تحميل رواية التركي والصعيدية بقلم سنسن ضاحي pdf
بقلم سنسن ضاحي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
فى مدينة اسطنبول التركيه داخل إحدى المنازل الراقيه يجلس رجل فى الستون من العمر يتناول قهوته الصباحيه باستمتاع الا ان جاء بجواره ابنه "رسلان" شاب فى الحادى والثلاثون من العمر يعيش هو ووالده بعد وفاة والدته رسلان شاب وسيم ذكى يحب والده كثيرا رئيس مجلس إدارة شركات والده "اركان آغا " الحوار بالتركى رسلان بمرح: صباح الخير والدى العزيز! اركان ببسمه: بخير رسلان مادمت انت كذالك! لما أتيت متاخرا امس رسلان؟ رسلان: لا شئ ابى كنت اسهر مع "بيرن" خطيبتى. اركان بضجر: حسنا ولاكن انتبه إلى أعمالك وتغاطى عن تلك ا...
رواية التركي والصعيدية الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سنسن ضاحي
لا يمكنها التحمل أكثر من هذا.
ودت لو تسحق روحها وتكتب مع الأموات، لكن لن تستسلم.
عادت قوتها تراوضها، فبدت شرسة أكثر عن اللازم.
لم تعطهم حقًا، ليس لهم.
لم تترك جسدها متعة رخيصة، حتى ولو خارج إرادتها.
فبنظرها، الإرادة تغلب المستحيل.
كبلوا جسدها، ولكن روحها هي الأسبق على كل حال.
بصقت على كل وجه قابلها.
همّ أحدهم باستباحتها.
في اللحظة الأخيرة، انفتح الباب بعنف ودخل "حامد".
في اللحظة الأخيرة، حانقًا غاضبًا لأبعد حد.
"سيبوها."
كانت كلمته مرغمة وتحمل الغيظة.
فتلك أوامر عليا.
ابتعد الرجال في سخط، فكل شيء كان على ما يرام.
أردف أحدهم: "بس دي لازم تتربى."
أردف حامد بعنف: "قلت خلاص، فاهم؟ ومش هكرر كلامي أكتر من مرة يا حمير."
خرجوا على مضض وحنق.
وجهها شاحب، عيونها متورمة، ملابسها ممزقة.
حجابها فيضوى، تمردت منه خصلاتها والتصقت على وجنتها الرطبة بسبب الدموع.
ولاننسى ألم روحها الذي فاق حد آلام الجسد.
ولكن مهلاً، تحمل نظرات قوية.
اقترب منها حامد وبنظرات شامته: "مش لو كنتي حلوة كان زمانك عندك كرامة؟ أوعى يكون فكرك إني خليتهم يمشوا عشان عيونك الحلوة، لأ. ده عشان أوامر إني أسيبك، ولولا كدا كان زمانك من كلاب السكك."
لن تخف الموت، لن تهابه، بل رحبت به وبقوتها المستمدة وشجاعتها المخيفة.
بصقت على وجهه بتوالى.
لم تخف، سبته بألعن ما جاء في خاطرها.
صفعها بتوالى: "لولا اللي نجّاكِ مني كان زمانك مع الأموات."
قالها بمنتهى التشفى.
أردفت في تحدٍ: "ربنا اللي نجاني من حيوانات زيكم، والقدر هو اللي انتشلني منك ومنهم."
فتحت الباب بانكسار، حالتها رثة للغاية، روحها منهكة.
فتحته وانكفأت على نفسها.
صعدت في هدوء.
قران الفجر بدأ للتو، كانه إشارة ليوم جديد.
لم يراها أحد.
رموها بالقرب من المدينة، قال ورقة التي لا تهم ولا تنفع.
قامت بهدوء وحمدت الله أنها على أي حال خرجت من وكرهم.
مشت شاردة العقل، إلى أن قادتها أقدامها الصغيرة بدون وعي إلى منزلها.
تذكرت هذا كله وارتمت على السرير، فأغلقت عيناها مرغمة ودون إرادتها.
ذهبت في سبات عميق، أو دعني أقول فقدت وعيها.
أليس يكفي على تلك الصغيرة كل هذا؟
حديقة جميلة، أزهار رائعة، نسمات هواء باردة.
ما أحلى أرض الله في أي مكان، وما أروعها.
جلس "أركان أغا" ووجه نظراته الغاضبة الحانقة إلى ولده، وقال منه ما تفوه به رسلان.
أردف السيد أركان بغضب: "الأمر بخصوص سفرك إلى مصر أمرٌ مُنهى ولا جدال به. فلدينا الكثير من الأعمال، انتبه لها جيداً."
أردف رسلان بتبرير: "لدي أعمالي وشركاتي في مصر وسأذهب بنفسي، وهذا قراري ورغبتي، وأرجو أن تتقبلها يا أبي."
يعرف جيداً رأس ابنه العنيد، ولكنه يخاف عليه لحاجة في نفسه.
"حسناً، كم يروق لك."
أفاقت البائسة في الصباح.
"رباه، متى ينتهي البؤس؟"
استغربت هدوء المنزل.
لوهلة أحست بالوحشة.
أين زمزمة المرضى؟ أين كل هذا؟ بل أين "فهد"؟
استحمت وارتدت ملابس بسيطة ونزلت إلى الأسفل.
يبدو أن الباب منغلق، إذن أين هو الآن!
قررت أن تذهب وتحرر محضرًا بما حدث لها، فهي آدمية وليست لعبة، بل هي لا تخاف.
بداخل قسم الشرطة، يقودنا عسكري صارم إلى مكتب الضابط زين.
فتح الباب بهدوء.
قابله وجهان متلهفان.
أسرع فهد بتساؤل: "هاه، فيه جديد؟"
قاطعه زين بتأني: "فيه إيه يا عوض؟"
العسكري برسمية: "في خناقة ومطلوبين حالا."
نفخ زين بزهق، فالمشاكل هنا كل يوم.
على أي حال، هذا عمله ولا يمكنه التغاضي عنه.
نظر لفهد قائلاً: "فهد، بعد ما أخلص اللي ورايا هاجيلك على البيت. الموضوع لازم يخلص النهارده بأي شكل. هجبها، لازم تبات في بيتها النهارده ولو هدفع عمري."
خرج فهد من القسم، نفخ بضيق.
تمنى لو يجدها، يضمها، يطمئنها.
لابد أنها في حال سيء، ليته يجدها.
لم ينم منذ اختطافها.
أصبحت هالات كالهلال الأسود تحيط عيونه.
قرر الذهاب إلى عيادته، لعلها عادت أو تعود، فهو لم يذهب إليها منذ اختطافها.
أُحبِطت بشدة حينما لم تجد "زين" بالقسم، فهو من يساعدها وبإمكانه مساعدتها.
قررت العودة إلى المنزل.
فتحت الباب ووجدته جالسًا، منكفئ وجهه بين يديه.
استغربت حاله كثيراً.
"دكتور فهد، مالك؟ فيه حاجة؟"
رفع وجهه بذهول، غير مصدق أنها أمامه الآن، والغبيه تسأله عن حاله وكيف حاله بغيابها.
لم يتكلم، بل أسرع إليها، راميًا الأعراف والتقاليد بعرض الحائط.
احتضنها بشدة، فتصلب جسدها.
قبل أعلى رأسها.
دفعته بقبضتها في ذهول مما فعل: "إيه اللي عملته ده؟ هي سايبة ولا إيه؟"
اعتذر في رقي، رقة مبالغة فاضت من قلبه: "آسف، آسف."
ثم وجه نظره إلى وجهها المتورم، فانعقدت ملامحه في ضيق وأسى: "مين اللي عمل فيكي كدا؟"
بدأ بتحسس وجهها، فنفضت يده.
"دي حكاية يطول شرحها، وأرجوك يا دكتور فهد، متفكرنيش بيها."
تركها، فاستغربت، ولكنها فهمت حينما رأتـه حاملاً بيده دواء ومراهم.
"خدي دول، مراهم وانتي بيوتك هينفعوكي."
أخذتهم بهدوء.
أما هو، فأردف بمرح ليخرجها من أحزانها، فهو رأى مدى تعاستها.
"عارفة؟ مش متعود عليكي كدا زي البنات الهادية. متعود عليكي بتتكلمي زي سواقين التكاتك."
لم يهمها الأمر، تعلم أنه يواسيها ويخرجها من أحزانها.
بل أردفت برجاء: "رجع المرضى بتوعك، أنا لفيت عليهم."
ثم سألته متمنية: "وشمس كمان وحشتني."
أردف بسرعة وعيناه لامعة: "شمس بس."
أصبح المكان طاقته غريبة ومليء بالصمت.
قطعه دخول "زين" بعيون مزبهلة.
اقترب منها ليتاكد مما يراه للتو.
"عطر، انتي جيتي إزاي وعاملة إيه؟ حد عمل فيكي حاجة؟"
شعر بالغيرة وأراد أن يركلـه ليطيره من طريقه.
فهد بغيرة: "متقلقش، كويسة. يلا، منجيلكش في وحش بقى."
"إنت مالك؟ إنت هتطردني ولا إيه؟ ثم هي مفهاش لسان تتكلم، ولا إيه؟"
نظر له فهد بحنق: "بقولك إيه، أنا اتخنقت منك على الآخر. اتفضل امشي، الوقت متأخر. يلا سلام، روح شوف أشغالك."
اشتعل غضبه: "بيت أبوك هو ولا إيه؟ إنت اتجاوزت حدودك."
أردف بها زين في سخط.
تدخلت منهية هذا الجدال، فقد سئمت منهم لأقصى حد.
"بس بقى، إيه قط وفار. ثم إنت، ونظرت لفهد: "مالك؟ واحد بيطمن عليا وكتر ألف خيره، هتطرده من البيت بأي وجه حق؟"
"أنا آسفة يا حضرة الضابط، وعايزاك توفر عليا مشواري للقسم وتفتح محضر خطف."
ثم نزلت دموع عينيها، فتمالكتها: "ومحاولة اغتصاب."
اشتعل غضب الاثنان.
أما هي، فتركتهم وصعدت بروح مرهقة.
ولصباح يوم جديد، رأى آخر حينما فتح الباب وصعد إلى أعلى.
فتح الباب الرئيسي وانتقلت قدماه للغرفة التي وجد بابها مفتوحًا.
فدخل بتريث.
راها نائمة بنفس ملابسها السوداء، وآثار الضرب تظهر على وجهها بوضوح.
بائن وجهها بائس حزين.
شعر بالحنق والغضب، فغلبته لغته التركية، فأخرج صوتًا ببحة جميلة: "عزيزتي."
يبدو أنها لم تسمعه وظلت نائمة بهدوء.
ولكنه قرر كلامه مرة أخرى: "أفيقي عزيزتي."
أحست أنها بكابوس، خاصة أنها سمعت لغة تألفها.
"أحقًا يراودني حتى في أحلامي؟"
سمعت لغته مرة أخرى، ففتحت عينيها وجحظت، وقامت كالملسوع من نحلة ما.
"إيه اللي جابك هنا؟ اخرج بره، ولا أقولك اخرج من حياتي كلها."
رواية التركي والصعيدية الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سنسن ضاحي
الايشعر اهو معدوم الإحساس ينقصه الشعور.
كالبشر العادي، كيف له أن يخطو؟ بل كيف له أن يقتحم عالمها الخاص هذا، جالب المصائب؟ لم تر يومًا مستقيمًا هو في نظرها، لعنة أصابتها، أم سحر نزل عليها؟ ربااه، من أين جاء بكل هذا التبجح والانحطاط لكي يقف فوق رأسها؟ لوهلة تخيلته رسول الموت. لا، هذا ليس صحيحًا، رسول يعني ملاكًا، وهو في نظرها شيطان أحمق لعين، يجب أن تستعيذ بالله لتطرده خارج حياتها.
"ياربّي، إيه اللي جابك هنا يا ابني آدم؟ انت إيه؟ هي وكالة من غير بواب؟ كفاية بقى المصايب اللي جتلي من تحت رأسك يا أخي، حرام عليك، بطل شياطنة على خلق الله."
أردف بنبرة حنونة تجعلك تستغرب أحواله. أمن الممكن أن تصبح اللعنات نعمات؟ هذا ما استغربته.
أردف بالعربية الفصحى لإيصال أعذب الكلمات إليها:
"عزيزتي، أنا آسف لما سببته لك من تعاسة. صدقيني، لم أقصد هذا. هذا كله بسبب القدر فقط. حقًا ما أقول، أرجو المعذرة."
نظرت مطولًا ثم أخذت تضحك ضحكات متتالية تشبه الجنون، حتى ظنها كذالك!
ثم وجهت نظرها له ولم تتكلم، بل فضلت الصمت فقط.
نظر إلى معالم وجهها، حاول أن يستشف بما يدور في عقلها. يبدو أنها بائسة، محبطة، فقد تقلبت بها الظروف، هو يعلم هذا جيدًا. نظرت له ونطقت بقوة تعرف عنها:
"ياترى جاي تسببلي أي مصيبة جديدة؟ قول، متتكسفش. كل حاجة وحشة عملتها فيا، كل حاجة. ودلوقتي يلا روح، الله يسهلك."
ود لو يسحق قلبه وميله الطاغي إليها، ود لو يعنفه. لقد ذل اليوم، ولكنه يود احتوائها. لم يعِ على نفسه حنونًا كتلك المرة حينما حطم رأس رفيقه وحطم من كاد يفعل بها السوء.
نطق بالمصري بنبرة لينة هينة:
"عطر، صدقيني أنا مقدرتش أنتقم منك يا عزيزتي. البيت وكل حاجة لسه باسمك. أنا حاولت بس مقدرتش، ولا أدري لماذا. ضعفت."
انتظر ردها، ولكن بدت له لا تبالي، وكأنه هواء. بل تخيل أن وجوده بحجرتها كاتم لأنفاسها، جعلت كلامه كأن لم يكن، كأنه هباء. صمتت وما شاء الله أن تصمت.
عاود حديثه مجددًا، بدت في حالة نفسية سيئة، بدت هزيلة ووجهها شاحب، عيناها تنظر في اللاشيء. تأثر لحالها، كم ودد أن يذهب إليها ويحتويها. وبخ نفسه، هو الذي فعل بها هكذا. لكنه عاود سؤاله، بل قال أمرًا بنبرة لينة:
"يمكنك المجيء معي الآن إلى القصر؟ فأنا لن أتخلى عنك هذه المرة." ثم نداها مجددًا: "عزيزتي."
لم تبد منها أي ردة فعل، غير أنها تكلمت وهي تشدد على كل حرف ليوصل إليه بنفس قوتها:
"اخررررج برررره."
لم يأبه لكلامها، بل زاده الأمر إصرارًا عجيبًا وغريبًا. هو لم يجرب الحب، ولم يعلم أن هذا الشعور هو هكذا، لكنه على أي حال يفكر بها منذ أن رآها ورأى قوتها وعندها. ولكنها الآن تتظاهر بهم وكأن الأصل وبزرتهم قد انتزعوا.
أردف رسلان بحنو وظهرت لمعة بعينيه:
"سأتزوجك. أساعدك بذلك. سأفعل لك ما تتمنى فقط لتكوني معي، عزيزتي."
ألم يكفيه إلى هذا الحد؟ ذلك الشيطان المتمرد، من أي نوع هو؟ ما خطته إذا؟ انتقم منها بكل الطرق. يبدو أنها تلك الطريقة الجديدة التي يستعملها. أيعقل شكله اللطيف يختبئ خلفه وحش مهيب وثعلب خبيث؟ كانت تسمع كلامه ببسمة ساخرة. حسنًا، لندعه يكمل تلك المسرحية التي يبدو أنها ستكون بطلتها مجددًا. سأسمع له ببسمة ساخرة.
مللت أخيرًا من كلامه، فنفخت في ضيق وقلبت عيناها بملل:
"وقت خلص يا رسلان بيه، وبلاش اللعب على المكشوف وجو الحب ده والكلام الفاضي، واتفضل اخرج بقى من حياتي."
فتحت له الباب بملل وفرتت كفها الرقيق لتريه طريق خروجه. هم بالخروج، لكن أوقفه صوتها العادي المترجي. حسنًا، يبدو أنها اقتنعت بالأمر وستأتي معه، فهو لا يريد إجبارها على أي شيء.
"عطر،" بهدوء: "الرجاء يا أستاذ رسلان متجيش هنا تاني، وسبني أعيش حياتي بهدوء. ولا إيه؟ انت شايف إن ده كتير عليا؟"
أومأ لها بهدوء ورحل.
المكان وصل إلى منزله فدخله للتو وكسر كل شيء وقع تحت يده. وعينه، أحبها أجل، فلا يمكن لروحه المشتاقة أن تنكر هذا. بل لا يمكن لحواسه نكرانها، فالحب لا يمكنه الاختباء. مادام قويًا، فالحب القوي ليس بالجبان، يظهر بوضوح ويغير الحال.
يدها الصغيرة تدق الباب بهدوء، وصوتها الطفولي ينادي:
"عمتو عطر، افتحي أنا شموسة."
فتحت لها في الحال وشاكستها، بادلتها العناق. تبسمت الصغيرة بمرح لوجودها مع هذا الملاك.
أما بالأسفل، دخل إلى البيت، وجد جمع كبير من المرضى. حمد ربه كثيرًا أن هذا الشخص سينشغل لأكبر وقت ممكن. ابتسم ابتسامة جانبية رائعة ومسك هاتفه ورن عليها يخبّرها بوجوده بالأسفل متحججًا بالمحضر اللعين. تمتم في فرح:
"الحمد لله، النهاردة بس يظهر إني محظوظ."
قطعه صوت "فهد" بتقدمه في ثبات:
"أهلًا حضابط، عامل إيه؟ وجاي ليه؟ فيه حاجة ولا إيه؟"
قلب زين عينيه في ملل وتأسف لحظة العسر:
"لأ، جاي عشان المحضر. ثم انت مال أهلك؟"
طفح به الكيل كما طفح بالأخير، فرد "فهد" بغضب:
"مال أهلك انت واللي جابوك!"
رد زين وبدأ هذه المرة عنيفًا للغاية، وتكلم ما يمليه عليه قلبه وسط المرضى وقد ذهب عقله:
"ولاااا، البت دي ملكش دعوة بيها، وعلى المكشوف بقى، أنا بحبها وهتحوزها غصب عنك أو برضاك، فاهم؟"
هو يعلم ما يقول، هذا اللعين، ولكنه كان يشك في نواياه. لكنه استرجع كلمته، حب؟ أيحب؟ أيحب من يحبها سيجعل يومه باردًا كالثلج؟ كيف يتجرأ ويحب محبوبته؟ نطق فهد بهمجية خالصة:
"ده لما تشوف حلمة ودنك، البت دي تخصني، وأنا اللي هتجوزها، فاهم ولا لأ؟ ولو قربت منها هعملك عؤ."
أصبح صوتهم عالٍ لأعلى درجة واشتد الخناق بينهم. الكل يتفرجون، الجميع يتهامزون على تلك التي تقف أعلى الدرج تشاهد تلك العركة بحزن، خاصة حينما رأت نظرات الناس إليها كأنها خبيثة عديمة الحياء. فهم وضعوها كالبقرة ويتساومون عليها. أحست بالقرف منهم أيضًا، أصبحت تمقت ثلاثتهم. ما هذا اليوم العصيب الذي لا يمر مرور الكرام؟
كان ينقصها أن تباع وتشترى كالجوارى والرقيق. أيعقل أنها أصبحت لا تملك شأنًا لنفسها؟
عدت من أمام أعينهم فانشغلوا بها وتركوا ما هم عليه. ولكنها أبت الانصياع لكلامهم. لقد وضعوها في موقف لا تحسد عليه، خاصة بنظرات الناس إليها. أما فهد وزين فخرجا خلفها. فوقفت تقلب عينيها في ضيق:
"فيه إيه؟ خلصتوا البيعة والشروة ولا لسه؟ هاه؟"
نطق بتأسف وغيره:
"أنا آسف، حقك عليا."
قطعه زين ونظرته إليه تحمل بعضًا من القرف، وربما الكثير:
"هو اللي دعاني لكده."
أسرع فهد مغيرًا الموضوع وباندفاع قال:
"عطر، أنا طالب إيدك، أرجوكي توافقي."
جحظت عين الأخير وقاطعه بغضب:
"اييييييه ده؟ على جثتي!"
سئم كل شيء عدا عمله، فهو يحبه، لكنها تظهر إليه في عقله بكل لحظة. أيعقل أن يكون الحب هو نفسه الشعور بالجنة والشعور بالنار؟ فهذا الإحساس تملكه بشدة. كان يجب عليه أن يبدأ معها قريبًا، وليس اضطهادًا عنيفًا. لعن بجاحته وهمجيته، رغم أنه صلب قاسٍ، ولكنه لم يعامل النساء ذات يوم بضغينة. يؤمن أنهم مخلوقات ضعيفة يفرحون بسرعة ويحزنون لأتفه الأسباب.
نطقت بثقة:
"وأنا موافقة يا فهد، ومعنديش مانع."
رواية التركي والصعيدية الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سنسن ضاحي
حصل الأخير على فرحه وطوّق بها، نظر بشماتة لـ "زين" الواقف بجانبه، ثم هم بالنظر إليها ولكنه لم يجدها. لكن لا يهم هذا، فهو حصل عليها حتى ولو بخطبتها، فهذا كل ما يهمه، فهي معشوقته الجميلة التي يكن لها الحب في ثنايا فؤاده، وأخيرًا من الله عليه.
باحدى المنازل متوسطة الحال لأسرة لابأس بها، يجلس "محمد" بهدوء وروية يحتسي فنجان القهوة باستمتاع ويسمع موسيقى كلاسيكية مفضلة إليه.
دلفت أخته ذات العشرين ربيعًا بوجه صارم عابس، فهي تلك طبيعتها، تخاف أن تكلمها لأنها سريعة الغضب وأحيانًا تتواقح. امتلكت "سما" ملامح مصرية خالصة وكأنها حفيدة ملوك الفراعنة.
وقفت أمام أخاها ونطقت بضيق وهي تعدل من نظارتها الطبية بطريقة معتادة.
"هو فيه إيه يا محمد؟ ساعة بننده عليك ولا هي الصحافة حبكت هنا يعني؟"
رفع نظره لها ببرود ورد قائلاً: "ثانية واحدة وجاي، وبلاش القمصة اللي على الفاضي والمليان دي، انتِ بنت ولازم تتكلمي مع أخوكي الكبير باحترام. ثم أشار بإصبعه: مش كل مرة هفهمك ده."
يبدو أنها اعتادت على عملها كمعلمة ومارسته في المنزل أيضًا، لكن لا أظن هذا، فهذه طبيعتها من قبل.
نفخت في ضيق وقلبت عيناها وعدلت من نظارتها وخرجت للتو.
أما محمد، فهو يعمل كصحفي بارع يهتم بالقضايا الشائكة وكأنه يجد فيها ملذته، يتفانى في عمله لأقصى حد ممكن، يعتبر القلم الحر لسانًا ناطقًا لا يخاف.
عادت من المقابر بعد أن زارت من فارقوها، لاتهتم بأمر خطبتها ولا يعني لها شيئًا، هي فقط تحس بتشوش عقلها. صعدت منزلها بهدوء، ارتدت ملابسها البيتية، انتبهت لرنين الهاتف الذي لا ينقطع.
حسنًا، لتفتحه، أجابت بهدوء.
"أيوه مين؟" عرفت صوته فردت: "أيوه يا حضابط."
ثم أنصت لحديثه الموبخ لها، فنفخت وغلقت الهاتف وذهبت لتنام، فاليوم ممل بدرجة لا تطاق.
وكانت خطبتها في هذا المساء، حيث جاءت عائلة "فهد" وبرعوا في إنشاد الأغاني والرقص، أما هو فتوسعت بسمته، كادت أن تصل لأذنه.
رقص فهد رقصة صعيدية مهيبة وهو ينظر لها بفرحة.
تقدمت إحدى أخواته ذات الثالثة والعشرين ربيعًا تدعى "نورا"، تقدمت ومسكت بقبضة "عطر".
قائلة بفرحة ومرح: "يلا قومي ارقصي وافرحي، النهارده خطوبتك ويوم مميز."
أعطاها أخاها نظرة غاضبة للحظة، خافت ولكنه أردف بغضب: "مين اللي ترقص دي بنت، انتِ اتلمي يا قسما بالله أخلي نهارك أسود."
تدخلت والدته، منهية هذا الجدال، فهي أعلم بابنها، تعرفه حق المعرفة، غيور، عصبي، متهور.
عاد التصفيق والغناء من جديد، أما "فهد" فهو لا يحيد بنظره عنها، كم بات يعشقها، أخذ يتهامس في أذنها بنبرة حنونة.
"إيه القمر ده، عليا النعمة يا جدعان ما فيه كدا، أنا أمي دعيالي ليلة القدر."
اكتسى وجهها الخجل، لاحظه هو فأكمل هامسًا: "يالهوووي يا ما على خدود التفاح، جمر والله."
كادت تنصهر خجلًا من هذا اللطيف الوسيم. رفعت وجهها فرأت وجهًا قريبًا منها، فطأطأت رأسها في خجل، الآن تعترف أنه وسيم للغاية.
أكمل همسه بنبرة تحمل دفء العالم: "أنتِ جميلة جدًا ومميزة."
ثم عاود همسه مجددًا: "كلميني طيب، إيه رأيك فيا؟"
انتظر إجابته لتروي فضوله.
ردت بخجل: "كويس."
همس لها بنبرة مرحة: "كويس بس من غير إضافة."
انصهرت خجلًا مجددًا، الأمر ليس بالسهل، خاصة بهمسته الحنونة.
"وحلو."
انفجر ضاحكًا على خجلها، فنظر له الجميع، خاصة البنات اللاتي يتابعونهم بعيون الحاقد المتسلط.
أكمل همسه بود: "هعيشك ملكة متوّجة يا عطر."
ردت بنفس النبرة الخجولة لكنها تهتهت في كلماتها: "ربنا يحفظك."
هذه المرة انفجر ضاحكًا مجددًا، تمالك ضحكاته رويدًا.
"فيه واحدة تقول لخطيبها اللي بيحبها وبيموت فيها ربنا يحفظك، لا أنا كده هزعل."
نظرت له هذه المرة، فتعلقت زرقاوياتها بعسليته، فتوقف الزمن لها، وعقد اللسان، أمن لغة العيون أحيانًا، كم يبدو الصمت الملك الجميل الطاغي. أمن الممكن أن يكون الصمت جنة أبلغ من الكلام.
انتهت الليلة بسلام، قبل فهد أعلى رأسها متمنيًا لها ليلة سعيدة، غمز لها قائلاً: "وأكون في أحلامك."
يبدو أن الليلة شعارها الخجل، سيد الموقف.
أصبح الشر والغضب هو سيد الموقف، أصبحت عيونه الجميلة ووجهه الوسيم متشنقًا بالغضب العصيب. الغضب فقط هو سيد موقفه الآن، لا يعلم لماذا أصبح هكذا! لكنه يعلم بمدى الألم الذي ألم بقلبه! قرر عدم انتهاء أمره هكذا، تمتم بين أنفاسه بغضب وقسوة: "أنتِ لي عزيزتي حتى لو لم تعلمي هذا، لم تسببين الآلام لي، ما ذنبي أنني أحببتك، حسنًا، لن أتركك وسأجعلك تتوقين لي عشقًا، سأعيش معك، أنتِ لي وأنا لك."
عزم على إنهاء ألمه وألم قلبه، وقف ببنيته الصلبة ووجهه الوسيم حد اللعنة، أصبحت أنفاسه سريعة، ساخنة، وكأنه في سباق شاق.
"انت هتموتني ناقصة عمر."
زمجرت لها والدة محمد في سخط وعيون مشتعلة.
فرد عليها بنبرة حنونة: "ليه ده كله يا ست الكل؟"
ردت عليه وعقدت جبينها: "وانت مالك تكتب عن الدهشان اللي ليهم في كل بلد مغارة وواغش؟ دول من أيام جد جد جدك ومحدش قادر عليهم وبينهوا حياة أي حد كانه فروجه في إيدهم."
يعلم أنها تخاف عليه بشدة، لكنه حاول أن يصل لها الأمر بأسلوب لطيف.
"أمي ده شغلي، ولا انتِ عاوزاني أكتب عن الفنانين وأي أخبار تافهة وخلاص؟"
ضحكت باستهزاء: "لا يا شيخ، وانت بقى هتعدل المايل؟"
نظر لها وتكلم بضيق: "مش بالضبط بس، على الأقل بحاول. عارف إنهم أخطر ما فيا في العالم العربي ومنتشرين زي السرطان. بس أنا وأمثالي هننهي عليهم."
ردت عليه أمه منهية الموضوع: "ابقى قابلني."
في تلك الأثناء دخلت "سما".
"السلام عليكم."
ثم لم تنتظر الرد ودخلت إلى غرفتها في الحال.
أما الأم، نظرت إلى الأعلى ولا يعجبها حال أي من أولادها.
أردفت بقلة حيلة: "صبرني يا رب."
فالاثنان بنظرها بائسين، فالأخرى باردة، صارمة، انطوائية على غير البنات العاشقة التي كل أمانيها الزواج والأسرة والحصول على عريس. أما تلك البلوة التي حلت على رأسها، لم يحبذ أحد التقرب منها. هي تعترف أن ابنتها ليست بارعة الجمال، لكنها عادية، جميلة، تمتلك ملامح مصرية بحتة ببشرة حنطية وعيون عسلية تخفيها بنظارتها الطبية وقامتها المتوسطة وجسدها العادي كحال بنات الشعب المصري. كم ودت أن تراها متزوجة، متعززة في بيت زوجها لتطمئن، لكن كيف بهذا الوجه الذي يشبه شاويش بالجيش وكتلة البرود المتحركة واللامبالاة الزائدة.
خرجت لتتسوق أشياءها، لم يتركها "فهد" بل ذهب معها، تجولوا في الأسواق، كم أبدى إعجابه بلبسها وشكلها الأنيق، كأنها أميرة خرجت من رواية أسطورية.
لم يرد اقتحامهم في تلك المرة، ولكنه ترك أعماله وكل شيء وأخذ يتربص بها، بدا حانقًا لأقصى حد ممكن، ود لو يسحقه، ولكنه لا يحب التهور. قبض على يده حتى هربت الدماء منها وأصبحت بيضاء كالحليب.
حسنًا، أكلته الغيرة من هذا الأحمق، كيف لها هي الأخرى، تلك الحمقاء، أن تبتسم على مزحاته الفارغة. سوف يأخذها منها عنوة حتى لو لم ترغبه، ولكن ود أن يعيش معها قصة حب أسطورية، وأقسم في داخله أن هذا سيكون يومًا ما، بل هي قدره وعشقه وسيجعلها تهيم به.
رواية التركي والصعيدية الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سنسن ضاحي
لاتلومننى ان انهيت حياة من تحبى فانا العاشق
المتيم الولهان انانى القلب ولا اودك الا ان تكونى
لى فدعى قلبك واستمتعى بحبى وانظرى الى ومابداخلى غير الحب احبك رقيقتى
تقدم احد العاملين به الذى اصبح زراعه الايمن مؤخرا.
عمر: رسلان بيه، اللى طلبته اتنفذ!
رسلان: وماتى سيتقدمون اليه؟
عمر: فى اقرب وقت يافندم.
كان يتابع عمله مع المرضى، دخل له مريض مصاب فى قدمه.
فهد: استريح، لما اجبلك المطهر.
المريض بمكر: والنبى قوام يابيه، مش قادر استحمل الوجع.
مر الوقت على ما يرام، اقتحم البوليس المنزل وبالاخص عيادة "فهد".
تقدم احد ضباط مكافحة المخدرات يدعى "ياسر".
ياسر: فتشوا المكان كويس.
فهد بزهول وغير مستوعب لاى شى: ليه ياحضابط؟ افهم فيه ايه بالظبط؟
ياسر بغضب: اتفضل، اذن النيابه عشان عرفينك هتتفلسف علينا ياحضرة الدكتور المحترم، جالنا بلاغ انك بتاجر فى الممنوعات وفتشنا البيت ولقينا فعلا، بالاضافه اننا لقينا اشرطة برشام انت تعرفها كويس بحكم خبرتك كطبيب.
جاء احد العساكر ممسكا بحقيبه كانت اسفل سرير الكشف.
فهد: اقسم بالله ماعرف حاجة عن ده كله.
امسك ياسر الحقيبه وافرغ مابها، كان بها جميع انواع الممنوعات واشرطة مخدر ومنشط وحقن وخلافه.
نظر له ياسر بغضب: ايه ده يلا هاه؟ فهمنى ياروح امك، ايه ده؟ لا دكتور صح!
فهد بغضب: اقسم بالله ماعرف حاجة عن ده خالص.
ياسر بغضب: وكمان بتحلف كذب، يعنى مش مكفيك ذنب واحد، لا والاهى عاوزهم ذنبين.
فهد: زى مابقولك كدا، انا معرفش حاجة عن القرف ده، واسأل عن سمعتى.
نظر ياسر لمعاونيه: خدوه على البوكس.
كبلوا يداه، نزلت هى فى الحال.
عطر: فيه ايه وخدينوا فين كدا؟ فيه ايه يافهد؟
نظر لها بقلة حيله: مظلوم ياعطر، اقسم بالله.
عطر: فيه ايه ياحضابط؟
نطق ياسر بالامبالا: الدكتور المحترم اللى بيادى رساله ساميه بيتاجر فى الممنوعات.
فهد بصدق: صدقينى ياعطر، بالله ماحصل.
عطر بدموع: مصدقاك والله مصدقاك.
اعطاها نظره مهتمه.
فهد: خلى بالك من نفسك.
ركب البوكس ولم يحد بنظره عنها، بدت حزينه ودموعها تنزل بصمت.
دخلت الى قسم الشرطه، طلبت مقابلة الضابط "زين" الذى رحب بها وبوجودها، لكنه لاحظ عيناها التى لاتكف عن البكاء.
زين وهو يعطيها المنديل: اطمنى، كل حاجة هتبق تمام وانا هتابع الموضوع بنفسى.
عطر بدموع: طب اقدر اشوفه؟
زين: للاسف مش هينفع.
عاودت البكاء بصوت طفولى اكثر، فرق قلبه.
زين: خلاص هشوف، هو بكرة الصبح هيتعرض على النيابه، تقدرى تجيلي بدري وتشوفيه! بس تفتكرى مين وراء الموضوع ده؟
نظرت له بتفكير، ولوهله عرفت من هو، لكنها لا تريد ظلمه.
عطر: مش عارفه، اكيد حد بيكرهه! انا مطره اقوم.
زين: اجي اوصلك؟
عطر بنفى: لا شكرا، انا هتمشى شويه.
ارتسمت على محياه بسمة رائعة، خلل اصابعه بشعر راسه الناعم واخذ يضحك بصوت مرتفع.
اما هى، قادتها قدميها الى المنزل واقتحمته ودخلت تبحث عنه بصوت غاضب اردفت.
عطر: انت ياشيطان يابن الكل*ب!
وجدته يجلس على الكرسى يرتدى ملابس بيتيه قطنيه تبرز جسده المعضل ووسامته وشعره الناعم وهيئته المهندمه، لم تاخذ بالها لكل هذا، بل نظرت له بغضب واردفت.
عطر: طول عمرك حيوان وشيطان وخبيث، عملك ايه عشان تاخده مني؟
رسلان ببرود: اخذك مني؟
عطر بشر: اخذك ربنا ياشيخ وريح البشريه منك!
وقف امامها فبدت قصيره للغايه، امسك اسفل وجهها، فنفضت يده بغضب.
عطر: ايدك ياحيوان، يلا زى ماورط تطلعه فوراً.
علت ضحكاته ثم اعطاها نظرة تحدى.
رسلان: هذا من المستحيل، من المؤكد انك جننتى ياجنيتي القصيره.
وعاود ضحكاته مره اخرى.
عطر: انت مستفز.
ثم امسكته من قميصه القطنى، كعادة تهديد، وياليتها لم تفعل هذا، تلك الصغيره البلهاء.
نظر الى قبضتيها الصغيره، فطبق يده عليها، فنظرت له بتحدي وحاولت سحبهما.
اعطته نظرات تحدي، فقابلها بنظرات عشق وهيام.
عطر: سيب ايدي يامتخلف.
رسلان: لن افعلها، تبدين جميله حد اللعنه.
بادلته نظرات كارهه.
عطر: انا بكرهك، بكرهك.
رسلان بعشق: وانا احبك واهيم بك.
لم تتوتر رغم صدق كلماته، بل بدت لها مزعجه تماما.
عطر بدموع: سيب ايدي من فضلك، حرام كدا.
تركها مرغما، لكن لم تتغير نظراته لها.
عطر: من فضلك خرج "فهد" من اللي هو فيه.
رسلان بقوه: والمقابل؟
عطر وقد فهمت نبرته: ايه المقابل ده؟
رسلان بخبث: اتجوزك.
نظرت له بحنون، ماهذا الهراء الذي يقوله، اتجوز من لم تطيقه يوما.
عطر: ده في احلامك، وانا هبلغ عنك اصلا.
رسلان ببرود: حسنا، مابوسعك افعليه، يمكنك اخبارهم انني محتال ايضا.
عطر بقرف: انت ايه؟ انت غلبت الشيطان وغلبت البرود والاستفزاز.
كانه لم يسمع شيئ، اردف.
رسلان: حسنا حبيبتي القصيره، تبدين رائعه وجميله وانت منفعلة، احببتك هكذا.
ثم اردف: وتيمت بك.
حقا هذا الوسيم مستفز لاقصى درجه ممكنه، يمكنه ان يصيبك بالضغط.
رات بسمة مسلية على شفتيه، فقطمت شفتيها بغيظ وانطلقت بالخروج.
ابتسم حينما رأها تخرج، فخرج صوته مازحا.
رسلان: طابت ليلتك حبيبتي القصيره الرائعه.
لاتبدو الامور على خير، فقد حكم عليه بعد طويل من الوقت بخمسة عشر عاما لاستغلاله مهنته ايضا.
اما عطر، فهى في ريبه من امرها، افتقدته كثيرا، بل افتقدته الى حد اللعنه، لعنة "رسلان" في ثناياها.
هذا الشيطان الوسيم باتت تكرهه كل الكره، اللعنه عليه حقا.
"بتعمل ايه يامحمد" اردفت بها سما في هدوء.
محمد: ابدا يااستي، ده واحد دكتور اتحكم عليه بخمسة عشر سنه سجن، انا كنت في المحاكمة ومش عارف ليه حسيته مظلوم.
سما: انت بس عشان قلبك ابيض يابني، مفيش دخان من غير نار.
محمد: مااعتقدش كدا، البني ادم بيبان عليه برضه، اكيد حد متسلط عليه.
سما: ياحبيبي، احنا هنا في الصعيد وهو مش رجل اعمال اكيد، والناس معهاش لدرجة انها تحطله مخدرات بالشئ الفولاني ده، يبقى خراب بيوت عليهم هما.
بدا يقتنع بوجهة نظرها التي لحد ما تبدو مقنعه.
محمد: واحتمال لازم برضه نحط احتمالات.
حركت نظارتها في تاني.
سما: ليه لا، كل شئ جايز، لكن فيه نسبة، والنسبة هنا علت عن الاحتمال، وده رايي.
محمد: والله يااختي، كل شئ جايز في الدنيا دي.
هاه بقى مش هنتعشى؟
سما: يلا بينا، ماما عامله محشي.
محمد: لاء انا لازم اشمر.
لم يبد من الامر غير اللجوء لهذا المنحل ومطاوعته لتخليص "فهد" مما حل به.
دخلت المنزل بتوتر، اخبرها الخادم انه في عمله.
حسنا، ستدخل وتنتظره، عله يعود مكسور اليد والقدم، هذا ما تمنته.
بعد وقت ليس بالقليل، دخل "رسلان" بهالته الانيقه، عقد حاجبه حينما رآها وارتسمت بسمه جميله على وجهه واردف.
رسلان: حسنا، لقد فكرتي اذا.
عطر: ايوه فكرت، بس بشرط.
رسلان: وما هو؟
عطر بهدوء: تخرج فهد الأول.
اطلق ضحكة رنانة ونظر لها بدموع دامعة من قوة ضحكاته.
رسلان: هذا غير مقبول، الزواج الأول، فكري جيدا وقولي لي رأيك.
عطر: طب وانا اضمن منين انك هتخرجه؟
رسلان: ثقي بي.
اطلقت ضحكة بمقصد حقا.
عطر: لا ياشيخ اثق فيك انت.
رسلان: لن اعد كلماتي مرتين، قلت لك ثقي بي، لك ان تصدقي ولك ان تكذبي.
عطر بتفكير......
رواية التركي والصعيدية الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سنسن ضاحي
نظرت له في تفكير واردفت.
عطر: بس بعد كده بفترة تطلقني لأني مش بحبك.
وأوعدك إنه عمره ما هيحصل.
تلك الحمقاء ماذا تقول؟ لقد ضاق بها ذرعًا، لكنه على أي حال وافق على هذه.
رسلان بهدوء: أوافق على كل ما تقولين، والآن هل لديكِ شيء جديد؟
عطر بغيظ: لا، ما عنديش غير كلمة واحدة وهي إني مش بطيقك.
نظر لها، وارتسمت على شفتيه بسمة مهتزة، واردف.
رسلان: حسنًا! وفي هذا المساء سنعقد القران، ستصبحين زوجة لرسلان آغا.
وجهت له نظرات تحمل الغيظ وبعضًا من الحقد.
هذا المستفز الحقير، التركي الأحمق.
تجلس والدته بحزن على حاله. أيعقل أن ابنها يكون مدمرًا ويستغل عمله؟ لا، هذا لا يعقل. لطالما كان حنونًا رغم عصبيته، ولكنه في الأول والآخر لا يمكنه فعل هذا، فهي تعرفه جيدًا.
تقدمت منها نورا بحزن بائن.
نورا: كفاية يا أمي، أبويا مش ساكت ومقوم له أكبر محامي.
الأم: ابني كان فرحان، كان خلاص بيخطط لفرحه. مين عمل فيه كده بس يا ربّي؟
نورا: أكيد حد ابن حرام حب ينتقم منه.
الأم: ينتقم منه بكمية الهباب دي كلها؟
نورا: عطر جت في الصبح وقالت إنه هيخرج في أقرب وقت.
الأم: ده كلام بيطمنا بيه؟
نزلت دموعها بصمت. أهي أصبحت له؟ أيعقل أن الحظ العسر أوقعها به من جديد؟ يا ربّاه، هي لا تطيقه، بل الأدهى، أصبحت زوجة بائسة له. ملامحها الحزينة تدل على مدى نفورها منه.
أصبح سعيدًا للغاية، وجه لها نظراته العاشقة. أخيرًا أصبحت له. حمد ربه كثيرًا، رغم ظهور معالم وجهها البائسة الحزينة ونفورها منه، ولكنه عاهد نفسه ألا يقترب منها إلا حينما تعشقه وتهيم به.
رسلان: يمكنكِ الاستراحة قليلاً، تبدين مرهقة للغاية عزيزتي.
نظرت له بغيظ.
عطر: تقدر تقطعني بسكاتك وتتكتم خالص!
رسلان: لم أفهمك، ماذا تقصدين؟
عطر بغضب وسخرية: ما أنت كنت بتتكلم مصري ولا أجدع واحد. إيه، اتلكم وبلاش جو سبونج بوب ده، إحنا مش خارجين من كرتون!
رسلان بهدوء: لم أحبذ غير العربية، لساني يألفها أكثر، لذا دعني أمارسها.
عطر: وأنا مالي؟ مالي؟ عاوزة أعمل حاجة، عن إذنك!
دخلت غرفتها وغلقت الباب من الداخل، وظلت تفكر في فهد، وكيف تكون صدمته حينما يعلم أنها أصبحت لغيره.
اعترف أحدهم أنه وضع الممنوعات لفهد مقابل أربعة ملايين جنيه.
وتوالت الأحداث والأيام، وخرج فهد. وما استغربه حقًا عدم وجود عطر واختفائها. خشي أن يكون أصابها مكروه. وعند هذا انقبض قلبه بشدة.
سأل والدته التي حولت وجهها للجانب الأيسر، فتركها ونظر إلى نورا مستجوبًا إياها.
فهد باستجواب: فين عطر يا نورا؟
نظرت الأخيرة له بتوتر وترقب، واردفت بتأنٍ وبكلمة واحدة ألجمت لسانه.
نورا: عطر اتجوزت يا فهد، واتجوزت الشاب التركي اللي جه البلد هنا قريب!
مخادعة مثلها، كمثل النساء إلا من رحم ربي. باعتها بثمن بخس. أحبها، بل عشقها، وغرست سهمًا حادًا وطعنته بلا رحمة، بلا أدنى رحمة. جعلته في نظر الجميع مغفلًا، بائعة هوى. بل غلبتهم وتفوقت عليهم. مخادعة، ماكرة. اللعنة عليها وعلى من اتبعها. اللعنة على قلبه البائس. شلت أطرافه، جحظت عيناه. أصبح لا حول له ولا قوة. بكى، وما شاء الله أن يبكي. تأثر، ضرب على صدره وقلبه اللعين. يا ربّاه، أرفق بهذا البائس الحزين.
دلف للمنزل، قابلها تجلس بشرود، فاردف بهدوء.
رسلان: حسنًا، لقد خرج للتو.
انتبهت لآخر ما نطق به.
عطر: بجد؟ ممكن أشوفه وأفهمه أنا عملت كده ليه؟
تحولت عيونه إلى الجحيم، بل أصبحت هي الجحيم بحد ذاتها. وقف أمام وجهها وقال محذرًا.
رسلان بغيرة وغضب: سأجعل لعناتي الحقيقية تحل على لسانك، بل سأجعل أيامك ضنكًا تشع سوادًا وبؤسًا. لو رأيتك تتحدثين عنه مرة أخرى، بل بإمكاني أن أزج به في السجن مرة أخرى، وللمدى الحياة. أفهامتي؟
خرج من منزله بغضب عاصف. أسرع في خطواته، ورغم سرعتها أحس أن الطريق طويل.
أزاح حارس المنزل بغضب نحوه جانبًا، وتقدم إلى الداخل. وجدها تجلس بشرود، وهو يتابعها. لحظتها، اشتمت رائحة عطره المميزة.
وقف رسلان بغضب.
رسلان بغضب: كيف تجرؤ وتأتين إلى منزلي وتقتحمينه بدون إذني؟ أجننت؟
لم يأبه بحديثه، بل تقدم منها ورفع يده وكاد أن يصفعها، لكنه لم يقدر على ذلك. ونظر لها بدموع تشع من عينيه. انفطر قلبها على حاله كثيرًا.
فهد: ليه عملتي فيا كده؟ ليه؟ طعنتيني في ضهري.
رسلان: عليك اللعنة أنت وأمثالك! كيف لك أن تحدث زوجتي هكذا؟ أقسم بربي، إن رأيتك مرة أخيرة سيصيبك مني أذى.
نظرت لرسلان، وللوهلة خافت منه ومن تهديده، فهو شيطان يمشي على الأرض. وفهد يتعامل ببعض التهور دون وزن الأمور.
فهد بغضب: ده أنت أيامك معايا سودا. أنت عارف أخذت مني إيه؟
رسلان بغضب وقد أوشك على الانفجار، برزت عروق رقبته بشدة وتشنج وجهه.
رسلان: لو ذكرت لها اسم على لسانك، أقسم بالله سأمحيك من الوجود.
تدخلت لتنهي الأمور، فالوضع أصبح شائكًا ومريبًا.
عطر بتوتر: فهد، أنا بحب رسلان من زمان، وأنت عارف كده أصلًا. أنا مكنتش مخطوفة، أنا كنت معاه بس. مقدرتش أضحك عليك أكتر من كده. أنا عمري ما حبيتك أصلًا. آسفة في اللي هقوله، بس أنت كنت ترضى تعيش مع واحدة بتخدعك ومش هتحبك؟ يا أسفاه على ما يشعر به الآن. أيعقل أنه أحب شيطانه؟ أيعقل أنها غلبت إبليس؟ ماجنها جعلته لعبة بيدها. ليته خالف هواه، ليته اتبع إحساسه. إنها كذلك. لقد رآها في السابق تخرج من منزله. أطاح بكل هذا عرض الحائط وفكر فقط بالارتباط بها. لقد خدعته، وما شاء أن تخدعه.
فهد بغضب: يعني طلعتي كدابة وبنت كلـ... وشيطانه وبنت إبليس. حسبنا الله ونعم الوكيل فيكي. تصدقي بالله؟ خسارة إني أقف معاكي وأضيع وقتي معاكي أصلًا.
ثم وجه أنظاره لرسلان: "يكش تشبع بيها. أنتم شبه بعض جدًا! وليقين على بعض قوي!"
صعدت غرفتها، كانت تكتم دموعها أمامه. نغزات قلبها تباغتها بشدة. صفعت وجهها، ولَامت ما فعلته. لعنة في طيات نفسها. رسلان وما فعله بها. لقد ظلمه وظلمها وظلم الجميع.
تذكرت هدوءه، بسماته، اهتمامه بها، نظراته الحنونة، المهتمة. كل شيء كان يفعله لها. تعترف أنها لم تحبه بالقدر الكافي، لكنه لم يكن سيئًا معها لتبغضه، ففي الآخر ليس بالسوء كهذا الشيطان الماكر. ياويلته، أصبحت تبغضه كثيرًا.
طرق على الباب برفق، مرددًا اسمه أكثر من مرة. بعد إلحاح، فتحت بعدما غسلت دموعها. وقف أمامها، ونظر لها بشفقة. بادلته نظرات تحمل الكثير من العشق، والعشق فقط. بدت له حزينة، لم يرق له نومه وهي هكذا.
رسلان: عزيزتي، لم أرغب أن أرى دموعك مجددًا. اللعنة عليّ إن سببتها لكِ ثانيًا.
عطر بغضب: حتى الدموع هتحرمها عليا؟
استغفروا.
رسلان بمزاح: حسنًا، سوف ألقبك بعد الآن بـ "ملكة الدموع والحزن". انظري إليّ، ألم أبدو وسيمًا وجميلًا؟
عطر بغضب: تصدق دمك يلطش.
بنفس نبرته أردف: ولكنني حنون، بإمكانك تجربة هذا.
عطر بغيظ: يا أخي، أنت بجح كده إزاي؟
رسلان بنبرة حنونة: هذه ليست بجاحة، بل جزء منها. ثم اقترب ووقف أمامها، واردف: "قصيرتي، انظري إليّ، تبدين لطيفة حقًا".
عطر بغيظ: اطلع بره يابارد ياللي معندكش دم.
رسلان: لا، لدي الكثير منه. يمكنك رؤية شراييني، أو تحسس قلبي النابض باسمك.
سئمت منه وضاق صدرها، ونفخت بغيظ.
عطر: أستاذ رسلان، عاوزة أتخمد أنام.
مازحها قائلًا: حسنًا، تعالي معي لغرفتي ونامي بين أحضاني، وستذهبين لسبات عميق في أسرع وقت.
ضاقت منه كثيرًا، فأخذت بيده وأخرجته وصفعت الباب بقوتها.
رواية التركي والصعيدية الفصل السادس عشر 16 - بقلم سنسن ضاحي
ترك منزلها والعمل به أصبح روتيني لأبعد حد ممكن.
أصبح قلبه أجوف، فقد لقنته درسًا، وما شاء الله أن تلقنه هوت بقلبه إلى قاع الجحيم، جعلته في نظر نفسه المغفل الأكبر. بل لا يؤلمه هذا كمثل الألم الأكبر الذي حل على قلبه باسم لعنات الحب الواهية. الحب ليس النيران، إذا لقنتها المزيد من الاهتمام ستشتعل.
وأول ما تطح به صاحبها، لذا كان بد أن تطفأ في أول مهدها. هذا ما عاهد نفسه عليه، البقاء على قلبه منفردًا بذاته، وأن يلملم شتات ما تبقى منه، ولا يدع للحب طريقًا يسلكه. فويح للحب واللعنة عليه، أصبح "فهد" جاد قليل الكلام، مرهف المشاعر، قانط على النساء، يسبهم في ذاته ويلعنهم بالصباح والمساء. يأوي إلى نومه تساوره صورتها، فيغمض جفونه بإرهاق، يرغم عقله ألا يفكر بها مجددًا. ولكن اللعنة على القلب والعقل حينما يتفقان على أمر يسبب هلاك صاحبه!
في الصباح، طرق "رسلان" الباب بهدوء، فاستجابت له وفتحت، ورسمت بسمة سمجة للغاية.
عطر: نعم يا سي رسلان، خير؟
بادله نظرات العشق.
رسلان: كيف حالك الآن؟ أراكِ بخير!
عطر بسماجة: وهو اللي يشوفك يشوف خير!
حاول التهام غضبه، فنظر لها ببرود، وبكلمة واحدة تحمل الجدال والأمر.
رسلان: لدينا موعد للخروج أنا وأنتِ عزيزتي، أنا في انتظارك، هيا استعدي!
لم يترك لها مجالًا للنقاش وهم بالانصراف، فنفخت في ضيق وصفعت الباب بغضب.
يقف وسيم، يجعل أي فتاة تهيم به، عطره الجذاب، شعره اللامع، جسده المعضل، شموخ وفخامة حلته. بل فخامته التي تعطي لمسة للأشياء. كادت عطر أن تفقد حواسها. توترت، أيعقل أن هذا اللعين الوسيم أصبح زوجها؟ يالله يا خالق الجمال، لم هو جميل هكذا!
أردفت بنبرة متوترة: أنا جهزت!
أردف ببرود: حسنًا، هيا.
عطر: طب إحنا رايحين فين؟
نظر مباشرة إلى عينيها وكأنه يخترقها. توترت وشعرت "عطر" بمزيد من الخجل، الذي أخذ دوره. وبادر بالصعود إلى وجنتيها، فصارت كثمرة تفاح ناضجة مغرية للغاية.
أردف رسلان ومازال يخترقها بنظراته:
رسلان: عزيزتي، سنقضي يومًا جميلًا في حضن البحر.
عقدت جبينها، فبدت لطيفة للغاية.
عطر: أنت عاوز تغرقني، أنا مش بعرف أعوم!
قهقه حتى أدمعت عيناه، فنظر لها بصوت مبحوح، متحشرج أثر ضحكاته.
رسلان: لا يمكنك الغرق وأنا معك، كيف تغرقين وأنتِ داخل قلبي وعيوني، وبالأخص وأنا معك!
أخذ يتلاعب بهمسه الطاغي، ثم لمس كفيها، فتوترت. فلم يدع مجالًا لهذا وخرج من المنزل بها.
خرجت "سما" من غرفتها بزهق وبرود. أصبح الجو مملًا لها، ولا جديد يذكر. تقدمت من والدتها التي كانت تحتسي الشاي باستمتاع.
سما: هو محمد اتأخر ليه؟ مش عوايده يعني.
وجهت لها والدتها نظرة بقلة حيلة، فهما يومًا سيكونان السبب الرئيسي لهلاكها.
الأم: أكيد بيعمل مصيبة، مهو زي القط يحب خناقه. تلقيه جاري ولا خبر في قسم ولا تحقيق في أي شبهة.
قنطت ملامح وجه "سما"، فأردفت بهدوء.
سما: ماما، ده شغله. ادعي له أنتِ بس ربنا يوفقه.
تذمرت الأم ونظرت لها بغيظ.
الأم: بت، أنتِ أنتِ اللي مشجعة أخوكي على كدا. أنتِ إيه، ما فيش عندك اسمه.
يبدو كوصلة ضيق كالمعتاد، فبدأ وجهها حانقًا، خاصة حينما أردفت الأم بسخط وتحذير.
الأم: أخوكي مالكيش دعوة بيه، هو ماشي لعش الطنابير برجله، مش ناقص تفردي عضلاتك عليه وتقويه على كدا. ياما بالله العظيم حسابك هيبقى تقيل معايا.
لم تنتظر منها أي رد، وتركتها مغادرة إلى غرفتها.
منظر مبهج وجميل، مركبة ضخمة تعوم وسط البحر، وطاولة تضم أشهى أنواع الطعام. حقًا الماء والبحر والوجه الحسن.
جلست بعيدة عنه، ولكنه نظر لها دون أن ينطق بمعنى "اقتربي".
وجوده خطر، وسامته أخطر، وأشد هيبته وعيونه، كل شيء به وفيه هدوءه. تكاد تنصهر من خجلها منه. هو خطر عليها وعلى أمثالها.
أردف يقطع الصمت:
رسلان: عجبك هذا المنظر!
نظرت له بغيظ وأردفت:
عطر: دي بلدنا، تكونش فاكر إنك جايبني في بلد اللي خلفوك.
اغتاظ من ردها هذا، عنيفة، متحدة، غبية!
نظر لها بغيظ وأردف بصوت هادئ متزن:
رسلان: أجل، بلد أمي وبلدي.
ردت بوقاحة:
مو يخضك.
لم يفهم شيئًا، فأردف رسلان:
رسلان: عذرًا، ما هو الـ "مو"؟
ابتسمت وردت بخبث:
دي حاجة جميلة بتعبر عن الحب.
ارتسمت بسمة رائعة على وجهه واقترب منها، فتوترت. ولكنها أردفت:
حقا الـ "مو" يعني التعبير عن الحب، وأنا أيضًا أحبك يا جميلة.
عطر ببرود: بس أنا عطر مش جميلة.
نظر إلى عينيها وأردف:
أنتِ عطري وجميلتي.
قلبت عينيها بملل، وأردفت بسخط:
أنا زهقت، عاوزة أروح.
بمحافظة القاهرة بشقة ميسورة الحال.
دخل رب الأسرة في الخمسين من عمره، يعمل موظفًا في التربية والتعليم، يدعى "منصور"، حاملاً في يده ثمرة بطيخ وهو يكافح، فالجو حار للغاية.
منصور بزهق: والنبي يا أم زين حضري لي الحمام بسرعة.
ردت حنان، وهي امرأة مصرية وروتينية كحال الأمهات:
حنان: جاهز يا خويا، روح استحمى وتعال، أنا النهارده عاملالك حلة محشي وجوزين حمام.
منصور وهو يجفف عرقه: محشي يا ولية في الحر ده؟ هو حد ناقصه كتمة نفس! ثم زين كلمك ولا لسه؟
بنبرة مبتسمة ردت:
لا يا خويا، بقاله مدة.
تنهد بضيق وأردف:
ربنا يعينه، الصعيد مش سهل بردو! ثم نظر لها متسائلًا: أمال فين رامي؟
أجابته بنبرة عادية:
آه، لسه جاي من المدرسة ودخل يذاكر. ربنا يعينه بيا.
أجابها بهدوء:
على الله يا أختي، يكش يفلح. اعملي له أنتِ كحك، بس وديه، يكش البعيد يحس.
بداخل غرفة "رامي"، كان يرتدي السماعات الأذنية، يسمع إحدى الأغاني الصاخبة. فتحت والدته الباب بسرعة البرق، ثم انتشلت حذائها وألقته عليه بدون انتباهه، فخبطه برأسه وأعاد توازنه.
رامي: إيه ياماما دا؟ هو فيه كدا!
خلعت الثانية وألقتها عليه مجددًا.
حنان: وفيه كدا كمان، وفيه كل الألوان.
رامي بضيق: عاوز أفهم، أنتِ لقيتيني على باب جامع؟ محسساني إني من يهود بني قريظة. ده أنا لو منهم، هتعامل أحسن من كدا.
حنان: اكتم يا وله، فين المذاكرة، ولا ناوي تجيب لنا طبق كحك؟
رامي بتهرب: ياماما، مانا كنت بذاكر. أنا مسجل صوت المستر وبذاكر منه. اتفضلي بقا يا است الكل عشان أكمل مراجعة، يلا. ويا ريت كوباية شاي، ولا أقولك، كوباية عصير مانجا عشان الجو ملزق على الآخر.
حنان بغيظ: تصدق، ما فيه حد ملزق إلا أنت.
وفي تلك الأثناء، دخل "منصور" الغرفة وهو يمسك فاتورة بين يديه، ويبدو عليه الصدمة. لاحظته حنان، فأسرت مردفة:
حنان: فيه إيه يا أبو زين؟ مالك؟
ثم انتشلت الفاتورة من يده وقرأتها: ألف جنيه! ليه كتير أوي!
منصور: ألف جنيه، فاتورة التليفون الأرضي! الله يحرقكم، ليه كنتم بتكلموا مين؟ انطقوا!
حنان بتوتر: لا أبدًا، مفيش.
منصور بغضب: وهو أنا قاعد لكم على تكية يا شيخة؟ ده أنا موظف، موظف، افهموا. ده كنتم بتكلموا مين؟
رامي بدراما وكأنه في عمل درامي اندمج به:
رامي: بابا، ماما ملهاش ذنب. ده أنا اللي كنت بكلم الشيف الشربيني كل يوم، وكنت بتصل على برنامج "جمالك معنا" اللي بتقدمه البت المزة. آآآه عليها!
اقترب منه الأب بهدوء:
لا يا حبيبي، فداك مية ألف. المهم إنك تنبسط، إحنا أهم حاجة عندنا انبساطك.
نظر له رامي بثقة: فالصدق أول طريق النجاح.
منصور بهدوء: هو سؤال بس، طيب برنامج الجمال عرفنا إنك اتصلت عليه عشان المزة، طبعًا ليك حق تجاوب، بس الشيف شربيني بتكلمه ليه؟ أوعى تقول إنك نفسك تبقى شيف.
أجاب بثقة:
كنت بسأله عن طريقة عمل البسبوسة.
حك منصور ذقنه بهدوء وتمتم:
عارف لو كنت سألتني، كنت جبت لك على طريقتها.
نظر له رامي وأجاب بهدوء:
هي إيه؟
وبهدوء قاتل قال:
البسبوسة سميد وزبادي ونضربهم في بعض، ثم انهال عليه ضربًا مبرحًا ليؤدبه. ثم نظر له قائلًا: وبعد كدا نضيف الشربات، يابن الكلب، بتتكلم بالف جنيه! ده أنا هعمل لك بسبوسة سوري بتمنهم.
دخلت المنزل وهي لا تطيق النظر إلى وجهه. أحست أنها تخون ثقة فهد حينما تتعجب به أو تنظر له، رغم أنه زوجها، لكنها أحست بهذا. نيران تأكلها وقلبها يعتصر حينما تتذكر نظرات "فهد" اللائمة لها. افتقدت اهتمامه، لو الأمور حالت دون ذلك لكانت تيمت به.
اللعنة على هذا التركي أيضًا. تتوتر بشدة حينما ينظر لها. من أين له أن يأتي بكل هذا السحر والوسامة؟ عيناه جنة، لا تنكرها. وجوده يوترها. ساحق الوسامة، لكنه غبي.
سمعت صوته يدندن بالتركي. اللعنة عليه، حقًا لديه صوت رائع كصوت الملاك. ودت رؤية تعابير وجهه، خاصة حينما أخذها صوته الجذاب. ففتحت الباب بهدوء لتتلصص عليه.
رواية التركي والصعيدية الفصل السابع عشر 17 - بقلم سنسن ضاحي
بادلها نظرات مشبعة بالاهتمام حينما رآها تختبئ خلف باب غرفتها بعيون القط المتلصص. ظل على حاله وكأنه لم يلاحظها.
بينما هي انسجمت بصوته وطلته، وكان غشاوة على عينيها. لاحظ ذلك فانتهاز فرصته وأخذ يقدم خطواته ببطء وما زال على ما هو عليه. اقترب منها ونظر لقصر قامتها. أمال رأسه بهدوء ونفخ على وجهها.
انتبهت لنفسها وأفاقت بتوتر. فتحت عينيها فقابلتها زرقاوان بأهدابه الطويلة وملامح وجهه المريحة وابتسامته التي أخذت دورها بالاتساع لوجهه ككل مستمتع.
حمحمت بضيق من نفسها، فاصطبغ وجهها بدماء الإحراج اللعينة.
أردف رسلان وما زال مسلطاً نظراته لها بعد أن قام واقفاً:
"كيف حالك؟"
نظرت له وأردفت بغضب:
"انت إزاي تيجي هنا؟"
أردف بنبرة مستمتعة:
"شفتك تتلصصين علي وتراقبيني؟ ترى هل أعجبك؟"
بنبرة ضائقة من نفسها، فهي كانت تفعل هذا حقاً.
"أتسص عليك ليه إن شاء الله، فاكر نفسك مين؟"
أردف ببرود:
"فاكر نفسي رسلان أغا."
نطقت مستهزئة وبسخرية قالت:
"طب أغا يا سي رسلان أغاااا يا بابا."
لم يفهم تفوهها الأخير على كل حال، ولكنه عرف أنها تردد حماقات سخيفة. لذا أنهى الموضوع وعقد جبينه ووجه لها نظره وهم بالخروج:
"تصبحين على خير."
ردت بضيق:
"وانت من أهله."
صباحاً بمنزل الدكتور فهد. ارتدى ملابسه وأضاف عطره الذي يحمل بعض التعمق.
"غريب الحب هذا، يجبرك أن تفكر في شيء تريد نسيانه. يجبر حواسك وأفكارك وجميع أركان كيانك في التفكير مرغماً على شيء ما. الحب يهز أعتى الرجال داخلياً، يشوه مكنوناتهم وأرواحهم. عاصفة جامحة تجتاز رجولتهم. لعنة هو، لعنة تغلب عليها من تركها واجتاحت من تعمق بداخلها."
دخلت والدته غرفته ونظرت له بتحسر:
"فهد يا ابني، مش ملاحظ إن الموضوع ده أخد أكتر من حجمه خلاص يا حبيبي، كله وراحت."
نظر فهد لها بغضب وأردف:
"متقوليش كله، دي بنت ستين كلب!!! حيوانة، إبليس يتركن على جنب ويتعلم منها. أصلاً حرام إني أظلم الكلب معاها. على الأقل لو ربيت كلب هيبقى أوفى منه."
نطقت والدته بحزن:
"انت خسارة فيها، ربنا شايل لك الأحسن."
نظر لها بأسى:
"كله بإذنه! عن إذنك عشان ألحق المواصلات، المشوار بعيد."
نطقت بدعاء من صميم الفؤاد له:
"ربنا يوفقك ويرزقك بنت الحلال."
يتوافدون بعصبية وسرعة نحو المشروع. صعد بثبات انفعالي وثقة رهيبة. احتجز فهد مكانه وجلس عليه، بينما هناك أكثر من مشاغبة صوت سباب يرج المواصلة. نفخ بضيق، فهي عادة يومية.
الشجار. سمع صوت أنثوي غاضب يهوي بأنحاء المواصلات. نفخ فهد بضيق. بات يمقت جميع النساء بأكملهن.
أردف بسخط على صوت الفتاة تلك. لم يسمعها ولم يبالي أصلاً بالنظر للشجار:
"الله يحرقكم، متجيش شوطة وتريحنا منكم، أهو الكوكب ينضف شوية."
أردف بها بضيق. ثوانٍ من الوقت وسمع صراخها يتحول لبكاء. فز من مكانه متجهاً لصوتها.
"اهو الكف اللي أكلتيه يخليكي تعملي فيها سوبر مان تاني! وأي حرف زيادة هلقحك من الشباك."
دخل رجل في الستين من عمره يترجاه:
"عيب يا ابني لما تمد إيدك على حرمة، دي مش رجولة، إيه معندكش دين؟"
هابه الجميع، فهو ذو بنية ضخمة ووجه مجرم شرس للغاية، إلا ذلك العجوز. لم يبال به.
رد عليه الرجل بتبجح وإجرام:
"بقلك إيه يا حج، اتمسّك كدا على الصبح وروح قيس ضغطك بدل ما أوقع لك سنانك."
ضاق فهد ذرعاً بهذا البذيء سليط اللسان الذي فرد عضلاته بقوة على المرأة والعجوز.
تدخل وهو يحك ذقنه، ثم لاح بنظره إلى الفتاة، وجدها تبكي بشدة. فأمال برأسه للجانب الآخر، وجد العجوز بائساً.
فأردف فهد بهدوء وبرود:
"قولتلي بقا الوحش اسمها إيه."
رد عليه الشخص بهمجية:
"الوحش اسمه ضرغام، هااااه ليك فيه وحل عن دماغ أمي عشان مش عمرانه وهعمرها بيك."
رد فهد بهدوء وبرود:
"دماغ أمك مش عمرانه ليه يا بطل؟ وأنا مالي تعمرها بيا. بس تصدق لو أمك حلوة معنديش مانع تعمرها بيا!!" ثم غمز له باستفزاز.
توحش وجه ضرغام لحد الجنون وسحب مطواة من خلف بنطلونه لامعة مخيفة.
نظر "فهد" لها ببرود. أما "سما" توقفت عن البكاء وترتدت نظارتها وأصابتها الرهبة. أما الباقون فتنحوا جانباً.
ضرغام بشر:
"أنا هخليك تترحم على لسان أمك ده."
باغته "فهد" بضربه أقل ما يقال عنها ناهية للأعصاب كله بيده وبشدة جعلته يختل من الألم، ثم تقدم منه بثبات انفعالي ولكمة في أسفل بطنه مردداً:
"دي عشان الراحل دا." وأشار بإصبعه على العجوز.
ثم باغته بلكمة أخرى لا تقل قوة عن سابقتها وأردف:
"ودي عشان النضارة! أوووه أقصد البنت دي." في إشارة منه لـ "سما".
لكمة مرة أخرى:
"ودي عشان عكننت عليا وصوت أمك عالي من الصبح وفارد عضلاتك النفخ على الصغير والكبير."
نفض يده منه بغضب ثم أمر السائق أن يقف له، ففتح المواصلة وألقاه منها:
"كمل يا أسطى طريقك خير."
تقدمت منه بوجه بشوش وجلست بجانبه. نظر لها لوهلة ثم وجه أنظاره للأمام بلامبالاة.
وضعت إصبعها في منتصف نظارتها:
"أنا متشكرة جدًا لشهامة حضرتك دي."
لم ينظر لها ونطق بنبرة عادية:
"حصل خير يا آنسة، أي حد مكاني كان هيعمل كدا."
نظرت له "سما" ونطقت بهدوء:
"كتير كان مكانكوا، محدش عمل كدا."
نطق بهدوء:
"مش ضعف منهم، تكبير دماغ مش أكتر."
أجابته بهدوء:
"وانت ليه مكبرتش دماغك؟"
أخيراً نظر لها ونطق:
"عشان أنا طبعي كدا ومحبش أكبر دماغي، وياريت أقدر، كنت ارتحت!!! ودلوقتي عن إذنك عشان نازل."
ثم وجه حديثه للسائق:
"عندك يا أسطى."
يجلس في شركته يمارس أعماله بجدية، منهمك لأقصى حد. حينما طرق "عمر" باب مكتبه، فأمره بالدخول.
عمر بمهنية:
"رسلان بيه، فيه أستاذ اسمه مراد تركي بره."
لم يفكر وأمره أن يدخله في الحال.
دخل مراد مرحباً بـ "رسلان" الذي بادله البرود واللامبالاة.
رسلان:
"لماذا جئت؟"
امتعض وجه مراد كثيراً، فنظف فمه وأردف:
"لم تجب على رسائلي لذا جئت لك بأمر مهم بخصوص بعض الأعمال."
رسلان بجدية:
"حسناً، ما هي؟"
مراد بخبث:
"أراك الآن تفضل المكوث هنا، لذا لدي فكرة بخصوص أعمالنا باسطنبول، مصر بها شباب كثير، ما رأيك باستمداد عملنا هنا أيضاً."
نظر له رسلان بغضب، الآن فهم ما يريد، لكنه أردف بسخط:
"امحِ تلك الفكرة من خيالاتك، أنا أعيش هنا بسلام، ثم إني أفضل هذه البلد كثيراً. واللعنة عليك يا مراد، لن أؤذي بلادي وشبابها، أفهمت."
ثم نظر له بغضب يحذره وأردف:
"سيصيبك الأذى مني لو سوّمت لك نفسك بأي أفكار متهورة، ستجدني واقفاً لك مترصداً."
نظر له "مراد" وبينه شيء ما، ثم أردف مقاطعاً:
"اسطنبول بلدك أيضاً، وأنت تعلم كيف طبيعة أعمالنا هناك، دعنا نكشف الغطاء هنا أيضاً، خاصة بوجودك بمصر. ولا تقلق، لدي أعوان هنا يمكنهم تيسير الأمر."
وجه "رسلان" نظرات غاضبة له تدل على مدى غضبه:
"أعمالي باسطنبول غير، والويل لك إن خضت في أمور ليس لك شأن بها. أنت تعلم من هو رسلان أغا، تعلم من هو أخطر عصابات المافيا، تهاب وجودي، لذا تحاشى المجادلة معي، فالأمر لك ليس بالهين. حينما يصيبك غضبي، ستكون مع الأموات. فنيت ولن أكرر حديثي أكثر. لو علمت بشيء فعلته هنا أو أي عملية، فالويل لك يا صديقي من تربصي لك، فالعقاب حتماً سيصيبك بالموت."
تراجع مراد واعتدل عن فكرته، الأمر ليس بالهين، فالجالس أمامه "شيطان الموت"، رغم كونه جميلاً ولطيفاً، لكنه بالآخر أشر من وجد على الأرض. الكل يهابه، فمن يكون هو ليخالفه، يكفي نظرته السامة كفيلة بارهاب الجميع.
بإحدى مدارس القاهرة وقف "رامي" مع أصدقائه. رحب به "علي" وأردف:
"هاه يا رامي، جبت الفلوس؟"
رامي بضيق:
"أيوه يا أسطا، جبت عشرة جنيه."
يدخل أحمد في الحديث:
"حلو أوي، وعلي جاب عشرة وأنا عشرة ومحمد وحاتم زيهم."
أردف رامي بنبرة عادية:
"انت متأكد يا أسطا إن الخمسين جنيه هتطلعنا اسكندرية؟!"
علي:
"متأكد! أيوه يا ابني دي حلوة أوي، وكل واحد بيجيب أكل معاه وكده محلول."
رامي:
"أنا هجيب أكل قدّي، هيبقا مصاريف وأكل."
علي:
"ولاااا أنت هتنق من أولها؟ مكنوش عشرة جنيه عمية."
محمد متدخلاً:
"اششش يلاااا منك ليه، اسمع البنات دي بتقول إيه؟"
وبجانبهم ثلاث فتيات في نفس العمر.
فتاة:
"خمسمية إيه يا بنت اللي هتطلعنا رحلة قليلة جداً يا عبير."
عبير:
"أنا عارفة بس هما دول اللي قدرت أتحصل عليهم!!"
فتاة أخرى:
"مش مشكلة، أنا معايا ألف جنيه وهبة تنمية، وخمسماية، وكده كده إحنا هنروح صد رد."
حينما انتهوا من حديثهم، وجه رامي نظرة لأصدقائه وأردف:
"هات ياض العشرة جنيه، اتفووو عليكم شلة كحيانة."
أما في المساء، جلس "منصور" يطالع كتاباً. جاء بجواره رامي متصنعاً الأدب.
أردف بأدب:
"أبا، إزيك وإزي أحوالك؟"
خلع نظارته ونظر له:
"حلو يا خويا، خير؟"
تصنع الأدب أكثر وأردف:
"صراحة يا عمهم أنا عايز!!"
نظر له منصور بضيق:
"متنطق يا ابني، عاوز إيه؟!!"
قالها دفعة واحدة:
"عايز ألف جنيه!!!"
استوعب منصور ما قاله للتو وأردف بهدوء:
"ليه يا حبيب بابا؟"
حاول اختراع كذبة يمكنه تصديقها:
"اصل علي صاحبي، خبطته العربية كسرت رجله ورقته."
نظر له منصور بضيق وحزن:
"لاصاحبك." ثم ربت على كتفه بهدوء وأخرج ألف جنيه وأعطاها له.
أما الأخير، فحدق في المال بفرحة عارمة، لم يصدق أن والده أعطاه المال بكل سهولة.
طرق خفيف على الباب. فتحت أم زين فإذا بـ "علي" يلقي التحية ببشاشة.
علي:
"مسا يا أسطا، مش هتنزل؟"
ثم وجه نظره لمنصور الذي جحظت عيناه بغضب:
"مسا يا أستاذ منصور."
رواية التركي والصعيدية الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سنسن ضاحي
وجه "منصور" نظرات حانقة غاضبة مغتاظة لـ "رامي" الذي بدأ جبينه بإفراز العرق والارتباك ظاهرًا على ملامح وجهه، بينما وجه رامي نظرات غيظ لرفيقه "علي".
اقترب منصور منه وسحله من ملابسه، ثم أشار بإصبعه نحو صديقه الماثل أمامه.
منصور بنبرة مغتاظة: "هو دا صحبك اللي راقد في المستشفى رقبته ورجله مكسورين؟"
تعثر "رامي" في حديثه وأصبح عرقه مرقًا، واستشف الموضوع قائلاً حينما وجد "علي" يكتم ضحكاته بمرح على منظره، فاغتاظ رامي منه كثيرًا.
رامي بغيظ: "يابابا دا هو اللي قالي أعمل كده وهددني إنه هيشلوحني لو ما أخدتش منك فلوس."
تحولت ضحكات "علي" إلى ذهول من هذا الماكر الكذاب، وكانت صدمته حينما وجه "منصور" نظرات حانقة نحوه.
منصور: "انت عملت كده يااض؟"
علي بخوف: "لا يا اسطا، أقسم بالله دا كذاب وبن كلب!!"
منصور بغضب: "وكمان بتشتمني؟!"
علي بخوف: "لأ، أنا بشتمه هو!!"
منصور بغيظ: "هو يبقى مين؟ ماهو ابني، يبقى انت بتشتمني؟!"
تأفف "علي" بضيق، بينما لاحظ رامي يكتم ضحكاته. فهو تخلص من خوفه بذكاء، بل تخلص من الموقف برمته.
نطق علي بزهق موجهاً أنظاره إلى رامي: "متخلصني من أم الليلة دي، فيوم اللي خلفوك المهبب ده!!!"
ثم عاود حديثه قائلاً: "أيوه يا عمي، ابنك جه اتفق معايا إنه هيعمل فيك فصل عشان ياخد منك تلتمية جنيه يطلّعهم إسكندرية، وأنا قعدت أقوله بلاش، قالي: لأ، اعمل متكسر أنت بس وأنا هخلّعهم منه. وأنا عشان قلبي طيب، قولت ألحق الموقف وجيت قبل ما ياخد منك الفلوس."
ثم نظر لرامي بتشفٍ، وأشار برأسه بمعنى "أي خدمة".
احتل الارتباك والتوتر وجهه ثانيًا، بينما نظر له منصور بغضب.
منصور: "بره بيتي يا كلب، برررره، يا كش ما أشوف وشك تاني هنا."
بينما انسحب علي في الحال.
تدخلت "حنان".
حنان: "حقك عليا يا أبو زين، عيل ما يعاش!!"
نظر لها بغضب.
عليا الكتمت، فاهه، فلاول مرة في حياته كان سينطق.
نظرت لولدها بدموع، بينما خرج رامي في الحال.
دخل "رسلان" منزله بهدوء، وجدها تجلس في الحديقة تحت إحدى الأشجار وتسرح في الأفق.
جلس بجانبها، فلم تلحظ وجوده، ولكن هالته بعطره المنبثق من ملابسه استدعى انتباهها له، فتحولت عيونها فقابلت زرقاويته. فنظر لها مبتسمًا.
رسلان: "تبدين لطيفة، وعيناك جنة الله على الأرض. كيف حالك اليوم عزيزتي؟"
نبرته اللطيفة جعلتها تجيبه بهدوء.
عطر: "الحمد لله بخير."
اقترب منها أكثر، بينما الخجل أخذ دوره صعودًا إلى وجنتيها التي أصبحت كثمرة التفاح الناضجة.
كانت تود توبيخه، لكن عقد لسانها من فرط الإحراج.
خرجت نبرته لطيفة حنونة هامسة: "انظري إلي!!"
كأنها لم تسمعه، ولكنه أعاد سؤاله مرة أخرى.
لم تجبه، فوضع إصبعه أسفل وجهها برفق، فنظرت له بعيونها الساحرة، فقابلتها زرقاويته الرائعة.
كأنها لم تكن، حضوره ورقته أجبرتها للنظر له. ملامحه وسيمة جميلة تحمل طابع شرقي خالص. شعره الناعم الذي تساقطت إحدى خصله على جبينه، بينما بقيته راجع للخلف.
همست دون وعي: "انت جميل كده إزاي؟!"
خرجت ضحكاته التي أخرجتهم من دوامة المشاعر العاصفة، فانتبهت لنفسها وهمت بالذهاب، بينما هو أمسك أسفل بطنه يحاول تهدئة وتيرة ضحكاته.
أمسك "رسلان" يدها، وأردف ومازالت نبرته مبتسمة: "لأنك رأيتيني بقلبك."
نطقت بغضب: "قلب إيه اللي يلهفك؟ فاكر نفسك حليوة يا كـ..."
أجابها بضحك: "كنتِ جميلة إزاي من قليل؟"
عطر بغضب: "مين قال لك كده؟"
رسلان: "أنتِ."
عطر: "بتهرب؟"
أجابها بهدوء: "بلى، أنتِ جميلة."
حاولت الهرب من نظراته الثاقبة، تحمل الكثير من المشاعر الحقيقية الخالصة. فالحب الحقيقي يمكنه الظهور تلقائيًا بالعين، يصبح مكشوفًا للغاية، ولا يمكن لأي شخص مهما كان إنكاره، فهو كصفحة الكتاب والسطور التي يمكن للقارئ قراءتها، إلا أن يكون جاهلًا فلا يستطيع التفسير.
وللمرة الثانية، تخرجه من ماهو عليه.
عطر: "انت بتبصلي كده ليه؟!"
رسلان بنبرة مستغربة: "ماذا؟"
عطر بغيظ: "انت قليل الأدب وسافل، بتبصلي كده ليه؟!"
رسلان ببرود: "هذه عيني تنظر كيفما شاءت وكيفما تحب." ثم رفع لها حاجبه الأيمن.
عطر بغيظ: "على فكرة انت بارد!!"
بهدوء أجابها: "حقا؟!"
أجابته بغيظ: "أجل يا رجل."
أما "سما"، فرأت آخر حينما أخذت تفكر في هذا الوسيم الشهم. أعجبها شجاعته، رجل والرجال قليل. عقلها تلقائيًا يفكر به. طالته الغريبة، رائحته المفحمة بالرجولة. سبّابة للرجل. ماذا حل بكِ "سما"؟ عجبًا، حقًا تتعجبين. سبّابة هذا خطأ على عقلك كفتاة رقيقة. هو ليس بالرزين، بل هو متهور يتصرف بغضب. هذا ما استشفته منه، لكنه لم يبرح تفكيرها ولو للحظة منذ هذا الصباح. منذ متى وهي تفكر في أحدهم؟ لم يشغل تفكيرها ويقتحم خيالاتها غيره هو. منذ أن أنجبتها والدتها إلى هذه الحياة.
أتت لعقلها مبرر عقلاني بأنه موقف عابر ولم تراهم مرة أخرى، فاخرج تفكيرها الكلمة على فاها.
سما: "ده على جثتي خلصانة، الواد ده نصيبي."
ولحظها فتحت والدتها الباب وعقدت حاجبيها باستغراب.
والدتها: "بتقولي إيه يا سما؟"
سما بإحراج: "بقول هو محمد جه؟"
نطقت والدتها بنبرة عادية: "أيوه جه، تعالي عشان العشاء."
جلسوا يتناولون الطعام في جو عائلي يتخلله الدفء.
وضع "محمد" لقمة في فاهه فشنق، فناولته "سما" كوب ماء ورتبت على ظهره برفق، فعاد طبيعيًا وشكرها. أما والدتهم فنظرت لهم بحنان.
محمد: "إيه الحنان ده يا بت يا سما؟ مش عادتك يعني."
سما بغيظ: "إيه، عايزني لما تزور أديك بوكس في وشك؟"
محمد بضحك: "اسكتي ابت، ولا تقدرِ أصلاً."
سما بنبرة مرحة على غير العادة: "بس انت يا ضنايا يا محمد قمر النهارده."
محمد بذهول: "قمر إيه يا أختي، دا أنا قمر بالستر!! وبعدين الحمد لله إن ليكي ضحكة، كنت فاكرك بغلاف النكد بس."
سما بغيظ: "ومن امتى بقى إن شاء الله، وأنا نكدية؟"
محمد بضحك: "يابا، أنتِ مش نكدية بس ضيفِ على دا إنك معقدة!!"
بادلته نظرة مغتاظة.
سما: "ولا يا محمد، هو أنا فعلاً معقدة؟"
لمح حزن بعيونها فغير مجرى حديثه.
محمد: "لأ طبعًا، انتِ أحلى أخت في الدنيا كلها."
أما رامي، فقد أخذ يهرول خلف "علي"، ومسكه من ياقة قميصه.
رامي بغضب: "بقى أنا يا كلب اتفقت معاك على بابا؟!"
علي بغيظ: "بقى أنا مكسح وراقد في المستشفى؟!"
رامي بغضب: "عاجبك حالي كده؟!"
علي بضحك: "يا اسطا، أنت اللي عملت نرم على أبوك. بقى يا واطي هتستغفلوا في ألف جنيه؟ لأ، وكمان فاكر إنهم هيديهم لك عشان أنا انكسرت؟ دا أنا لو مت مش هيديك مية جنيه."
رامي بهدوء: "لأ يا خويا، اداني. وبوزك الفقر جه في آخر لحظة."
علي بذهول: "احلف؟!"
رامي: "وحياة أمك."
علي: "طب هتعمل إيه دلوقتي؟ أنا معنديش مكان ليك يا واطي، يا اللي قلت عليا مكسح."
حمحم رامي بغضب ووضع يده في جيبه، استخرج النقود فذهل علي في الحال.
علي: "يابن الإيه، عملتها إزاي دي؟"
رامي: "اخرس يا ضنايا، اسمي رامي باشا بيه."
علي بذهول: "ليك حق يابا، دي ألف جنيه!!"
رامي: "بقولك إيه، متيح لي أبين تحت الكنبة اللي في الصالة عندنا. بس بشرط، الليلة بعشرة جنيه."
علي: "فندق إيه يابا، الليلة في بالي معاك. عمومًا، رجال الكنبة، أقصد تحت الكنبة، تحت أمرك!"
رامي: "اخرررررررص، أنا أنام في الشارع أهون!"
فتح "علي" الباب متسللًا وأشار بهدوء لصديقه بالدخول. فوقفوا في الصالة وأشار له علي بكنبة في إحدى أركانها.
رامي بصوت خفيض: "طب ماهو الكنبة من فوق فاضية أهو."
علي بغيظ: "اخرس، هتنام تحتها عشان ماما لو صحت ولا أختي هيعملوك أنا وأنت ملوخية خضرا."
رامي مقاطعًا: "بس..."
علي: "بلا بس بلا قط، يلا اتدحرج تحت الكنبة من سكات."
فعل رامي هذا مجبرًا.
أما منصور، فكان يتاكله القلق بشدة. لاحظت حنانه هذا فتقدمت منه.
حنان: "يجي يا خوي، متقلقش عليه. انزل شوفه ولا اتصل بحد من صحابه."
منصور: "أنا مش قلقان عليه، أنا قلقان على الألف جنيه اللي نسيت آخدهم منه، ابن الكلب دا." ثم أكمل: "آه يا ناري، وربّي لو ما رجع بيهم لشغله، بمنع سنة."
دخلت "عطر" المطبخ، فصنع الطعام هوايتها المفضلة. أخرجت ما بداخلها وأخذت تعد الطعام بمهارة فائقة.
اقتربت هرة صغيرة أسفل قدميها، فقدمت لها قطعة من الدجاج المشوي.
انتشرت رائحة الطعام الذكية. المنزل انتهت من تحضيره، فملأت سفرة شهية بغرفة تناول الطعام.
جلست تأكل باستمتاع، فوحدته ظهر من العدم وجلس أمامها ونظر للطعام بشهية.
رسلان: "أنتِ بديعة في كل شيء، حتى إعداد الطعام."
لم تجب عليه، فضلت السكوت.
وضع قطعة دجاج صغيرة بفمه وأخذ يتذوقها باستمتاع وأردف: "رائع."
لم يدعها تدخل الأطباق بمفردها، بل ساعدها في هذا.
توترت من ملامحه وهدوئه وبسمته التي يرسلها لها من حين لآخر. ارتبكت من نظراته التي تحمل كل شيء. تهابه. انزلقت منها الأطباق على أرضية المطبخ، فنزلت تلملم أشلاءها. فجلس هو أيضًا ولاحظ دماء تنسل من إصبعها بغزارة.
رواية التركي والصعيدية الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سنسن ضاحي
استيقظت صاحبة الثلاث وعشرين ربيعًا في الصباح الباكر.
دَلَفت إلى المرحاض وتوضأت وصلت فرضها، ثم ذهبت قاصدة المطبخ لصنع كوب من الشاي.
لفت انتباهها صوت شخير. ظنت في الأول بأنه صوت أخيها، لكن عاودها الصوت مرة أخرى، خاصة حينما سمعت كركبة أسفل الكنبة.
ارتجفت أطرافها، ولكنها تقدمت في ثبات ونزلت على ركبتيها ومدت وجهها أسفل الكنبة.
صُدمت حينما رأت أحدهم ينام باستمتاع وكأنه بيت والده.
صاحَت شروق بتذمر وصياح: "حرااااامي! الحقونا يا ناس!"
ثم انتشلت نعلها وسحلته من ملابسه.
أما رامي، فلم يأخذ وقتًا كثيرًا للاستيعاب. كتم فمها، فعضته بقوة جعلته يتألم بشدة.
لم تترك كفه، وكادت أن تسحقها بأسنانها الحادة. تركته أخيرًا متألمًا، وعاودت الصياح مرة أخرى: "الحقونا حرامي! أنت يا علي الحق حرامي!"
جاء علي على صوت صراخ أخته وانتابه التوتر والارتباك.
أما رامي، فاستنجد به في الحال وأردف بتألم: "الحقني يا سطا اختك بتعض!"
تقدم علي منهم ونظر إلى رامي وكأنه لم يعرفه، وأردف باستفهام: "فيه إيه يا شروق؟"
شروق بغضب: "انت تعرف الأشكال دي؟ دا حرامي وكان تحت الكنبة وجاي يسرقنا!"
رامي بغضب وسخرية: "يا أختي اتلهي، هو فيه حاجة عندكم تتسرق أصلاً؟ دانتم عيلة كحيانة وعاوزين معونة."
وجهت شروق نظرات خانقة غاضبة إلى علي: "انطق تعرف الواد دا ولا أندهلك ماما؟ وإن كان حرامي هطلبله البوليس حالًا!"
نظر رامي لهم بتوتر، فاقترب علي منه وهمس بإذنه: "تدفع كام يا مان وأخلصك من أم الليلة دي؟"
رامي بغضب: "مش دافع مليم ومتحاولش تبتزني، لأني عندي مبدأ."
شروق بغضب: "أخلص مين؟ دا تعرفه؟"
علي، وقد وجه نظره على رامي فوجده كما هو، قال: "حسنًا، وليتلاعب بأعصابه قليلًا. معرفوش."
شروق: "كويس، يبقى أنده على رجالة الحتة يجوا يصطفوا معاه."
اقترب رامي وهمس لعلي: "هدفع يا واطي وخلصني من الحربوقة دي."
"كاااااام يا سطا؟" نطقها علي باستغلال.
انكمشت ملامح رامي بضيق وسخط، ولكنها أردف: "عشرين جنيه."
رامي بغضب واشمئزاز: "ليه يا خوي؟ هو أنا هخلصك من فار؟ لأ مش موافق."
"خمسين جنيه يا واطي، ودا آخر كلام عندي. ومستعد آخد علقة ومدفعش جنيه زيادة." ثم وجه نظره له فراى بعينه القبول.
أردف علي براحة: "معرفوش أزاي بس يا شروق، دا أخويا وصاحبي. دا رامي صاحبي وجينا متأخر من الدرس، اضطريت أحذفه تحت الكنبة."
رامي بغيظ: "إيه تحدفه دي يا كلب؟ هو أنا كورة؟"
قاطعه علي بسخط: "آخرررررص ولا كلمة زيادة."
وعلى الجانب الآخر، انتهى فهد من ارتداء ملابسه وتناول وجبة الإفطار، وذهب كالمعتاد لممارسة عمله. فالأيام أصبحت روتينية خالصة، نفس الزحام والتشتت الفكري، نفس الوجوه الكالحة الهالكة من متاعب ومشاق الحياة.
صعد المشروع، وكان حواسه عرفت المكان جيدًا دون الانتباه لأي شيء آخر.
جلس في مكان اعتاده، فوجد أحدهم تجلس بجانبه. يبدو أنها اعتادت الجلوس بحواره. هو يعرفها جيدًا، لكنها تجلس كالعادة صامتة، تختلس النظرات إليه من حين لآخر.
أما سما، فمنذ أسبوع وهي تختار مكانًا بجوار فهد، تحس بالأمان والاطمئنان بوجوده. تختلس النظرات من خلف نظارتها الطبية.
ودت لو يفتح معها حديثًا ذات مرة، كما أنها أكثر من مرة تفتح فاها بالكلام، لكنها تحرج وتغلقه.
أخيرًا، ولكن مهلا، لما كل هذا الحزن؟ انحفر على ملامحه وكأنه صديقه الأبدي. يبدو على غير الشباب الغاضب الصاخب، بل يبدو في التسعين من عمره، رغم لمحات الوسامة الشبابية والملامح الرجولية التي ارتسمت على محياه.
حسنًا، ستحدثه، وليكن ما يكون.
سما بتردد: "إزي حالك يا أستاذ؟"
بالأول لم يسمعها، ولكنه استوعب أخيرًا ما تفوهت به.
فهد بنبرة عادية: "الحمد لله."
لم تجد كلامًا آخر لتقوله، ولكنها تريد فتح حديث معه وبشدة.
سما: "والله يا أستاذ، هفضل مديونة لك باللي عملته قبل كدا."
عقد فهد جبينه بتعجب: "لا حصل خير."
لا يمكنها التحدث أكثر من هذا، فهو على ما يبدو لها غير صبور بالمرة، بل زاد على هذا أنه بائس حزين.
"كيف حال يدك الآن؟" نطقها رسلان بهدوء لتلك الجالسة أمامه. فبالأمس أصابتها إحدى أشلاء الأطباق مسببة لها جرحًا سطحيًا داواه رسلان في الحال.
ردت عطر بهدوء: "الحمد لله تمام."
جلس بجانبها وأخذ يرتب على كتفيها برفق، فغمرته رائحته وهابت قربه، بل توترت من نبرته الحنونة.
رسلان بنبرة مشبعة بالحنان: "أراكِ حزينة، ما بكِ عزيزتي؟"
لم تجبه وظلت على حالتها، فأكمل حديثه: "ما رأيك أن تذهبي اليوم معي إلى عملي؟ أنا لا أحبذ تركك هكذا."
لم يدعها لتفكر، وقبل أعلى رأسها وأردف: "انتظرك."
بعد قليل من الوقت، دخلت معه الصرح الشامخ، شركة أقل ما يقال عنها أنها مهيبة، ولاول مرة على أرض مصرية.
صعيدي احتضن ذراعيها ودخلوا وسط رهبتها وزهولها حتى وصلوا إلى مكتبه.
أجلسها بجانبه. نظرت عطر، يبدو أنها ستغير تفكيرها به وتعيده من جديد. يبدو حنونًا، مهتمًا بها وبكل تفاصيلها. لا يريد أن يجرحها. نظراته تحمل العشق والفرح. ربما لقربها منه أصبح الصمت سيد الموقف، فقط النظرات تتحدث.
تخفي عينها عنه للحظات ثم تقابله، فتجد بهما شغف الكون. عيونه جميلة ورائعة، ملامحه وسيمة للغاية. أيعقل أن هذا وجه بشري أم ملاك؟
أخيرًا قطع الصمت المهيب رسلان: "ما بكِ عزيزتي؟ اقتربي لِـ وأجلسي بحواري."
"لا، أنا مرتاحة كدا." نطقت بها عطر بخجل ونبرة تحمل الإحراج ووجه محمر مرتبك.
تقدم هو منها وجلس بجوارها، فتزحزحت من جانبه. فتزحزحت حتى وصلت لآخر الأريكة، فقهقه رسلان ضاحكًا حتى أدمعت عيناه.
فقامت في فزع مرتبكة محرجة، ولكنها اغتاظت منه حينما وجدته يقهقه عليها.
"بتضحك على إيه يا سم؟" نطقت بها بغيظ.
تمالك ضحكاته وأخرج من درج مكتبه صندوقًا أسود جميل المظهر، ومده إليها باهتمام.
"إيه ده؟" نطقت بها وهي تعقد جبينها. فتبدو في قمة اللطافة.
"دا شوكولاتة جلبتها لك خصيصًا."
لمعت عيناها بفرحة كالطفل الصغير وأخذت النظرات.
جلست على الأريكة بينما هو جلس على كرسي مكتبه وأخذ يباشر أعماله. كان يختلس بعض النظرات لها. وجدها تخرج قطعة تلو الأخرى. أخذ فاهه بالاتساع مبتسمًا، تبدو لطيفة للغاية وبداخلها طفلة مرحة.
مضى كثير من الوقت، كان أنجز به قدرًا كبيرًا من أعماله. انتبه لها أخيرًا، تجلس بضيق. أنهت جميع القطع ويبدو أن التخمة أصابتها، ناهيك عن أنفها وفمها الملطخ بشكل لا يبالغ به، لكن على أي حال له أثر.
اقترب منها مبتسمًا وجلس بجوارها، وأمسك منديلًا ورقيًا وأردف وهو يمسح بواقي الشوكولاتة من أنفها وفمها: "زوجتي مازالت طفلة صغيرة."
نظرت له بغضب، فأردف: "وعنيدة ومشاكسة."
وجهت له نظرات حانقة، فقهقه وأردف وقد تحولت نظراته إلى عشق خالص: "لديها عينان جذابتان وروح جميلة. بالنسبة لي، لديها جميع المميزات التي صنعتها لنفسي، وجدتها بها."
أصيبت حواسها بالإحراج، خاصة مع نبرته الحنونة العاشقة.
أردف مكملاً، رقد علق زرقاوتيه على ملامح وجهها، رغم أنها أخفضت رأسها واصبغ وجهها، ولكنها رفعت أسفل وجهها بإصبعه وباغتها بالنظرات العاشقة.
أردف رسلان بنبرة حنونة: "أحبك."
تعلم هذا جيدًا، ولكنه باغلها بالاعتراف. انعقد لسانها، اصبغ وجهها. واللعنة، حقًا على هذا الخجل! لم تجبه، لم تنظر له من الأساس.
هم باحتضانها، ولكنها نفضت يداه بنفور وتقزز، وأردفت عطر بنبرة كارهة: "وأنا أكرهك! أنا لسه أحب فهد، فااااهم؟ أحب فهد وبس!!!"
الحب لعنة أبدية غريبة تصيب في مقتل ولا تبالي. الحب ليس له تفسير، أنواع، أصناف، وصنوف. الحب أكبر أكذوبة، أكبر صدق، أكبر اهتمام. أشياء غريبة، تركيبة عجيبة. مرة أشد من حلاوته. صدمة نعرفه جيدًا، شيطان ورغم ذلك نهيم به، نقترب منه لا نبالي. جرح غائر ليس بأيدينا شيء غير التجربة المرة القاسية. أن أحبك الله أعطاك جنته، فالحب أيضًا مكافأة، ولكنها مكافأة تزن الشعور بالجنه.
لم تغب عن باله لحظة واحدة. صب فهد كل تركيزه على مرضاه حتى لا يكتب دواء بالخطأ لشخص لا ذنب له. لم تفارقه صورة تلك اللعينة القصيرة ذات العيون الجميلة. لم يحب شكلها كما أحب روحها. تذكر لحظات غضبها، لحظات فرحها، حتى ولو كانت قليلة. لام نفسه، وما شاء الله أن يلوم؟ أيحب خائنة باعته لرغبة تهواها من أجل تركي لعين؟ ود لو يسحق قلبه ويعصره بين يديه.
شعر بصداع يضرب خلايا رأسه، فقرر الذهاب مبكرًا. رغم ازدحام المرضى، ولكنه شعر بعدم مقدرته على مواصلة العمل، فاعتذر.
وكالعادة، صعد فهد إلى المواصلة. لم تكن العادة أن يرى تلك اللزجة بآخر اليوم نظرًا لأنه يتأخر، بل مصادفة أن يراها اليوم لمرتين على التوالي.
سما بفرحة: "مش ملاحظ إن فرصنا كثرت أوي؟"
أجابها فهد بزهق: "المشكلة إني ملاحظ."
سما بنبرة عادية: "دا لحسن حظي."
تمتم في ذاته: "ولسوء حظي." ولكنها رسم بسمة على وجهه وأجاب: "متشكر جدًا."
لم ترد السكوت بعد الآن، فسألته بتروٍ: "بتشتغل إيه؟"
رسم نفس البسمة وبملامح جامدة أجاب: "دكتور. بعيد عنك!!!"
أجابته سما ببسمة: "بسم الله ما شاء الله. اللهم صلى على النبي. دكتور ربنا يحرسك يا بني!!"
نظر لها باستغراب ولاحت بسمة على فمه: "بقولك دكتور مش لاعب كورة."
أجابته سما ببسمة مريحة: "طب ما دي حاجة كويسة. هو حد طايل؟!"
نظر لها باستغراب ولم يرد الحديث مرة أخرى، بل نظر أمامه بشرود.
وعلى الجانب الآخر، يجلس منصور بغيظ. انتبه حينما سمع طرقًا على الباب، فقام وفتحه. وجد رامي بحالة مبعثرة.
منصور بغيظ: "فين الفلوس يا ولد؟"
مد رامي له المال، فعده وعقد حاجبه بسخط: "ناقصين خمسين جنيه. ودتهم فين؟"
امتثل البكاء في الحال وأردف بحسرة: "اصل علي الواطي مرديش يخليني أبات عنده إلا لما دفعت فلوس."
منصور بسخرية: "لا ولد فالح الصراحة. الليلة عنده واقعة بخمسين جنيه. شوف أنت بقى، ستاشر سنة، احسبهم."
مارس البكاء مجددًا: "نيمني تحت الكنبة يا با. بريستيجي ضاع!!"
قهقه منصور وأردف ببسمة: "ليه قطة؟ وبعدين استرجل ياض ومتعيطش. وحقك عليا، بس أقسم بالله العظيم هتعملها تاني لعلقك من رجلك."
أما رسلان، نظر لها بصدمة، رغم غضبه وقدرته على سحقها وسحق روحها، لكن كانت لروحه رأي آخر. لم يتكلم، بل ارتدى جاكته الخاص بملامح جامدة وخرج من المكتب. فخرجت خلفه.
رواية التركي والصعيدية الفصل العشرون 20 - بقلم سنسن ضاحي
دخل بها المنزل بصمت رهيب، خاصة من ناحيته هو.
لم تطق صبراً، تعلم أنها مخطئة فيما تفوهت به.
لكنها ردت عليه وقد ارتفع صوتها بغضب:
"إيه، أنت جارر جاموسة معاك؟"
اعتدل لها ببرود وملامح وجه خالية من أي تعبير، وأجاب بنبرة باردة:
"ماذا تريدين؟"
نظرت له في عينيه، رأت لا شيء. كيف يمكنه التغير هكذا من لحظة لأخرى؟ هذا جنون بعينه.
لكنها أجابت بتحدٍ.
"عاوزة أتطلق."
عقد جبينه ورفع حاجبه ببرود متناهٍ وأردف بهدوء:
"تريديها؟"
بنفس نظرات التحدي أجابته:
"أيوه، أريدها!!! أيوه، عاوزة أطلق منك بصراحة، قرفت منك."
أشار لها بأن تصمت حينما تبدلت ملامحه لغضبٍ بائن، وأردف بثقة وثبات:
"سألبّيها لك، الأمر أصبح منهياً قبل ابتدائه."
توترت، يبدو أنه جاد هذه المرة. لكن على أي حال، ستتخلص منه. هي لم تحبه، لم تعشقه. هي لا تنكر أنه عاملها بحنان ولطف واهتم بها أيضاً، لكنه ليس الشخص المناسب لها.
نظرت له ببسمة مزيفة وأردفت بهدوء:
"إمتى دا هيحصل؟ مش عاوزة أبقى على ذمتك لحظة واحدة."
رد رسلان عليها بهدوء وثبات:
"الوقت الذي تختارينه وتحددينه."
نظرت له وأردفت بغيظ:
"حتى دلوقتي!!! ولا أقولك، هات المأذون النهاردة نخلص كل حاجة."
وجه لها نظرة أخيرة وأجاب بكلمة واحدة قبل أن ينصرف:
"حسناً، هو كذلك."
تركها وصعد لغرفته وانهار بروده حينما أصبح بمفرده. طبقت عليه أنفاسه، فك رابطة عنقه ونفخ بضيق. لقد أعطى اهتمامه وحبه للشخص الخطأ. أحبها فبادلته المحبة كرهاً، أذاقته مرارة النفور.
يجب أن يتخلص من كل هذا، حتى مشاعره. منذ متى لديه قلب يحب؟ ألم يكن هو رئيس العصابات الفاسد الباغي الداهية؟ منذ متى ولد بقلبه مشاعر وكأنه إنسان طبيعي؟ عليه أن يحب ويتزوج أمثاله، ليس لهم هذا، بل لقسوة قلوبهم. رأى آخر هو العنف والتعنيف، هذه طبيعتهم البحتة بفطرتهم الغريبة، وكأن طبعه غلب المشاعر وبإمكانه إنهاء هذا كله برمشة عين. لها أن تختار ما تحب، فلو كان لها نية في حبه لكانت أحبته من الوهلة الأولى.
عزم على إنهاء الأمر اليوم، وحتى لو أذاق قلبه القسوة والمرارة، فهو أيضاً ليس لديه مرارة لنفورها منه وكأنه جرثومة. حسناً، فكل شيء سيعود لطبيعته، هذا ما أوهم به ذاته.
تفاجأت به بعد أذان العشاء قد جلب مأذوناً حقاً. كانت تعلم أنه يتوعد ويهدد فقط ولا يمكنه الاستغناء عنها. لكنها هي من تكون ليبقي عليها؟ وفي جلسة بغيضة جلس أمامها ببرود وأخذ المأذون يردد:
"إن أبغض الحلال عند الله الطلاق يا ابنتي، فكري!!!"
لاحت لمعة دامعة بعينها. لم تصدق هذا، فهو خلصها منه وبنفسه وستصبح حرة بعد الآن.
أعاد الشيخ السؤال مرة أخرى، فأجابت بنبرة متحشرجة:
"أيوه."
عاود سؤاله مرة أخرى:
"أيوه إيه؟"
لم تتمالك دموعها هذه المرة، رغم سيطرتها على نفسها جيداً، لكن تلك الدموع اللعينة أبت دون ذلك، فخرج صوتها باكية.
تأثر الشيخ لها ونظر لـ "رسلان"، وجده جامداً ثابتاً. ولتلك المرة لم يتأثر بها ولا ببكائها. وأردف بحزم لا جدال له:
"الأمر منتهٍ، افعل كل شيء." ثم نظر لها وأردف: "اجعلها حرة من قيودي."
وقد كان. وانتهت تلك الليلة ببؤسها وآلامها على كلا الطرفين.
انهارت في مضجعها باكية، لائمه لذاتها. أيعقل أنها تكن له بعض المشاعر؟ ظنته لا يمكنه التخلي عنها، ولكن تخلى وبمنتهى السهولة. بل لاحظت برود نظراته أثناء إلقاء الطلاق عليها. رغم أنه طلقها مرة واحدة، ولكنه بالأخير فصائل. لم تر بعينه أي ذرة مشاعر خلف ما راته سابقاً، رأت الجمود والسكون والثبات.
أما هو، فخرج بسيارته يتجول الشوارع لوقت متأخر وعاد للمنزل وصعد غرفته ونام. فقد أرهق نفسه وجلد ذاته بما يكفي. حتى وهو يعلم أنها ستظل أمامه دائماً في المنزل، لكنه تمنى لها السعادة. فقد حررها لتجد من تحب. هذه الفكرة لمجرد التفكير بها ألَمته وأزهقت نفسه.
مر أسبوعان كاملان ولم ير أحدهم الآخر. فهو كان أرهق نفسه بالعمل، كان يأتي متأخراً. أما هي فكانت تصعد لغرفتها مبكراً. وهكذا تآلفت الأمور وأخذت مجراها، فهما بنفس المنزل ولكن كل منهم كأنه بمجرة أخرى.
وذات صباح ارتدت "عطر" ملابسها، رغم أنها فقدت القليل من وزنها وشحب وجهها ليصارع وجوه الموتى. رغم لمحات الجمال به، خرجت في هذا الصباح الباكر. قادتها قدماها للذهاب إلى منزل فهد، رغم الارتباك والتوتر البادي عليها. تعلم ما سيفعله بها جيداً.
أما فهد، فقد انتهى من ارتداء ملابسه حينما سمع صوت أمه وأخته يصيحون بأحدهم.
نورا بغضب:
"إنت إيه اللي جابك هنا؟ يابت غورري. إحنا مصدقنا إنه ارتاح منك. يلا أمشي من هنا. ربنا يسهلك بعيد عنا. الله ينتقم منك يا شيخة. إنت إيه إبليسة!!!"
أما والدته، فكان لها رأي آخر حينما جذبتها من ملابسها وانتشلت شعرها من خلف الحجاب ولطمتها أكثر من مرة على وجنتيها حتى انتفخت وبان عليها الاحمرار والتورم.
نزل الدرج بسرعة متناهية وخلصها من يد والدته، التي قالت:
"سيبني عليها بنت الكلب دي جايه ليه؟ يا حلتها. الله يحرقك بجاز ووسخ."
أما هو، هدأ والدته ولم يبالِ بتلك التي كانت بحالة فيضاوية رثة. أشْفقت "نورا" عليها، فخدها منتفخ بآثار أصابع والدته، خصل شعرها الناعمة تمردت من حجابها، ملابسها أصبحت فيضاوية.
أجبرته عيناه للنظر لها، لكن لم يكن يبالي بها حقاً. أصبح ينفر منها، مخادعة، إبليسة، جهنمية!!!
أشار لوالدته بالدخول هي وأخته، فقاطعته ونظرت للأخيرة بحقد وغيظ وأردفت:
"لا مش هسيبك مع الشيطنة دي ولو للحظة واحدة، إنت فاهم!!!"
نطق بغضب هذه المرة، فانصاعوا له ودخلوا على مضض.
أما هو، نظر لها أخيراً:
"جايه ليه؟ عاوزة إيه؟ إنت إمتى ناويه تخرجي من حياتي؟" ثم أخرج من بين أسنانه: "أنا نسيتك، يا ريت تنسيني، لأنني مانع نفسي إني أدفنك مكانك! واحترمي الراجل اللي إنت على ذمته، بلاش تبقي عاهرة وخائنة وست مش محترمة، بلاش تبقي منافقة وكدابة. إنت ليه كدا؟ ليه كل الصفات الزفت فيكي؟ إنت إيه بجد؟ أنا عمري مشفت وقاحة كدا؟"
أردفت مقاطعة:
"فهد أنا!"
قاطعها بصرامة:
"إنتي حية؟ عارفة يعني إيه؟ وبني آدمة مهزقة!"
انلأ عن نفسي ألف مرة أني عرفتك، ولا يوم كنت بحاول أقرب منك.
ثم أضاف بصوت عالٍ وملامح وجه غاضبة:
"إنتي عارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه دلوقتي؟ عارفة إني ممكن أذلك قصاد نفسك وممكن أكسرك، وهقول إنها هي اللي جت ليا برجليها، بس مش هعمل كدا، مع إنّي أتمنى. بس عارفة ليه؟ عشان إنتي عاوزة كدا وجاية لكدا!!!"
انهارت دموعها، أرهقت عيناها، أصبحت روحها لا حول لها ولا قوة. ما كل هذا المرار؟ أذاقته، ماهي الخطيئة التي ارتكبتها في حق أي بشرى، حتى من أعزته، أطاح بروحها ووبخ كيانها.
أردفت بصوت متحشرج:
"اسمعني يافهد، حرام عليك. مش كدا، اسمعني!!!"
أعماه غضبه، واقترب أكثر، وبصوت حانق غاضب أردف:
"بقى إنتي يابت تعرفي الحلال والحرام؟ شرع جديد اخترعتيه؟ ولا هبده جديدة؟ اهبد ياهباد، أنا سامع أهو!!!"
نطقت بصراخ تلك المرة، رغم الآلام المفزعة التي حلت بحسدها:
"فهد، انت مش عارف حاجة. أنا حياتي اتلخبطت من يوم وفاة جدّي. أنا اطلقت من رسلان عشانك!!!"
قهقه عالياً، ارتفعت ضحكاته حتى كادت أن تشق الآذان، أصبحت أقرب للهستيرية إن لم تكن هي حقاً. أردف بشر:
"ياعيني ياأختي، ودا من إيه إن شاء الله؟ عين وصابتك؟ ولا هو زهق منك؟ مع إنّ الصراحة إنتي مينزهقش منك!!"
قاطعته بغضب:
"اسكت، ولا حرف واحد. بكرة تندم على كل حرف قلته في حقّي. انت ليه بتعمل فيا كدا؟ أنا ضحيت عشانك!!!"
اقترب منها أكثر وشدد على رسغها وأردف بغضب:
"ضحيتي عشانّي صح؟ حلو الكلام. سبتيني مرمي في السجن واتجوزتي. انتي إيه؟ مبتزهقيش من الهبد؟ الله يخرب بيت كدا يابعيدة!"
نظرت له بتحدي:
"لأ، أنا عمري ما أكذب، بس هو دا اللي حصل."
نظر لها بغضب وببسمة ساخرة:
"ماشي، هسمعك. ضحيتي إزاي بقى؟ هاه؟ أنا سامع أهو، قولي، انطقي."
إن أخبرته بالحقيقة سيصدقها، لكن ستوقع رسلان في مأزق، ومن حقه أن يرفع عليه قضية. لا لا، هي لا تريد إيذاء رسلان بأي شكل أو آخر، حتى لو على حساب نفسها.
أردف بغضب حينما طال صمتها:
"هاااه؟ انطقي، بتفكري في هبده جديدة صح؟ بس خلاص، أحب أقولك أنا قفلت من ناحيتك خالص، معدش أي مشاعر تخليني أصدقك أصلاً. افهمي دا."
ثم جذبها من ملابسها وغلق الباب خلفها بعد أن طردها شر طردة.
نظرت إلى الباب الذي أغلق بوجهها، تخيلته أنه باب قلبه، هو كذالك أغلق بوجهها. أصبح كل شيء كالماء بكفة اليد، آيل للسقوط. هبط الحزن على ملامحها، حتى هو جرح كيانها. رغم أن رسلان كان زوجها وكان به من القبول ما يجعلها تتيم به لاحقاً، لكن ذنب فهد أخذ يطاردها في كل لحظة. تنهر نفسها أنها كانت تميل لرسلان غصب عن إرادتها، وجدت به حنان واهتمام. تذكرت كم مرة نفرت منه، أحرجته، صاحت به. تذكرت كيف كان يعاملها كطفلته المدللة. كانت تعلم أنه كان يزور غرفتها كل ليلة حينما كانت تتظاهر بالخلود للنوم، كيف كانت أنفاسه العطرة تقترب منها ويقبل أعلى رأسها، مماساً بهدوء على شعرها حتى تخلد للنوم بالفعل، فيدثرها ويتركها ويخرج بهدوء. لكن منذ افتراقهم لم يفعل هذا. لم تره بالأساس ولم يراها هو أيضاً. تشعر ببعض الاشتياق أو القليل منه لها، هذا ما أقنعت به روحها. فالحياة عذبتها، جعلت بحيرتها العذبة قاحلة، فالحياة بدون الشعور بالحب كالصحارى الجرداء.
أما فهد، وكالعادة، جلس بالمواصلة بعد مغادرتها، ولكن تلك المرة بملامح غاضبة بائسة. جلست "سما" بالقرب منه، عرفها من رائحتها دون النظر لها. سألته حينما وجدت تحفر الغضب على حبينيه ووجهه ككل:
"سما، مالك؟"
أجابها فهد ببرود، فهو لا يخبذ الحديث الآن:
"ليه؟ يخصك؟"
حمحمت بإحراج لكنها اردفت:
"لأ، سؤال من باب العلم بالشيء."
نظر لها بغضب:
"ولامن باب العلم ولا شباك الجهل، ميخصكيش، وياريت تقفلي معايا كلام نهائي."
فرت دموع عيناها، رعبت ملامحه، تحركت من جانبه لتقف بعيداً عنه، وقد أصبحت هناك غشاوة بطبقة دموع تلوح في عينيها.
تتحامل على نفسها، فالألم أصبح لا يطاق بجسدها. اقتربت قدمها من المنزل، كانت بحالة يرثى لها. أما رسلان، فكان يهم بالخروج لعمله حينما اصطدم بها داخل المنزل وحالتها رثة وآثار تعنيف على وجهها، فأسارع لها بقلق.