تحميل رواية التركي والصعيدية بقلم سنسن ضاحي pdf
بقلم سنسن ضاحي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فى مدينة اسطنبول التركيه داخل إحدى المنازل الراقيه يجلس رجل فى الستون من العمر يتناول قهوته الصباحيه باستمتاع الا ان جاء بجواره ابنه "رسلان" شاب فى الحادى والثلاثون من العمر يعيش هو ووالده بعد وفاة والدته رسلان شاب وسيم ذكى يحب والده كثيرا رئيس مجلس إدارة شركات والده "اركان آغا " الحوار بالتركى رسلان بمرح: صباح الخير والدى العزيز! اركان ببسمه: بخير رسلان مادمت انت كذالك! لما أتيت متاخرا امس رسلان؟ رسلان: لا شئ ابى كنت اسهر مع "بيرن" خطيبتى. اركان بضجر: حسنا ولاكن انتبه إلى أعمالك وتغاطى عن تلك ا...
رواية التركي والصعيدية الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سنسن ضاحي
متألمة! يائسة، غير مهندمة. على وجهها آثار تعذيب.
اقترب رسلان بقلق بدا ظاهرًا على ملامحه. حتى وقف أمامها وأمسك وجهها. نظرت لعيونه، ووجدت بهم قلقًا رهيبًا. سألها بنبرة قلقة:
"ما بكِ؟ من فعل هذا؟ تكلمي، من فعل بكِ هذا؟ هيا جاوبيني."
بينما نظرت له، وجدته غاضبًا. فبادرها في الحال بصوت غاضب:
"هيا جاوبيني، من فعل بكِ هكذا؟"
لم تجبه، وكأنها في عالم آخر من الهذيان أو ما شابه. لم يطاوعها فمها في إخراج أي حرف. فقط الرؤية تشوشت أمامها، حتى هو بهتت ملامحه. فقط فمه يتحرك بصراخ. فوجدت نفسها كأنها تنسحب إلى بئر مظلم، كأنها فقدت عقلها به. سقطت على ذراعه، فحملها بقلق ظاهر وأخذ يردد اسمها.
"رامي!"
وقف في ردهة المدرسة بقمة غيظه. وزملائه يلتفون حوله. أما هو، فكان ينتظر شخصًا.
دخل "علي" المدرسة بتوتر. جرى عليه وأخذ يدير رأسه للناحيتين. لمحه "رامي" فابتسم في خبث، وكأنه وجد ضالته. فتقدم منه ووقف أمامه. أما الآخر، فرفع رأسه عاليًا.
"بقى أنا يا واطي يا واطي تضحك عليا وتخمني في خمسين جنيه؟"
"الاه مش أنت اللي ادتهملي بمزاجك؟"
قبض رامي على ملابسه بغضب وأردف بسخط:
"ولاااا، انت فاكرني فانكي ولانايتي؟ لاااا، ده أنا لفيت بلاد. طب ورب العباد، إن مجبتش الفلوس لأخليك ترند بس ترند متعلم عليه."
نفض علي يده بغضب وأردف:
"ولا جنيه هتاخده، مش من حقك أصلًا. ده تمن الليلة اللي بيتها عندنا. ولاهي كانت تكية جنابك. آآآه، مهي قتة محلولة يابا."
قبض رامي على ملابسه مجددًا وارتفع صوته:
"لا يااض، خفت أنا. ليلة إيه يا معفن اللي أباتها عندك بخمسين جنيه؟ ده أنت نهارك أسود."
ثم ركله في بطنه، فبادله الآخر واشتدت المصارعة بينهم والسباب. لم يقدر أصدقاؤهم على إنهاء الأمر. فتدخل أحد المدرسين وحول الأمر إلى المدير، الذي أرسل إخطارًا في الحال واتصل بأولياء أمورهم.
فتحت عيونها ببطء، وجدته يجلس أمامها. اقترب منها وجلس بجانبها.
"كيف حالك الآن؟"
طيب، حنون، يسألها عن حالها، يطمئن عليها. تشعر الآن بمدى طيبته وحنانه.
"الحمد لله."
أومأ لها بهدوء ولم يخرج من جوفه حرف آخر.
أما هي، فقامت وجلست. فركت يدها بتوتر وأردفت:
"أنا آسفة."
عقد حاجبه باستغراب وأردف:
"لماذا؟!"
"على اللي حصل مني."
تتساله وتتأسف بعد فوات الأوان. كان كل شيء ينتهي بكلمة. فعلت به الأفاعيل، هانت رجولته. يعلم أنه بدأ معها بالخطأ، لكنه لم يؤذها وهي زوجته، بل عاملها بمنتهى الحب، دللها كأنها طفلته. فقارنت بينه واختارت عشقه. يعلم أنها ذهبت له بعلم أن آثار ما بها له علاقة به.
لاحظت أن صمته طال ولم يجب ويرد عليها. فهمست بصوت عذب:
"رسلان."
نظر لها وأردف ببرود:
"الأمر انتهى. كل شيء انتهى قبل بدايته. والآن أنت حرة، وأسفك مقبول. تصبحين على خير."
وكأنها انسحبت روحها مجددًا بخروجه. اللعنة عليه. رمى بذرة الحب والاهتمام عليها، فأنبتت. فهي بالآخر كال أرض، لا تفرق بين الصالح والطالح، بل تنبت البذرة بنوعها. رما عليها حبًا واهتمامًا، فطرحت بقلبها حبًا له. ليته كان يعاملها بجفاء، لكان الأمر أهون عليها. لم تجد للنوم طعمًا ولا راحة، كأنها تنام على نيران.
انتصف الليل ولم تر للنوم أثر. تسللت ببطء نحو غرفته. طرقت الباب بهدوء. أمامه، فكان يغوص في سبات عميق. استيقظ على طرقات خفيفة بباب غرفته. كان وسيمًا حينما أجبر عينيه على الاعتياد والذهاب للباب بشعره الناعم المبعثر ومنامته القطنية ذات اللون البني التي برز من خلالها جسده المعضل. فتح الباب واستغرب وجودها. كانت تنظر له بذهول. لحظة، وعيت إلى نفسها، فحمحمت بإحراج وذمت شفتيها كال أطفال، فبدت لطيفة للغاية.
"ممكن تقعد جنبي لحد ما أنام؟"
لاحت بسمة صغيرة على وجهه وأردف:
"لا، أنت لست زوجتي ولست سلطانًا عليكِ."
حمحمت بإحراج وأدارت ظهرها للخروج، فغلق الباب خلفها وعلى وجهه لاحت بسمة جميلة. تشتت أفكاره. لم يبت كعملة سوداء. لعنة حلت بجميع أطرافها عليه. أصبح نسيانها محالًا. أصبحت ملازمة لتفكيره وروحه. فقد غلبه حبها، رغم كل العبر غير الآدمية الموجودة بها، لكن لقلبه رأى آخر. أيعقل أن يمحى كرامته مجددًا في سبيل حبها؟ لن يفعل هذا مهما كلفه الأمر. لكن راوضه قلبه البائس المحطم. فلعنة أشد لعنات، هي ماكرة، إبليسة، حمقاء، لا تصلح للحب، بل تصلح للتلاعب بمشاعر الآخرين وتسدد لهم طعنات قاتلة في أفئدتهم. انكوى هو بنيران عشقها التي لم يستطع التغلب عليها.
نفخ "فهد" في ضيق. قبض على خصلات شعره بغضب وتشتت. متى، أو إلى أي مدى تخرج من تفكيره؟ متى تخرج من قلبه؟ لا يستطيع كرهها ببساطة، لأنه الحب! الحب التعويذة السحرية الملعونة الساخرة التي ترمى في قلوب، فتنزل الأفكار، وتشتت العقول، وتمحى العرف. نوع من أنواع الجنون والمرض. هو في حد ذاته مرض. سعيد الحظ، يمكنه الشفاء منه!
دخلت والدته وجدته منكفئًا ويده تحضن وجهه، وبدأ عليه العبوس والقنوط.
"مالك يا فهد؟ فيه إيه؟"
نظر لها بهدوء، فنفطر قلبها لحاله.
"مفيش ياما، سلامتك!!"
أجابته بنبرة حزينة منفطرة:
"هتفضل كده لامتى؟ أبوك عاوز يجوزك ويفرح بأولادك. اتجوز يا ابني، وأنت هتنساها. دي لو كانت خير لك، كانت هتبقى ليك."
رفع رأسه بصمود وبنبرة حاول أن يجعلها عادية، لكن اهتزت نبرته:
"فعلاً، هي شر وأكبر شر صابني. وعشان كده أنا هتجوز. لازم أتزوج. هي ولا حاجة بالنسبة ليا."
رغم فرحة والدته، لكنها أحست أنه دخل في عناد مع نفسه، مجرد عناد فقط. ولتدعو الله أن يرزقه راحة البال وطمأنينة الفؤاد. فجرح الحب غالبًا لا يداوي.
دخل منصور غرفة المدير بوجه قانط للغاية. وجد رامي وقد ارتبك لدخول والده. فزغر له منصور بغيظ، ثم رسم وجه لطيف بشوش أمام المدير، عكس ما بداخله.
"السلام عليكم يا أستاذ عبد العظيم. فيه إيه يا عم؟ ده رامي ابنك، أول ما يغلط، الطشة على قفاه. والله، أستأذنت أول ما اتصلت بيا. أستأذنت وجيت."
"عجبك الواغش اللي عامله رامي ده يا أستاذ منصور؟ إيه هي سويقة دي؟ مدرسة مش حارة."
نظر منصور لـ "رامي" بغضب وغيظ، ثم عاود الوجه اللطيف كره أخرى:
"حقك عليا أنا المرة دي."
لأن المدير من نبرته، أردف:
"عشان خاطرك بس يا أستاذ منصور."
نطق منصور بنبرة أمرة وقد نظر لـ "رامي" بغضب وأردف:
"يلا يا ولد صالح صاحبك. يلاااا."
اقترب رامي ورسم بسمة سمجة مزيفة واحتضن صديقه، واقترب هامسًا في أذنه:
"حسابك معايا بعدين يا بغل. بس ننشر غسيلنا الوسخ بره."
رسموا الاثنان بسمة مزيفة وود كاذب، وكل منهم ينظر للآخر بتوعد.
أما في المساء، اجتمع أصدقاء منصور المقربون يشاهدون مباراة كرة قدم بمنزل منصور. حيث كانوا يضحكون بصخب. فهم عشرة عمر طويل، معظمهم أصدقاء الطفولة.
"مالك يا منصور؟ شايل طاجن ستي؟ إيه عجزت؟ يا ساتر عليك يا جدع. مالك نكدي النهارده؟"
أجابه عزيز بضحك:
"هو نكدي النهارده بس، ده نكدي على طول. اسكت يا مكرم، متضغطش عليه، أحسن الضغط يعلى عليه، هو والسكر، ومنلحقوش!!"
تدخل رشيد بضحك:
"أكيد على عليه زود يا عم شوية. أنت ناسي كل مرة بيحفل علينا إزاي؟ سيبنا ناخد فرصتنا."
أما منصور، فكان ينظر لهم بسماجة، وهم بدورهم يضحكون بلا أدنى سبب.
فتح رامي الباب ودخل. سلم على ثلاثتهم ولم يقترب من والده خوفًا منه. فما كان من ثلاثتهم إلا أخذ يضحكون بصخب.
"إيه يا رامي؟ مش هتسلم على الحاج ولا إيه!"
ثم تبادلوا الضحكات مرة أخرى.
أما منصور، فرد بسخرية:
"معلش بقى، أصله مبيسلمش على رجاااااالة!!"
لم ينبس أحدهم بكلمة واحدة، وجلسوا في صمت.
وجدها تجلس بعيدًا عنه وتنظر له بخوف. على كل، ارتاح من ثرثرتها الواهية. لكن خطر فكرة برأسه. فاقترب "فهد" وجلس بجوارها وأردف بكلمة واحدة:
"تتزوجيني؟!"
دلو من الماء البارد لو سقط عليها بليالي الشتاء لكان حتمًا أهون بكثير من هذا. أصابتها قشعريرة خفيفة مع حالة من الزهول. ففتحت فاها وسقط فكها ونظرت له بشرود. فأردف بسخرية:
"اقفلي بوئك ياماما عشان الدبان."
لحظة، واستوعب عقلها ما قاله. فنظرت له مجددًا وأردفت بدون تصديق:
"فهذا هو فتى أحلامها الذي اقتحم حياتها، فجعل لها طعمًا ولونًا. يطلب يدها. أم هو وهم وتخيلات عبثية؟"
"لحظة بس، هاتلي الجملة من أولها وبهدوء."
استغربها. هي كلمة واحدة، لكن لا مانع أن يعيدها على سمعها مجددًا.
"هي كلمة واحدة يا آآآه. يلا، تتجوزيني."
لم تعط نفسها أي فرصة للتفكير، بل تعاملت بتهور وغباء.
"أيوا، أيوا طبعًا موافقة!!"
أما هو، نظر لها باستغراب. أهبله، هي. منظرها يؤكد لك هذا. لم تعرفه غير معرفة سطحية. تتعامل كأنها طفلة ليس إلا. أردف بنبرة عادية:
"طب، يومين وفكري واسألي عني."
أردفت مقاطعة له:
"لا، أنا موافقة. هو أنت فيه زيك يا راجل؟ هاه. خش في المهم، امتى هتتقدم؟"
نظر لها باستغراب. غريبة، هي حقًا، لكنها تبدو بريئة، طيبة، عكس سابقتها. يبدو أنها لم تبرح تفكيره، وسيقارنها دائمًا وأبدًا مع غيرها. ليت للقلوب ممحاة تزيل الحب وآثار الماضي. ليت أفاق من تفكيره على صوتها، حينما أردفت:
"هاه؟ هتتقدم امتى؟!"
أجابها بهدوء:
"هظبط أموري وأقولك!!"
تسقي الأزهار التي ترعرعت أكثر وأصبحت باهية. فعطر تهتم بها دائمًا بنفسها. أخذت تدندن بصوت جميل لحنًا عذبًا. فصوتها رائع، بل أروع الأصوات التي يمكنك سماعها. سرحت بخيالها الذي قاده اللحن المبهج. لم تنتبه لعودة "رسلان" من عمله ومتابعته لها بانسجام. حوريته الصغيرة، طفلته التي احتلت قلبه. ارتسمت بسمة حاملة الكثير من البهجة على وجهه. فقد ارتاح لسعادتها. لكن غابت بسمته للتو حينما أكدت له نفسه أن سبب تلك السعادة ما هو إلا بسبب خلاصها منه. وهذا اللحن تدندنه غارقة به وبأفكارها، ترسم مستقبلًا لها ولعشيقها. ولهذا الحد من التفكير، عبس وجهه بقنوط وغضب. وأردف لها بنبرة غاضبة:
"عطر، يكفي هذا الحد. صوتك مزعج للغاية. أصاب أذني بالتلوث السمعي. اللعنة! صوت نشاز."
عقدت يدها على خصرها وأجابته بغضب:
"صوتي أنا مزعج؟ ولا صوتك أنت اللي بخمسين لون زي صوت البحة؟"
بادلها نظرات غاضبة وأردف بغيره:
"مزعج، مزعج. ما رأيك؟ صوتك مزعج حقًا. لا تغني ثانيًا."
أردفت عطر بغضب:
"حلو، وحش، عاجبني. إيه رأيك؟ حد قالك عاوز رأيك؟"
أردف بنبرة مغتاظة وهز كتفه باللامبالاة المصطنعة:
"أنا أقول رأيي بحرية. لو كان جميلًا لقلت لك هذا."
"بقولك إيه؟ يالااااا. متصدعنيش. حط رأيك في جيبك واتكل على الله. يلا يا خويا، هوينا."
كانت كوميدية ولطيفة للغاية، جعلته يبتسم غصبًا عنه. صدم رسلان حينما وجد آخر شخص يتوقع وجوده. ارتبك بشدة. أما عطر، فنظرت له باستغراب، ثم وجهت أنظارها لهذا الشخص وعقدت حاجبيها مستغربة. ترى من هذا؟ اقترب الشخص من رسلان. تمنى رسلان أن يختفي في الحال، خاصة بوجود عطر. حقًا، إنها لمأساة.
حبايبى اتفاعلوا ورايكم يهمنى. ايه توقعاتكم للجاى؟ عزيزى القارئ، أنت لم تر شيئًا بعد. أنت على حافة التشويق والإثارة. اترك لي مرورًا.
رواية التركي والصعيدية الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سنسن ضاحي
رواية التركي والصعيدية الفصل الثاني والعشرون بقلم سنسن ضاحي
رواية التركي والصعيدية الفصل الثاني والعشرون
تحركت تتهادى فى ملابسها المخجله فنظر "رسلان"
الى "عطر" وقد جف حلقه وبدا عليه التوتر بينما"عطر"لاتفقه من الامر شئ فقط تنظر لتلك المخله
المخجله الجميله اجل جميله للغايه تتمخطر بتدلل
فى مشيتها وتنظر باشتياق يحمل الخبث والرغبه
الى ان تقدمت من رسلان واحتضنته بشغف
ولم تعطه فرصه حين امطرته بالقبلات على وجهه
فانتشلها ملقى بها بعيد عنه فى نفور ونظر ل "عطر"
بتوتر بينما "عطر" نظرت لهم بحنق وغيظ وغضب
بدت حانقه مغتاظه خاصة حينما تكلمت تلك
الدخيله البغيضه بلغه تركيه لاحظت بها الكثير
من الدلال
"بيرن"اشتقت لك كثيراً رسلان هل انت غاضب منى
اشعر انك لم تعد تحبنى كالسابق؟!
اجابها"رسلان"بالتركيه مما جعل"عطر"تغتاظ وبشده
فنطق مردفا"لا الامر ليس كذالك فقط يصيبنى
الضيق لفراقك"وكانه اراد اغاظتها خاصة حينما وجدها تهتم بالامر ويظهر عليها الغضب جليا على
وجهها حتى إن لم تفهم لغته،
مما جعل"بيرن"تمارس اسلوبها الذى يجعل نفسك
تتموع من الدلال الذائد الغير مستحب ولاتبالى بالواقفه
امامها بل لاتشعر بوجودها من الاساس فاردفت
"بيرن"بخبث"ياللهى لقد اشتقت لرائحتك الرائعه
المفعمه بالرجوله"
رسم "رسلان"بسمه متوتره خاصة حينما وجد الاخيره
على اوج الانهيار بكتله عصبيه غاضبه متزمره فخشى
تصاعد الامر اكثر من هذا حتى لاتنفجر امامه كالبلون
المنتفخ،شعر بالفرح لغضبها اجل هذا ماكان،خاصة
حينما سرقت"بيرن"قبله منه دون علمه فاقتربت
منها عطر متجاهله اى شئ كان او سيكون فقط
جزبتها من شعرها بعنفوان وطاقه رهيبه واردفت وقد
جلست عليها تصفعها شمالا ويمينا وكانها بلط"جيه
مما جعل رسلان فى حالة زهول تام،
"عطر"اردفت بغضب"وحيات امك يابت المقشفه
يامايعه ايه يابت البجاحه دى دا كنت مراته ووالله
ماحصل اللى عملتيه دا الله يخرب بيتك يابعيده
جبتى الجراءه دى منين ياسكه يافكه ياللى ليكى
طريق فى كل سكه يابايره ياعره،ياللى لاليكى
دين ولاعندك قوانين يامتعوسه يابت الموكوسه
"انتشلها رسلان ثم اخذ بيد بيرن التى اصبحت
بحاله يرثى لها حقا واردفت ببكاء لرسلان الذى
اشفق على حالها
"بيرن"من تلك السحليه الجنوبيه من اى مكان جلبتها"
وحمدا للمولى ان عطرلم تفهم التركيه فقط وقفت
كماالاطرش فى الزفه تلتقط انفاسها بسرعه رهيبه
نظر رسلان ل"عطر"بتوتر ولحظه استوعب انها لاتفقه
التركيه فحمد الله،ثم اردف محدثا بيرن بتواسى
"رسلان"كلامك صحيح هذه سحليه مصريه اضف على هذا انها من سحالى الصعيد الشرسه الغاضبه الغيوره يمكنها الفتك باى شئ يغضبها اسالينى انا فقد
فتكت بى سابقا واخرجتنى عن شعورى لذا تجنبيها
رغم كونها جميله،ولطيفه،ورائعه،ومحببه،وكالعسل الصافى،فهذا لايمنع كونها سحليه شرسه"ثم اردف
بداخله"سحليتى المفضله التى جرى حبها بدمائى واعماق فؤادى"
اما عطر فلا تود المكوث صامته اكثر من هذا بل بدت
غاضبه قانطه واردفت بعصبيه"رسلان البت دى لازم
تمشى من هنا مشيها يلا انا مش طيقاها هنا ومن فضلك اتكلم عربى بدل معملكم قلق فى قلب المكان
ثم وجهت نبرتها الغاضبه لبيرن واردفت"وانتى ياختى
هوينا يلا يارسلان اطردها من هنا عشان انا مش
هعرف اتكلم زيكم "
الان اتضحت له الامور هذا ليس سوى غيره منها
سيكون مجنون ان لم يستخدمها لاخراح مابداخلها من
كبرياء وتمرد لذا رسم وجه الصرامه والبرود ونطق
بنبره حاول جعلها غير مباليه وقد خرجت هكذا بالفعل
واردف رسلان وقد وجه حديثه لعطر"لكنها خطيبتى
واتت بعلم منى وقريبا سنرتب لموعد الزفاف وكيف
سولت لك نفسك ان تفعلى بها هكذا اجننتى"
صدمه!!اصابتها ترددت كلماته على اذانها خطيبته!!زوجته!!حزين لاجلها،نظرت له بصدمه وضيق والم
وحزن وجدته لايهتم بها بل يواسى الاخيره غير مهتم
بالنظر لها حتى وكانها لاتقف امامه بل كانها هواء،
فانسحبت فى الحال بسرعه
وبمجرد ذهابها ترك "رسلان" بيرن ببرود واردف
"بيرن فى اقرب وقت يمكنك عليكى مغادرة المنزل"
عقدت حاجبها واردفت باستفهام"لماذا هل تمقت وجودى؟!
اجابها رسلان بنبره صادقه"بلى فانا ارتبطت بمن
كانت امامك منذ قليل واحبها حد الجنون حتى لو
لم تكن لى فهى بنظرى طفلتى التى اتمنى لها السعاده
من داخل اعماقى احتلت قلبى ولايمكنها مبارحة المكان وانا ايضا لااريد سواها بوجدانى الداخلى رغم
اختلافنا ساظل احبها واتمنى لها السعاده"اثناء حديثه تساقطت بغض قطرات الدموع الحارقه من فيضان مشاعره
اما "بيرن" فحالها لم يختلف عنه كثيرا ولاول مره تشعر انها تحبه حقا ليتها اولته اهتماما صريح الان تشعر بفقدانه فلابائس فكلاهما خذلوا، لم تقف بيرن امامه لثانيه واحده بل خرجت للتو من منزله وحياته
اخذ ينادى عليها ومسكها من زراعها ولكنها نفضته للتو
ونظرت لعيونه بدموع ممزوج بالتحدى"لقد انتهى الامر كانتهاء اى ذرة مشاعر اتمنى لك السعاده من اعماق فؤادى"
ثم تركته وذهبت اما هو وقف صامدا،الفراق مر،انسحاب روحك وجعلها زكريات شعور صعب لايمكن
نسيانه وجود احدهم بحياتك وخروحها منها ليس بالهين اصلاقا
فدائما طبيعتنا تغلب عليها التمرد وعدم الخنوع يكن
معنا شئ فيبهت بداخلنا ونستئنف،حتى ان ننظر له او
لمكنونه لحاجه فى نفسنا لتشاء لاجل ان تقضى فينكشف القناع الذى اوهمنا انفسنا به انه مجرد عابر
لنكتشف فيما بعد انه وطن،هل الحب وطن؟الحب وطن
تحت ارها"ب المشاعر واى شئ اخر حينما تهم بالابتعاد
عنه تجد نفسك تنتمى اليه حتى ولو كان ضيق او بقدر
قليل حينما تحب ستحد نفسك تلقائى تنحاذ له ولكيانه
بجماله وقبحه باى شئ حلوه ومره بكل العبر والعظات
جميعا غارقون فى الحب وسنشتشعر هذا بعد فوات الاوان ولنعطى لكل شئ حقه٠
"خلاص ياامى انا قررت اتجوز ولقيت بنت الحلال"
اردف بها فهد بنبره عاديه تحمل الجد فى طياتها
فاردفت والدته بنبره فرحه للغايه"والله العظيم دا احلى
خبر سمعته فى حياتى على خيرة الله يابنى"
اردفت نورا بفرحه تشع من وجهها"عن حب صح اوم
لحقت بس بجد انا فرحانه والله"
نطق فهد بضيق"بلا حب بلا نيله اخدت ايه من الحب
غير الخيانه ووجع القلب ثم انتى يابت مالك ومال
الحب عيب تحكى كدا ويلا شوفى وراكى ايه"
نطقت والدته بفرحه"هكلم الحاج ونمشى فى الموضوع"
دخل فهدغرفته فاتاه اتصال من سما فقد تبادلوا ارقام
الهواتف ولكنه لم يبالى وجعل هاتفه صامت ثم وضع
وجهه بين كفيه ومسح بارهاق وحاول باكبر قدر اخراجها من ذهنه وقلبه حقا هو يرغب فى هذا لكن لم يسعفه قدرته البسيطه للوقوف امام هذا القلب الطاغى
الذى غلبه،هو وعقله فحدث نفسه بصوت متحشرج
اصابته بحت البكاء "ليه كدا ياعطر ليه عملتى كدا والله العظيم بحبك اكتر من نفسى والله مكنت متحمل انى اجرحك لما جيتى مكنتش قادر اشوفك
متالمه بس مكنش لازم اضعف قصاد وحده خدعتنى
وعرفت تعلم عليا وعلى قلبى مكنش ينفع فعلا نعيش
مع بعض لانى لو عشت معاكى هيبقى فاضل على
الجنه ايه مفيش جنه على الارض،ورغم انك خاينه
وجرحتينى بس بحبك ومش قادر اكرهك وياريت اقدر"
وفى مساء يوم جديد دخل "مراد"منزل رسلان لميعاد
حدده رسلان سابقا جلس"مراد"فى غرفة الاستقبال
بانتظار قدوم رسلان الذى جلس بهدوء واخذو يتذوقون القهوه باستمتاع اللى ان اردف"رسلان"
اخبرنى ما هو الجديد لعل الامر على مايرام
بادله "مراد"نظرات جاده واردف"الامور جميعها تمت
بخير لكن متى نجعل عمل مديد لنا بداخل الاراضى المصريه"
نظر له رسلان بغضب واردف"امحى تلك الفكره اللعينه من راسك فلا اود فتح الامر لمرتين على التوالى لان الثالثه ستكون بازهاق روحك وسانسى
بانك رفيقى"
نظر له مراد ببغض الغيظ واردف"ولكنى عرضت
الامر على والدك ورحب بهذا كثيراً"
ولهنا نفذت اخر ذره من صموده فاقترب من "مراد"ومسكه من فكه بقبضه من حديد واردف
وهو يضع المسدس بمنتهى الوحشيه على راسه
ونظر فى عينه بشر وغضب"اخبرتك بانى لا احبذ الحديث مرتين تعلم انى صادق فى هذا كصدقى فى
ازهاق روحك الان"وبدون مبالغه نوى على فعل هذا
فارتسمت بعيناه نظرات الرعب والخوف والرهبه حينما
كاد ان يضغط على زيناد سلاحه،
اما عطر فمنذ اخر مره ورجعت تتجنبه قد سئمت من
غرفتها لذا قررت الذهاب اللى حديقة المنزل لكنها سمعت صوت همسه الغاضب مع احدهم فدفعها فضولها كالمعتاد راته عكس ماكانت تراه يقبض على
فك احدهم بشراسه ووجهه الوسيم اصبح مرعب للغايه
وجدته يخرج سلاحه وينوى انهاء روح هذا البائس الواقف امامه لاحول له ولاقوه فاعتلت نبضات قلبها
وخذت تتنفس سريعا اما"رسلان"كان على وشك انهاء حياة"مراد"حقا فهو يعلم انه سيحلب له المصائب ذات
يوم حقا لذا قرر الخلاص منه،
انقبض قلبها لمجرد انه شخص همجى فترقرقت دموعها خوفا منه وخوفا على هذا المسكين وهمت بالنطق لايقافه فلم يطاوعها فمها وكان لسانها قد ثقل
لكن على اى حال اردفت عطر بنبره مبحوحه متحشرجه"رسلان سيبه حرام عليك سيبه عشان خطرى"
اخترق صوتها الحزين ضواحى اذنه وقلبه اهى الان تراه قاتل بوجهه الغاضب المرعب رمى سلاحه ونظر
ل "مراد"ونطق بغضب"اغرب عن وجهى الان"
التقط انفاسه سريعا واخذ يتعثر اثناء خروجه اما"عطر"نطرت له وهمت بالذهاب فمسك قبضتها
الصغيره فنظرت لزرقواتيه بالم فلم يدع رسلان مجالا
للكلام غير انه احس بوجعها ورغما عنها احتضنها
بشده لاول مره،همت بانتزاع نفسها من بين احضانه
لكن بالاخير استكانت وكانها وحدت مائمنها قبل اعلى
راسها ولم يتفوه بكلمه واحده وكان اخر الكلام هو الاحتواء وتركها وذهب بصمت،
نطق"منصور"بنبره فرحه للغايه ل"زين"الذى جاء للتو
حيث اخبرهم سابقا بميعاد اجازته فاستقبلاه بحفاوه
واعدت له والدته الذ الاطباق الشهيه التى يميزها ويحبها
"والله يازين يابنى من يوم مامشيت الببت ماليه طعم خصوصا اخوك ابن الكلب اللى مطلع عينى"
نطق زين ببسمه"سيبه يفرح ليه يومين قبل مايتسحل
فى الشغل"
اردف منصور بنبره مغتاظه"شوف ابن الكلب التانى بيدافع عنه دا بدل متربيه"
نطق زين ببسمه"حاضر يابا بس لما يجى هربيه"
فتح "رامى"الباب ودخل باهمال والقى التحيه الى ان
راى"زين"فجرى عليه وتبادلوا الاحضان
اردف رامى بفرحه"عم الشبااااااب وصل وصل وصل"
نطق "زين"بفرحه"والله وحشنى ياض هاه مزعل الحاج
ليه مش غلط كدا ياحبيى"
اردف رامى بتجاهل"سيبك من الحاج دلوقتى هو حد
قادر عليه اصلا دا طايح فى الكل دا خلى قفايا مقلمه "
كان يتحدث بتلقائيه وقد نسى الواقف خلفه يشتعل
غضبه اما "زين"فغمز لرامى مرارا وتكرارا فى اشاره
منه للسكوت والاخر على ما هو عليه
"بقووولك ايه ياعمهم متخدنى معاك الصعيد اهو
بالمره اريح صلاح الدين الايوبى من احتلالى للبيت"
وهنا تدخل منصور بصوت غاضب"اهو صلاح الدين
الايوبى هيطهر الارض النهارده يابن الكلب"
يتبع الفصل الثالث والعشرون
رواية التركي والصعيدية الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سنسن ضاحي
توتر وجه رامي ولعن هذا الحظ العسر حينما اقترب منه منصور بضجر، ففي يوم ما سيصيبه أزمة صدرية مفاجئة من هذا الأحمق سبب البلاء.
أردف منصور بغضب:
"بتقول إيه يا ولد يا اللي ما شفتش بجنيه تربية!"
تجاهل رامي غضبه وأردف:
"شفت يا بابا، يعني التربية طلعت بكتر الفلوس؟ ها تاخد على عيل ما شفتش التربية بجنيه؟"
كتم زين بسمته، فالإثنان أصبحا يعتادان على هذا.
أردف:
"انت يا ضنا يارامي، بوس على راس بابا يلا."
أردف منصور باعتراض:
"لا يبوس ولا غيره، ولا عاوز أشوف وشه قدامي."
خالفه رامي الرأي واقترب منه وقبل رأسه رغم اعتراض الآخر. تلا الأمور على خير في جو أسري مليء بالحب.
دخل رسلان المنزل بهدوء، وجدها تتناول فنجانًا من القهوة وهي شارده وعلى وجهها العبوس والقنوط.
نفخ بزهق، فهما لم يتقدما خطوة واحدة في هذه العلاقة التي كُتب عليها الفشل قبل ابتدائها. حينما يحس أنها تستكين لقلبه، يراوده الشعور بالخيبة. إنها لم تكن له حتى ولو تزوجها، فالقدر أخرجهم من تلك الدوامة مجددًا. انتهى الأمر وأنهى ما حاول ابتدائه.
تقدم منها وجلس أمامها. لم تلحظ وجوده، ولكنها أحست برائحته العطرية التي اقتحمت أنفها دون سابق إنذار.
أردف رسلان بهدوء:
"عزيزتي، كيف حالك اليوم؟"
نظرت له بتحقق ولم تجب عليه. عاود سؤاله مرة أخرى، فأطالت النظر له وبداخلها أحست أنها يومًا ما ستفتقده. الآن تعلم كل العلم أنها تحبه، حتى ولو دخل حياتها في هيئة شيطان، لكنها تحبه وهذا ما تعترف به داخل وجدانها. وتعهدت أن تظهر له كما اعتادها، ومشاعرها تلك ملكية خاصة بها هي فقط من يمكنها البوح بها، ولنفسها.
تملكه القلق حينما لاحظ هدوءها وشرودها. "ما بها حقًا؟" هذا ما حدث نفسه به.
وأخيرًا أردف رسلان ببعض القلق حينما اقترب منها:
"ما بك؟ ما بك حقًا؟ لما كل هذا الحزن بداخل تلك العيون الجميلة؟ أين المشاكسة؟ اعتدت عليك غاضبة، مغتاظة، قانطة. لما اعتدك هكذا؟ لم يلق بك كل هذا الحزن."
ثم حاول ممازحتها وتلطيف الأمر وأردف:
"تبدين كالمجنونة التي فقدت عقلها، أو ربما أنت هادئة من أثر حبك لي؟ قولي، أصبحتِ تعشقيني." ثم غمز بعينيه.
أما هي، فضغطت على شفتيها بغيظ وأردفت:
"اسكت يا عم أنت كمان، وبعدين إيه بحبك دي كمان!!"
برزت بسمة صغيرة على فاهه:
"تحبيني؟ أنا؟ وتعشقيني؟"
ثم تكلم بنبرة حنونة تحمل الجدية ونطق بحنان:
"عطري، متى ترضي على قلبي؟ أنا أحبك، أقسم لك بما أنزله ربي على أشرف الخلق، أني أحبك وأعشقك وتيمت بك."
كلامه أكثر من الصادق مس قلبها، بل إنها تسمع ذبذبات قوية بداخل الفؤاد. نظرت له بداخل زرقاواته واحمر وجهها خجلًا. اخفضت نظرها وأصبح بالجو طاقات غريبة. أصبح الصمت أبلغ من سيف الكلمات. حتى رسلان نفسه لم يكد أن يخرج حرفًا واحدًا من فمه، بل ينظر إلى وجهها الذي ظهرت حمرته وتوتره بنظرة. هي أجمل النساء، بل هي قلبه، حفرت مكانها بقوة، تلك الجوهرة النادرة التي لا يرغب سوى بالموت داخل أحضانها. لم يرغب في أي شيء بالوجود سواها، رائعة. لامست الروح بالروح، فما أقوى من الحب الذي تتلاقى به الأرواح، فهو الذي يظل حاليًا. لم يرجُ إلا بقاءها وجوارها ورؤيتها كل يوم فقط.
أعاد كلامه بنبرة حنونة:
"عطري، انظري إلى هذا، رجاءً مني، انظري إلى نظرة، وبعدها سأذهب حيث تشائين."
حنون! لطيف! رائع! وسيم! به كل المميزات التي تجعلك تهيم به.
رفعت عيناها، لم تستطع أن تخبئ ما بداخلهم. أحست أنها منه، وأن غيره لا تليق به. كما أحس هو هذا، أحس أنها روحه وكيانه ووجدانه.
ما أجمل الصمت حينما تتحدث العيون بابلغ ما يقال، إنه الحب ياسادة. نطق رسلان بصوت متحشرج باللكنة التركية:
"فاتنة، جعلتني قديس حبك."
لم تفهم كلماته، ولكن نظرت له وأردفت بهدوء:
"رسلان، أنت عاوز مني إيه؟"
أردف بحب:
"أن تكوني بجواري فقط."
ثم تحولت نظرته إلى رجاء:
"عزيزتي، رجاءً مني، أعديني أنك لم تتخلي عني مهما كان."
عقدت حاجبها، لكنها أحسته كالطفل الصغير يحتاج للاحتواء، لذا أردفت بصدق وخرج ما في قلبها:
"رسلان، أوعدك والوعد دين، أني مش هتخلى عنك مهما كان ومهما حصل."
ارتاح لنبرتها الصادقة والتي انعكست على عينيها.
"عزيزتي، أقسم لك أني بإمكاني إنهاء حياتي فقط لتكوني سعيدة."
لم تعهد أي حنان، فقد عوضها فقدان جدها. حنون رائع يحبها، ولتترك لمشاعرها أيضًا أن تسبح بحرية.
أردفت بحنان:
"مش عارفة أقولك إيه غير إني ارتحت ليك وتقبلت وجودك بحياتي."
دخل فهد وأسرته إلى بيت سما بعد تحديدهم معاد مسبقًا بأنهم قادمون لهم اليوم لرؤية ابنتهم.
جلس فهد باللامبالاة، غير مهتم بأي شيء.
أردف محمد بهدوء:
"أهلاً دكتور فهد، منور والله."
أما والدة محمد، فأردفت بفرحة:
"والله نورتونا يا جماعة."
أتت سما في ثوبها الرائع الذي تماشى مع هيئتها، فقدمت العصير للجميع. وتقدمت لفهد وقد ركزت على ملامح وجهه اللامبالية بأي شيء. حمحم محمد، فقد أحرجته الأجواء كثيرًا.
نطقت والدة فهد ببسمة تحملت بالجدية:
"فهد ابني دكتور قد الدنيا، جدع وشهم وراجل يعتمد عليه، هادي هادي هادي وزي النسمة، متسمعلوش صوت في البيت."
عقد فهد جبينه بتعجب وأردف:
"إيه، متسمعلوش صوت دي دلدول أنا ولا إيه؟"
توترت والدته، فهو سريع الغضب، وأردفت:
"اسكت أنت، هتعرف نفسك أكتر مني."
نطق فهد بتعجب:
"لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. أمي، ادخلي في الموضوع."
فقاطعتهم والدة سما وأردفت:
"أي إن كان ابنك يا حاجة، إحنا موافقين."
أما فهد، فضاق ذرعًا وأردف:
"إيه، أي إن كان دي كمان؟ أنتم مستصغرني ولا إيه؟ كيس طماطم هتجاملوا نفسكم بيه؟"
تدخل محمد لإنهاء الجدال:
"إيه يا جماعة، فيه إيه مالكم؟ وحدوا الله واهدوا، بلاش شغل العيال اللي في الحضانة ده."
تحولت نظرات فهد لغضب:
"انت كمان هتغلط فيه؟ إيه يا ضنا دا؟ أنا أرجَل من بلدك وبلد اللي خلفوك. اتكلم معايا باحترام أحسن، ورب العزة أوريك وشي اللي مبيرحمش."
أما محمد، فقد اشتعل بالغيظ وأردف:
"راجل راجل، فاقد الشيء يتحدث عنه بكثرة."
برزت عروق رقبته وبدأ فهد مغتاظًا للغاية واقترب منه، بينما الجميع في توتر يحاولون إنهاء الجدال.
أردف فهد بغضب:
"تحب أوريك مين هو فهد بالفعل؟"
"يا عسل!" لكمه على وجهه بعنفوان.
بينما تعالت الأصوات: "أكل هذا يحدث في تلك الخطوبة البائسة؟!"
أما محمد، فقد أصبح مشتعلًا من الغضب، فباغت فهد بضربه على عنقه.
فتقدم منه فهد وباغته بركلة واشتد الخناق إلى الأوجه وتعالت الصرخات. ودلف الجيران لإنهاء تلك المشاجرة الغريبة.
أردفت والدة فهد بغضب:
"كان يوم أسود ونسب عرة."
فردت عليها والدة محمد بغضب:
"أنتم اللي ناس معفنة، كان يوم أسود يوم ما دخلتوا البيت ناس سكة صحيح."
قاطعتها والدة فهد بغضب:
"اسكتي يا أختي، هو أنتم كنتم تطولوا؟ دي بنتكم بايِرة! هي ناقصة؟"
أجابتها الثانية بغيظ:
"لأ، وانت ابنك اللي لسانه طوله مترين حلو قوي. يلا اتفضلوا اخرجوا."
أما فهد ومحمد، فقد فض الجيران الأمر أخيرًا.
تمتم فهد بغضب أثناء الخروج:
"يلا يا عم، هي ناقصة قرف دا. الحمد لله ربنا نجاني. عيلة معندهاش بربع جنيه سلكان."
دخل فهد ووالدته البيت. فلاحظ وجه والدته الغاضب، والتي صفعته على وجهه للتو وأردفت:
"انت إيه؟ طول عمرك تاعبني وتاعب قلبي. من لما كنت صغير، وأنت مشاكل على طول. بتحب تجيب المشاكل وتعيش فيها. ثم أشارت له بإصبعها: "أنت اللي غلطان! إيه أفعالك الطفولية دي؟ أحرجتني وأحرجت الناس وأنا مردتش أقل بيك قصاد أي حد."
لم يعترف بخطئه، بل كان مصدومًا فقط.
"الحياة غريبة بعض الشيء، لغز به كل العجب. لا يمكن للمرء اكتشاف كل شيء طالما ظهر له جانبًا من الشيء لم يظهر لسواه. فنحن لسنا كاملون، بل أناس بائسة وقلوب محطمة حطمتها دائرة الحياة. لو أراد العقل شيئًا خلاف القلب، نقتتل ونتمرد. القلب هو السلطان الأبدي، هو المنظم والنظام. حقًا مؤلم جدًا حينما يخسر أحدهم حب حياته. الحب في بعض الأحيان جنة، ونحن لا نمتلك الجنة على الأرض، بل الأرض هي الأرض فقط، ليس غيرها ولا سواها. حينما يحب أحدهم، يلغي العرف والقانون. سيضع القلب فقط قوانينه الجوفاء الواهية. أنت لست مجنونًا، بل الحب جنون، هو مرض الجنون. الحب ألغاز أبدية خالدة وأساطير سطرتها مشاعر القلب، ليست كلمات بل أفعال عريقة خالدة."
طرق شديد على باب شقة الأستاذ منصور.
فتحت حنان الباب، فإذا هي تقف أمامها فتاة بوجه غاضب وأردفت بغضب:
"فين الأستاذ منصور يربي ابنه اللي كل شوية يتخانق مع علي ده؟ كانت صحوبية زفت زفت. لو سمحتي يا حاجة، اندهي لي ابنك سبع البرمبة رامي أفندي."
عقدت حنان حاجبيها بتعجب وأردفت:
"طب اتفضلي يا بنتي، ادخلي وافهميني إيه الموضوع."
شروق بنبرة غاضبة:
"ابنك يا ست الكل عامل قلق في المنطقة وبيغلس على علي أخويا كل شوية. أصل ابنك مش متربي."
أردفت حنان بطيبة وهدوء:
"عيب كدا يا بنتي، ادخلي واهدي بس، ولما ييجي والده أنا هقوله."
ولهنا خرج رامي من غرفته:
"جرى إيه يا ست شروق؟ يا بومة، أنا كل ما أروح مكان ألاقيكي في وشي."
تخطت شروق الباب وتقدمت منه وأردفت بغضب:
"بقى أنت يا واد يا اللي لسه بتذاكر، عملت فان دام؟ شكلك نسيت أيام ما كنت شبه الكتكوت المبلول."
أردف رامي بغيظ:
"بس يا بت، واسكتي ويلا اتكلي على الله. هي ناقصة."
نظرت شروق لوالدته وأردفت:
"اتفضلي شوفي يا سِت الكل، تربيتك تشرف إزاي."
ولهنا خرج زين من غرفته:
"أنتِ يابت انتي، إزاي تتكلمي مع ماما كدا؟ انتي لا متربية ولا ورد عليكي اسمه."
نطقت شروق بغيظ:
"ومين سي كرومبو دا كمان؟"
عقد زين جبينه بغضب وأردف:
"بتقولي إيه؟"
نطقت شروق بسخرية:
"أنت سمعت كله، وعلى دي وقفت؟"
زين بنبرة مغتاظة:
"أنتِ بنت مهزقة وعندكيش احترام لأي حد، لا كبير ولا صغير."
شروق بسخرية:
"إيه الرد دا؟ طب شوف رد حلو، ولا مش لاقي؟"
زين بغضب:
"أنتِ عاوزة تربية وأنا هربيكي."
شروق بسخرية:
"اسكت يا ضنا، هي ناقصة. وبعدين هنشوف هتربي مين."
وتركتهم وخرجت في التو.
نزل رسلان من الدرج، وجدها تقف تنظر من خلف الشباك المطل على الحديقة بشرود. فنطق اسمها بنبرة حنونة:
"عطر، عزيزتي."
ولأنها قبلت وجوده بحياتها وداخل مكنون قلبها، نظرت له وكأنه طوق النجاة الذي سيخرجها من ظلمات التفكير والبؤس. أصبح مبهجًا جدًا وجوده بداخل حياتها. وجوده أصبح رائعًا حقًا، هو الشخص الذي بات يتفهمها ويتفهم تقلبات حياتها.
نطقت عطر بهدوء:
"نعم يا رسلان، في حاجة؟"
اقترب منها وأجابها بحب:
"ما رأيك لو نذهب للتنزه اليوم سويًا؟ فكلانا يحتاج لشيء جديد. ولنترك لقلوبنا الاختيار."
وقبل الاعتراض، أشار على قلبها:
"اتركي، اتركِ لهذا أن ينجذب لقلبي. أعدك بأنك لن تندمي مهما كان الأمر."
ثم أردف برجاء:
"وأرجوكِ أن نرجع كالسابق زوجين، لكن متفاهمين هذه المرة. أرح قلبي ووافقي."
أجابته بمنتهى البرود هذه المرة:
"لا."
رواية التركي والصعيدية الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سنسن ضاحي
"لا"
حينها شعر رسلان بان اطرافه قد شلت، فها هي تحطم قلبه للمرة التي لا يعلم عددها، وبقوة تحطمه بأسى.
لاحظت عطر أنه قد تغير فجأة، وتغيرت ملامح وجهه.
فحاولت تلطيف الوضع: "أنا آسفة يارسلان، على الأقل مش هنقدر نرجع لبعض دلوقتي."
تحولت ملامح وجهه إلى استفهام حين أردف: "لما؟ لماذا؟"
"نؤجل لموعد آخر، وما السبب؟"
أجابته دون إخفاء أي ذرة مشاعر: "ببساطة كده عشان أنا خايفة منك، خايفة منك مش عارفة ليه، بس شعور الخوف بيراودني، مشتتني ومشتت كل أفكاري. عمري ما أنكر إني أعجبت بيك، دي حقيقة ومش هخبيها، إذا كان قلبي حاسس بيها ليه أخبيها يعني."
ثم قطمت أظافرها بتوتر وأردفت: "بس اسمعني، أنا عمري ما هتخلى عنك، بس سيبنا نتاقلم مع بعض شوية."
لم يفهمها الآن، وبات يرهب فكرة أنها ستذهب بعيدًا عنه، أو أنها لم تكن قدره لمرة أخيرة، ولهذا اعتصر قلبه.
الألم المباغت أصابه، وتحولت نظراته إلى حزن دفين، وأردف رسلان بهدوء: "بتحبي مين؟"
استغربت هذا السؤال، وأحست أنه بات مفطور القلب.
عقدت حاجبيها في استغراب، واختارت إجابة منمقة: "بحب نفسي."
قهقه رسلان حتى أدمعت عيناه، وأردف بالمصري: "دا أنا نفسي بحب نفسك."
نمت ابتسامة جميلة على وجهها، مما جعله هو أيضًا يبتسم، وكأنهم نسوا ما كانوا يتفوهون به للتو.
صمت رسلان وسرح بتلك العينان الجميلتان المبهجة، التي يرى منها انعكاسًا آخر للحب، وضح وتجلى بهما.
أما هي، فلا تحرم نفسها من كونها بجواره، رائحته المميزة، مع فارق الطول حيث أنها بمنتصف صدره.
تقدم رسلان ووقف قبالتها، واقترب منها وهمس بصوت هادئ حنون به دفء: "عزيزتي."
وكانت كلمته الحارة الدافئة تلك ترت مشاعرها، وجعلت قلبها ينتفض.
حينما أكمل همسه بنفس النبرة الدافئة: "عزيزتي، لدي رجاء، انظري إلى عيناي وبهدوء سترى بهما جميع الحب وأركانه لك أنت فقط."
نغمات كلماته العربية التي تحمل اللكنة التركية، بخلاف دفء صوته، بخلاف نطقه للكلمات بطريقة مهذبة، هو جميل حقًا بداخله وخارجه رائع.
رفعت عيناها التي التقت بكتلة الحب والحنان. توترت، أجل، التوتر كان حليفها، خاصة مع ملامح وجهه الرجولية التي تحمل أقدارًا وليس قدرًا من الوسامة، شعره الناعم، زرقاوياته الجميلة التي بها جميع أنواع الدفء، كلامه الرزين، أنفه الدقيق المنسحب بهدوء واستقامة.
تآكل التوتر. "عطر" الجو أصبح محملاً بشحنات غريبة وطاقات أغرب.
أردفت عطر بتوتر: "رسلان، أنا موافقة نرجع لبعض، بس نسيب فرصة أعتادك فيها، أنت فهمني."
عقد حاجبه باستفهام، وأردف بهدوء: "لكِ ما تشائين، سأعطيكِ فرصة تعتادي وجودي وحبي، بل وتحبيني."
أما في منزل منصور، نظر زين لرامي بغضب وسحله من كتفيه، وأردف زين بغضب وغيظ: "أنت تعرف أشكالك الو*طية دي منين؟ يلااا، تصدق مش حرام اللي بيعملوه بابا فيك، أنت تستاهل أكتر من كده، وأنا هربيك على قلة القيمة اللي حصلت دلوقتي!!"
اردف "رامى" بكذب وبكاء: "دانا غلبان ومسكين، دا أخويا بلطجى وبيضربنى ودايما ياخويا يشاكل فيا."
"انت تعرف عنى كدا برضه يازين؟ خسارة، مكنش العشم."
اردف "زين" بغيظ: "دا انت أبو كدا ياااض، بطل كهنة، دا انت ضارب نص مدرستك يااخى، اكذب على حد غير."
"اخوك اللى فاهمك."
فتح "منصور" الباب ودخل، وكانوا على ماهم عليه.
اردف منصور باستفسار: "فيه إيه يازين، مالكم؟"
اردف زين ببسمة: "ابداً مفيش، دا أنا كنت بنضفله الجاكت."
منصور بتعجب: "جاكت إيه دا، لابس بيجامة وإحنا فى الصيف أصلاً."
انتبه "زين" لكلماته وخبط جبينه بكفه: "آه، اعمل إيه ياحاج، دماغى مشغولة اليومين دول، اعمل إيه بس، مش صح يارامى؟"
تمم "رامى" على كلامه واردف: "أيوة دماغه مشغولة، بيحب وعاوز يتجوز."
تعجب "زين" بغيظ ونظر لرامى بتوعد، بينما ازبهل منصور وشعت الفرحة على محيا والدته.
اقتربت حنان من "زين" بحب وأدمعت عيناها واحتضنت وجهه بكفيها واردفت: "وأخيراً هشوفك عريس، ياه يازين كبرت وهتتجوز ياقلب أمك، انت مش متخيل فرحتي بيك أد إيه، إحنا هنعملك أحسن فرح ومن النهارده نروح للعروسة ونخطبلك ياقلبي."
أما منصور فتقدم منه بحب واردف وهو ينظر لرامى: "شايف أخوك عنده خشوع إزاي، بيحب وكاتم فى نفسه، ل أرضى يقول إلا لما عرفنا منه، مش زيك برقع الحيا ضاع من وشك."
ثم اردف ونظره موجه لزين: "هاه ياحبيب بابا، مين العروسة بقى؟"
اعلنت الصدمة على وجه زين، أيخبرهم بأن هذا الوغد كاذب بعد أن رأى فرحة على وجوههم، فنظر لرامى بغيظ.
أما "رامى" فلم يتوقع أن المزحة الواهية ستصبح حقيقة، فحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
فاردف رامى بكذب: "بس صراحة العروسة لسانها طويل واسمها شروق." حاول إنقاذ الأمر، يعلم أن والدته سترفض في الحال وبهذا يكون أنقذ أخاه، لكن على عكس المتوقع.
اردف منصور بغيظ لرامى: "والددددد، انت إزاي تتكلم كدا على خطيبة أخوك؟"
اردف رامى: "أووام، خلتها خطيبته؟"
تجاهله منصور واردف: "متزعلش منه يازين، حدد معاد مع باباها ونروح نتفق، ماشى."
وبعد قليل من الوقت دخل زين غرفة رامى الذى انكمش وأصبح عرقه مرقة، بينما كاد "زين" أن يسحق شفتيه من الغيظ وانتشل رامى من ملابسه واردف حينما ناوله لكمة أسفل بطنه: "ولااا، دانت يومك أسود إنت ياااض، هتعقل إمتى؟"
ثم ناوله لكمة للمرة الثانية واردف: "أنا ياض ياكلب بحب شروق."
ثم لكمه للمرة الثالثة: "طب دبسنى فى واحدة زي الناس."
ثم لكمه للمرة الثالثة: "مدبسنى فى واحدة شلق."
اردف رامى بألم: "لا يابرنس، متخافش على نفسك، دي مش شلق، دي بتعض بس."
اغتاظ رامى وناوله لكمة أسفل الحزام: "كمان بتعض؟"
ثم مسك زراعه وعضه في الحال، فارتفع صراخه الحاد.
أما عطر ورسلان، فقد عادوا زوجان للمرة الثانية.
الفرحة برزت على وجه رسلان ونمت باتساع حتى قلبه رفرف من الفرحة. أما "عطر" فلا ننكر أنها أيضاً أصبحت داخل راحة نفسية وارتياح، فقد أصبحت زوجته وتقدمت علاقتها به وأصبحت ترتاح له وتشعر ببعض الحب الذي أخذ ينفض قلبها ناحيته. أجميل الحب حقا وله نوع آخر من الارتياح، الحب ارتياح نفسي فاقت حدوده، دفء عاطفي جذاب، نظرات محملة بالحب الذي فاق الوجدان، كلها معاني للحب سامية خالدة متزنة. إن غاب أحدها فقد الآخر اتزانه، من أنتم لتلوموا العاشقين؟ من أنتم لتلوموا محب على حبه؟ من أنتم لتنحروا الحب وتؤدوه؟
اردف رسلان ببسمة: "مارأيك أن أذهب بك للتنزه ولنجعل اليوم وغداً ولشهر عطلة سعيدة لبداية جديدة، ولنسافر في أي مكان تحبيه بالعالم."
نظرت "عطر" له بطفولة واردفت: "نفسي أمشي في الشوارع وآكل غزل البنات، نفسي نلف الشوارع هنا أنا وأنت نشرب عصير قصب، ونأكل كشري، ونقعد على الكورنيش ونضحك ونتكلم، وكل حاجة، كل حاجة."
كان كلامها طفولي للغاية، تتكلم بسرعة ولمعت عيناها حينما كانت تعد له على أصابع يدها بسرعة رهيبة، كان ينظر لها بحب، فهي طفلته وأقسم على تدليلها.
قبض على خصرها بحركة فاجأتها وأدار بها بسرعة رهيبة وأخذ يلف بها، أما هي علت أصوات ضحكها، فأنزلها أخيراً واحتضنها بحب وعشق.
الحب ليس رغبة متأججة ومكنونة بداخل المحب، بل الحب تعلق روحي، تعلق روحي للمحب لمحبوبه، حينما يجعلك دنيته وكيانه ومسكن فؤاده، حينما ينفض قلبك بسرعة رهيبة، حينما يشعرك بالوجود بداخل الجنة، هذا هو الحب. ضف عليه قطرات الاهتمام.
أصبحت "سما" تتجاهل "فهد" كثيراً، تتجاهله وتتجنبه، أما هو فكان يلقي لها نظرات جانبية. لوهلة لام نفسه، كان عليه تقبل الأمور، يشعر ناحيتها بالعطف. سب في أنفاسه، عطر التي نغصت عليه صفو حياته وقلبتها رأساً على عقب. لم ينجذب لأحد مثلها، أصبح بارد المشاعر، فوق بروده، أحبها، عشقها، لم يتخطى عشقها وحبها. ليته لم يفعلها، قلبه، ليته لم يحبها. لكان حب تلك البائسة الجميلة التي اهتمت به وبرزت له حبها. لكن الويل الويل للقلوب، الويل للقلب وما يختاره القلب، ليس حكم عادل، القلب ليس سلطان تقي، الحب ليس نقي في بعض الأحيان، وللآخر الحب حظوظ، حظوظ فقط.
اقترب "فهد" منها واردف: "آنسة سما، أنا آسف."
رغم انتفاض دقات قلبها ولين ملامحها، لكنها أبت أن تظهر بمظهرها اللين، فرسمت الجدية ولم تنطق بحرف واحد.
فاردف "فهد" للمرة الثانية: "سما، لو سمحتي ردي عليا، أنا آسف جداً للإحراج اللي سببته ليكي من غير قصد."
نظرت له سما بغيظ واردفت: "من غير قصد، أمال لو بقصد كنت عملت إيه؟!!"
مسح على وجهه واردف بهدوء: "كنت مضغوط ومكبوت وحالتي ما يعلم بها إلا ربنا، فارجو إنك تسمحيني."
اردفت بهدوء: "ويهمك بإيه أسامحك، وأنا ما يعنينيش ليك حاجة."
اردف بهدوء: "صدقيني، أنت تعنيني، أنت جميلة من جواكي وطيبة وتتحبي."
كلمات بسيطة بدون تكلف أسعدتها، بل أسعدها اهتمامه بها.
فاردفت بهدوء: "شكراً."
أجاب في نفسه: "شكراً إيه، العبط دا."
ثم نظر لها: "ممكن تديني فرصة أعرفك وتعرفيني؟"
تغيرت وكأنها متناقضة: "إنت إزاي تقول كدا، لأ فرصة ولا برصة ولا عاوزة أعرفك أصلاً." وتركته وذهبت.
أما هو خبط كفيه بتعجب واردف: "إيه الجنان دا."
الأمر أصبح غريب حينما دخلت أسرة منصور منزل عبد القادر، وجلسوا في جلسة عادية. الأمر أصبح لا يصدق بطريقة مذهلة وغير مقنعة، فقد حدد منصور معاد مسبق مع عبد القادر. أما "زين" فقد عصر ليمون على نفسه لتنفيذ رغبة والديه. الأمر أصبح بالمعجزة الخرافية، مزحة تتحول لحقيقة من هذا الوغد الحقير.
أما شروق فأصبحت قانطة مغتاظة، وقد نصحتها والدتها بالجلوس ببشاشة واردفت والدتها: "بت انتي، افردي بوزك وخليكي راسيه زي البنات وبلاش بوز الفقر دا."
اردفت شروق بغيظ: "إيه ياماما، هو الجواز بالغصب؟"
اردفت والدتها بهدوء: "مش جواز، دي مقابلة، ولو حصل نصيب هتتجوزيه، بس افردي بوزك."
قدمت العصير للحضور، وحينما قدمته لـ "زين" نظرت له بخبث وسكبته على ملابسه، فانتفض زين من مكانه.
فاردف منصور: "حصل خير ياجماعة."
أما شروق رسمت البراءة على وجهها: "آسفة ياأستاذ زين."
أما زين كانت نظراته لها بقرف وضيق وغيظ وكل شيء.
ورغم كل محاولات شروق لتطفيش "زين"، ورغم كل نظرات "زين" المقروفة منها، لما يبالي أحد الجالسين بهم، بل أخذوا يتفقون غير مبالين بهم من الأساس. بينما نظراتهم مغتاظة لاحظها رامي وعلي، واللذين كلاهما تبادلا نظرات متوعدة أيضاً للاخر، وكأنها حرب وليس جواز أو خطوبة.
فرحة و بسمة نمت بداخل كلاهما، "عطر" و"رسلان". أحضر لها بالونات وغزل البنات وجلسوا على الكورنيش وكان يحتضن كتفيها، يتحدثون في كل شيء ولم تفارق الابتسامة فاها.
اردف رسلان بمزحة: "مارأيك عزيزتي أن تزوجيني بأخرى وأعدل بينكم؟"
اردفت بغيظ: "نعم، مين دي اللي تجوزك؟ إحنا لسه رجعين لبعض من ساعة ياأستاذ، لحقت زهقت مني؟"
اردف ببسمة: "وهل من أحد أن يسأم من حياته؟ وأنت حياتي أيتها الطفلة الجميلة."
وعلى غير المتوقع جلت الصدمة على وجه عطر ممزوجة بالتوتر حينما وجدت "فهد".
رواية التركي والصعيدية الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سنسن ضاحي
ضاق صدره واصبح الملل وانقلاب حياته هو رفيقه.
قرر "فهد" التنزه قليلا ووزن الأمور حتى يتخلص من إرهاق روحه التي تبعثرت. يريد فقط صفاء ذهنه. كل أيامه أصبحت سوداء متشابهة متضاربة. ليس بإمكانه وزن نفسه كالمعتاد، بل أصبح تحت سيطرة حب حرق روحه وأدمى فؤاده بكل قوة وعنفوان. أيُعقل أن تدمع عيناه؟ أن يتألم؟ هو الذي كان كالجبل الشامخ، يهزه حب.
ارتسمت بسمة ساخرة على فاهه حينما تذكر كيف كانت نظرته سابقًا للحب. كيف كان يراه شيئًا هزيلًا تافهًا؟ كيف كان يضحك بسخرية على من يتدور عشقًا وهيامًا. وها هو الآن تزلزل من الداخل. ويجب على الرجال أمثاله وأد الحب حتى ولو كان يحب. حب بدون حبيب كصحراء جرداء تنتظر الماء الذي يعاودها كل عشرة أعوام بعد أن تموت بذرتها.
أصبح لا يطيق أي شيء. تذكر تلك الخائنه التي جعلته لعبه بلاستيكية أمامه نفسه وكشفت ضعفه. طبق "فهد" يده بقوة وجلد ذاته وما شاء الله أن يجلد الإنسان ذاته. أصبحت عيونه سوداء حالكة كالليل. كان يمشي يشوط الحصى الصغير الذي يتجلل أمامه في الطريق وكأنه جزء من أحلامه وأيامه المتبعثرة. هكذا صور له عقله.
يمشي وتلفح نسمات الهواء وجهه الرجولي بهدوء. سمع "فهد" صوت ضحكات يألفها فتصور أن هذا بفعل عقله ووهمه. ولكن عاد الصوت له مجددًا وبدا واقعيًا للغاية. صوب نظره يمينًا وجدها هي "عطر" تضحك، تبتسم، مرحه، تحب. كل هذا في آن واحد. الويل لمن يدمر القلوب وتحسبه مظلومًا وهو أعن من أن يكون إنسانًا.
فرت دمعة شاردة دون رغبة منه من عيونه واعتصر قلبه حتى الموت. انتفض كيانه. انكسر. انكسر. وما أظلم وأقبح من كسرة النفس. إنه البؤس بذاته.
استعاد قوته المهزوزة ووقف قبالتها وعيناه بها صرامة. صرامة ليس إلا. وأردف:
"يارب أشوفك فرحانة دايما وسعيدة بتدمير قلوب البشر."
وجه رسلان نظراته التي تحمل الشر له وكاد أن يتقدم. فأوقفته "عطر" ونظرت لفهد بخيبة وأردفت:
"فهد، إزيك عامل إيه؟"
قهقه فهد بصوت ساخر وأردف:
"حلو وطول ما أنا بعيد عنك كويس وهفضل كده. أنتِ كنتِ فاكرة إن حياتي هتنتهي بعدك؟ لا بالعكس دي ابتدت وابتدت صح واصح وخطبت وهتجوز وأموري عال العال والحمد لله والدنيا مش بتقف على حد يبيعك لأنك هتلاقي اللي يشتريك بالغالي ويعزك ويقدرك."
كلماته مهزوزة فهو إنسان شاء أم أبى فهو إنسان. لاحظت انكساره. لم يدعها "رسلان" ولو للحظة أن تكمل حديثها بل سحبها بقوة وعيونه تحمل الشر والغيرة والغيظ.
أما هو، فبمجرد ذهابها أدمعت عيناه وبقوة وصرخ قلبه بعنفوان ورهبة وخوف. أصبح الحب مرضًا لا يطاق. أصبح الحب ضيقًا بلا فرج. أصبح عسرًا بلا يسر. كل كلمات المرار ومشاعر الغربة حب. كل آلام العالم اجتمعت في شخصه. أصبح مرضًا. لو يحبه الله لخلصه منه.
أما "رسلان"، فوقف مرة واحدة ونظر لها بغيظ وبنبرة قوية أردف:
"ما بالكم كالعاشقان الهائمان في بحور الحب؟ ماذا بينك وبينه؟ أقسم لو كان شيئًا من قبيل الحب، ولعنته. لأزهقت أرواحكم بكل سلاسة."
نظرت له بتعجب. أيتغير حاله بين لحظة والأخرى؟
"مفيش حاجة صدقني. هو صعب عليا مش أكتر. هو طيب. أنا مبحبش حد غيرك أنت يارسلان."
أردف رسلان بغيرة:
"لو علمت وقوفك بجانبه أو حتى الحديث معه، سيكون الأمر منهي بالنسبة لي ولكِ وله."
أردفت محاولة تهدئته:
"والله والله بالله مافي مشاعر ليه. أنت إيه؟ أنا بحلف."
أردف بتعصب:
"صدقيني هذه المرة لن أكون الحنون الهادئ. بل جميعكم سترون شرارات شرّي في أبهى صورها. سيحل البؤس على كل من يتخطى نظره عليكِ. لذا راعي كل ما يتفوه به لساني. لن أندفع كالسابق وأطلقك. لكن سأفعل ما هو أشد وأقوى."
هال كلماته عليها وذهب بغضب وصدره يعلو ويهبط أثر تنفسه المستمر من الغضب.
ببيت الأستاذ "منصور" كانوا يتحدثون بكل بهجة وكيف عليهم أن يرتبوا كل شيء خاص بالخطوبة والفرح. ملامح وجه "زين" بدت مقروفة للغاية وكان يسمع الحديث بضجر. فقابله وجه أخيه اللئيم فازدادت نظراته سخطًا وتوعدًا له. أما رامي، فلم ينكر خوفه.
أفاق "زين" من شروده والده حينما أردف:
"هاه يازين؟ كنت شايفك هتاكل العروسة بعينيك. أنت أحرجتني. اهدى على نفسك لما تتلموا في بيت واحد بإذن الله."
أجابه زين بتعجب:
"هو مين دا يا حاج؟ قصدك أنا؟"
منصور بهدوء:
"أيوه. أمال خلاص أنا هحدد الفرح ونتفق. عاوزين نلمك بدل ما تجيب لنا مصيبة."
هنا قهقه رامي بصوت ولم يستطع كبت ضحكاته. وهذا استفز "زين" حد الجنون.
لم يستطع "زين" الصمود أكثر فأردف بما في قلبه:
"حاج أنا بصراحة مش عاوز أتجوز."
منصور باستفهام:
"ليه؟ ناقص إيد ولا رجل؟"
أردف "زين" بهدوء:
"ناقص حب. وبصراحة كده البت دي مش بتنزل من زور. وكل ده بسبب الحيوان رامي. هو اللي كذب وقال إني بحبها وطبعًا أنت صدقته."
منصور بغضب:
"قصدك إني غبي صح؟"
زين:
"لا. أنت فهمت غلط."
منصور بنفس النبرة الغاضبة:
"يعني غبي؟ قول يا حضرة الظابط. متتكسفش."
زين بزهق:
"ياحاج كله من رامي. هو أصل المشكلة."
رامي متدخلًا بتوتر:
"وأنا مالي يا عم."
منصور بعصبية:
"زين كلمة زيادة وهنسى إنك ظابط أصلًا. أنت هتعلي عليا يا وله. ثم متدخلش رامي في الموضوع. هو ملوش ذنب أصلًا."
زين باستفزاز:
"دلوقتي بقى حلو وملاك. ما علينا. بس أنا مش هتجوز البت دي ولا بالطريقة دي أصلًا. دي مسترجلة. ما فيهاش ريحة الأنوثة."
منصور بصوت مرتفع مهدد:
"طب عليا الطلاق لتتجوزها. شوف طلاق وحلفت بيه ومش هرجع في كلمتي."
زين بزهق:
"إيه اللي بتقوله ده يا حاج؟ هو أنا عيل هتتحكم عليا؟ طب مش هتجوزها."
اقتربت منه "حنان" في ألم وملست على كتف زين. فنظر لها بألم:
"أنت شفت يازين بابا حلف."
زين بألم:
"أعمل إيه؟ هضطر آخدك معايا الصعيد وربنا يرزقك بابن الحلال يا ست الكل."
دخل منكسرًا للمرة التي لا يعلم "فهد" عددها. شعر بأنه في دوامة سواد أو اكتئاب. لابد له من التخلص منها على أي حال. لربما يصبح في وضع تحسن لو يمحيها من أفكاره وعقله وقلبه. قلبه المسكين. القلوب ضعيفة. رغم قوة صاحبها لا تضعف من المرض بقدر ضعفها من الغدر. فالغدر ليس هين. ليس هين. بل هو الموت البطيء. موت حق عليه تدمير كل خلية قلبية.
قابلته والدته وقد أشْفَقَت على فلذة كبدها وروح قلبها وأردفت بألم وقلب مفطور:
"فهد. زينة الرجال. صعبان عليا اللي عامله في حالك. صعبان عليا مرارة قلبك. تغييرك! حزينة وهموت على وجعك. أنت فيك إيه؟ احكي لي. مش حابة أشوفك كده متعب حزين ضعيف. لو مشكتش لربك ووليته أمرك هتفضل طول عمرك شريد. روح يا بني. الله المستعان. روح صلى. روح اتوضى يا فهد وصلي واستغفر ربنا وادعي إنه يهون عليك مرارك. أنا أمك صحيح بس هو ربك وربي. هو اللي قادر ينجدك ويفك ضيقة قلبك. وأمانة عليك يا ولدي. تترجاه يعوضك خير. خير يا ولدي. اترجاه مش هيردك أبدًا. اطلب منه اللي لا أنا ولا غيري قدرنا نحققه لك. اطلب منه العوض. هفضل مش مرتاحة طول ما أنت مش مرتاح. يمكن أموت. بس لو مت هفضل حزينة على حالك يا ابني. صدقني يا فهد الدنيا مبتوقفش على حب ولا على كره. بس دا لون من لونها. حتى لو شفت سوادها. فنقطة بيضة بس في حياتك لو اتعلقت بيها هتمحي كل الحزن والسواد. سيب قلبك وفكر بعقلك شوية."
في جميع كلامها تتساقط دموعها بغزارة بخلاف انفطار قلبها. الأم كائن هش ينفطر قلبه بسهولة. أما "فهد"، فقد احتضنها وبقوة كانه كان يريد هذا من ذي قبل. انهارت قواه بداخل حضن أمه الذي هو مسكن الدفء والأمان والاطمئنان. حضن الأم برودة ودفء علاج لجميع الأمراض النفسية.
سحب نفسه وأردف بارتياح رغم إظهار روحه الضعف قبالة والدته:
"صدقيني بعد النهارده خلاص. وكأني ارتحت. كان هم وانزاح. أنا دخلت حزين متألم مشتت! كلامك حنيتك علجونى! فوقونى! لازم أرمي أي جراح ورايا وأرجع أحسن. ادعي لي يا أمي. عرفة يا أمي الدنيا دي صعبة ومرة مفيهاش حاجة حلوة. بس دنيا ولازم نحبها ونتعلق بحلوها ومرها."
أردفت حنان بألم:
"يعني إيه يازين؟ للدرجة دي نفسك تهمك أكتر من أمك؟ مكنتش أعرف إن تربيتي فيك حرام وإنك ابن عاق."
زين بغضب:
"دلوقتي؟ دلوقتي؟ دلوقتي أنا عاق وفيا كل العبر. وفكرني حماااار هتمشوه على مزجكم."
أردفت حنان بغضب:
"إيه ياعني؟ لما الابن يسمع كلام أبوه أو أمه؟ فين الغلط في ده؟"
زين بغضب:
"كل الكلام غلط. كلووووو غلط. وفين قلبي اللي هتلبسوه واحدة ولا يعرفها ولا بطيقها أصلًا."
أردفت حنان بهدوء:
"مش يمكن تحبها؟"
أردف باستفزاز:
"حتميات هيا؟ لسه هستنى ويا أحبها يا ألقحها من البلكونة. لا يا ماما أنا مش هتجوز البت دي على جثتي."
حنان برجاء:
"طب وأنا؟ أنا كده هطلق؟ يخرب بيتك يا بعيد."
رد زين باستفزاز:
"أهو ترتاحي منه. لمي هدومك وانزلي معايا الصعيد."
فتح "منصور" الباب واندفع إلى الداخل بغضب وأردف:
"حتى أنت يازين الكلب هتعصي كلامي؟ أنت وأخوك أولاد كلب أصلًا ومشفتوش تربية. أنا معرفتش أربي. عوضي على ربي."
زين بهدوء:
"اهدأ يا حاج عشان ضغطك دا. أنا هريحك من الحاجة وشوف لك شقراء ثلاثينية تدلعك."
منصور بغيظ:
"والد كان لازم أعرف إنك أخو الكلب وطالع زيه."
دخل رامي على آخر الكلمات:
"مين بيجيب سيرتي يا جدعان؟"
حدفه زين بنعليه فاصطدم به ووقع في الحال.
منصور بنبرة مغتاظة:
"وكمان بتمد إيدك على أخوك الصغير وأنا واقف؟ ماهي سايبة سايبة. جدع مد إيدك بالمرة عليا كمان. ولا أقولك اطردنا من البيت أنا وأمي وأخوك الغلبان بالمرة."
زين بنبرة متعجبة أردف:
"إيه اللي بتقوله دا يا حاج؟"
منصور بتعصب:
"مجنون صح؟ بقول كلام جنان. آه أصل أنا مجنون. احجر عليا يلا. روح احجر عليا."
زين بضحك:
"أحجر إيه يا حاج؟ بعد الشر عنك والعمر الطويل المديد لك. ثم إننا حيلتنا حاجة عشان أحجر عليك."
منصور بنبرة متلككة:
"يعني النية موجودة أهي والله عال يامنصور وعرفت تربي يامنصور. ربيت اتنين زي نعال الجزم."
زين مهدئًا إياه:
"اهدأ يا حاج. أنت عاوز إيه دلوقتي؟"
منصور وقد ضاقت عيناه:
"عاوز أمك."
زين بضحك:
"نعم؟ ما هي جنبك أهي."
وعى "منصور" لما قال وحاول تصليح الأمر:
"ولددددد! أنت فهمت إيه؟ أقصد عاوزك تتجوز اللي أنا راضي عليها."
ثم لاعب حاجبيه وهو ينظر لحنان برومانسية التي اشتعل وجهها بالاحمرار. بينما رامي وزين يتابعون بذهول. والآخران قد تناسوا أنهم وسط أولادهم.
اقترب منصور من حنان وأردف حينما قبل أعلى رأسها:
"حقك عليا ياحنون. دول أولاد كلب. عاوزين ضربهم بالجزمة. حقك عليا ياست البنات."
وهنا انفجر رامي وزين من الضحك. ففصل الآخران عما هم عليه.
وأردف منصور بنبرة حازمة:
"ولد منك ليه؟ إيه اللي موقفكم هنا؟ اطلعوا برررررره."
زين بتعجب:
"دي أوضتي يا أحاج."
أما في إسطنبول، فيتراس "أركان" الطاولة المديدة في غرفة يكسوها اللون الأسود. حينما أردف مراد له بنبرة خبيثة:
"رسلان أصبح معتم كثيرًا بتلك المصرية التي عما قريب سوف تشغله عن أعماله ولربما عنك سيدي."
نظر له أركان بشرًا وأردف:
"تكلم بأدب في حضرة ذكر مولاك وسيدك رسلان أركان أغا. أعلم. لسوف تأتكل روحك من الحقد والغيرة. ورغم كوني مختلف معه الآن، إلا أنه سيدك ومولاك ورئيسك الأعظم. فإن علمت لاحقًا بأنك تدبر له من الأمر شرًا، لاضعك لأسود الغابات ينهشون لحمك كما ينهش الجائع الدجاج."
حاول مراد تصليح الأمر وأردف:
"سيدي لم أقصد شيئًا. فقط أطلب السماح والمغفرة."
أركان بنبرة خبيثة:
"كل ما يهمني هو ولدي فقط. أما تلك المصرية. أخبره بالحرف بأن والده ورئيسه يخبره بأن ينهي حياتها للأبد."
مراد بنبرة مستفسرة:
"عذرًا سيدي. أخبر من بإنهاء حياة من؟"
أركان بنبرة مغتاظة:
"أخبر رسلان بأمر واجب التنفيذ. بإنهاء حياة تلك المصرية في أقرب وقت. وهو يعلم وجهي الآخر وسينفذ هذا في الحال."
رواية التركي والصعيدية الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سنسن ضاحي
استلم "رسلان" ظرفًا أبيض مشمعًا بطريقة مشفرة يفهمها هو فقط. جاءه هذا الظرف في الخفاء، ومن شكله وطريقته علم جيدًا من أرسله، ويعلم كل العلم أنه والده. ولكن لا بأس، فتحه. كانت الصدمة حينما قرأ بعد أن أزال الحبر السري بشيء خاص به. قرأ ما أدهشه. كانت الكلمات مشفرة، لكنه علم ما بها. أحلت الصدمة التي أربكت جميع خلاياه.
"رسلان، عليك إنهاء حياة تلك المصرية في أقرب وقت، وأنت تعلم أن كلماتي ليست بها نوع من المفاوضة، بل هي من رئيسك. وتجاهل كونك طفلي وابني الوحيد. فقط تذكر ما أقوله لك وافعله. لا تنس من أكون أنا. أنت تعلم ما هو وكر الشياطين، ليس لأحدٍ إمكانية مخالفة أمر الشيطان والتمرد عليه."
وبنهاية الرسالة سطرت كلمة مشفرة بالدماء: "الليلة موعدها مع القبر. الليلة رسلان."
أردف رسلان لنفسه: "لا، لا، لا. هذا ليس صحيحًا. ليس بإمكاني أن أقتل روحي ونفسي، ومن يقترب منها ستكون النهاية بالنسبة له. سامحيه من الكون. ولربما قطعت رقاب الجميع مدافعًا عنها. رغم كونكم شياطين على الأرض، لكن عذرًا، ليس هناك تهاون في الحب، وليس بإمكاني قتل من أحب. ولتلك المرة أقبل بتصفية روحي وانهيار كياني وجميع أملاكي بكل سرور. وللآن، لكن ستموت معي هي أيضًا. هذه شروط الشياطين. حسنًا، مرحبًا بالموت لكلانا الآن. لا بأس."
كان يحدث نفسه بذلك، بينما حرق ما كان بيده. فدخلت "عطر" الغرفة وتطلعت له بذهول، يبدو مشتتًا للغاية، نظراته تائهة.
أردفت "عطر" بنبرة مستفسرة: "فيه إيه؟ مالك يارسلان؟ أنا آسفة لو كنت زعلتك، والله ما كنت أقصد، بس هو مجرد صعب عليا. وصدقني لو كنت بحبه ما كنت رجعت لك تاني. آسفة بالله، بص لي كفاية بقى. مش متعودة عليك كده أصلًا على فكرة."
وعلى عكس ما بداخله، أصبحت نظراته صارمة حينما نظر لها وأردف: "عطر، هل بإمكاني احتضانك الآن؟"
لا تعلم ماذا شعرت به، لكنها الآن متأكدة أن هناك أمرًا يخفيه عنها. تحولت نظراته إلى رجاء، شعرت بضعف قلبه رغم قوة صاحبه. لم يدعها لتكمل أو تجيب، حينما ألقى بنفسه بداخل أحضانها وضَمّها باحتواء وبشدة. ثم نظر إلى عينيها وأردف: "أنت الحب والقلب والروح والسكينة والشغب، أنتِ بالنسبة لي روحي ومسكني وسكني، أنتِ نفسي. والعزيزة الغالية والزهرة العطرة وأيامي الحلوة، وأنتِ الحياة."
استشعرت الحزن في كلماته الأخيرة، فأردفت: "رسلان، فيه إيه؟ مالك؟ حاسة إنك مش كويس. فيه إيه يارسلان؟ فهمّني بالله تفهمني."
ولمرة أخرى ترك لأحضانه أن تجيب ما يشعر به من حزن وألم. لا يمكن لأحدهم أن يخالف كيانًا ورأي المؤسسة التي يمتلكها والده. تلك قوانين وضعها أجداده، ولا أحد بإمكانه اختراق تلك القوانين.
ولليوم الجديد حاول "فهد" أن يبدأ مع نفسه لمرة أخرى صفحة جديدة. حينما ترك باب منزل "سما"، ففتحت له والدتها بوجه قنوط للغاية وأردفت ببرود: "أهلًا، خير يا دكتور فهد؟ نسيت حاجة؟ همجية تاني جاي تقولها؟"
تخطى وتجاهل ما تتفوه به لتلك المرة، وكان عليه حقًا أن يتخطى ذلك.
أردف "فهد" بهدوء: "طب يا ست الكل، ممكن أدخل ولا هفضل واقف على الباب كده يا حماتي؟"
استدعتها آخر ما تفوه به انتباهها، وأردفت بقرف ظهر جليًا على ملامحها: "اتفضل يا عسل يا أبو دم سكر محمد حوه، ادخل اقعد معاه."
دخل "فهد" على مضض وشعر ببعض الحرج والارتباك، ولكنه حاول تخطي الأمر وأظهر بسمة مصطنعة وحاول استدعاء الهدوء.
حينما أردف محمد بنبرة مقروفة: "خير؟ جاي ليه؟ عايز إيه أصلًا؟ واسمع طلبك مرفوض من قبل ما أعرفه. ميشرفناش الارتباط والنسب بواحد همجي أصلًا."
ولأن "فهد" أكثر ما يميزه العصبية المفرطة، لا يجرؤ أحد طيلة حياته أن يعامله هكذا، كمثل هذا الأحمق البذيء. لكن على أي حال سيحاول تصليح الأمر أفضل من التمادي مع هذا الوغد.
رسم الهدوء على وجهه بعد أن مسح عليه بضيق، ثم ارتسمت بسمة مستفزة على وجه فهد وأردف: "طب مش المفروض تاخد رأي أختك؟ محسسني ليه إنك من القرون الوسطى والعصر الحجري؟"
استغل "محمد" الفرصة بكون فهد تخطى أمر إهانته، فأردف بنبرة مقروفة وساخرة: "وعلى كده محور الكون تلاقيه فاكر إنه محور حياتها؟ ثم إنت مالك؟ حد قالك تتدخل؟ ودلوقتي اتفضل، طلبك مرفوض."
نفذت طاقة فهد وبرق عيناه، ولوهلة خاف "محمد" منه، ولكن استدعى الثبات.
أردف فهد بزهق: "اييييه؟ من الصبح كلامك زي كلام الحريم، تلقيح وكيد متسترجل وشوف إنك بتكلم راجل."
أردف محمد بسخرية: "حلوة كلمة رجولة دي، عجبتني. ممكن أستلفها؟"
ضحك فهد بجميع أحباله الصوتية، فأردف "محمد" باستفسار: "بتضحك ليه؟ ممكن أفهم؟"
أردف فهد وما زالت نبرته تحمل الضحك: "تستلفها ليه؟ هي ناقصاك عندك نقص يعني؟"
وحينما فهم "محمد" ما يقصده، لعن نفسه في السر. ولكن بالنهاية أردف: "متحاولش خلاص، طلبك مرفوض، وأختي مش بتعصي كلامي أصلًا."
دخلت سما المنزل ووجدت "فهد" جالسًا بارتياحية وكأنه صاحبُه، بينما والدتها وأخاها ينظرون له بقرف، وكأنهم لا يطيقونه من الأساس. بلا، هم لا يطيقونه حقًا.
استغربت سما مجيئه، ولكنها دخلت وألقت السلام، فردوا التحية ببرود عدا "فهد".
لم تدخل غرفتها كالعادة، بل دفعها فضولها لمعرفة الأمر. وحينها أردفت: "هاه، فيه إيه يا جماعة؟ أولًا أهلاً بحضرتك يا دكتور فهد. خير يا جماعة؟ هو فيه حد تعبان؟"
نطق فهد بسخرية: "أيوه، فيه حد تعبان. أخوكي ووالدتك."
ثم أطلق ضحكات عالية. لم يفهمه أحد، أهو مجنون أم يدعي الجنون؟
نطقت والدتها بزهق: "يا دكتور، إنت زهقتنا بصراحة."
نطق فهد باستفزاز: "دانتم تزهقوا بلد لوحديكم."
أردف محمد بعصبية: "دكتوووور، اتكلم بأدب، إنت في بيتنا."
أردف فهد باستفزاز: "طب مانا عارف، إيه الذكاء الخارق ده؟ إنت فاكرني في بيت الجيران يعني؟"
كانت "سما" تكتم ضحكاتها، فالأمر أصبح مضحكًا للغاية.
أردف محمد بضيق: "خلاصة الموضوع، الجوازة دي مش هتتم، وإحنا مش موافقين أصلًا. هاه، إيه رأيك؟"
أردف فهد بسخرية: "لاحول ولا قوة إلا بالله. ومين قالكم بس إني هتجوزكم أنتم؟ ثم إن صاحبة الشأن قمر أهي وبدر منور، وليها رأي يعني مش طفلة. وغمز لها بعينه وأردف: "ولا إيه رأيك يا ست البنات؟"
لم ينم ليلة في أرق مستمر. فها هي النهاية المريرة قد اقتربت. حينما تشعر بأن النهاية الحتمية لها موعد محدد وأكيد، ستظن في هذا الحين أنك ليس إنسانًا، وكل ما كان الشيء خفيًا عنك، كلما عشت لا تبالي. الآن هو لا يمكنه تغيير أمر أو قانون. أيفر بها أفضل أم يذهب لوالده؟
لم يتمالك أعصابه التي فقدت للتو، حينما رفع هاتفه ليحدث والده.
"أركان: كيف حالك رسلان؟ أتمنى أن تكون بخير. ثم افعل ما أمرتك به. أنت تعلم رغم كونك ولدي، لكن لا يمكن لك صد أمري وعصياني!!"
"رسلان بنبرة حزينة مهزوزة: آسف أبي، لا يمكنني فعل هذا. وأرجوك لا تفعلها أنت. من أجلي أنا أيضًا لن أفعل هذا بها. وقررت أن تكون النهاية حتمية لي ولها. ولتفعل بي ما تفعله بها. يكفي أن النهاية ستجمع كلانا، فمرحباً بالموت في كنف الحبيب أبي."
استشعر "أركان" حزن ولده، ولكنه لم يبالي بهذا وأردف ببرود: "إذاً، فل تكن النهاية لك ولها وللجميع. أنت اخترت ما تريد رسلان. وهذا قانون أبدي سائد. إن لم تنفذ ما آمرك به، فسوف نقرأ الفاتحة والرحمة على روحك أيضًا. ولا يهمني بكونك بني، فهذا قانون سائر عليك وعلى غيرك. إلى اللقاء إن كان هناك فرصة للقاء."
الموت أصبح مصير كلاهما. فلن التضحية أصبحت شيئًا تافهًا. إن قتلها سيصبح هو على قيد الحياة وسط عمله ووسط الدنيا. وإن لم يفعلها، ستنتهي حياته هو أيضًا. في كلا الحالتين، ليس هناك مفر من هذا وذاك. آه، اختبار للحب أم ابتلاء أم تخليص ذنب ما؟ وما أكثر ذنوبه. القتل الآن ليس سهلاً في حالته، وإرهاق نفسه ليس بالهين أيضًا. حينما يوضع الإنسان في مثل تلك المواقف.
تعدت الساعة الثانية عشر بعض منتصف الليل، وما زالت عطر مستيقظة، لا يمكنها النوم. تتذكر برود وجهه وملامحه التي متأكدة أنها تخفي أمرًا ما. لا تعلمه، ولكنها متأكدة منه تمام التأكد وواثقة أن هناك شيئًا تمام الثقة.
عزمت أمرها، ولم يرق لها وضع حجاب. بل قامت بمنامتها القطنية الأكثر من رائعة مع شعرها البني الناعم وملامح وجهها المريحة الطفولية. كانت تسير مترددة باتجاه غرفته، تفرك يدها بإحراج ظهر جليًا على وجهها. كادت أن تطرق الباب، ولكن تراجعت يدها بتوتر وإحراج. ولكن على الأخير طرقته بخفة وضغطت على شفتيها من الإخراج، وأصبح وجهها كثمرة التفاح الناضجة.
أما "رسلان" ففي الأثاث لم يسمع، لأنه كان منشغلًا بالتفكير في الأمر بجدية حتى انفصل عن العالم. ولكن سمع صوتها الجميل، الناعم، الرنان، الخجول حينما أردفت: "رسلان."
أفاق هو من شروده وشرود أفكاره، وقام بهدوء وفتح الباب. هيئتها الرائعة رسمت الارتياح وابتسامة واسعة على وجهه، ولمعت حب في عينيه ونبرتها الرقيقة حينما أردفت: "مش قادرة أنام، ممكن أدخل نتكلم مع بعض شوية لو مش هضايقك يعني؟"
ابتسم "رسلان" في هدوء. ورغم حزنه، لكن ملامحه مريحة ووسيمة. "عزيزتي، هذا مكانك كصاحبة أيضًا."
شعرت بالخجل من أثر نبرته الحنونة، وأفسح لها الطريق، فدخلت بهدوء وجلست على أريكة جانبية. "تلعن نفسها ألف مرة ومرة من قدومها إلى هنا، خاصة حينما أصبح الجو صامتًا، والصمت أبلغ من الكلام. لم تتحدث، وهو أيضًا انعقد لسانه. وكلاهما أوغاد وقعوا تحت سطوة الحب. فبالآخر أردف رسلان حينما نظف حلقه: "عزيزتي، يمكنك التحدث الآن. أووه، تناسيت أن أسألك وأوضح لك كم تبدين جميلة وفاتنة في تلك الملابس، مثيرة حقًا."
كلماته صادقة، واستشعرتها، والويل لها والويل لارتباكها. والويل لها أحرجها بكلماته تلك.
لم يتخطى "رسلان" الأمر وأراد لمشاعره المكبوتة أن تخرج، فلا صمود بعد الآن. حينما أردف: "عيناكِ رائعة، وابتسامتك الخجولة وحمرة خديكِ الطاغية سلبت عقلي. لما ظهرتِ لي يا حوريتي في تلك اللحظة؟ لا أصدق أن تلك الفتنة والجمال والخجل تجمعوا بكِ أنتِ وحدكِ وأصبحوا لي أنا فقط. حقًا، إنني لرجل محظوظ حظي بجوهرة جميلة."
الآن تجزم أنها انصهرت من الخجل، متأكدة أن وجهها أعلن ما بداخلها، خاصة بتلك النبرة الحنونة التي استشعرتها للتو في كل كلمة ينطقها. أما شعوره باتجاهها تغير عن ذي قبل، فكان يطالعها بشغف باين في عينيه التي وضحت لمعتها. أما "عطر" أحست أنها محاصرة، أسيرة تحت نظراته المخترقة القوية، فأخذت تفرك كفيها بتوتر، خاصة حينما رفعت عيناها وحدت شغفًا باينًا ورغبة قوية في عينيه. حاولت أن تتكلم لتخرج من تلك الغرفة التي أصبحت أضيق ما يكون عليها، فلم يسعفها صوتها في إخراج كلماتها، فبدت متوترة للغاية، متوترة حقًا. لم تستطع التكلم وفزت من مكانها لتخرج، فقد انصهرت خجلًا. ولكن يده حاوطت خصرها وعيونه تتأمل كل إنش في وجهها. أخرجت صوتها مهزوزًا وقالت: "لو سمحت، عاوزة أخرج."
نطق بشغف وعشق: "ليس الآن عزيزتي."
رواية التركي والصعيدية الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سنسن ضاحي
حاوط خصرها ودقق في كل شبر بوجهها كأنه لا يطيق صبرًا، فطالما حلم بها لياليه البائسة، والليلة لا بد أن ينعم بالجنة مع محبوبته. أما هي، فقد ضاق صدرها ذرعًا وأحست بأنها سوف تتبخر في الحال مع احتضانه، وعطره الممزوج برائحته المميزة التي اخترقت قلبها.
"حنون، مسالم جدًا لأبعد حد ممكن"، همس بنبرة ودية حنونة دافئة تزلزل الكيان حينما أردف: "أنتِ كل شيء، أنتِ الوجود والحياة".
أصبحت نبراته أكثر دفئًا عن ذي قبل، خاصة حينما أردف بنبرة حنونة راغبة: "لن أترككِ الليلة".
لن تنكر عطر صدمتها من آخر ما تفوه به، لكن هناك شعور آخر جذبها وبشدة، شعور بأنها تشعر بأنه الأمان والإدمان، أجل، هذا ما تشعر به الآن.
ليس بالسيء، ولم تر منه سوءًا غير مرة أو مرتين على الأرجح، لكن غلب حنانه كل شيء، وهذا كافٍ على الأرجح لتغفر له على أي حال.
لم تكن أي شيء ولا أي حرف ولا كلمة، فقط الحب ومشاعره الرائعة التي تسلب الروح من الدنيا لدنيا جديدة غير متوقعة. حقًا، إنه الحب بكل ما فيه وفيه.
همس رسلان في أذن عطرته: "الليلة مميزة لنا يا جميلتي، هل تسمحين يا عطرَتي وسيدتي بهذا؟"
أصابتها داء الخجل، محمرة الوجه، خديها أصابتهما حمرة مهلكة كتفاحة ناضجة. أغراه شكلها وود التهامها في الحال.
ثم عاود سؤاله مجددًا: "مولاتي، هل تسمحين لي بهذا؟"
نطق عقلها في نفسها بـ"لا"، لكن من فرط خجلها لم يقو لسانها على التحدث بها. حاولت إخراجها على لسانها، ولكنه عقد من حديد، ففسر سكوتها "دليل الموافقة".
بهمس حنون: "أشكركِ عزيزتي، سوف أمنحكِ الحب وسوف أجعل قانون حب جديد، سوف أصنع لكِ حبًا جديدًا، سوف أصنع جميع أنواع الحب لكِ ولي، أنتِ الحب".
نطقت بنبرة مهزوزة محرجة: "رسلان، أنا عاوزة أمشي".
نظر لها مستفسرًا وأردف: "لماذا؟"
نطقت عطر بهدوء: "مش عارفة، بس عاوزة أمشي ومعنديش استعداد لكده".
وللحقيقة، لم يرد عليها بلا، فضل الصمت فقط، وأصبحت ملامح وجهه متلاشية لا يمكن قراءتها. لم تفهم عطر صمته، ولكن لوهلة رهبت هذا الصمت وسكوته الرهيب وملامح وجهه الباردة، خاصة حينما أردف بجمود: "حسنًا، يمكنكِ الذهاب الآن، أو أود أن أخلد للنوم".
لم تنطق بحرف آخر، بل خرجت في صمت وأغلقت الباب خلفها. أما هو، فنظر أمامه بشرود.
أمسك فهد هاتفه ورن على سما، التي لم تجب من أول مرة، فعاود الكرة لمرة أخرى، فأتاه صوتها الأنثوي وهي تتحدث بهدوء: "أيوه، مين معايا؟"
أجابها وقد لاحت بسمة صادقة على وجهه: "إيه القمر، مش عارفة رقمي ولا إيه؟"
ارتسمت بسمة على وجه الأخيرة، وبنبرة حملت بعضًا من الفرحة أجابت: "فهد، إزيك عامل إيه؟"
نطق بنبرة مرحة: "عامل بكلمك يا خلوبصة".
نطقت بارتياحية: "بكلمك بجد على فكرة، بتعمل إيه دلوقتي؟"
"أفهم من كده إنك مهتمية وكده، وده فرحني والله".
حاولت سما تصليح ما تقوله له، فأردفت: "مش القصد!!"
حاول التلاعب معها قليلاً وأردف: "مش القصد، يعني مش مهتمية، شكرًا جزيلاً يا آنسة سما".
الأمور بالنسبة لها أصبحت تتعقد، فحاولت إصلاح ما تقوله وأردفت نافية آخر كلماته: "لأ طبعًا، مش ده القصد على فكرة، ولا أنت بتلكك لي على أي حاجة يا أستاذ وخلاص؟"
ليست في نظره الآن سوى طفلة. خرجت ضحكاته التي استفزتها قليلاً، ولكنه أردف: "عارفة، أنتِ زي الأطفال بالظبط، زي كده شمس بنت أخويا. والله أنتِ قمر وسكر، وبلّي هأقع فيكي ده إن ما كنتش وقعت فعلاً".
رفرف قلبها كأنه طير، وعيناها أجزم أنها تكاد أن تخرج قلوب عبر الجوال. ولكن ثقلت أنفاسه وتسارعت أنفاسها. ارتبكت كثيرًا، وبالأخر أردفت لتهرب: "طب باي يا فهد دلوقتي، ماما عاوزاني".
رمت الهاتف من يدها على المنضدة وأخذت تلف الغرفة بفرحة كالطفل الصغير.
بمكان ما في مدينة "اسطنبول" التركية، داخل مركز سري مميكن بأحدث الطرق والآلات والمعدات القتالية، بداخل غرفة يغلب عليها اللون الأسود مخطط بلون أحمر مخيف، وهناك طاولة طويلة بدرجة كبيرة، يجلس بعينان تشع شرًا.
نطق أركان بنبرة صارمة شريرة: "ما بكم، الأمر لم ينتهِ بعد، والفتاة على قيد الحياة، ورسلان تأخر بالرد". ثم أشار بإصبعه نحو مراد الذي تملكه القلق والرهبة.
لكن أردف أركان بصرامة: "رسلان لن يفعلها وسأخسره، وأنا لا أود خسارة ابني الوحيد من أجل حمقاء بلهاء، لذا عليك يا مراد أن تنهي حياتها في أقرب وقت ممكن وبدون علم رسلان، لنضعه في الأمر الواقع".
نطق مراد بنبرة مستفسرة: "لماذا هذا الاستثناء؟ عذرًا سيدي، إنه مجرد سؤال عابر؟"
رغم كون أركان لا يحب المناقشة، ولكنه أجاب: "لأنه ابني، والابن الوحيد، ويستحق الاستثناء".
أومأ مراد رأسه في خبث، لكن قرأ أركان هذا ونطق بضجر وتحذير: "أقسم بالله العظيم ورسوله، لو كان سوء في نيتك الخبيثة اتجاه رسلان، لقطعت عنقك على الفور!"
بسرعة رهيبة وتوتر، أجاب مراد وقد تحسس عنقه: "سيدي، هذا ليس صحيحًا، سأخلصك فقط من زوجته، أعدك، أنا رسلان رفيقي العزيز وسيدي وابن سيدي".
نظر أركان للجميع ونطق بتحذير: "رسلان أركان أغى هو السلطان من بعدي من اليوم فصاعدًا. وضعنا من أجله قانون جديد، له فقط، هو سيدكم والوريث من بعدي، وهو القانون الذي ليس له قانون".
نظرت الكلمات جعلت مراد ينظر لسيده بريبة ويتردد سؤال في ذهنه: "سيدي متناقض؟"
وحينها، أردف مراد مستفسرًا:
"سيدي، عذراً، لم أفهمك. معنى هذا أن أترك زوجته؟ وأن سيادتكم عدلتم عن تلك الفكرة؟"
نفد صبره وضاق ذرعاً منه وأردف:
"مررررراد، لا أحب معاودة الحديث أكثر من مرة. قلت لك: رسلان خالف أمري في قتل تلك البائسة، ومن يخالف الأمر يستحق القتل في قانوني، حتى ولو كان فلذة كبدي. لكن لا يمكنني فعل هذا بولدي، وجعلت له قانوناً: لا قانون على رسلان. أركان، أفهمت؟"
"لكن معنى هذا أني وكلتك لتكلف أحداً بارتراق دماء زوجته!"
أماء مراد رأسه بسرعة، دليل الموافقة على تنفيذ الأمر.
وفي صباح يوم جديد، استغربت عطر اختفاء رسلان وتأخره، إلى الآن لم ينزل من غرفته، ولم ترغب في تناول الإفطار بمفردها. تملكها القلق وانقبض قلبها عليه كثيراً، فصعدت غرفته، ولكن لا رد. طرقت مرة، ولكن لا رد أيضاً. ظلت على هذا المنوال، فخرج صوتها صارخاً باسمه، وهي تصرح بأعلى نبرة يمكن أن تشق الآذان:
"رسلااااااااااان! فيه إيه؟ افتح الباب بالله عليك، أو رد عليا. رسلان رد عليا، فيه إيه بالضبط؟"
استدعت أحداً الذي كسر الباب، فالتو واللحظة دخلت الغرفة على عجالة من أمرها. وجدته ملقى على السرير بكامل ملابسه، وجبينه يتصبب عرقاً، مغمض العينين، ويبدو أنه في حالة من الهلوسة.
حينما كان يردف رسلان بالتركية، لغته الأم:
"أتتركها لي؟ أتراجى مقامك الرفيع؟ لا تمسها، لا يمكنني الاستغناء عنها، لا يمكنني أن أعيش بدونها."
كان يهذي بالتركية، لم تفهم من أمره شيئاً. تحسست جبينه، درجت حرارته مرتفعة للغاية، وأمرت أحداً بجلب طبيبة لأجله. فمضى وقت ليس بالقليل، وأعطته الدواء، وبدلت له ملابسه في إحراج، وقررت المكوث معه الليلة. لم يتحسن، بل بدأ في الازدياد. شعره الناعم سقط على جبينه، فتحسسته يدها وقامت بإرجاعه للخلف.
تكلم رسلان بالتركية بصوت متقطع متخدر:
"هل بإمكانك احتضاني؟"
الكلمة هزتها، حتى وهو على غير وعيه، لكنها لمست قلبها خاصة، حينما أعادها مجدداً:
"عطر، هل بإمكانك احتضاني؟ أشعر بعطرك وعبيرك بالجوار."
تحسست جبينه، ما زال ساخناً، مبتلاً من آثار. بدأ لها كالطفل الصغير، بريء للغاية، ملامحه رائعة، مريحة، ووسيم. اقتربت منه وضَمَّته باحتواء. وكأنه شعر بها، انتظمت أنفاسه واستسلم للنوم، لا للمرض، وكأنه استسلم لأمانه، لحبه، فهي حبه وطمأنينته. ظلت تقلب في شعره براحة غير متناهية بأطراف أصابعها الناعمة التي تخللت داخل فروة رأسه بنعومة وعذوبة.
نطق بصوت عذب ولا يدري ما يتفوه به:
"أحبك... أحبك يا عطري وياسميني... قلبي... لن أتركك ولن أدعك تذهبين."
كلماته خرجت بعذوبة، كأنها الماء المنقى العذب. الحب أثره جميل، ليس له أي ألم حينما تخرج الكلمات بصدق تهز المشاعر. الرواقة، إنه الحب السيد القديس، وفي نفس الوقت الشيء السيئ والشيطان.
وفي منزل منصور، انتهى زين من ارتداء ملابسه، حينما دخل منصور عليه وأردف بجد:
"حلو أوي كده، لبس شيك لايق عليك يا ابني."
نظر له زين وأردف:
"متشكر جداً يا بابا، اتفضل."
منصور بنبرة هادئة تحمل بعض الحذر:
"بقولك يا زين، خلاص أنا رتبت معاد الجواز."
نظر له زين بذهول:
"طيب، حتى خد رايي الطيشة اللي هيتحوز!"
أجابه منصور باللامبالاة:
"كله ده مش مهم."
نظر له زين بتعجب وأردف:
"هو إيه اللي مش مهم ده؟ معقول رأيي مش مهم؟ لا أفهم بقى، هو مين اللي هيتجوز؟"
في تلك الأثناء، دخل رامي بدون سابق إنذار واحتضن زين على الفور. وأردف رامي وهو يحتضنه:
"ألف مبروك يا شق، فرحك قرب أهو يا عمهم. والله الواحد فرحان لك ومبسوط، هي ليلة عسل من أولها."
نظر له منصور بغيظ وأردف:
"يلا يا كلب يا ابن الكلب، بره!"
نطق رامي بمرح:
"لوسمحت يا حاج، متشتمش على الحاج."
نطق منصور بنبرة مغتاظة:
"يا أخي، ملعون اللي يخلف عيل ثقيل زيك."
أردف رامي بمرح:
"لو سمحت يا حاج، متدعيش على الحاج."
نطق منصور باستفزاز:
"وله، اخرج بره يلا!"
أردف رامي مجدداً:
"يا حاج عبد الصمد، اهدى وخلي ليلتك عنب."
أما زين، فكان يكتم ضحكاته، فالأمر لطيف للغاية. تدخل زين لينهي الأمر:
"خلاص يا رامي، اخرج عشان الضغط تبع الحاج ما يعلاش."
نظر منصور للآخر بغيظ وأردف:
"حتى انت يا بوز الحزمة."
ولصباح يوم جديد، استيقظ رسلان مع أذان الفجر ورأسه تؤلمه بشدة. وجدها نائمة بجوار قلبه، فازدادت ضربات قلبه بتوتر. فسمع الأذان يصدح في الأرجاء، فقام وتوضأ وصلى فرضه.
وعاد مجدداً إلى مضجعه، فأخذها على صدره، رأسها فوق قلبه كما كانت سابقاً.
أنفاسه المتوترة لفحت بشرتها البيضاء، وملس على شعرها الناعم بهدوء، وتحسست أصابعه كل موضع في وجهها كأنها ترسمه. أجمل ما رأت عينه هي رائحة شعرها الياسمينية الجذابة، بشرتها البيضاء الصافية النقية.
ضمها إلى أحضانه، وكاد أن يدخلها داخل ضلوعه، قبل أعلى رأسها واستنشق باستمتاع رائحة الياسمين التي تنبثق من شعرها الحريري. وأردف بعد أن لامست شفاهه خديها برقة:
"أعشقك."