حاوط خصرها ودقق في كل شبر بوجهها كأنه لا يطيق صبرًا، فطالما حلم بها لياليه البائسة، والليلة لا بد أن ينعم بالجنة مع محبوبته. أما هي، فقد ضاق صدرها ذرعًا وأحست بأنها سوف تتبخر في الحال مع احتضانه، وعطره الممزوج برائحته المميزة التي اخترقت قلبها. "حنون، مسالم جدًا لأبعد حد ممكن"، همس بنبرة ودية حنونة دافئة تزلزل الكيان حينما أردف: "أنتِ كل شيء، أنتِ الوجود والحياة". أصبحت نبراته أكثر دفئًا عن ذي قبل، خاصة حينما
أردف بنبرة حنونة راغبة: "لن أترككِ الليلة". لن تنكر عطر صدمتها من آخر ما تفوه به، لكن هناك شعور آخر جذبها وبشدة، شعور بأنها تشعر بأنه الأمان والإدمان، أجل، هذا ما تشعر به الآن. ليس بالسيء، ولم تر منه سوءًا غير مرة أو مرتين على الأرجح، لكن غلب حنانه كل شيء، وهذا كافٍ على الأرجح لتغفر له على أي حال.
لم تكن أي شيء ولا أي حرف ولا كلمة، فقط الحب ومشاعره الرائعة التي تسلب الروح من الدنيا لدنيا جديدة غير متوقعة. حقًا، إنه الحب بكل ما فيه وفيه. همس رسلان في أذن عطرته: "الليلة مميزة لنا يا جميلتي، هل تسمحين يا عطرَتي وسيدتي بهذا؟ أصابتها داء الخجل، محمرة الوجه، خديها أصابتهما حمرة مهلكة كتفاحة ناضجة. أغراه شكلها وود التهامها في الحال. ثم عاود سؤاله مجددًا: "مولاتي، هل تسمحين لي بهذا؟
نطق عقلها في نفسها بـ"لا"، لكن من فرط خجلها لم يقو لسانها على التحدث بها. حاولت إخراجها على لسانها، ولكنه عقد من حديد، ففسر سكوتها "دليل الموافقة". بهمس حنون: "أشكركِ عزيزتي، سوف أمنحكِ الحب وسوف أجعل قانون حب جديد، سوف أصنع لكِ حبًا جديدًا، سوف أصنع جميع أنواع الحب لكِ ولي، أنتِ الحب". نطقت بنبرة مهزوزة محرجة: "رسلان، أنا عاوزة أمشي". نظر لها مستفسرًا وأردف: "لماذا؟
نطقت عطر بهدوء: "مش عارفة، بس عاوزة أمشي ومعنديش استعداد لكده". وللحقيقة، لم يرد عليها بلا، فضل الصمت فقط، وأصبحت ملامح وجهه متلاشية لا يمكن قراءتها. لم تفهم عطر صمته، ولكن لوهلة رهبت هذا الصمت وسكوته الرهيب وملامح وجهه الباردة، خاصة حينما أردف بجمود: "حسنًا، يمكنكِ الذهاب الآن، أو أود أن أخلد للنوم". لم تنطق بحرف آخر، بل خرجت في صمت وأغلقت الباب خلفها. أما هو، فنظر أمامه بشرود.
أمسك فهد هاتفه ورن على سما، التي لم تجب من أول مرة، فعاود الكرة لمرة أخرى، فأتاه صوتها الأنثوي وهي تتحدث بهدوء: "أيوه، مين معايا؟ أجابها وقد لاحت بسمة صادقة على وجهه: "إيه القمر، مش عارفة رقمي ولا إيه؟ ارتسمت بسمة على وجه الأخيرة، وبنبرة حملت بعضًا من الفرحة أجابت: "فهد، إزيك عامل إيه؟ نطق بنبرة مرحة: "عامل بكلمك يا خلوبصة". نطقت بارتياحية: "بكلمك بجد على فكرة، بتعمل إيه دلوقتي؟
"أفهم من كده إنك مهتمية وكده، وده فرحني والله". حاولت سما تصليح ما تقوله له، فأردفت: "مش القصد!! حاول التلاعب معها قليلاً وأردف: "مش القصد، يعني مش مهتمية، شكرًا جزيلاً يا آنسة سما". الأمور بالنسبة لها أصبحت تتعقد، فحاولت إصلاح ما تقوله وأردفت نافية آخر كلماته: "لأ طبعًا، مش ده القصد على فكرة، ولا أنت بتلكك لي على أي حاجة يا أستاذ وخلاص؟ ليست في نظره الآن سوى طفلة. خرجت ضحكاته التي استفزتها قليلاً،
ولكنه أردف: "عارفة، أنتِ زي الأطفال بالظبط، زي كده شمس بنت أخويا. والله أنتِ قمر وسكر، وبلّي هأقع فيكي ده إن ما كنتش وقعت فعلاً". رفرف قلبها كأنه طير، وعيناها أجزم أنها تكاد أن تخرج قلوب عبر الجوال. ولكن ثقلت أنفاسه وتسارعت أنفاسها. ارتبكت كثيرًا، وبالأخر أردفت لتهرب: "طب باي يا فهد دلوقتي، ماما عاوزاني". رمت الهاتف من يدها على المنضدة وأخذت تلف الغرفة بفرحة كالطفل الصغير.
بمكان ما في مدينة "اسطنبول" التركية، داخل مركز سري مميكن بأحدث الطرق والآلات والمعدات القتالية، بداخل غرفة يغلب عليها اللون الأسود مخطط بلون أحمر مخيف، وهناك طاولة طويلة بدرجة كبيرة، يجلس بعينان تشع شرًا. نطق أركان بنبرة صارمة شريرة: "ما بكم، الأمر لم ينتهِ بعد، والفتاة على قيد الحياة، ورسلان تأخر بالرد". ثم أشار بإصبعه نحو مراد الذي تملكه القلق والرهبة.
لكن أردف أركان بصرامة: "رسلان لن يفعلها وسأخسره، وأنا لا أود خسارة ابني الوحيد من أجل حمقاء بلهاء، لذا عليك يا مراد أن تنهي حياتها في أقرب وقت ممكن وبدون علم رسلان، لنضعه في الأمر الواقع". نطق مراد بنبرة مستفسرة: "لماذا هذا الاستثناء؟ عذرًا سيدي، إنه مجرد سؤال عابر؟ رغم كون أركان لا يحب المناقشة، ولكنه أجاب: "لأنه ابني، والابن الوحيد، ويستحق الاستثناء". أومأ مراد رأسه في خبث، لكن قرأ أركان
هذا ونطق بضجر وتحذير: "أقسم بالله العظيم ورسوله، لو كان سوء في نيتك الخبيثة اتجاه رسلان، لقطعت عنقك على الفور! بسرعة رهيبة وتوتر، أجاب مراد وقد تحسس عنقه: "سيدي، هذا ليس صحيحًا، سأخلصك فقط من زوجته، أعدك، أنا رسلان رفيقي العزيز وسيدي وابن سيدي". نظر
أركان للجميع ونطق بتحذير: "رسلان أركان أغى هو السلطان من بعدي من اليوم فصاعدًا. وضعنا من أجله قانون جديد، له فقط، هو سيدكم والوريث من بعدي، وهو القانون الذي ليس له قانون". نظرت الكلمات جعلت مراد ينظر لسيده بريبة ويتردد سؤال في ذهنه: "سيدي متناقض؟ وحينها، أردف مراد مستفسرًا: "سيدي، عذراً، لم أفهمك. معنى هذا أن أترك زوجته؟ وأن سيادتكم عدلتم عن تلك الفكرة؟ نفد صبره وضاق ذرعاً منه وأردف:
"مررررراد، لا أحب معاودة الحديث أكثر من مرة. قلت لك: رسلان خالف أمري في قتل تلك البائسة، ومن يخالف الأمر يستحق القتل في قانوني، حتى ولو كان فلذة كبدي. لكن لا يمكنني فعل هذا بولدي، وجعلت له قانوناً: لا قانون على رسلان. أركان، أفهمت؟ "لكن معنى هذا أني وكلتك لتكلف أحداً بارتراق دماء زوجته! أماء مراد رأسه بسرعة، دليل الموافقة على تنفيذ الأمر.
وفي صباح يوم جديد، استغربت عطر اختفاء رسلان وتأخره، إلى الآن لم ينزل من غرفته، ولم ترغب في تناول الإفطار بمفردها. تملكها القلق وانقبض قلبها عليه كثيراً، فصعدت غرفته، ولكن لا رد. طرقت مرة، ولكن لا رد أيضاً. ظلت على هذا المنوال، فخرج صوتها صارخاً باسمه، وهي تصرح بأعلى نبرة يمكن أن تشق الآذان: "رسلااااااااااان! فيه إيه؟ افتح الباب بالله عليك، أو رد عليا. رسلان رد عليا، فيه إيه بالضبط؟
استدعت أحداً الذي كسر الباب، فالتو واللحظة دخلت الغرفة على عجالة من أمرها. وجدته ملقى على السرير بكامل ملابسه، وجبينه يتصبب عرقاً، مغمض العينين، ويبدو أنه في حالة من الهلوسة. حينما كان يردف رسلان بالتركية، لغته الأم: "أتتركها لي؟ أتراجى مقامك الرفيع؟ لا تمسها، لا يمكنني الاستغناء عنها، لا يمكنني أن أعيش بدونها."
كان يهذي بالتركية، لم تفهم من أمره شيئاً. تحسست جبينه، درجت حرارته مرتفعة للغاية، وأمرت أحداً بجلب طبيبة لأجله. فمضى وقت ليس بالقليل، وأعطته الدواء، وبدلت له ملابسه في إحراج، وقررت المكوث معه الليلة. لم يتحسن، بل بدأ في الازدياد. شعره الناعم سقط على جبينه، فتحسسته يدها وقامت بإرجاعه للخلف. تكلم رسلان بالتركية بصوت متقطع متخدر: "هل بإمكانك احتضاني؟
الكلمة هزتها، حتى وهو على غير وعيه، لكنها لمست قلبها خاصة، حينما أعادها مجدداً: "عطر، هل بإمكانك احتضاني؟ أشعر بعطرك وعبيرك بالجوار."
تحسست جبينه، ما زال ساخناً، مبتلاً من آثار. بدأ لها كالطفل الصغير، بريء للغاية، ملامحه رائعة، مريحة، ووسيم. اقتربت منه وضَمَّته باحتواء. وكأنه شعر بها، انتظمت أنفاسه واستسلم للنوم، لا للمرض، وكأنه استسلم لأمانه، لحبه، فهي حبه وطمأنينته. ظلت تقلب في شعره براحة غير متناهية بأطراف أصابعها الناعمة التي تخللت داخل فروة رأسه بنعومة وعذوبة. نطق بصوت عذب ولا يدري ما يتفوه به: "أحبك... أحبك يا عطري وياسميني... قلبي...
لن أتركك ولن أدعك تذهبين." كلماته خرجت بعذوبة، كأنها الماء المنقى العذب. الحب أثره جميل، ليس له أي ألم حينما تخرج الكلمات بصدق تهز المشاعر. الرواقة، إنه الحب السيد القديس، وفي نفس الوقت الشيء السيئ والشيطان. وفي منزل منصور، انتهى زين من ارتداء ملابسه، حينما دخل منصور عليه وأردف بجد: "حلو أوي كده، لبس شيك لايق عليك يا ابني." نظر له زين وأردف: "متشكر جداً يا بابا، اتفضل." منصور بنبرة هادئة تحمل بعض الحذر:
"بقولك يا زين، خلاص أنا رتبت معاد الجواز." نظر له زين بذهول: "طيب، حتى خد رايي الطيشة اللي هيتحوز! أجابه منصور باللامبالاة: "كله ده مش مهم." نظر له زين بتعجب وأردف: "هو إيه اللي مش مهم ده؟ معقول رأيي مش مهم؟ لا أفهم بقى، هو مين اللي هيتجوز؟ في تلك الأثناء، دخل رامي بدون سابق إنذار واحتضن زين على الفور. وأردف رامي وهو يحتضنه: "ألف مبروك يا شق، فرحك قرب أهو يا عمهم. والله الواحد فرحان لك ومبسوط، هي ليلة عسل من أولها."
نظر له منصور بغيظ وأردف: "يلا يا كلب يا ابن الكلب، بره! نطق رامي بمرح: "لوسمحت يا حاج، متشتمش على الحاج." نطق منصور بنبرة مغتاظة: "يا أخي، ملعون اللي يخلف عيل ثقيل زيك." أردف رامي بمرح: "لو سمحت يا حاج، متدعيش على الحاج." نطق منصور باستفزاز: "وله، اخرج بره يلا! أردف رامي مجدداً: "يا حاج عبد الصمد، اهدى وخلي ليلتك عنب." أما زين، فكان يكتم ضحكاته، فالأمر لطيف للغاية. تدخل زين لينهي الأمر:
"خلاص يا رامي، اخرج عشان الضغط تبع الحاج ما يعلاش." نظر منصور للآخر بغيظ وأردف: "حتى انت يا بوز الحزمة." ولصباح يوم جديد، استيقظ رسلان مع أذان الفجر ورأسه تؤلمه بشدة. وجدها نائمة بجوار قلبه، فازدادت ضربات قلبه بتوتر. فسمع الأذان يصدح في الأرجاء، فقام وتوضأ وصلى فرضه. وعاد مجدداً إلى مضجعه، فأخذها على صدره، رأسها فوق قلبه كما كانت سابقاً.
أنفاسه المتوترة لفحت بشرتها البيضاء، وملس على شعرها الناعم بهدوء، وتحسست أصابعه كل موضع في وجهها كأنها ترسمه. أجمل ما رأت عينه هي رائحة شعرها الياسمينية الجذابة، بشرتها البيضاء الصافية النقية. ضمها إلى أحضانه، وكاد أن يدخلها داخل ضلوعه، قبل أعلى رأسها واستنشق باستمتاع رائحة الياسمين التي تنبثق من شعرها الحريري. وأردف بعد أن لامست شفاهه خديها برقة: "أعشقك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!