الفصل 3 | من 27 فصل

رواية التركي والصعيدية الفصل الثالث 3 - بقلم سنسن ضاحي

المشاهدات
29
كلمة
910
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 11%
حجم الخط: 18

وجاء الصباح وحمل معه الألم والرهبة والاندهاش كله في آن واحد لتلك البائسة الصغيرة، فتحت عطر عيونها بتروٍ لصباحٍ مليء بالمفاجآت. ولحظة واحدة حسمت الأمر حينما وجدت عطر نفسها بملابسها الداخلية وهناك بعض الملابس ملقاة على الأرض، ففي الحال لطمت خديها ولملمت شتات نفسها في رهبة واندهاش وهي تحرك رأسها غير مستوعبة ما هي عليه الآن. عطر بفزع: يالهوي يالهوي يادي الوقعة السودة، يادي المصيبة، انجني يارب.

تحركت في فزع نحو خزانة ملابسها ولبست على عجالة ووضعت الحجاب باهمال وهرولت إلى الدرج، وكادت تتعثر عدة مرات حتى وجدت ضالتها. كان رسلان يجلس يتناول قهوته ببرود، وبنظرة ماكرة. حتى أتت له عطر، مسكته من قميصه ووجهت له ضربة على خده وبصقت على وجهه. عطر: انت عملت إيه يا كلب يا حيوان؟ رسلان ببرود: لا شيء. عطر: لا شيء! لا يا راجل!

ولا تصدق، انت مش راجل، انت حيوان وواطي وحقير، وأنا هوديك في ستين داهية، ده غير إني هشرب من دمك يا تركي يا واطي! رسلان بنظرة شيطان متمرد: الآن فقط يمكنني أن أحدثك بلغة الشارع المصري لتهابي حضوري وتعلمي من هو رسلان أركان. عطر: رسلان أركان! عاهر رخيص مستغل! هوديه في داهية وهشرب من دمه! تكلم رسلان بالمصري، ولكن بلكنة تركية، فبدا كلامه مثيراً للغاية. رسلان: بصي يا حلوة، أوعي تنسي، برغم إني تركي، لاكن أصلي عربي مصري صعيدي.

عطر: وضيف على ده إنك عاهر وحقير! عملت فيا ليه كدا؟ أنا آذيتك في إيه؟ منك لله يا حيوان! رسلان: لمي لسانك اللي عاوز أقطعه، على فكرة أنا صورتك فيديو ظريف كدا أنا وإنتي، وناوي أخليكي نجمة مجتمع بيه على الميديا، ههههههه. عطر بصدمة: أنا مش فاكرة حاجة، هو أنا في كابوس؟ أكيد أنا بحلم، أكيد أنا مش في الواقع، ليه؟ كل دا؟ وابتدت دموع القهر تنسال من بين عيونها. هو أنا آذيتك في إيه؟

عاوزة أفهم، ولا عشان انت اجنبي فسهل عليك الاستغلال من غير حرمانية. رسلان وهو يجلس واضعاً قدماً فوق الأخرى: شششش اسكتي وخليني في المهم. طبعاً مبارح انتي بعد ما شربتي جامد واترميتي في حضني، أنا اتنازلتلي عن كل أملاكك ليا. عطر: نعم يا رووووح أمك! أنا شربت واترميت في حضنك كمان! رسلان ببرود وضحكة مستفزة: هو ده اللي حصل. في الحال اقتحمت يد عطر الصغيرة وجه رسلان كالقطة، تخربش وجهه بشراسة وحقد.

مسكها رسلان من رسغها ولوى ذراعها، فتألمت، ولكن ألم روحها التي انكسرت أكبر وأشد. رسلان بشر دفين: لا إيه! إيدك خدت عليا قوي، وأنا بفكر أقطعها، وبعدين انتي سبتي المهم ومسكتي في إنك شربتي، لا اسمعيني، انتي ملكيش حاجة في البيت، انتي ولا والدك، انتي تنازلتي، وتروحي زي الشاطرة كدا معايا توثقي أملاكك ليا قانوني. عطر: انت بتقول إيه؟ أنا متنازلتش عن شيء.

في الحال أخرج رسلان مستنداً من جيبه وهو ما زال قابضاً على يدها، ورفعه أمام وجهها، فحركت وجهها بنفي، فضغط أكثر على يدها فتألمت. رسلان: هتروحي. عطر: لا لا، دا حقي أنا وأبويا. رسلان: يبقي بكرة الفيديو يغرق الميديا لبنت حسب ونسب. عطر: انت شيطان! أنا بكرهكككك وهموتك. رسلان: يلا عشان توثقي كل شيء بدري بدري. عطر: دا في ولا أحلامك! مش هيحصل. رسلان بنظرة غضب: يبقي انتي عاوزة سمعتك في الوحل.

مر بعض الوقت إلا أنها وافقت عطر على مضض، لتتلاشى الفضيحة، فدائماً كانت تتميز بسمعة أسرتها الطيبة، فلا تدنس بعد كل هذا سمعة جدها وسمعتها في الوحل. عاد رسلان وعطر إلى المنزل، كانت منكسرة للغاية، ذبلت وبان الوجع والقهر والظلم على ملامحها. رسلان بالتركية: هذا جيد جداً، كم أنا سعيد ومحظوظ. لم تفهم عطر حديثه ولا تبالي.

صعدت الدرج، ولكن صوته الذي باتت تكرهه كره دفين، ولأول مرة تشعر بشعور غير المحبة، شعور يتزايد، شعور الكره والكره له، حتى باتت تلعن تلك القرابة، بل تكره عمتها أيضاً. رسلان: جهزي نفسك انتي ووالدك، لأنكم ماليكمش مكان هنا، لأني هبيع البيت وأسافر. عطر بصدمة، فما أكثر الصدمات اليوم. عطر: طب أنا وأبويا هنروح فين؟ انت خدت أملاكنا، هنعيش فين وإزاي؟ وأبويا المريض هروح بيه فين؟ حرام عليك، ليه كدا؟

خلاص ياسيدي، أنا اتذليت، خلاص، أنا انكسرت، خلاص، انت الأقوى. رسلان: هذا لا يهمني، غداً تذهبون. عطر: ماشي، خلاص، ادينا يومين أشوف فيهم مكان. رسلان: يومين بس، لا أكثر، لا أقل.

صعدت إلى والدها وأعطته دواءه، وتمنت أن تنام ولا تقوم، ولاكن سريعاً قامت، توضأت وصّلت، وظلت تقرأ القرآن وتتوسل إلى الله أن ينجيها من الغم، وتستغفر لما حدث بالأمس، رغم أنها لا تتذكر شيئاً، ولو كانت بوعيها لقتلت نفسها، وهذا أشرف لها من الانقياد للرذيلة. أما عند رسلان، كان يتحدث مع والده عبر الهاتف. رسلان بالتركية: ههههههه، نعم، أصبحت معدمة فقيرة. أركان: انت ذكي وعقل مدبر. رسلان: كل هذا تعلمته منك، فماذا يكون ابن الأسد؟

أركان بضحك: ابن الأسد قط. رسلان: قط كبير، هو أسد أيضاً. أركان: قل لي متى تأتي إلى هنا؟ رسلان: في أقرب وقت بالتأكيد. أركان بشر: لا تترك معها أي نقود، نريدها ووالدها أن يكونوا في الشارع. رسلان: هو كذلك، لن تتحصل على أي مال، سيخرجون من المنزل كما دخلوا إلى الدنيا. أركان: ما أروع تعبيراتك. رسلان: لا تنس أني شاعر. أركان: هذا صحيح، إلى اللقاء، طابت ليلتك. رسلان: إلى اللقاء.

في غرفتها التي أصبحت معتمة بلا روح، بعد أن كانت تفوح بالبهجة والسعادة، فالمكان أيضاً يحس بصاحبه، يفرح لفرحه ويحزن لأحزانه. لم تنم عطر، بل ظلت مستيقظة طوال الليل بين البكاء والذهاب للاطمئنان على والدها، وقد عرفت إلى أين ستذهب، وهذا أراحها قليلاً، وقرأت الفاتحة على روح جدها، حينما تذكرت نصيحته لها لشيء كانت ستفعله، ولكن نصحها بقلب كهل حكيم مر عليه حلو الأيام ومرها. هدأت قليلاً وذهبت في نوم متقطع.

أما رسلان، فقد اعتاد على الأجواء المصرية وأحبها كثيراً، وكان يتناول الفطار ويخرج ولا يعود إلا في المساء. مر اليومان، نزلت عطر بشنطة ملابسها هي ووالدها. كان رسلان يجلس في الصالة ويضع قدم فوق الأخرى، ينظر لهم ببرود، وأمر أحداً منهم أن تفتش الحقيبة التي بحوزتهم جيداً، فلم تجد إلا الملابس وصورها هي وجدها. رسلان: ودلوقتي اطلعوا بره، وما حصلش لينا شرف بوجودكم.

اصطحبت عطر والدها الذي لا يفقه شيئاً، بل هو كالطفل فقط، ونظرت إلى رسلان بانكسار، فبادلها النظرة ببرود. أغلقت إحداهم الباب خلفهم. فلم تتحمل عطر أكثر من هذا، فتساقطت على درجات سلم المنزل وبكت بانكسار، فهذا المنزل شهد أحلى الذكريات والأيام التي ذهبت مع أعز من ذهبوا. تمالكت أعصابها وعدلت حجابها، ومسكت بكف والدها، والأخرى الحقيبة، وذهبت قاصدة وجهتها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...