"لا" حينها شعر رسلان بان اطرافه قد شلت، فها هي تحطم قلبه للمرة التي لا يعلم عددها، وبقوة تحطمه بأسى. لاحظت عطر أنه قد تغير فجأة، وتغيرت ملامح وجهه. فحاولت تلطيف الوضع: "أنا آسفة يارسلان، على الأقل مش هنقدر نرجع لبعض دلوقتي." تحولت ملامح وجهه إلى استفهام حين أردف: "لما؟ لماذا؟ "نؤجل لموعد آخر، وما السبب؟ أجابته
دون إخفاء أي ذرة مشاعر: "ببساطة كده عشان أنا خايفة منك، خايفة منك مش عارفة ليه، بس شعور الخوف بيراودني، مشتتني ومشتت كل أفكاري. عمري ما أنكر إني أعجبت بيك، دي حقيقة ومش هخبيها، إذا كان قلبي حاسس بيها ليه أخبيها يعني." قطمت أظافرها بتوتر وأردفت: "بس اسمعني، أنا عمري ما هتخلى عنك، بس سيبنا نتاقلم مع بعض شوية." لم يفهمها الآن، وبات يرهب فكرة أنها ستذهب بعيدًا عنه، أو أنها لم تكن قدره لمرة أخيرة، ولهذا اعتصر قلبه.
الألم المباغت أصابه، وتحولت نظراته إلى حزن دفين، وأردف رسلان بهدوء: "بتحبي مين؟ استغربت هذا السؤال، وأحست أنه بات مفطور القلب. عقدت حاجبيها في استغراب، واختارت إجابة منمقة: "بحب نفسي." قهقه رسلان حتى أدمعت عيناه، وأردف بالمصري: "دا أنا نفسي بحب نفسك." نمت ابتسامة جميلة على وجهها، مما جعله هو أيضًا يبتسم، وكأنهم نسوا ما كانوا يتفوهون به للتو.
صمت رسلان وسرح بتلك العينان الجميلتان المبهجة، التي يرى منها انعكاسًا آخر للحب، وضح وتجلى بهما. أما هي، فلا تحرم نفسها من كونها بجواره، رائحته المميزة، مع فارق الطول حيث أنها بمنتصف صدره. تقدم رسلان ووقف قبالتها، واقترب منها وهمس بصوت هادئ حنون به دفء: "عزيزتي." وكانت كلمته الحارة الدافئة تلك ترت مشاعرها، وجعلت قلبها ينتفض. حينما أكمل
همسه بنفس النبرة الدافئة: "عزيزتي، لدي رجاء، انظري إلى عيناي وبهدوء سترى بهما جميع الحب وأركانه لك أنت فقط." نغمات كلماته العربية التي تحمل اللكنة التركية، بخلاف دفء صوته، بخلاف نطقه للكلمات بطريقة مهذبة، هو جميل حقًا بداخله وخارجه رائع.
رفعت عيناها التي التقت بكتلة الحب والحنان. توترت، أجل، التوتر كان حليفها، خاصة مع ملامح وجهه الرجولية التي تحمل أقدارًا وليس قدرًا من الوسامة، شعره الناعم، زرقاوياته الجميلة التي بها جميع أنواع الدفء، كلامه الرزين، أنفه الدقيق المنسحب بهدوء واستقامة. تآكل التوتر. "عطر" الجو أصبح محملاً بشحنات غريبة وطاقات أغرب. أردفت عطر بتوتر: "رسلان، أنا موافقة نرجع لبعض، بس نسيب فرصة أعتادك فيها، أنت فهمني." عقد حاجبه باستفهام،
وأردف بهدوء: "لكِ ما تشائين، سأعطيكِ فرصة تعتادي وجودي وحبي، بل وتحبيني." أما في منزل منصور، نظر زين لرامي بغضب وسحله من كتفيه، وأردف زين بغضب وغيظ: "أنت تعرف أشكالك الو*طية دي منين؟ يلااا، تصدق مش حرام اللي بيعملوه بابا فيك، أنت تستاهل أكتر من كده، وأنا هربيك على قلة القيمة اللي حصلت دلوقتي!! اردف "رامى" بكذب وبكاء: "دانا غلبان ومسكين، دا أخويا بلطجى وبيضربنى ودايما ياخويا يشاكل فيا." "انت تعرف عنى كدا برضه يازين؟
خسارة، مكنش العشم." اردف "زين" بغيظ: "دا انت أبو كدا ياااض، بطل كهنة، دا انت ضارب نص مدرستك يااخى، اكذب على حد غير." "اخوك اللى فاهمك." فتح "منصور" الباب ودخل، وكانوا على ماهم عليه. اردف منصور باستفسار: "فيه إيه يازين، مالكم؟ اردف زين ببسمة: "ابداً مفيش، دا أنا كنت بنضفله الجاكت." منصور بتعجب: "جاكت إيه دا، لابس بيجامة وإحنا فى الصيف أصلاً." انتبه "زين"
لكلماته وخبط جبينه بكفه: "آه، اعمل إيه ياحاج، دماغى مشغولة اليومين دول، اعمل إيه بس، مش صح يارامى؟ تمم "رامى" على كلامه واردف: "أيوة دماغه مشغولة، بيحب وعاوز يتجوز." تعجب "زين" بغيظ ونظر لرامى بتوعد، بينما ازبهل منصور وشعت الفرحة على محيا والدته. اقتربت حنان من "زين" بحب وأدمعت عيناها واحتضنت
وجهه بكفيها واردفت: "وأخيراً هشوفك عريس، ياه يازين كبرت وهتتجوز ياقلب أمك، انت مش متخيل فرحتي بيك أد إيه، إحنا هنعملك أحسن فرح ومن النهارده نروح للعروسة ونخطبلك ياقلبي." أما منصور فتقدم منه بحب واردف وهو ينظر لرامى: "شايف أخوك عنده خشوع إزاي، بيحب وكاتم فى نفسه، ل أرضى يقول إلا لما عرفنا منه، مش زيك برقع الحيا ضاع من وشك." ثم اردف ونظره موجه لزين: "هاه ياحبيب بابا، مين العروسة بقى؟
اعلنت الصدمة على وجه زين، أيخبرهم بأن هذا الوغد كاذب بعد أن رأى فرحة على وجوههم، فنظر لرامى بغيظ. أما "رامى" فلم يتوقع أن المزحة الواهية ستصبح حقيقة، فحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه. فاردف رامى بكذب: "بس صراحة العروسة لسانها طويل واسمها شروق." حاول إنقاذ الأمر، يعلم أن والدته سترفض في الحال وبهذا يكون أنقذ أخاه، لكن على عكس المتوقع. اردف منصور بغيظ لرامى: "والددددد، انت إزاي تتكلم كدا على خطيبة أخوك؟
اردف رامى: "أووام، خلتها خطيبته؟ تجاهله منصور واردف: "متزعلش منه يازين، حدد معاد مع باباها ونروح نتفق، ماشى." وبعد قليل من الوقت دخل زين غرفة رامى الذى انكمش وأصبح عرقه مرقة، بينما كاد "زين" أن يسحق شفتيه من الغيظ وانتشل رامى من ملابسه واردف حينما ناوله لكمة أسفل بطنه: "ولااا، دانت يومك أسود إنت ياااض، هتعقل إمتى؟ ثم ناوله لكمة للمرة الثانية واردف: "أنا ياض ياكلب بحب شروق."
ثم لكمه للمرة الثالثة: "طب دبسنى فى واحدة زي الناس." ثم لكمه للمرة الثالثة: "مدبسنى فى واحدة شلق." اردف رامى بألم: "لا يابرنس، متخافش على نفسك، دي مش شلق، دي بتعض بس." اغتاظ رامى وناوله لكمة أسفل الحزام: "كمان بتعض؟ ثم مسك زراعه وعضه في الحال، فارتفع صراخه الحاد. أما عطر ورسلان، فقد عادوا زوجان للمرة الثانية.
الفرحة برزت على وجه رسلان ونمت باتساع حتى قلبه رفرف من الفرحة. أما "عطر" فلا ننكر أنها أيضاً أصبحت داخل راحة نفسية وارتياح، فقد أصبحت زوجته وتقدمت علاقتها به وأصبحت ترتاح له وتشعر ببعض الحب الذي أخذ ينفض قلبها ناحيته. أجميل الحب حقا وله نوع آخر من الارتياح، الحب ارتياح نفسي فاقت حدوده، دفء عاطفي جذاب، نظرات محملة بالحب الذي فاق الوجدان، كلها معاني للحب سامية خالدة متزنة. إن غاب أحدها فقد الآخر اتزانه، من أنتم لتلوموا العاشقين؟
من أنتم لتلوموا محب على حبه؟ من أنتم لتنحروا الحب وتؤدوه؟ اردف رسلان ببسمة: "مارأيك أن أذهب بك للتنزه ولنجعل اليوم وغداً ولشهر عطلة سعيدة لبداية جديدة، ولنسافر في أي مكان تحبيه بالعالم." نظرت "عطر" له بطفولة واردفت: "نفسي أمشي في الشوارع وآكل غزل البنات، نفسي نلف الشوارع هنا أنا وأنت نشرب عصير قصب، ونأكل كشري، ونقعد على الكورنيش ونضحك ونتكلم، وكل حاجة، كل حاجة."
كان كلامها طفولي للغاية، تتكلم بسرعة ولمعت عيناها حينما كانت تعد له على أصابع يدها بسرعة رهيبة، كان ينظر لها بحب، فهي طفلته وأقسم على تدليلها. قبض على خصرها بحركة فاجأتها وأدار بها بسرعة رهيبة وأخذ يلف بها، أما هي علت أصوات ضحكها، فأنزلها أخيراً واحتضنها بحب وعشق.
الحب ليس رغبة متأججة ومكنونة بداخل المحب، بل الحب تعلق روحي، تعلق روحي للمحب لمحبوبه، حينما يجعلك دنيته وكيانه ومسكن فؤاده، حينما ينفض قلبك بسرعة رهيبة، حينما يشعرك بالوجود بداخل الجنة، هذا هو الحب. ضف عليه قطرات الاهتمام.
أصبحت "سما" تتجاهل "فهد" كثيراً، تتجاهله وتتجنبه، أما هو فكان يلقي لها نظرات جانبية. لوهلة لام نفسه، كان عليه تقبل الأمور، يشعر ناحيتها بالعطف. سب في أنفاسه، عطر التي نغصت عليه صفو حياته وقلبتها رأساً على عقب. لم ينجذب لأحد مثلها، أصبح بارد المشاعر، فوق بروده، أحبها، عشقها، لم يتخطى عشقها وحبها. ليته لم يفعلها، قلبه، ليته لم يحبها. لكان حب تلك البائسة الجميلة التي اهتمت به وبرزت له حبها. لكن الويل الويل للقلوب، الويل للقلب وما يختاره القلب، ليس حكم عادل، القلب ليس سلطان تقي، الحب ليس نقي في بعض الأحيان، وللآخر الحب حظوظ، حظوظ فقط.
اقترب "فهد" منها واردف: "آنسة سما، أنا آسف." رغم انتفاض دقات قلبها ولين ملامحها، لكنها أبت أن تظهر بمظهرها اللين، فرسمت الجدية ولم تنطق بحرف واحد. فاردف "فهد" للمرة الثانية: "سما، لو سمحتي ردي عليا، أنا آسف جداً للإحراج اللي سببته ليكي من غير قصد." نظرت له سما بغيظ واردفت: "من غير قصد، أمال لو بقصد كنت عملت إيه؟!! مسح على وجهه واردف بهدوء: "كنت مضغوط ومكبوت وحالتي ما يعلم بها إلا ربنا، فارجو إنك تسمحيني."
اردفت بهدوء: "ويهمك بإيه أسامحك، وأنا ما يعنينيش ليك حاجة." اردف بهدوء: "صدقيني، أنت تعنيني، أنت جميلة من جواكي وطيبة وتتحبي." كلمات بسيطة بدون تكلف أسعدتها، بل أسعدها اهتمامه بها. فاردفت بهدوء: "شكراً." أجاب في نفسه: "شكراً إيه، العبط دا." ثم نظر لها: "ممكن تديني فرصة أعرفك وتعرفيني؟ تغيرت وكأنها متناقضة: "إنت إزاي تقول كدا، لأ فرصة ولا برصة ولا عاوزة أعرفك أصلاً." وتركته وذهبت. أما
هو خبط كفيه بتعجب واردف: "إيه الجنان دا." الأمر أصبح غريب حينما دخلت أسرة منصور منزل عبد القادر، وجلسوا في جلسة عادية. الأمر أصبح لا يصدق بطريقة مذهلة وغير مقنعة، فقد حدد منصور معاد مسبق مع عبد القادر. أما "زين" فقد عصر ليمون على نفسه لتنفيذ رغبة والديه. الأمر أصبح بالمعجزة الخرافية، مزحة تتحول لحقيقة من هذا الوغد الحقير. أما شروق فأصبحت قانطة مغتاظة، وقد نصحتها والدتها بالجلوس
ببشاشة واردفت والدتها: "بت انتي، افردي بوزك وخليكي راسيه زي البنات وبلاش بوز الفقر دا." اردفت شروق بغيظ: "إيه ياماما، هو الجواز بالغصب؟ اردفت والدتها بهدوء: "مش جواز، دي مقابلة، ولو حصل نصيب هتتجوزيه، بس افردي بوزك." قدمت العصير للحضور، وحينما قدمته لـ "زين" نظرت له بخبث وسكبته على ملابسه، فانتفض زين من مكانه. فاردف منصور: "حصل خير ياجماعة." أما شروق رسمت البراءة على وجهها: "آسفة ياأستاذ زين."
أما زين كانت نظراته لها بقرف وضيق وغيظ وكل شيء. ورغم كل محاولات شروق لتطفيش "زين"، ورغم كل نظرات "زين" المقروفة منها، لما يبالي أحد الجالسين بهم، بل أخذوا يتفقون غير مبالين بهم من الأساس. بينما نظراتهم مغتاظة لاحظها رامي وعلي، واللذين كلاهما تبادلا نظرات متوعدة أيضاً للاخر، وكأنها حرب وليس جواز أو خطوبة.
فرحة و بسمة نمت بداخل كلاهما، "عطر" و"رسلان". أحضر لها بالونات وغزل البنات وجلسوا على الكورنيش وكان يحتضن كتفيها، يتحدثون في كل شيء ولم تفارق الابتسامة فاها. اردف رسلان بمزحة: "مارأيك عزيزتي أن تزوجيني بأخرى وأعدل بينكم؟ اردفت بغيظ: "نعم، مين دي اللي تجوزك؟ إحنا لسه رجعين لبعض من ساعة ياأستاذ، لحقت زهقت مني؟ اردف ببسمة: "وهل من أحد أن يسأم من حياته؟ وأنت حياتي أيتها الطفلة الجميلة."
وعلى غير المتوقع جلت الصدمة على وجه عطر ممزوجة بالتوتر حينما وجدت "فهد".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!