الفصل 23 | من 27 فصل

رواية التركي والصعيدية الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سنسن ضاحي

المشاهدات
30
كلمة
1,516
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

توتر وجه رامي ولعن هذا الحظ العسر حينما اقترب منه منصور بضجر، ففي يوم ما سيصيبه أزمة صدرية مفاجئة من هذا الأحمق سبب البلاء. أردف منصور بغضب: "بتقول إيه يا ولد يا اللي ما شفتش بجنيه تربية! تجاهل رامي غضبه وأردف: "شفت يا بابا، يعني التربية طلعت بكتر الفلوس؟ ها تاخد على عيل ما شفتش التربية بجنيه؟ كتم زين بسمته، فالإثنان أصبحا يعتادان على هذا. أردف: "انت يا ضنا يارامي، بوس على راس بابا يلا." أردف منصور باعتراض:

"لا يبوس ولا غيره، ولا عاوز أشوف وشه قدامي." خالفه رامي الرأي واقترب منه وقبل رأسه رغم اعتراض الآخر. تلا الأمور على خير في جو أسري مليء بالحب. دخل رسلان المنزل بهدوء، وجدها تتناول فنجانًا من القهوة وهي شارده وعلى وجهها العبوس والقنوط.

نفخ بزهق، فهما لم يتقدما خطوة واحدة في هذه العلاقة التي كُتب عليها الفشل قبل ابتدائها. حينما يحس أنها تستكين لقلبه، يراوده الشعور بالخيبة. إنها لم تكن له حتى ولو تزوجها، فالقدر أخرجهم من تلك الدوامة مجددًا. انتهى الأمر وأنهى ما حاول ابتدائه. تقدم منها وجلس أمامها. لم تلحظ وجوده، ولكنها أحست برائحته العطرية التي اقتحمت أنفها دون سابق إنذار. أردف رسلان بهدوء: "عزيزتي، كيف حالك اليوم؟

نظرت له بتحقق ولم تجب عليه. عاود سؤاله مرة أخرى، فأطالت النظر له وبداخلها أحست أنها يومًا ما ستفتقده. الآن تعلم كل العلم أنها تحبه، حتى ولو دخل حياتها في هيئة شيطان، لكنها تحبه وهذا ما تعترف به داخل وجدانها. وتعهدت أن تظهر له كما اعتادها، ومشاعرها تلك ملكية خاصة بها هي فقط من يمكنها البوح بها، ولنفسها. تملكه القلق حينما لاحظ هدوءها وشرودها. "ما بها حقًا؟ " هذا ما حدث نفسه به. وأخيرًا أردف رسلان ببعض

القلق حينما اقترب منها: "ما بك؟ ما بك حقًا؟ لما كل هذا الحزن بداخل تلك العيون الجميلة؟ أين المشاكسة؟ اعتدت عليك غاضبة، مغتاظة، قانطة. لما اعتدك هكذا؟ لم يلق بك كل هذا الحزن." ثم حاول ممازحتها وتلطيف الأمر وأردف: "تبدين كالمجنونة التي فقدت عقلها، أو ربما أنت هادئة من أثر حبك لي؟ قولي، أصبحتِ تعشقيني." ثم غمز بعينيه. أما هي، فضغطت على شفتيها بغيظ وأردفت: "اسكت يا عم أنت كمان، وبعدين إيه بحبك دي كمان!!

برزت بسمة صغيرة على فاهه: "تحبيني؟ أنا؟ وتعشقيني؟ ثم تكلم بنبرة حنونة تحمل الجدية ونطق بحنان: "عطري، متى ترضي على قلبي؟ أنا أحبك، أقسم لك بما أنزله ربي على أشرف الخلق، أني أحبك وأعشقك وتيمت بك."

كلامه أكثر من الصادق مس قلبها، بل إنها تسمع ذبذبات قوية بداخل الفؤاد. نظرت له بداخل زرقاواته واحمر وجهها خجلًا. اخفضت نظرها وأصبح بالجو طاقات غريبة. أصبح الصمت أبلغ من سيف الكلمات. حتى رسلان نفسه لم يكد أن يخرج حرفًا واحدًا من فمه، بل ينظر إلى وجهها الذي ظهرت حمرته وتوتره بنظرة. هي أجمل النساء، بل هي قلبه، حفرت مكانها بقوة، تلك الجوهرة النادرة التي لا يرغب سوى بالموت داخل أحضانها. لم يرغب في أي شيء بالوجود سواها، رائعة. لامست الروح بالروح، فما أقوى من الحب الذي تتلاقى به الأرواح، فهو الذي يظل حاليًا. لم يرجُ إلا بقاءها وجوارها ورؤيتها كل يوم فقط.

أعاد كلامه بنبرة حنونة: "عطري، انظري إلى هذا، رجاءً مني، انظري إلى نظرة، وبعدها سأذهب حيث تشائين." حنون! لطيف! رائع! وسيم! به كل المميزات التي تجعلك تهيم به. رفعت عيناها، لم تستطع أن تخبئ ما بداخلهم. أحست أنها منه، وأن غيره لا تليق به. كما أحس هو هذا، أحس أنها روحه وكيانه ووجدانه. ما أجمل الصمت حينما تتحدث العيون بابلغ ما يقال، إنه الحب ياسادة. نطق رسلان بصوت متحشرج باللكنة التركية: "فاتنة، جعلتني قديس حبك."

لم تفهم كلماته، ولكن نظرت له وأردفت بهدوء: "رسلان، أنت عاوز مني إيه؟ أردف بحب: "أن تكوني بجواري فقط." ثم تحولت نظرته إلى رجاء: "عزيزتي، رجاءً مني، أعديني أنك لم تتخلي عني مهما كان." عقدت حاجبها، لكنها أحسته كالطفل الصغير يحتاج للاحتواء، لذا أردفت بصدق وخرج ما في قلبها: "رسلان، أوعدك والوعد دين، أني مش هتخلى عنك مهما كان ومهما حصل." ارتاح لنبرتها الصادقة والتي انعكست على عينيها.

"عزيزتي، أقسم لك أني بإمكاني إنهاء حياتي فقط لتكوني سعيدة." لم تعهد أي حنان، فقد عوضها فقدان جدها. حنون رائع يحبها، ولتترك لمشاعرها أيضًا أن تسبح بحرية. أردفت بحنان: "مش عارفة أقولك إيه غير إني ارتحت ليك وتقبلت وجودك بحياتي." دخل فهد وأسرته إلى بيت سما بعد تحديدهم معاد مسبقًا بأنهم قادمون لهم اليوم لرؤية ابنتهم. جلس فهد باللامبالاة، غير مهتم بأي شيء. أردف محمد بهدوء: "أهلاً دكتور فهد، منور والله." أما والدة محمد،

فأردفت بفرحة: "والله نورتونا يا جماعة." أتت سما في ثوبها الرائع الذي تماشى مع هيئتها، فقدمت العصير للجميع. وتقدمت لفهد وقد ركزت على ملامح وجهه اللامبالية بأي شيء. حمحم محمد، فقد أحرجته الأجواء كثيرًا. نطقت والدة فهد ببسمة تحملت بالجدية: "فهد ابني دكتور قد الدنيا، جدع وشهم وراجل يعتمد عليه، هادي هادي هادي وزي النسمة، متسمعلوش صوت في البيت." عقد فهد جبينه بتعجب وأردف: "إيه، متسمعلوش صوت دي دلدول أنا ولا إيه؟

توترت والدته، فهو سريع الغضب، وأردفت: "اسكت أنت، هتعرف نفسك أكتر مني." نطق فهد بتعجب: "لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. أمي، ادخلي في الموضوع." فقاطعتهم والدة سما وأردفت: "أي إن كان ابنك يا حاجة، إحنا موافقين." أما فهد، فضاق ذرعًا وأردف: "إيه، أي إن كان دي كمان؟ أنتم مستصغرني ولا إيه؟ كيس طماطم هتجاملوا نفسكم بيه؟ تدخل محمد لإنهاء الجدال: "إيه يا جماعة، فيه إيه مالكم؟

وحدوا الله واهدوا، بلاش شغل العيال اللي في الحضانة ده." تحولت نظرات فهد لغضب: "انت كمان هتغلط فيه؟ إيه يا ضنا دا؟ أنا أرجَل من بلدك وبلد اللي خلفوك. اتكلم معايا باحترام أحسن، ورب العزة أوريك وشي اللي مبيرحمش." أما محمد، فقد اشتعل بالغيظ وأردف: "راجل راجل، فاقد الشيء يتحدث عنه بكثرة." برزت عروق رقبته وبدأ فهد مغتاظًا للغاية واقترب منه، بينما الجميع في توتر يحاولون إنهاء الجدال. أردف فهد بغضب:

"تحب أوريك مين هو فهد بالفعل؟ "يا عسل! " لكمه على وجهه بعنفوان. بينما تعالت الأصوات: "أكل هذا يحدث في تلك الخطوبة البائسة؟! أما محمد، فقد أصبح مشتعلًا من الغضب، فباغت فهد بضربه على عنقه. فتقدم منه فهد وباغته بركلة واشتد الخناق إلى الأوجه وتعالت الصرخات. ودلف الجيران لإنهاء تلك المشاجرة الغريبة. أردفت والدة فهد بغضب: "كان يوم أسود ونسب عرة." فردت عليها والدة محمد بغضب:

"أنتم اللي ناس معفنة، كان يوم أسود يوم ما دخلتوا البيت ناس سكة صحيح." قاطعتها والدة فهد بغضب: "اسكتي يا أختي، هو أنتم كنتم تطولوا؟ دي بنتكم بايِرة! هي ناقصة؟ أجابتها الثانية بغيظ: "لأ، وانت ابنك اللي لسانه طوله مترين حلو قوي. يلا اتفضلوا اخرجوا." أما فهد ومحمد، فقد فض الجيران الأمر أخيرًا. تمتم فهد بغضب أثناء الخروج: "يلا يا عم، هي ناقصة قرف دا. الحمد لله ربنا نجاني. عيلة معندهاش بربع جنيه سلكان."

دخل فهد ووالدته البيت. فلاحظ وجه والدته الغاضب، والتي صفعته على وجهه للتو وأردفت: "انت إيه؟ طول عمرك تاعبني وتاعب قلبي. من لما كنت صغير، وأنت مشاكل على طول. بتحب تجيب المشاكل وتعيش فيها. ثم أشارت له بإصبعها: "أنت اللي غلطان! إيه أفعالك الطفولية دي؟ أحرجتني وأحرجت الناس وأنا مردتش أقل بيك قصاد أي حد." لم يعترف بخطئه، بل كان مصدومًا فقط.

"الحياة غريبة بعض الشيء، لغز به كل العجب. لا يمكن للمرء اكتشاف كل شيء طالما ظهر له جانبًا من الشيء لم يظهر لسواه. فنحن لسنا كاملون، بل أناس بائسة وقلوب محطمة حطمتها دائرة الحياة. لو أراد العقل شيئًا خلاف القلب، نقتتل ونتمرد. القلب هو السلطان الأبدي، هو المنظم والنظام. حقًا مؤلم جدًا حينما يخسر أحدهم حب حياته. الحب في بعض الأحيان جنة، ونحن لا نمتلك الجنة على الأرض، بل الأرض هي الأرض فقط، ليس غيرها ولا سواها. حينما يحب أحدهم، يلغي العرف والقانون. سيضع القلب فقط قوانينه الجوفاء الواهية. أنت لست مجنونًا، بل الحب جنون، هو مرض الجنون. الحب ألغاز أبدية خالدة وأساطير سطرتها مشاعر القلب، ليست كلمات بل أفعال عريقة خالدة."

طرق شديد على باب شقة الأستاذ منصور. فتحت حنان الباب، فإذا هي تقف أمامها فتاة بوجه غاضب وأردفت بغضب: "فين الأستاذ منصور يربي ابنه اللي كل شوية يتخانق مع علي ده؟ كانت صحوبية زفت زفت. لو سمحتي يا حاجة، اندهي لي ابنك سبع البرمبة رامي أفندي." عقدت حنان حاجبيها بتعجب وأردفت: "طب اتفضلي يا بنتي، ادخلي وافهميني إيه الموضوع." شروق بنبرة غاضبة:

"ابنك يا ست الكل عامل قلق في المنطقة وبيغلس على علي أخويا كل شوية. أصل ابنك مش متربي." أردفت حنان بطيبة وهدوء: "عيب كدا يا بنتي، ادخلي واهدي بس، ولما ييجي والده أنا هقوله." ولهنا خرج رامي من غرفته: "جرى إيه يا ست شروق؟ يا بومة، أنا كل ما أروح مكان ألاقيكي في وشي." تخطت شروق الباب وتقدمت منه وأردفت بغضب: "بقى أنت يا واد يا اللي لسه بتذاكر، عملت فان دام؟ شكلك نسيت أيام ما كنت شبه الكتكوت المبلول." أردف رامي بغيظ:

"بس يا بت، واسكتي ويلا اتكلي على الله. هي ناقصة." نظرت شروق لوالدته وأردفت: "اتفضلي شوفي يا سِت الكل، تربيتك تشرف إزاي." ولهنا خرج زين من غرفته: "أنتِ يابت انتي، إزاي تتكلمي مع ماما كدا؟ انتي لا متربية ولا ورد عليكي اسمه." نطقت شروق بغيظ: "ومين سي كرومبو دا كمان؟ عقد زين جبينه بغضب وأردف: "بتقولي إيه؟ نطقت شروق بسخرية: "أنت سمعت كله، وعلى دي وقفت؟ زين بنبرة مغتاظة:

"أنتِ بنت مهزقة وعندكيش احترام لأي حد، لا كبير ولا صغير." شروق بسخرية: "إيه الرد دا؟ طب شوف رد حلو، ولا مش لاقي؟ زين بغضب: "أنتِ عاوزة تربية وأنا هربيكي." شروق بسخرية: "اسكت يا ضنا، هي ناقصة. وبعدين هنشوف هتربي مين." وتركتهم وخرجت في التو. نزل رسلان من الدرج، وجدها تقف تنظر من خلف الشباك المطل على الحديقة بشرود. فنطق اسمها بنبرة حنونة: "عطر، عزيزتي."

ولأنها قبلت وجوده بحياتها وداخل مكنون قلبها، نظرت له وكأنه طوق النجاة الذي سيخرجها من ظلمات التفكير والبؤس. أصبح مبهجًا جدًا وجوده بداخل حياتها. وجوده أصبح رائعًا حقًا، هو الشخص الذي بات يتفهمها ويتفهم تقلبات حياتها. نطقت عطر بهدوء: "نعم يا رسلان، في حاجة؟ اقترب منها وأجابها بحب: "ما رأيك لو نذهب للتنزه اليوم سويًا؟ فكلانا يحتاج لشيء جديد. ولنترك لقلوبنا الاختيار." وقبل الاعتراض، أشار على قلبها:

"اتركي، اتركِ لهذا أن ينجذب لقلبي. أعدك بأنك لن تندمي مهما كان الأمر." ثم أردف برجاء: "وأرجوكِ أن نرجع كالسابق زوجين، لكن متفاهمين هذه المرة. أرح قلبي ووافقي." أجابته بمنتهى البرود هذه المرة: "لا."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...