي وأنا هحاول أخلي الدقش يتنازل. ماشي يا عطر؟"
قالت عطر بنبرة ممتنة: "أنا متشكرة جداً لحضرتك."
نظر الضابط زين مركزًا على أدق تفاصيل وجهها.
"اتفضلي يا عطر."
دخلت غرفتها بعد ما أعطت والدها الدواء وجلست في حيرة. لما كل هذا التقلب في حياتها؟ أهي غير الناس أم الناس غيره؟ من الأصح؟ من الأفضل؟ أهي على صواب أم خطأ؟
كانت الساعة تشير إلى الثامنة. أجل، الوقت ليس متأخر. أقنعت نفسها بالنوم، ولكن بالنهاية هي ليست دجاجة. فتحت التلفاز، وجدت كل شيء بالنسبة لها مألوف.
لمسكت هاتفها، وجدت طلب صداقة من زين المنصوري. استغربت حينما وجدته من الضابط زين نفسه. أليس هذا غريباً؟
أما في القسم عند زين، استغرب نفسه. هو الذي لا يفتح مواقع التواصل إلا نادراً. كيف جاءته الجرأة؟ ولأول مرة في حياته يجد نفسه على غير عادته.
أما رسلان، كان شغله الشاغل إثبات نفسه على الأراضي المصرية. رغم أنه من أصغر رجال الأعمال، لكنه حقق إنجازات رائعة ولم يكتفِ بهذا فقط، بل كان في توسع مستمر. الشغل فقط هو رقم واحد في حياته، بل محور حياته.
جلس على الأريكة بإنهاك بالغ. مسح على وجهه من التعب. حياته عمل فقط. لوهلة تذكرها وابتسم. حينما أتت لتتجسس على منزلها، راوده شعور الانتصار والانتقام. بعثر في شعره بعشوائية، فهو انتصر وانتقم. يعلم أنها أجرت جزءاً من منزلها. كان يعلم من الأساس أنها لديها منزل لأم والدتها، بعد أن قرر أن يسلب هو أيضاً منها عنوة. شيء بداخله أجبره أن يتراجع عن هذا. ولكنه علم للتو أنها كانت في قسم شرطة.
ابتسم في نفسه حينما أخبره الرجل أنها كانت تدافع عن أحدهم. توسعت الابتسامة أكثر، فصار وجهه قمر مبتهج في ليلة اكتماله. حينما تذكر أنها ضربت الرجل بالنهاية، يبدو أنها طفلة رقيقة وهذا ليس عالمها. استغرب نفسه من متابعة أخبارها أول بأول. كان على وشك أن يبعث أحدهم لإخراجها من قسم الشرطة، لكنه نفض أفكاره العاطفية التي ستقوده حتماً إلى الهلاك. ونصح نفسه بالتخلص من متابعتها نهائياً، ولكن أوهم نفسه أنها قريبة فقط.
أما عطر، فلم تقبل طلب الصداقة وهمت أن تنام. ولكن هناك صوت صراخ أنثوي ونحيب بالأسفل. راق نومها. تقلبت على الفراش، ولكن الصوت في ازدياد. ظل يراودها الفضول وهي تتمانع، وبالآخر حدفت الغطاء بعيداً قائلة:
"هي بصة صغننة، أما أشوف دكتور الغبرة بيعمل إيه تاني. يا ساتر عليه، سفاح."
أما بالأسفل، فكانت امرأة تلطم على صدرها. يقسم من يراها أن قلبها انخلع.
نزلت عطر بهدوء.
"فيه إيه؟"
لا رد من أحد، وكأنها لم تقل شيئاً. ولكن قالت لها امرأة في الخمسين من عمرها، ليست تابعة للمرأة التي تلطم.
قالت المرأة بصوت خفيض: "ابنها يا ولداه، انضرب بالنار."
ثم بنظرة مشفقة، قالت: "ودي أمه وأبوه وعيلته مش راضيين يدخلوا أي حد العيادة إلا لما يطمنوا على ابنهم ده. لولا أنا جايه قبليهم، كان زماني مدخلتش أغير على جرح إيدي."
أما عطر، تأثرت كثيراً وهي تنظر للمرأة.
صاحت المرأة بحدة: "ضربوك يا ولدي؟ كانوا عايزين يموتوك."
نهرها زوجها بعنف قائلاً: "بتقولي إيه يا ولية؟ يمين تلاتة لو ما خرصتيش، هطلقك. حرمة عفشة صحيح."
أما في الداخل، فالأمور على ما يرام. ففهد دكتور بارع. رغم أنه سريع الغضب، لكن يده تتلف في حرير. استطاع فهد بحرفته وتأنيه استخراج الرصاصة، وطهر وعقم الجرح، وترك المريض تحت تأثير البنج، وخرج ليطمئن أهله وزويه. ففتح الباب، ووجد جمعاً من الرجال.
تكلم أبيه في لهفة: "ط... طمني يا دكتور."
قال فهد بنبرة مطمئنة: "تمام يا جماعة، كل شيء على ما يرام. بس هو مش هيقدر يحرك كتفه زي الأول بصراحة، لأن الرصاصة جت في مكان حساس."
أما بصراخ، وكأنها القشة التي قصمت ظهر البعير. صرخت بهياج. فتقدمت منها عطر في رفق بحالها لتصبرها. ولكن المرأة أطاحتها بعنف شديد، فوقعت في الأرض بمنتهى القسوة.
في تلك اللحظة، دخل زين للتحقيق في الواقعة، ولكنه شاهد همجية المرأة ووقوع عطر بقسوة. فتقدم من المرأة بغضب شديد.
"وديني لحبسك، ونهاررررك أسود معايا."
رواية التركي والصعيدية الفصل السادس 6 - بقلم سنسن ضاحي
تخطى زين الجميع ومال بجسده إلى عطر محدثها بنبرة رقيقة وحنونة بها لطف الكون أجمع.
"حقك عليا يا آنسة، ايدك عشان أقومك."
أما عطر فسندت نفسها رافضة أي شفقة عليها، ورغم أنه لم يكن شفقة على الإطلاق.
قامت بإحراج ولمعت الدموع بعينيها.
نظر لها زين فرأى دموعها لؤلؤ مكنون.
ثم وجه نظراته لتلك العجوز، لكن تبدلت إلى شراسة وهو يسألها في سخط.
"إنتي حيوانة، إزاي تعملي كدا؟ نهارك أسود معايا!"
وهنا تدخل زوجها بلين ونبرة متأسفة مصطنعة.
"حقك عليا يا بيه."
ثم وجه نظرة غضب لزوجته وعاد ليقول مبرراً:
"متقصدش، ابنها في حالة يعلم بها ربنا، فحقق علينا."
وتقدم من عطر معتذراً.
"خلاص حصل خير."
قاطعها زين:
"لأ، لازم تتعاقب."
عطر بنبرة هادئة وطيبة:
"لأ، خلاص يا حضرة الضابط، حصل خير."
فما كان منه إلا السكوت مرغماً، ولكن ظلت نظرته كما هي.
أما فهد، كان ينظر جيداً إلى زين، يبدو أن الأمر أكبر من شفقة بها، فهو رجل ولا يخفى عليه شيء أي كان.
أما زين، وجه نظره إلى الطبيب ليسأله بهدوء.
"ها، إيه أخبار الحالة؟"
فهد بنبرة عادية:
"كويسة، مع بعض التغييرات."
زين بمهنية:
"أقدر أشوف المريض وآخد أقواله؟"
فهد:
"لأ طبعاً، مش قبل اتناشر ساعة يعني."
زين وجه نظره لوالده وفتح التحقيق.
"وإنت يا حاج، بتشك في مين بالضبط؟"
وكعادة قديمة متوارثة لأجيال، الحق باليد وليس للقانون في عرف الثأر.
"فرمان أو أمر... ابني كان بينضف سلاحه يا بيه!"
هنا تدخل فهد بنبرة ضاحكة.
"بينضف سلاحه والرصاصة تيجي في كتفه؟ طب اسبكها شوية وقول كلام معقول."
نظر له الرجل بغيظ، فبادله فهد نظرة غضب، فهو دكتور ليس بالهين، وشخصيته تقول الحق ولو على حد السيف، فهو لا يخشى أحد إطلاقاً.
زين بغضب:
"هاه يا حاج، إيه رأيك في كلام الدكتور، وبلاش بقى اسطوانة منعرفش ماخبرش، بينضف سلاحه عشان بقت اسطوانة بايخة خالص، وقولي المفيد، مين اللي طخ نار على ابنك؟ مين عدو ليكم؟ هاه؟ قول، سامعك أهو!"
تدخل رجلاً آخر من العائلة.
"زي ما بيقولك كدا، هو احنا يعني نكره ناخد حقنا."
زين ناظراً له بسخط:
"وهو حد قالك تدخل في الكلام؟"
"هاه، قولي بقى يا حاج، خلينا نخلص من أم اليوم ده، متكفروناش."
الرجل بصمود:
"معنديش كلام أقوله يا بيه، إيه أقول حاجة محصلتش، أتهم حد باطل يعني؟"
زين بملل:
"قفل يابني التحقيق، بيلنا مش هنخلص."
ثم وجه نظره لفهد قائلاً:
"خلاص يا دكتور، بكرة أقدر أفتح التحقيق معاه."
فهد بهدوء:
"مفيش مانع."
قرر زين الذهاب، ولكن عيونه كانت تجول في كل مكان.
وفهد أيضاً كان مركز معه لأقصى حد، ولكن عندما أحس بغيابها غادر في صمت.
وقفت قبالت شباك غرفتها ساهمة في الخيال، وكأنها في دنيا أو عالم بعيد عن الدنيا.
هي التي كانت تظن أن حياتها حلوة خضرة مبهجة وستظل هكذا.
تذكرت حنان وطيبة جدها، تذكرت بسمة والدتها، ففرت الدموع من عيونها.
وعند تذكرها لوالدتها، وضعت يدها على رقبتها تتحسس مكان قلادة والدتها التي أهدتها إياها في عيد ميلادها الثامن.
تفاجأت حين لم تجدها.
صعقت في ذهول، فهي ذكرى تعتز بها جداً.
"يالهوي، ده أنا طول عمري لبساها، أكيد نسيتها في البيت الكبير، ومع كل اللي حصلي مخدتش بالي إني لبساها، دي عزيزة عليا جوي، أنا لازم أروح أجيبها، أيوه هروح أجيبها، مع إن الوقت متأخر بس!"
"لأ، خلاص، بكرة بعد ما أطلع من القسم أبقى أروح أجيبها."
جاء الصباح، وكانت عطر قد أنهت مهامها من تنظيف وترتيب والاطمئنان على والدها.
وبعد ذلك قررت الذهاب إلى القسم لإنهاء الإجراءات.
تقابلها فهد وهي خارجة.
فهد أردف بتلميح:
"خدى بالك من نفسك وإنتي في القسم يا قطة."
ثم غمز بعينه.
عطر بزهق:
"أنا مش عارفة الجو بقى خنقة ليه!"
فهد بضحكة مستفزة:
"يمكن منخيرك تعباكي، معنديش مانع أكشف لك ببلاش!"
عطر بنفور:
"مش ملاحظ انت اللي مناخيرك كبيرة ومحشورة في اللي ملهاش فيه."
فهد بغضب:
"أخدتي عليا قوووي!"
عطر بزهق:
"ياخدك ربنا يا شيخ."
وتركته وذهبت.
فوقف ينظر لها وقرر شيئاً.
ما بداخل القسم، كان يقف رجل منظره يدل على إجرامه، يقف بعيون حمراء أمام زين الذي ينظر لساعته كل حين.
في وقت قليل.
زين بنبرة مهنية جادة:
"ها يادهشان، أنا معاك للصبح، مين اللي سلطك على قتل ابن وردان؟"
دهشان بصوت خشن كوجهه:
"محدش جنابك."
مسح زين وجهه بزهق، فهو على هذا الحال من ساعتين من المماطلة.
زين بزهق:
"أنا معنديش مانع إنك تفضل على البقين دول، بس إيه رأيك أستخدم معاك أسلوب زفت يخليك تعترف غصب عنك؟ هاه، إيه رأيك يا دهشان؟ وعلى فكرة اعترافك هيفيدك."
دهشان وكأنه لم يسمع شيئاً من حديثه، نظر له نظرة كأنه يقول: "لا تتعب نفسك."
وقبل أن يرد دهشان، طرق العسكري الباب، فبلهفة قال زين:
"ادخل."
العسكري:
"البت بتا..."
لم يكمل جملته، قطعه في الحديث قائلاً:
"ادخلها."
ثم وجه نظره لعساكره:
"خدوه في زنزانة لوحده وامنعوا عنه أي تواصل."
ما عطر، دخلت على استحياء.
قابلها وجه دهشان الذي نظر لها بتركيز، فلمعت عيناه.
توجه لزين بعيون لامعة وابتسامة واسعة قال بترحيب:
"اتفضلي يا آنسة عطر."
عطر بهدوء:
"متشكره."
زين بنبرة لهفة:
"تشربي إيه؟!"
عطر بنفس نبرتها:
"لأ، متشكره."
زين وقد ركز على ملامحها ووضعها تحت مجهر عيناه.
أما هي، كانت تنظر لأسفل، ليس من خجلها، فهي لم تنظر له من الأساس، وهذا أفضل، فلو نظرت له لنصهرت خجلاً.
قطع زين الصمت قائلاً:
"أنا خلاص قفلت المحضر، والدقش اتنازل كمان!"
نظرت له بنظرة ممنونة ووجه مبتسم:
"أنا متشكره ليك حدا يا حضرة الضابط، ودلوقتي أقدر أمشي؟"
زين بحزن لأن حاله بوجودها كانه بداخل الجنة، قال لها بنبرة لطيفة:
"آه، تقدري تتفضلي."
ثم أخرج كارت من جيبه قائلاً:
"وده كارت فيه كل أرقامي، في أي وقت تحتاجي أي حاجة، فورا تكلميني بدون أي تردد!!"
أخذته منه بهدوء وقامت بهدوء، وكادت تفتح الباب، فأتتها صوته اللطيف قائلاً:
"آنسة عطر، أتمنى إنك تقبلي طلب الصداقة."
أومأت له بهدوء وخرجت.
في طريقها، كانت تفكر لما حياتها انقلبت هكذا، لما تغيرت وتبدلت، أصبحت هي غير المتحكمة بها، وكأنها دمية يحركها أي شخص غيرها.
أصبحت بائسة كثيراً.
اقتربت من المنزل وهي تحدث نفسها بأنه سيكون في عمله.
أخذت نفس طويل حينما تذكرت تلك الليلة البائسة.
تذكرت أنها لا تذكر أي شيء فعله، ولكنها متأكدة أنه عديم الضمير.
اقتربت وتثاقلت أقدامها.
دخلت من باب الجنينة.
أخبرها أحد الخدم:
"للأسف يا ست عطر، مش هقدر أدخلك، ورسلان باشا مش هنا!"
عطر بغضب:
"إنت اتجننت؟ ده بيتي، أوعى كدا، ثم إني نسيت حاجة هنا، هاخدها وهمشي."
أزاحته من طريقها بغضب ودخلت وصعدت سريعاً الدرج ودخلت غرفتها بشوق تتأمل المكان الذي كان ملاذها.
شيء أخذ منها عنوة.
اقتربت من خزينة ملابسها ففتحتها واشتمت عبير ملابسها وعطره الرقيق.
دفنت قبضتها الرقيقة بين الملابس، فأخرجت القلادة واحتضنتها كأنها رفيق لها.
سمعت لغة لم تفهمها، ففهمت من هو رسلان باللكنة التركية.
"مرحباً بوجودك مجدداً!!"
ثم تكلم بالمصري وكأنه من بولاق:
"يا هلابالآنسة عطر، إيه اللي جابك هنا يابت؟!"
رواية التركي والصعيدية الفصل السابع 7 - بقلم سنسن ضاحي
تسللت قدماه في تسلل من بداية خروجه. تبعتها بعيون الأسد المتربص. حينما خرجت من قسم الشرطة، ظنت أنها ستغير مصير طريقها عائدة إلى منزلها، ولكن مهلاً، فهي تسلك طريقاً آخر. إلى أين ياترى؟
تسللت خطواته خلفها بريبة من أن تراه، ولكنّه شاهدها تسلك طريقاً آخر. تبعها. فهد.. بمغامرة، ترى إلى أين تذهب؟
وجدها تدخل بيتاً كالقصر شاهق الارتفاع، منمق بعناية، كلاسيكي بحت.
"أردف بحيره..... راحة فين بنت المجنونه دي؟"
ثوانٍ من الوقت وقد فهم حينما شاهد رجلاً ملامحه ليست مصرية ولا عربية يترجل من سيارته. شاب تخطى الثلاثين إلا قليلاً. أومأ فهد رأسه بتفهم، وغيره وتصرف غريب حينما رآه يدخل خلفها.
أما هي، فتسمّرت قدماها، ثم رفض عقلها استيعاب فكرة وجوده، لكن أكدتها حواسها وعيونها حينما رأته يطلق لفظاً شتت الأوعي لديها.
"ايه مقدرتيش تستغني عن وجودي في حياتي يا عطر هانم؟"
نظرت له نظرات تحمل الشر والغيظ.
"لا جيت آخد حاجة تخصني، ولا آسف حظي الأسود خلاني أشوف أكتر واحد بكرهه في حياتي."
اغتاظ منها وأطلق سباباً بالتركي.
حمداً لله أنها لا تفهم التركية، ولكنه استدعى البرود ورد قائلاً: "جيتي هنا؟" ثم أخذ ما بيدها عنوة، قائلاً: "وهطلبلك البوليس بتهمة السرقة، والدليل بإيدي."
نظرت له نظرات تعكس مدى قوة شخصيتها.
"اللي عاجبك اعمله، وأعلى ما في خيلك اركبه. وروح اشتكي البنت لأبوها."
ارتفعت صوت ضحكاته الساخرة وهو يحرك القلادة في يده في حركة مرتبة. أخفض ضحكه رويداً وأردف: "عظيم جداً، يبقى نلجأ للأسلوب القديم. التشهير بصورك. إيه رأيك؟"
لحظة غيرت ملامح وجهها من القوة لمنتهى الضعف. وحاولت استرداد قوتها ولو حتى بالكذب، ولكن ضعفها أكبر من قوتها. نطقت بصوت مبحوح مترجية:
"أستاذ رسلان، أوعى تنسى إن ربنا موجود، وأنا والله جيت آخد سلسلة أمي مش أكتر. دي ذكرى مني."
أردف مقاطعاً لها: "حتى دي متخصكيش."
عطر بضعف غلب عليه الترجّي: "بس دي تخص أمي."
نطق ببرود: "ولو في قصري تبقى ملكي، حتى لو مش بتاعتي، زيك زي ما انتي هتكوني بتاعتي حالا وهتجوزك."
ثم وجه أنظاره لها بتحدٍ، فظهرت القوة على وجهها وقليل من الشجاعة انبثقت في روحها، فأردفت قائلة:
"ده لما تشوف حلمت ودنك، لما عيونك تشوف قفاك."
فهم ما يتفوه به، واستغرب ما يطرحه لسانه من كلمات، فرد قائلاً بالتركية: "كل شيء أطلبه يكون لي، حتى أنتِ لي. مهما تفعلين عن يدي لن أتركك."
فهم تفوهه، لكنها فتحت باب غرفتها وهمت بالمغادرة، ولكن يده كانت الأقوى. جذبها عنوة، فنظرت بغضب وارتفعت صرخاتها وكادت تندفع إلى الجنون. حاول كتم صوتها، ولكنها غرست أسنانها بتوحش في كفه، وألّمته كثيراً.
تحركت بسرعة البرق وخرجت من ذاك الوقع الذي طبّق على أنفاسها. أسرعت، وما شاء الله أن تسرع. كان يقف في ريبة حينما سمع صراخها بالخارج. همّ أن يتقدم، فوجد ما صعقه. رآها تخرج مسرعة، حالها مبعثر كثيراً، حجابها فيضوى. عقد حاجبيه في استفهام وأردف: "هو فيه إيه بالظبط؟"
تحرك خلفها خشية أن يصيبها مكروه. أخذ ينادي عليها بصوت مرتفع، ولكنها كانت تسرع مرعوبة، وكان أذنها قد صمت.
فهد بحيرة: "لأ، أنا مش هتحرك إلا لما أشوف أم الليلة دي إيه."
دفعه فضوله وتحرك بثبات ناحية المنزل، فقابله الحارس.
الحارس بنبرة مستفهمة تحمل الروتينية: "أفندم، أي خدمة؟"
ملس فهد على شعره الأسود الناعم وأردف مجيباً لسؤاله: "أيوه، عاوز أقابل صاحب المخربة دي."
الحارس بسخط: "انت بتقول إيه يا جدع انت؟ مخربة على دماغك انت واللي خلفوك."
وياليته لم يقل شيئاً، فهو لا يعلم مع من يتحدث. شخص يتعصب من أتفه الأشياء. انقض عليه، وكادت تشتعل النار في الهشيم، ولكنّه توقف عندما سمع صوتاً يتكلم بالتركية:
"من أنت؟ ماذا تفعل هنا؟ وكيف تتجرأ على حارسي؟"
حك أنفه في حركة روتينية وأردف: "أنا الدكتور فهد. وأفعل إيه هنا؟ جاي أفهم إيه اللي كان بيحصل مع الآنسة عطر من شوية."
"واعتديت على حارسك ليه؟"
"أنا لسه معتدتش، بس معنديش مانع أعرفه مين أنا. ويا ريت تتكلم عربي، لإني متأكد إنك بتعرف تتكلمه، وبلاش عقدة الخواجة دي."
تمتم رسلان ودار حول فهد. يبدو أنه يهمه الأمر، فلا مانع أن يتلاعب في عدادات عاطفته وشعوره، خاصة حينما رأى أنه شخص عصبي تدفعه مشاعره.
حينما لاحظ فهد صمته، قرر أن يقطعه قائلاً:
"مديت إيدك عليها صح؟ انطق بقى، الرجولة إنك تمد إيدك على واحدة ست."
تداعى رسلان البراءة وقناع ليس له بالمرة: "انت مش فاهم حاجة يا دكتور. دي بنت نصابة، وكانت بتلف عليا بقالها فترة عشان أتجوزها، ولما رفضت جت تسرقني، والحارس كلمني وقال إنها اقتحمت القصر. ده كل الموضوع."
اقتنع فهد إلى حد كبير، خاصة أنها من دخلت المنزل بالأول. وهنا وضحت الأمور حينما تذكر نظرات الضابط زين لها وتعلقه برؤياها قبل أن يذهب. لقد انخدع في مظهرها اللطيف وبراءة شخصيتها. احتسبها شخص لطيف.
تفاجأ وصعق حينما أردف رسلان قائلاً: "تسليت معها بعض الوقت. كانت هي فرحة بهذا كثيراً، وبالأخص المال الذي أغدقته بها بسخاء. ولكن مللت منها مبكراً. كانت بالنسبة لي بتول رائعة، ولكن الآن زهدت منها وسئمت."
الزهول والغضب تملكه. انعقد لسانه وضاق صدره. أيعقل؟ ليست بتول، بل زهرة تدنست في الوحل برضاها.
نظر له رسلان مؤكداً حديثه. لم يتفوه فهد ولو بكلمة، ولكن خرج بذهول وعقله يؤكد له: ترى لما خرجت من القسم سريعاً؟ لما كل هذا الاهتمام والانتماء من الضابط لها؟ أحقاً لأنها وطن يحتضن الجميع؟ أحقاً لأنها الوطن لهم الذي يضم جميع جنسياتهم؟
تحرك ولأم نفسه. ما شاء الله أن يلوم. لعن قلبه وتفكيره بها. لعن أرق نومه، لعن نفسه، لعن كل شيء. لعنها ولعن رمانة قلبها.
عزيزي، أنت على خطأ، فالشيطان لديهم مائة وجه، يمكنه أن يخرجك من الجنة.
أما عطر، فرمت في حضن والدها وانفجرت في بكاء مرير. أصبحت الدمعة الآن رفيقتها السوداء. أتاها يقين أن تقوم وتركع بين يدي ربها، فهو منجيها. لا تيأس بعد الآن. قرأت من القرآن ما وقع تحت عينيها، وجلست تفكر كيف السبيل للخلاص من هذا المأزق.
أما في الصباح، جلس رسلان يفكر في الخطوة القادمة.
"أنا شايف إن كفاية عليكِ كده يا حلوة."
أما عطر، قررت أن تخبر الضابط زين بكل شيء. قررت أن تخبره بالوضع برمته. نزلت الدرج، ولكن صوت تعرفه جيداً أوقفه، وليس هذا فقط، بل غير ملامحها للأسوأ.
أردف فهد بنبرة سخرية تحمل الغيرة والغضب:
"إيه شغل الصبح كده؟ زبون جديد ده يا آنسة عطر؟ مش جارك أولى يا شيخة عطر، ولا عشان مهندس دكتور مفلس وكحيان؟" ثم تحولت نظرته لغضب شديد ومنتهى الغيرة والنفور: "فقير بس دكتور وحليوه برضه، ويقدر يحميكِ. بس للأسف ميقدرش يتجوز واحدة قلبها زي الرمانة ومقضياها مع كل واحد شوية. أشي ضابط، أشي تركي، سوقية ومنحلة."
نظرت له بغضب وقررت ما فعلته به سابقاً، مع اختلاف الأسباب.
رواية التركي والصعيدية الفصل الثامن 8 - بقلم سنسن ضاحي
تحسس موضع الصفعة وبدا أكثر شراسة من ذي قبل، أما هي فتملكها الخوف من نظراته الشرسة، ولكن بالنهاية هذا الوغد يستحق هذا وبجدارة، أجل طمأنت نفسها بحديثها مشجعة روحها، أكملت مردفة:
..... أنت تستحق كدا وأكتر كمان.
نظر لها في سخط بنظرات شرسة لا ترحم ونطق بطريقة مبتذلة:
..... أإييه ده! هو عشان أنا راجل وابن راجل وأنتِ عارفة إني مش هُمُد إيدي عليكي سِقِتِ فيها؟ يا حلاوتها! بس أنتِ متعرفيش فهد العُوي.
تجمع كثير من الناس والتفوا حول هذا الصوت الساخط الغاضب، قال أحد المتجمعين:
..... ده الدكتور والبت إياها، يا عم تعالى نشوف.
انتفض جسدها في ريبة وإحراج من أمرها، فالمصائب أصبحت تصطادها يوم تلو الآخر، لم تفق من ما فعله بها هذا الشنيع قريبها، عرفت وتأكدت الآن أنه لا يمكن إصلاح حظها مرة أخرى.
أما فهد، نظر للجميع بغضب حينما شاهد نظرة الترجّي التي تجتاح عيونها طالبة منه الستر في شيء لم تفعله.
كاد قلبه أن يرق لها، ولاكن تذكر هي من تكون، يجب عليه أن يفضحها ويلوث سمعتها، فتح فمه ليتفوه بما لا يرضي ربه في حقها، لاكنه من يكون ليلوث سمعتها، بالنهاية هذا بينها وبين خالقها.
نظر للجميع بغضب جامح وأردف في غيظ:
..... إإييه ياخويا أنت وهو؟ فرح أمكم ولا إيه؟ تموتوا في الفرجة؟ أنا وهي بنتخانق على الإيجار، يلا يخويا هش يا با، كله على عشة. جاتكم البلا، ناس رزلة صحيح. عاوزين جنازة تشبعوا فيها لطم.
ثم رفع صوته مجدداً:
..... يلااااااا!
نظر لها بغضب مجدداً:
..... كوني مقلتش لحد عشان أخلاقي كدا.
نظرت بانكسار:
..... ولأني مش كدا.
أردف بنبرة هادئة تحمل في طياتها الشراسة:
..... مبقاش ده يهمني.
أردفت بضيق:
..... وأنا مقلتش يهمك، ولا عاوزاه يهمك، ولا عاوزة أتحاسب عليك، بس كفاية ربنا شايف أنا إيه.
أردف بغيظ:
..... وكمان ممثلة؟ برافو عليكي، تستاهلي الأوسكار، أنتِ اكتشاف يا بت.
عادت إلى الداخل مجدداً، إلى الداخل، تحلت بالقوة، فهي ليست هشة للانكسار، بل اتخذت القوة شعاراً لها.
أوقفها صوته الساخر، فاهتز كتفها بارتعاش لكلماته الكاذبة المسمومة.
..... لأ مؤاخذة بقى يا آنسة عطر، عطلنا عليكي شغلك. المهم.
ثم أطلق ضحكة ساخرة، ولكنها حملت قليل من القهر.
لم تأبه لحديثه وافتراءته، يكفي هذا القدر من المشاكسة والظلم، وكان لتلك الصغيرة اكتفت بهذا، فصعدت بهدوء.
أما هو، وقف في ثبات، وكان قلبه يخبره أنها بريئة، فكل إنسان يظهر عليه طبعه، وهي لا يظهر عليها هذا، أقنع روحه المتناقضة أنها تجيد التمثيل فقط.
يجلس بحيرة من أمره، متردد، لا يركز حتى في عمله.
اشتاق لتلك الحورية الصغيرة، اشتاق لكنة صوتها الصعيدي الحاد، اشتاق لهدوء نبرتها، اشتاق لكل شيء يخصها.
قرر اختلاق أي حجة لمقابلتها مرة أخرى.
أخذ يقطم في أظافره في حركة تردد.
تذكر حينما سخط وغضب بسبب نقله للصعيد، لعن الحظ ولعن من نقله أيضاً، فهو الذي اعتاد على عيشته ما بين عمله والخروج، فهو من المحروسة القاهرة، حيث لا ليل، حيث حياة الصخب والفرح والبهجة.
لكنه الآن، كانه وقع في جنة الله على الأرض.
استغرب أصدقاؤه حاله حينما يحدثهم ويمدح في الصعيد بشدة، جعلتهم يستغربون أحواله الآن عكس ما كان.
أما بالجهة الأخرى، جلس على كرسيه، شمر كميصه إلى ما بعد كوعه وفتح زر بدلته الكحلية.
فكر بهدوء وروية، نظراته الهادئة دلت على تفكيره.
يكفي هذا على تلك الصغيرة البائسة، فلما يعاقبها؟ هي تذكر حينما رآها أول مرة، ياللهي على كمية اللطافة التي أحسها تجاهها، ولكنه سيطر على مشاعره التي يتحكم بها بسهولة، تذكر مأساة والدته.
هو لا يحبها ولا يطيق النظر لها، إنها مجرد استلطاف فقط ليس إلا، أوهم نفسه بهذا، ويجب عليه أن يسافر، فهذه ليست أرضه، مع أنه يذكر نفسه دائمًا أنه مصري عربي ويحب بلده.
لكنه قرر قطع الأمر قبل أن يبدأ، قرر أن يسافر، أجل هذا قراره الأخير، يجب عليه قطع الأمر وإنهاء شيء علم بداخله أنه في بدايته.
مرت الأيام عليها بهدوء، ولأول مرة ترى أن في اعتزال الناس راحة لها، أصبحت انطوائية، لا ترغب في مقابلة أحد، شعرت باليتم، أجل، فوجود جدها في حياتها عوضها كثيراً.
تذكرت فرحتها السابقة، كم حسدت نفسها كثيراً على ما كانت عليه.
مرت أيامه روتينية بحتة، كانت لا تخرج إلا قليلاً.
كان يترقب خروجها، كم ود الاعتذار لها، لكن حينما يتذكر من هي وما هو ماضيها، يلعن نفسه ويسبها في سره.
يقنع نفسه دائماً أنها خبيثة وتجيد التمثيل لتخبئ حقيقتها النكرة الشائنة، ولكن لم كل الاهتمام بها؟ لما تشغل جزء كبير من تفكيره؟ تدرب كثيراً لينتشلها من تفكيره، ولكن بالخير غلب عليه أمره.
يعلم فهد جيداً شعوره نحوها، وهذا ما أراق نفسه وجعله غاضباً طوال الوقت.
ود لو يستطيع أن يواد مشاعره، ود لو ينهي ماضيها، بل ينهي حياتها بالمرة، وهذا أفضل له، لاكن سأل نفسه سؤال أفاقه:
..... من هو ليحاكمها؟
خجل من نفسه، فهو يعلم الإجابة المحقة والحقيقة، بل وحقيقتها، فهي ليست الشخص الجيد والمناسب له بل ولغيره!
تدهور حال والدها كثيراً وأصبحت في ريبة من هذا، فلم يجدي الدواء نفعاً، عرضتها على أكثر من طبيب.
كل ما عليهم فعله أن يكتبوا دواء يفوق ثمنه قدرتها.
عرض عليها فهد المساعدة، ولكنها رفضتها بشدة.
سمع صراخها بعد أذان المغرب، فأباح لنفسه مساعدتها، ترك مرضاه وصعد، وجدها منكفئة على صدر والدها تبكي بشدة.
فهد بنبرة حزن:
..... البقاء لله.
كانت تعلم أنه توفى، لكن غلبها أمرها.
صعد حشد من الناس لمواساتها.
تمت مراسم العزاء، أصبحت الآن وحيدة بلا أهل.
انشق قلبه لحزنها، أصبحت لا تخرج.
أردف فهد بأسى:
..... وبعدين بقى البت دي؟ الدنيا ظالمها وش كدا.
أما زين، لم يترك العزاء إلى حينما انتهى كل شيء.
مرت الأيام ببطء، سافر رسلان وأصبحت أيامه مملة، ولاحظ والده تبدل أحواله وتغيرها كثيراً.
أهلك نفسه في عمله وتابع أعماله في مصر عبر إيميله الخاص.
علم بوفاة والدها، أجل، لا يهمه وفاته، ولاكن الأغرب أنه لم يفرح بهذا.
انشغل فقط بدوامة تفكيره عن حالها.
ألم يكفِ عليها هذا؟ بل يكفي، يكفي.
أردف محدثاً ذاته بالتركي:
..... إلى هنا يكفي، أجل، كل شيء انتهى.
اعتزلت الجميع مجدداً، أهملت كثيراً صحتها، لم ترَ بشرياً بعد اليوم، فالجميع سبب تعاستها، وهذا صحيح.
أما فهد، كان قرر أن يرسل لها طفلة جميلة بنت أخاه في الثامنة من عمرها، ضغط على أخاه وزوجته لأخذها معه بعد أن استعطفهم أنها ستؤنس تلك المسكينة البائسة، خاصة أن شمس طفلة خفيفة الظل.
سمعت طرقات صغيرة وصوت طفولي عذب.
شمس ببراءة:
..... افتحي الباب يا أبلة.
استغربت الصوت، ولاكن على أي حال قامت فتحت الباب، تفاجأت بطفلة كتلة من اللطافة.
شمس ببراءة ولطافة:
..... إيه كل دا؟ أنا جيت أقعد معاكي، الله! أنتِ قمورة أوي زي ما إنكل فهد بيقولي بالظبط.
ظهرت شبه ابتسامة رائعة على وجهها، فردفت الصغيرة قائلة:
..... الله! ضحكتك جميلة أوي يا طنط، ممكن أقولك كدا؟
عطر بابتسامة رائعة:
..... ممكن أكيد، بقولك إيه تعالي نعمل كيك، إيه رأيك؟
شمس بفرحة:
..... الله! بحبها أوي، يلا.
رائحة زكية اخترقت أنفه هو والمرضى، رائحة الفانيليا، ما أروعها، ابتسم لنفسه قائلاً:
..... آه يا بت يا محظوظة يا شمس، ياريتني مكانك، هايصة يا بت الإيه.
ترى هل تستمر اللحظات الحلوة أم للأقدار ميعاد يتجدد؟
رواية التركي والصعيدية الفصل التاسع 9 - بقلم سنسن ضاحي
غيرت اللطيفة التي دخلت حياتها الفرحة والبهجة إلى قلبها من جديد.
هي بطبيعتها طفلة لا تحمل في قلبها الضغينة لأي شيء كان، لكنها قوية للحد الكافي الذي يجعلك تهاب حضورها وبقوة.
قررت عطر في نفسها الترفه بعض الشيء هي وشمس، وقد كان.
رآها ترتدي الأسود، كم بدت به جميلة وأنيقة رغم بساطة ملابسها.
ملابسها ذات الطابع المحتشم الواسع جعلتها ملكة متوجة لنفسها، فالتاكيد عيناه تفضحه الآن.
حمحم واردف بنبرة مهتمة:
"غيرة... راحة فين؟"
ضاق وجهها وتذمرت ملامحها:
"وانت مالك؟"
استفزه ردها واستفز رجولته، فأردف بنبرة حادة:
"ردي بأدب يا آنسة، أنا بسالك. ثم إنتي واخدة شمس معاكي وأنا خايف عليها منك، ولا ناسيه؟"
ضاق صدرها منه، وودت أن تنطحه برأسه الصارم المستفز، ولللحظات تخيلت أنها تركله كالكرة.
فخرج صوت تفكيرها:
"أو شلوت."
استفسر منها حينما سمع آخر ما تفوه به:
"بتقولي إيه يا آنسة عطر؟"
"بقولك إيه، إحنا نسأل شمس ولو مش عاوزة تيجي معايا خلاص، يبقى مش هنروح."
ثم اخفضت نظرتها إلى الصغيرة واردفت:
"هاه ياشموسة، تيجي معايا ولا منروحش خلاص؟"
ودون أن تفكر ردت قائلة:
"لا يلا نمشي، إحنا اتأخرنا."
فهد بمزحة جميلة:
"براحتك يا أختي، روحوا، يكش تاخدوا وسام الخروج من الدرجة الأولى."
"آنسة عطر، عاملة إيه دلوقتي؟"
نظر فهد لهذا الصوت:
"أها، كملت."
حدث بها نفسه:
"بخير يا حضابط، شكراً لسؤالك."
اردف بنبرة مستفسرة:
"إيه خير، راحة فين كدا؟"
حدثت نفسها بسخرية:
"هو فيه إيه النهارده، مالهم كدا؟"
اردفت مجيبة:
"لا، أصل أنا خارجة أفسح شموسة."
خرجت نبرته متلهفة في الحال:
"خلاص مفيش مانع، يلا بينا. أنا هلففكم مصر كلها."
ضاق صدره ذرعاً واردف بغضب:
"إيه يابا، تاخد مين وتفسح مين يا عم أمين. لما أنا بنت أخويا راحة معاها واتحرجت أعرض عليها أروح، فيه إيه يابا؟ ما كلنا عارفين بعضين، وبلاش نقطع على بعض. إيه هو واحد يعكر والتاني يصطاد؟"
اشتدت المناقشة الكلامية وأصبحت في ذروتها.
"اتكلم عدل، إنت عارف إنت بتكلم مين. وبعدين إنت مالك بيها؟ قريبها؟ ابن عمها؟ ولا عمها ولا خالها؟"
فهد بغضب وحزم:
"عمها إيه وخالها إيه، شايفني في نهاية ربيعي الستون ولا في منتصف العمر؟ وأيوا ياسيدي قريبها، ليك شوق في دا كمان؟"
"أيوا ليا شوق، ونسأل الآنسة بنفسها يا... هي راحة فين؟"
نظر له فهد وعلى محياه بسمة سخرية.
زين بإحراج:
"طب يادكتور، سلامو عليكم. وفرصة سعيدة جداً، وعن إذنك بقى، أصل ورايا مهام أد كده. وروح إنت كمان شوف شغلك، ربنا يوفقك."
اردف بنبرة هادئة عادية:
"حصل خير يا حضابط زين، وأنا آسف. فرصة سعيدة، أروح أشوف المرضى."
اردف زين بنبرة متسرعة:
"أيوه وهتم بيهم، سلامو عليكم."
تبتسم بلطف عارم وتتطعم القرد السوداني ببهجة.
تجولوا بسعادة وفرحة، أكلوا حلوى غزل البنات.
حقاً هما أطفال صغار مع فرق سنين العمر، ولكن القلب يبقى شاباً مهما خط الزمن خيوط عمره عليه.
"فرحانة ياشموسة؟"
قالتها بوجه طفولي مبتسم.
فردت عليها اللطيفة مجيبة في سعادة:
"أووووي أوووي قد الفيل ده."
اردفت ببسمة:
"إنتي كميلة أوووي."
خرج من سيارته وترقب الشارع حوله كالقط المشاكس المتنمرد.
"واديني خلصت منك ياسى فهد، والله دماغك في حتة تانية ياواد يازين."
نزل من التاكسي بهدوء وروية وترقب الشارع حوله.
"كلها المغفل."
وأطلق ضحكة منتصرة.
كلاهما دخل، وكل منهما كان في طريق، وفي الآخر تقابلوا.
زين بعصبية مفرطة:
"إنت إيه اللي جابك هنا؟"
فهد بغضب:
"وانت مالك يا جدع إنت؟ هو ممنوع آجي أفسح وأنبسط ولا إيه؟ أما عجايب."
زين بنبرة مغتاظة:
"إنت مش قولت إنك عندك شغل؟ روح شوف العيانين يلا، إنت دكتور وكل وقت عندك مهم، يلا سلامو عليكم."
رد فهد بغضب:
"وانت شوف مهامك يلا."
رد زين بذكاء:
"هو أنا مقولتكش أنا عندي مهمة حلوة أوي جوه، أقصد مهمة جادة أوي."
رد بسخرية:
"لا ياشيخ، أهو نفس مهمتك دي، أنا برضه جايالها. جاي آخد بنت أخويا، يكش تحس على دمك."
تسلل بوجه خبأه جيداً، وتسلل. أجل هو ذاك الهدف.
نظر في الصورة مرة أخرى، ثم طبقها بيده الغليظة الخشنة، وتحرك في ثبات، ونظر لمن معه نظرة فهمها الأخير جيداً بمعنى: "يلا".
وجدها ممسكة بأيس كريم وتتقدم بخطوات سعيدة لطفلة ما.
"بقولك خدي ياابله امسحي اللي على خشمك ده."
"إيه ده؟ هو فيه حاجة على بوقي؟ عمتا هات، شكراً جداً."
أخذت المنديل، وياليتها لم تأخذه، فهذا منديل به مخدر عالى التركيز.
تساقطت المثلجات من يدها، فتلقفها الرجل سريعاً بيده وخرج من بوابة الأمن.
نطق أحدهم بتسأل:
"إيه يا عم إنت خارج من بوابة الأمن ليه؟ ثم إنك شايل الآنسة كدا ليه؟ هي تقربلك؟"
ثم نظر له بشك:
"نهار أسود، أوعى تكون خطفها."
نطق بتمثيل متقن ومنمق:
"إنت اتجننت؟ هخطف بتي؟ ولو حتى خطفتها هاجي بيها من هنا، أنا لازم أقول لمديرك إنت إزاي تكلم الناس كدا."
أيقن فرد الأمن أنه على خطأ.
"خلاص، آسف يابيه."
رد عليه بسخط:
"غور من وشي، وإنت شبه عود القصب المسوس."
رات الصغيرة كل ما حدث وظلت مكانها مرهوبة، ثابتة كتمثال أبو الهول، تتساقط دموعها فقط.
كل هذا حدث في وقت قليل.
اشتدت المشادة الكلامية وظلت على حالها بين زين وفهد.
سمعها جميع من بالحديقة.
سمعت شمس صوت عمها بنبرته الحادة وميزته، اطمئن قلبها وساقتها قدمها لتمشي مسرعة، فاخيراً سمعت جزء من وطنها.
زين بزهق:
"تصدق أنا زهقت منك وماشي بجد."
فهد براحة:
"أحسن ياخويا تريح والله."
اغتاظ منه زين، فلكمة بقوة في أنفه، ولم يدع له المجال للاستيعاب، فبادله بأخرى في منتصف بطنه.
أما فهد فأصبح اسماً على مسمى، بادلة أخرى.
وللإنصاف، فالاثنان في نفس المستوى، ولكن الذكاء جاء بانحياز لزين، فهو خبير ويتصرف بذكاء ويتوقع الضربة من أي اتجاه تأتي.
سمع فهد صوت يناديه، فنظر هو وزين إلى ذلك الصوت الباكي:
"عمو فهد، عمتو عطر، الراجل أخدها. تعالي وديني ليها."
اردف فهد بغضب:
"كنت حاسس المتخلفة دي، إزاي تسيبك كدا وتمشي وإنتي معاها أمانة؟ نهار اللي خلفوها أسود."
اردف زين بقلق وهدوء:
"استنى بس يافهد، نفهم لحظة."
ثم رقق نبرته ومال أمام الصغيرة يحدثها:
"هي مشت معاه كدا عادي يعني؟ أول ما جيتوا سابتك وقعدت مع الراجل ده؟"
اردف فهد مقاطعاً:
"مهي دي عادتها ولا هتشتريها."
اردفت الطفلة ببراءة:
"لا يا أونكل، هو اداها منديل وقالها امسحي بؤك، فالآيس كريم وقع منها وهي كمان وقعت، والشرير أخدها على إيده ومشي."
وأكملت، وصلت ببكائها مجدداً.
نظر فهد وزين وكلاهما أصبحت نظراتهم متوترة.
تمتم زين بغضب عارم:
"غبية."
"بس اللي خطفها هفعصه تحت جزمتي."
أما فهد فتملكه القلق عليها، وأحس أنه أخطأ في حقها، ولكن أقسم بداخله أن يجدها.
رواية التركي والصعيدية الفصل العاشر 10 - بقلم سنسن ضاحي
كان المكان تفوح منه رائحة كريهة، أشبه بمزبلة خرابة تضم في طياتها الخباثة والشر. حقًا، إنه مكان ملعون.
بدأت تستفيق بهدوء، ولحظة واحدة أدركت ما هي عليه الآن. همت بالصراخ، ولكن تلك اللزقة اللعينة حالت دون ذلك.
تقدم منها أحدهم، وهو يدخن بشراهة وينظر لها. نظرات دبت الريبة في أوصالها.
أردف بتلاعب وخلع اللاصق من فمها: "لابسة حلوة صراحة. على كده، إحنا عندنا غفر يا جدعان."
نظرت له بسخط، وكل لعنات العالم عليه: "انت مين يا واطي؟ وإزاي تخطفني يا حيوان؟ مشينى من هنا يلا."
أطلق ضحكات مستفزة ونظر لها بسخط: "لسانك الحلو ده حاولي تلميه، عشان محسبوش على كل اللي بتقوليه."
تحولت نظراتها إلى ترجٍ، وهمت أن تستعطفه، خاصة حينما رأت أنه بوجه متشرد منحط: "عمو، طب بالله عليك تسبني أمشي، وأنا مش هقول لحد إنك خطفتني."
أطلق نفس ضحكاته الرنانة المزعجة: "أنتِ يا بت عبيطة ولا إيه؟ ثم إن حامد الدهشان بيتقال له يا عمو. وبعدين، اسكتي ومسمعش ليكي صوت، فاهمة؟"
اغتاظت منه لأقصى حد، خاصة أنها جلبت ما جلبت إلى هذا المكان المقزز غير الآدمي، ولا تعرف لماذا أتت إلى هنا.
"بس انت مين؟ أنا معرفكش. أكيد انت تبع عملي الأسود."
كانت نظراته لها ببرود، ولكن حينما سمع آخر ما تفوهت به، عقد حاجبيه وأردف بنبرة مستفسرة: "ومين عاد عملك الأسود ده؟ قصدك إيه؟"
"انت هتستهبل؟ مانت عارف هو مين. أكيد رسلان الزفت هو اللي وزّك عليا. منك لله انت وهو."
وجدته يقترب منها وهي مقيدة بالأربطة. خافت في نفسها. اقترب منها وجلس بجانبها ووضع أنامله ملس على وجهها. حركت وجهها بتقزز.
"اوعى يابن الكلب يا واطي!" نطقتها في غضب عارم.
فارت دماؤه في غضب، فتوالت الصفعات على خدها الرطب الجميل حتى فقدت وعيها بذات المكان.
فبصق على وجهها وخرج في الحال.
قابله أحد الرجال لوهلة، خاف من منظره الغاضب: "فيه إيه يا معلم حامد؟"
نطق بغضب: "البنت اللي جوه دي، شوفوا رجالتنا يعملوا معاها الصح."
ابتسم الرجل بضحكة مسلية، أحقاً تلك الجميلة؟ لم يصدق ما تفوه به سيده، فأردف ليؤكد له ما كان: "طب والمعلم دهشان هيزعل؟"
صفعه بغضب وقال: "اللي قولته يتنفذ. أنا هنا مكان أبويا، فاهم؟ عشان لو بت، يبقى يستجوبه كويس. أهي هخليهاله زي كلاب السكك، يوريني بقى هيعمل إيه."
بحث عنها بكل مكان. تشتت عقله وتشتت روحه. أصبح المنزل باردًا وبدون روح. رباه، من أخذ روحه؟
"ياترى انتي فين يا عطر؟ وعاملة إيه؟ بس متقلقيش، وربنا اللي خدك كده أيامه سودة."
قطع حبل أفكاره دخول زين بوجه متجهم: "خلاص، أنا عرفت هي فين بالظبط."
شعت روحه مجددًا: "احلف؟ طب فين؟ يلا نجيبها."
زين بعصبية: "في خرابة الدهشان."
توقف فهد ونظر له، وانتابه الخوف في الحال: "خرابة الدهشان اللي في الجبل، قصدك اللي جت في بالي دلوقتي؟"
أومأ رأسه مؤكدًا له سؤاله في هدوء.
أردف بحيرة: "نهار أسود. طب وهنعمل إيه؟"
أجاب في الحال: "هنحاصرهم."
ضحك باستهزاء: "ها؟ أنا إيه يا خويا؟ دول جيش بحاله."
أصبحت أيامه باردة عادية. دخل مراد مكتبه بوسامة طاغية. أردف بنبرة عادية:
"رسلان، أراك دائم التفكير عكس ما عهدتك عليه يا صديقي. بوح لي بما في خاطرك."
أخرجه صوته من تشتته، ونظر له وبهدوء أردف: "لاشئ جديد غير الملل يا صديقي وبعض الأشياء فقط."
أجابه بنبرة مستفسرة: "وماتلك الأشياء؟ أراك انتقمت وحققت ما تمنيته، ولك الآن قرابة الشهر في إسطنبول وأنت على حالة الشرود هذه."
أردف بهدوء: "لاشئ غير أنني أحببت موطن أمي فقط، وهذا كل شيء."
أردف مراد بنبرة ذات مغزى: "وانتقمت وانتقم الله أيضًا، وتوفى من ظلم والدتك."
رد مجيبًا في هدوء: "لا عليك صديقي، فأنا نسيت كل شيء."
أراد مراد أن يخرج صديقه من حالته تلك، أراد أن يفرحه ويدخل السرور إلى قلبه.
"لدي ما يسعدك رسلان."
عقد حاجبيه في غرابة: "وما هذا؟"
رد بنبرة شامته: "كلفت أحد رجالي بمصر أن يخطفوا قريبتك، وقد كان. وأمرتهم أن يهتكوا عرضها." ثم نظر والفرحة في عينيه، توقع أن صديقه سيرقيه من سعادته.
تحولت ملامحه كثيرًا، بدا وجهه مخيفًا. أقسمنا جميعًا أننا لم نر في حياتنا وجهًا مخيفًا كوجهه. قست ملامحه وتعبيرات وجهه، حتى مراد لم يراه هكذا في حياته، بل رهب كثيرًا من منظره.
رد مراد متهته في الحديث: "ما بك رسلان؟"
اقترب منه بثبات وأطرحه ضربًا وهم أن يخ*نقه، لكنه استوعب: "قل للأوغاد يتركوها الآن، وإلا سفكت دمائك في تلك اللحظة!"
أما فهد وزين فهما في حالة يرثى لها، فهذا المكان بؤرة إرهاب يضم الكثير من وجوه الشر، ويتنقلون في كل مكان. تكافحهم الشرطة وتطهرهم، ولاكنهم في ازدياد. يمارسون الفساد في الأرض، لا تعرف لهم مكان معين، لهم في كل مكان خرابة، ويطلقون عليهم اسم خرابة دهشان دون علم أي مكان محدد لهم. سحقًا، إنه العذاب وعليهم اللعنات.
زين بحيرة: "أعرف سبب مقنع يخلي الكلاب دول يخطفوها؟ يعني سوري، هي بالنسبة ليهم تافهة، ودي مش سكتهم."
فهد بحيرة: "معرفش، بس الناس دي مينفعرفش ليهم مكان ولا جبل. وكل مانسمع إننا خلصنا منهم بيزيدوا. يا جدع، بس وربنا هنجيبها حتى لو هنموت."
رد زين بتفكير: "أنا مقتنع إن الراس الكبيرة دهشان هو اللي ورا الموضوع ده، بس هو كارتنا الرابح ووش الفساد، وإحنا محتاجينه، بس مقدرش أخاطر وأهددهم بيه."
أردف فهد باستياء: "ليه بقى إن شاء الله؟"
زين منهي الموضوع: "ده إحنا مسكناه بالعافية، هو قاعد مكانه وعملياته زي المطر ومش معترف بده، بس هتصرف."
تسلل الرجال، أو دعنا نقول أشباههم، في فرحة لتلك الغنيمة التي سيحصلون عليها. وقف رئيسهم ونظر لهم بطمع لحاجة في نفسه:
"بصوا كدا، عشان منقطعش على بعض، أنا هدخل الأول، وانتو ورايا."
رد عليه أحدهم بسخط: "اشمعنا انت يعني؟ ما المعلم حامد قال الرجالة انت الأول ليه؟ على راسك ريشة؟"
نهره بشدة حينما تمرد عليه، ولكن الآخر ظل على موقفه، فخشي أن يخبر سيده. فدخلو الغرفة جميعهم ليستبيحوا ما حرمه الله.
راتهم يتقدمون منها، وتمتلئ عيونهم الرغبة كما تمتلئ عيون الأسد لاصطياد غنيمته.
فك أحدهم الأربطة التي تربط بها. صرخت مستنجدة بالله. كتف أحدهم يديها خلف ظهرها وحاولوا استباحة جسدها.
ارتفعت أصواتها كثيرًا بهياج. أتتها قوة غير متناهية، ركلت أحدهم بمنتهى القوة حينما تقدم منها. سحبها الآخر إليه برغبة عارمة، فركلته. وما شاء الله أن تركل! أتلك الصغيرة تمتلك كل هذه القوة! أشجعك عزيزتي في قرارة نفسي، والويل لبائعي الهوى.
ركلها أحدهم بمنتهى القوة في رأسها بدون أي إنسانية. عذرًا، فهم ليسوا ببشر حتى يكون لديهم إنسانية، هم صنف من أصناف الشياطين.
اقترب منها أكثر فأكثر.