مرت الأيام تتوالى على عطر الزهرة التي دبلت كثيرًا ولم يبق منها سوى رحيقها. كان كل اهتمامها بوالدها فقط. تجلس معه رغم أنه لا يفقه من حديثها شيئًا. فتارة يتذكرها وأخرى لا. عطر: "أقوم أنا عاد يا بوي." أعطته دواءه الذي لا يغني ولا يسمن من جوع. وقبلت رأسه وانصرفت بهدوء. وما إن خرجت من غرفة والدها حتى سمعت ضوضاء بالخارج وأصواتًا متداخلة. وأتت إليها إحداهن، وهي تعمل خادمة بالمنزل. جاءت مهرولة وهي تلطم خدها بضجر.
سعدية: "الحقيني يا ستي، واحد زي الحيطة بره ولسانه معووج. ضرب عطا ضرب خلاهم زي القتلة وعاوز يدخل وأنا مش فاهمة منه شيء." عطر بذهول ولم ترد بكلمة، بل خرجت للتو. في تلك اللحظة كان رسلان يدخل المنزل بكل برود وثقة، إلا أن رآها. عطر بعربجة لم تعهدها سابقًا، كأنها تبدلت مئة وثمانون درجة. عطر: "انت ياحيوان يامتخلف اطلع برررره. هو كان بيت أبوك ولا بيت اللي خلفوك؟ أنا هطلب لك الشرطة حالا."
رسلان بغضب، فهو يعرف العربية لأن والدته كانت دائمة التحدث بها. رسلان بالعربية: "أجل هو كذالك أيتها الشمطاء." عطر بتعجب: "شمطاء مشط لما يلوحك ويقسم راسك." رسلان: "هذا بيتي." عطر: "هذا إيه يعني؟ رسلان ببرود: "بيتي. والآن اغربي عن وجهي. لم أعد أتصور أن أراكِ مرة أخرى أيتها المزعجة الثرثارة." عطر: "ما تبس يا عم بقا إيه؟ هتعملي نفسك خارج من فيلم صلاح الدين؟
لا بقولك إيه، أنا هادية صحيح، لكن اياك تنسى إني صعيدية ودمي حامي وممكن أوديك في ستين داهية." رسلان: "حسنًا، الآن فهمت. فلاحة." لم تتمالك عطر أعصابها أكثر من هذا. فهذا الفضولي الغريب أخرجها عن شعورها. وفورًا ضربته على وجهه بطريقة مهينة لأي رجل. في تلك اللحظة، خرج رسلان عن شعوره وتحولت عيناه إلى اللون الأسود الحالك. وتبدلت ملامح وجهه من البرود إلى الغضب. فمسكها بغضب من خلف حجابها وأطبق يديه على فكها.
فنظرت له بتحدٍ، ثم تحول إلى ألم. أردف رسلان بالتركية، مما يدل على غضبه الشديد: "اسمعي يافتاة، أعلم جيدًا أنكِ حفيدة الوغد وابنة الشخص الذي أمقته جيدًا. ومن سوء حظكِ العاثر أنكِ وقعتِ في يد من لا يرحمك. أنتِ وأهلكِ ستذوقين معي كل أشكال العذاب، وسأذوق معكِ كل أشكال المتعة دون ثمن. سأنتقم منكِ أشد الانتقام." ثم حذفها أرضًا دون رحمة وصعد إلى الطابق الأعلى.
بعد قليل من الوقت، وبعد بكاء لا حصر له من عطر، حتى أصبحت عيناها منتفخة ووجهها كالطماطم الناضجة. تعاهدت في نفسها أن تنتقم من ذلك المقتحم الغريب. فلم تنتظر، وفي الحال اتصلت بالمحامي الذي أتى على عجل. عطر: "يعني ده ابن عمتي؟ المحامي بلا مبالاة: "أيوه ووريث شرعي. وكل واحد خلاص هيستلم أملاكه وحصته قانوني." عطر: "بس المتخلف ده هيقعد هنا ولا إيه؟ لازم تتصرف. ليه في أي خرابة هيقعد فيها؟ ده غبي وأنا بكرهه."
وفي تلك اللحظة دخل رسلان وسمع ما تقوله عليه، بخلاف بعض الكلمات التي لم يفهمها. المحامي بترحيب وتجليل، وقد تجاهل عطر: "يا أهلاً يا أهلاً رسلان بيه. والله مصر كلها نورت بوجود حضرتك." نظرت عطر لهم بغضب، وبالأخص رسلان. رسلان: "هل جمعت لي كل ما يخص أملاكي؟ المحامي: "كله هنا في المستند ده." رسلان أخذ منه المستند وأعطى عليه نظرة سريعة. المحامي: "أي أمر آخر يا رسلان باشا؟ رسلان: "حسنًا، تفضل. شكرًا لك."
عندما خرج المحامي، نظرت عطر بغضب وحقد لرسلان. عطر: "كان يوم أسود يوم ما جيت. ياريت كان داسك قطر." لم يعطها رسلان ردًا وتركها وذهب ببرود. عطر: "حشرة." وذات ليلة، بعد علم رسلان بنوم عطر، دخل غرفة خاله وأغلق الباب جيدًا. وجده نائمًا بهدوء. رسلان: "الآن تنام بهدوء دون تأنيب ضمير. تنام وقد أذقت أمي شتى ألوان العذاب. سأنتقم منك ومن ابنتك الغبية. والأيام ستريك هذا. أعلم جيدًا."
أصبح جو المنزل مملاً بالنسبة لعطر، فقد قررت الخروج للمقابر لزيارة جدها والبوح بكل ما في صدرها حتى تهدأ قليلاً. وأثناء خروجها رآها رسلان. رسلان: "إلى أين تذهبين؟ عطر: "وانت مالك؟ ما شي بارد صحيح. غوري في داهية من وشك ده." (عفوًا يا عطر، فوجهه كالبدر والقمر) رسلان بهدوء مخيف: "عودي للداخل." عطر: "بقولك إيه، أنا أصلًا جبت آخري منك. انت ليك أملاكك ولا أكونش من ضمنهم وأنا مش عارفة." وهمت بالخروج فمسكها من رسغها.
فتأملت، فنظر لعيناها بتحدٍ وغضب وأردف: "هيا ادخلي. وللعلم، حتى خروجك بإذني. وإن فعلتِ أي شيء دون علم مني ستكون النهاية بالنسبة لكِ." أحست عطر في حديثه الجدية، فصعدت إلى غرفة والدها وأخذت تبكي بحسرة ومرارة. هي ذاقت كل أنواع العذاب، ذاقت المرار بعد رحيل جدها سندها في هذه الحياة. أما رسلان، فكان يخرج صباحًا ويعود ليلاً. ودائمًا كان يتحدث عبر الهاتف مع والده ومراد ليطمئن على عمله ويخبرهم أنه سوف يأتي قريبًا.
ولكن هناك فكرة في باله سينفذها ويأتي في أقرب وقت. كان يضحك أركان بمنتهى الخبث والحقد على ذلك المخطط الذي رسمه رسلان بالانتقام من تلك الطفلة البائسة. كانت عطر تشاهد إحدى المسرحيات الخاصة بعادل إمام وتضحك. وعند ذاك الحد رآها رسلان، فصمم تعكير اللحظة. وتقدم وأغلق التلفاز. رسلان: "هذه ضوضاء. أنا لا أحبها." عطر: "حبك برص. بقولك إيه يا كرومبو، غور من وشي بلغتك دي." رسلان: "هذه العربية." عطر: "عربية تاخدك يا شيخ."
لم يفهم رسلان بعض كلامها، ولكنه اقترب منها بخبث وأردف: "ارفعي حجابك. أريد رؤية شعرك. أظنه سيكون جميلًا مثل وجهك." ثم نظر إلى شفتيها وظل يقترب وأغمض عينيه واقترب أكثر. فوجد رأسه خبط في الحائط، وفرت هي من أمامه في التو والحال. رسلان: "فتاة شرسة. ولكن سأجعلكِ خاضعة لي قريبًا." في تلك اللحظة رن هاتف رسلان، وكانت بيرن. بيرن: "اشتقت لك كثيرًا." رسلان: "وأنا كذلك. كيف حالك؟ بيرن: "لست بخير. لماذا تأخرت؟
رسلان: "هناك تصفية حساب قديم سأنهيه، وفي الحال أكون لديكِ." بيرن: "رسلان، ليتك تعلم كم أحبك." رسلان: "اعلمي أن زواجنا سيكون قريبًا جدًا." بيرن: "أهذا حقًا؟ رسلان: "حقًا." بيرن: "هذا أحلى خبر قلته. والآن، إلى اللقاء. أحبك." رسلان: "أحبك." جمع رسلان كل الأملاك الخاصة بعطر بمنتهى الدقة. وجاء ليلاً بعد أن وضع قرص منوم وكاميرات مراقبة داخل غرفتها. وتسلل وأغمض عينيه وخلع ملابسها. وجاء بعقد تنازل.
ومسك إصبعها وبصم مكان التوقيع وزور إمضتها. وألقى عليها قبلة في الهواء بضحكة شريرة قائلًا: "طابت ليلتك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!