الفصل 8 | من 8 فصل

رواية الياسمين وابتسامتها الفصل الثامن 8 - بقلم حياة محمد الجدوى

المشاهدات
23
كلمة
10,177
وقت القراءة
51 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

كانت ياسمين قد تغيبت كثيرًا عن العمل، لذلك تفاجأ الجميع برجوعها إلى العمل في نفس مكتبها في الأرشيف. ارتدت ملابس بسيطة لكنها أنيقة ومرتبة. لتقابلها سلمى بالأحضان: "ياسمين وحشتينا! إيه الغيبة الطويلة دي؟ لتدفعها مدام سعاد وتحتضن ياسمين: "حمدًا لله على سلامتك يا ياسمين." لترد ياسمين: "الله يسلمك يا مدام سعاد." الأستاذ كامل: "المكتب نور يا بنتي." فترد بسعادة: "منور بيك يا أستاذ كامل."

جلست على مكتبها، فقد اشتاقت للعمل. ترجت أحمد كثيرًا حتى سمح لها بالعودة للعمل بشرط أن ينقلها لقسم آخر، لكنها أصرت أن تبقى بين زملائها. ولأن العمل بالشركة مؤقت حتى موعد الزفاف، تركها أحمد على راحتها. قطع حبل أفكارها صوت سلمى وهي تشير على يدها: "إيه ده يا ياسمين؟ إنتِ اتخطبتي!؟ فنظرت ياسمين للدبلة في إصبعها وقالت بسعادة: "أيوه." سلمى: "إخص عليكي! مش تقولي لنا ولا خايفة نحسدك؟

فقالت ياسمين: "لا والله، بس الموضوع جه بسرعة." مدام سعاد: "واتخطبتي لمين يا ياسمين؟ حد نعرفه؟ فتهز ياسمين رأسها بالإيجاب. فتقول سلمى بفضول: "مين يا ياسمين؟ أوعي تقولي اتخطبتي لحد معانا في الشركة؟ فتهز ياسمين رأسها بالإيجاب. فتصرخ سلمى بحماس: "لا! الفضول هيقتلني! قولي اتخطبتي لمين؟ أوعي يكون الأستاذ شوقي اللي في الحسابات؟ كان بيبصلك بنظرات خبيثة، هو صح؟ هو؟ فابتسمت ياسمين وقالت: "لأ، مش هو." فأخرجت سلمى زفيرًا طويلاً

وهي تضحك: "الحمد لله! ده كان راجل غلس أوي. طيب قولي مين عشان خاطري." فقالت ياسمين بحالمية: "أنا اتخطبت لأحمد." فقالت مدام سعاد: "مين أحمد يا ياسمين؟ الشركة فيها ألف واحد اسمه أحمد، مين فيهم؟ وبيشتغل في قسم إيه؟ فقالت سلمى بسخرية: "مشهور أوي سي أحمد بتاعك! هنعرفه من اسمه إيه؟ يكون أحمد بيه صاحب الشركة واحنا مش عارفين؟ نظرت لها ياسمين بدهشة وقالت: "عرفتي منين؟ فضحكت مدام سعاد وقالت: "دي بتهزر يا سلمى."

ياسمين: "بس أنا بقول الحقيقة، أنا اتخطبت لأحمد بيه صاحب الشركة." فأشارت سلمى بيدها علامة الجنون لتقول ياسمين: "هو أنتوا مش مصدقيني؟ ليقطع كلامها دخول موظف العلاقات العامة يعلق على الباب نشرة إعلان خطوبة أحمد سامي عبدالله صاحب الشركة من الآنسة ياسمين سعيد من الأرشيف. وقام بتوزيع نشرات على الموجودين. لتقرأ سلمى النشره وتقول: "إيه ده؟ دا بجد! إنتِ اتخطبتي لأحمد بيه؟ طب حصل إزاي؟ احكي ليا بالتفصيل."

مدام سعاد: "ألف مبروك يا ياسمين، وعيب يا سلمى كلامك ده." وتفاجأ الجميع بدخول أحمد بيه للأرشيف لأول مرة. ليقف الكل في ذهول وهم يرونه واقفًا أمامهم بكل وسامته وهيبته. ليقترب من ياسمين ويهمس لها: "وحشتيني." ليصبغ وجهها باللون الأحمر. ثم يقول بصوت واضح: "ده بقى مكتبك اللي مش عايزة تغيريه." فتبتسم ياسمين وتهز رأسها بالإيجاب. فينظر للموظفين من حوله ويقول: "مدام سعاد والأستاذ كامل، صح؟ " فيهزوا رؤوسهم بغباء.

وينظر لسلمى ويقول: "إنتي سلمى عبقرية الكمبيوتر." فتقول بغباء: "إيه ده؟ إنت تعرفني؟ فيرد بابتسامة: "عارف إنك بتعشقي حاجتين: الكمبيوتر و... فتصرخ سلمى بغباء: "يا فضيحتي! إنتِ عرفتيه يا مجنونة! فيضحك أحمد بصوت عالٍ، وقد احمر وجه ياسمين من الخجل. فينظر أحمد للأستاذ كامل ويقول: "أكيد إنت عرفت إني خطبت ياسمين." فيهز الحاج كامل رأسه. فيكمل أحمد ببعض الجدية الواضحة: "وهي اختارت تستمر معاكم هنا في الشغل." ليتحول صوته المرح

لصوت شديد الصرامة ويقول: "وأنا بعتمد عليك في مسألة راحة خطيبتي." لينظر للأستاذ كامل بحدة ويقول: "يعني مش هكون سعيد لما أعرف أنها بتمضي ملفات في الدور الخامس مثلًا، أو إنها بتصور ورق، أو يمكن بتاخد ملفات من الدور العاشر. صح يا أستاذ كامل؟ ليتوتر الأستاذ كامل ويقول: "طبعًا طبعًا." ليحول أحمد كلامه للمرح: "بس مسموح لها إنها تجيب الملفات لمكتبي بس." وهو يغمز بعينيه لياسمين. ثم يخرج من المكتب.

لم تكن زيارة أحمد هي الوحيدة للأرشيف، فقد زارتهم الكارثة الكبرى المسماة أمنية هانم ومرافقتها المخلصة هايدي ابنة أختها. فقد اتصلت بها هايدي وهي تبكي وتخبرها بالفضيحة المنتشرة عن خطوبة أحمد بموظفة تافهة في الأرشيف. لتأتي أمنية هانم بسرعة وتدخل المكتب وتتفحص بعينيها الموجودين باحتقار. لتقع عينيها على ياسمين، كما وصفها لها حارس البوابة. لتقف وهي تتفحص ملامح ياسمين ثم قالت باستهزاء: "إنتي ياسمين؟ إنتي اللي خطبك أحمد؟

ثم أطلقت ضحكة ساخرة عالية. وقالت لهايدي: "إنتي بتعيطي عشان دي؟ دي الخدامة اللي بتغسل لبسك أنضف منها." ثم تشير لها باستصغار: "إنتِ اللي اختارك ابني حفيد إبراهيم باشا توفيق تكوني مراته؟ " ثم أطلقت ضحكة أخرى. وكعادة ياسمين، كانت صامتة ودموعها على خدها. لتقول سلمى باندفاع: "فيها إيه؟ ما إحنا كلنا ولاد تسعة." فتصرخ فيها أمنية هانم: "اخرسي! فترتعب سلمى من صوتها.

لتقول أمنية هانم: "أنا عارفة أحمد اختارك ليه. إنتي مجرد أرجوز بيتحداني بيه. هيلعب بيكي شوية ولما يزهق هيرميكي ويدوس عليكي برجله. بس إنتي أكيد هتستفيدي. يكفيكي إن اسمك هيرتبط بحفيد إبراهيم باشا توفيق، واكيد هتاخدي قرشين ينفعوكي. صح؟ مش ده اتفاقكم مع بعض؟ ليوقفها صوت أحمد: "مش أنا اللي اتفقت مع واحدة عشان اتحداكي، ومش ياسمين اللي اتسلى بيها." فتلتفت إليه وتقول: "والمفروض أصدق إن أحمد بيه اختار الجربوعة دي؟

فيقول أحمد بغضب: "مش هسمحلك إنك تهيني خطيبتي أو تجرحيها بكلامك، لأنها هتكون مراتي وكرامتها من كرامتي، واللي يهينها بحرف أنسفه من على وش الدنيا." هايدي: "عيب يا أحمد تقول كدا لطنط." أحمد بغضب: "أنا مش بوجه كلامي لطنط، أنا بوجهه لأمنية هانم صاحبة ٤٩٪ من أسهم الشركة. اللي عاوز يقول كلمة يقولها ليا أنا. أما خطيبتي فخط أحمر، أدمر أي حد يتخطاه." لتنظر له أمنية هانم ثم ترحل ووراءها هايدي.

ليضع أحمد يده على رأس ياسمين ويقول معتذرًا: "أنا آسف، وأوعدك اللي حصل مش هيتكرر تاني." ويخرج. فتنظر لها سلمى وتقول: "بتعملي إيه يا غبية؟ قومي روحي وراه." ياسمين: "أروح وراه ليه؟ سلمى: "بقى يدافع عنك ضد أمه وإنتِ قاعدة؟ قومي وروحي له المكتب، حسسيه إنك معاه وواقفة جنبه." فتقول مدام سعاد: "سلمى عندها حق، روحي له. ده خطيبك مش حد غريب."

فقامت ياسمين بتثاقل، فقد عرفها أحمد أن هتكون فيه صعوبات ومشاكل، بس ما توقعتش إن المشاكل هتبدأ من أول يوم. في الطابق السابع وأمام مكتب السكرتيرة، وقفت ياسمين لتقول بصوت خجول ومهزوز: "لو سمحتي، عايزة أدخل عند أحمد بيه." فتنظر لها السكرتيرة باحتقار. رغم معرفتها أنها خطيبة أحمد بيه، إلا أنها قالت بغرور: "أحمد بيه مش فاضي ومش هيقابل حد. لو عايزة حاجة قولي ليا وأنا هوصلها له."

فتقول ياسمين بإحباط: "أنا كنت عايزاه بس خمس دقائق لو سمحتي." فتصرخ فيها السكرتيرة: "قلت مش فاضي! روحي وتعالي بعد ساعة." فترجع ياسمين بإحباط. في حين ابتسمت السكرتيرة بخبث واتصلت برقم هايدي هانم لتنقل لها آخر الأخبار. أما ياسمين، فقد عادت إلى الأرشيف لتسألها سلمى: "ليه رجعتي بسرعة؟ فتقول ياسمين: "السكرتيرة قالت مشغول وتعالى بعد ساعة." لتقول سلمى بغضب: "إنتِ هبلة؟ إنتِ خطيبة صاحب الشركة كلها!

إزاي تسمحي لحتة سكرتيرة إنها تطردك؟ ارجعي لها وقولي لها هدخل غصب عنك، وخلي قلبك جامد." وقامت من مكانها تدفع ياسمين لخارج المكتب. لتعود ياسمين لتنظر لها السكرتيرة بغضب وتصرخ في وجهها: "قلت لك قبل كده أحمد بيه مش فاضي، يالا ارجعي على شغلك." لتستدير ياسمين بإحباط، لكنها تسترجع كلمات سلمى فتعود مرة أخرى إلى المكتب وتجلس على الكرسي وتقول بصوت مهزوز: "أنا هستناه." فتقول السكرتيرة بغضب وصوت عالٍ: "شيء بارد!

نسيب أشغالنا عشانك؟ عايزة تستني استني بره، يالا بره." في نفس اللحظة، فتح أحمد باب المكتب ليجد السكرتيرة تصرخ في وجه ياسمين وتطردها. فيصرخ فيها: "إزاي تتجرأي وتكلميها بالطريقة دي؟ إنتي مش عارفة دي مين؟ فتقول السكرتيرة بخوف: "بـ... يا أحمد بيه، أنا قلت لها إنك في اجتماع، لكن... فيصرخ فيها أحمد: "دي ياسمين هانم خطيبتي! تدخل وقت ما تحب من غير استئذان، فاهمة؟ فتهز رأسها برعب.

فيكمل أحمد: "لو اتكرر أسلوبك ده معاها، اعتبري نفسك مطرودة بره الشركة." لتبكي السكرتيرة وتقول: "حاضر حاضر." فيصرخ فيها: "يالا اعتذري لياسمين هانم." فتقول السكرتيرة ببكاء: "أنا آسفة يا ياسمين هانم، وعمري ما هغلط فيكي مرة تانية." فيقول أحمد بنبرة صارمة: "هاتي عصير لياسمين هانم، وإنتي اللي قدميه لها بنفسك، فاهمة." لتهز السكرتيرة رأسها بإذلال. ليدخل أحمد وياسمين المكتب. فتقترب منه ياسمين وتقول: "أنا آسفة."

ليقول لها أحمد بضيق: "ليه بتعتذري؟ لتقول: "عشان أنا السبب في زعلك ده صح؟ بس أنا كنت عايزة أطمن عليك." فيبتسم أحمد ويجلس بجوارها ويقول: "بجد خايفة عليا؟ فتهز رأسها بالإيجاب. فيحيط وجهها بكفيه ويقول: "تعرفي إني فرحان أوي إنك جيتي، لأني بجد كنت محتاجك جنبي." فابتسمت له بخجل.

ليقترب منها حتى كاد أن يلامس شفتيها بشفتيه، لتدخل عليهم العاصفة المسماة أمنية هانم وظلها الوفي هايدي، واللتان تفاجأتا بأحمد وياسمين في هذا الوضع الحميمي. لتشير لها أمنية هانم بأسلوب أمر: "برا." فتخفض ياسمين رأسها، وقبل أن تتحرك، يسحبها أحمد بجواره ويقول: "ياسمين مش هتخرج. أولًا، وثانيًا، فيه أسلوب أفضل من كده ومن الذوق إنكم تستأذنوا قبل الدخول. هو ده الإتيكيت يا أمنية هانم؟

فتقول أمنية: "مش محتاجة إني أستأذن قبل ما أدخل عند ابني. أولًا، وثانيًا، أنا بمُلك ٤٩٪ من أسهم الشركة، يعني دي شركتي وأنا حرة أدخل أي مكان بالطريقة اللي تعجبني. ثالثًا، واضح إن دي مجرد نزوة، والدليل المنظر اللي شفناه لما دخلنا، فمش دي اللي هراعي شعورها." وتنظر لياسمين باستعلاء وتقول: "برا. عندنا كلام مهم هنتكلم فيه." فيمسك أحمد ياسمين من يدها ويقول: "ياسمين خطيبتي ومش هتمشي. وأي كلام مهم قوليه وهي موجودة." فتغضب

أمنية هانم بشدة وتقول: "طيب خلاص، اختار. يا أنا يا هي في الشركة دي." فيقول أحمد: "ماما، إنتي بتقولي إيه؟ فتقول بغضب أعمى: "اختار! يا ترميها بره الشركة وتفسخ الخطوبة دي، يا تفلس الشركة دي! قلت إيه؟ فينظر أحمد لياسمين ثم لأمنية هانم، والتي تبتسم بانتصار، فهي تعرف أهمية الشركة عند أحمد. ليجيب أحمد بعد خمس ثوانٍ: "وأنا موافق. هتشترى نصيبي؟ وإلا هتبيعي نصيبك؟ هايدي: "أحمد! إنت اتجننت؟ عارف يعني إيه الشركة تتقسم؟

ده خراب بيوت." أحمد: "مش خراب. في كلتا الحالتين، لو هي باعت نصيبها فالشركة كلها هتكون ملكي وهديرها بالطريقة اللي تعجبني من غير تحكمات مجلس الإدارة. أما لو أنا بعت، فهفتح شركة خاصة بيا وبرضه هديرها بالطريقة اللي تعجبني. فاختاري إنتي يا أمنية هانم، وأنا هبلغ الشؤون القانونية والمحامين عشان يبدأوا في جرد الحسابات والأملاك." "فيه حاجة تانية عايزة تضيفيها إنتي وهايدي؟ لتخرج أمنية هانم مسرعة ووراءها هايدي.

ليلنفت أحمد فيجد ياسمين تبكي في صمت، وقد غرقت عيونها بالدموع. فيمسح وجهها بيديه ويقول بهدوء: "ليه الدموع دي يا ياسمين؟ فتقول ببكاء: "أنا آسفة أوي يا أحمد، أنا لو كنت أعرف إني وجودي في حياتك هيعملك الدمار ده كله، كنت سبتك. بس ما تخسرش أمك وشغلك بسببى."

فابتسم أحمد وقال: "مش هخسر أي حد. أنا في العادة علاقتي بأمي مدمرة ومن زمان، يعني تقريبًا ما بيجمعنا إلا الواجهة الاجتماعية في الصحف والمجلات. أما علاقة بين أم وابنها، فتقريبًا مفيش. وبالنسبة للشغل، فأنا كدا هرتاح أكتر وأقدر أحقق كل طموحاتي. بس أنا عايزك توعديني إنك مش هتتخلي عني أبدًا يا ياسمين. أوعديني." ياسمين: "أوعدك. عمري ما هسيبك أبدًا يا أحمد، ولا هتخلي عنك طول عمري."

فيبتسم أحمد ويقول في نفسه: "يا ترى مش هتتخلي عني لما تعرفي الحقيقة يا ياسمين." في مكتب هايدي، تجلس أمنية هانم في قمة غضبها تدخن بشراهة. فتقول لها هايدي: "ليه يا طنط بتتسرعي؟ هو إحنا اتفقنا على إيه؟ مش اتفقنا إننا نهدى شوية ونتصرف بحكمة عشان ما نخسرش أحمد؟ أمنية هانم: "ما قدرتش أتحمل وجود البت دي جنب أحمد. ما قدرتش أتحمل أشوف أحمد بيدافع عنها وبيعمل لها قيمة. الجربوعة دي."

هايدي: "أهي عصبيتك دي هتخسرنا أحمد والشركة كمان." أمنية هانم: "هو أنا لسه ما خسرتش أحمد؟ أنا خسرته من زمان." بعد فترة، انتشر بين العاملين في الشركة خبر انقسام الشركاء وإعلان أمنية هانم عن بيعها نصيبها في الشركة. بعد الموقف السابق مع السكرتيرة، أصبحت ياسمين أكثر ثقة بنفسها، وخاصة في الدخول لمكتب أحمد.

أما أحمد، فأصبح لا يطيق فراق ياسمين ولا يحتمل أن يمر يوم دون أن يراها أو أن تصعد له في مكتبه، ووقت البريك وقتهم المقدس لهم. لم يحتج أن يلتفت ليعرف من دخل عليه، فلا يوجد غيرها تدخل ليشعر بكل هذا الكم من السعادة. فابتسمت له بمشاكسة: "أيوه يا أحمد بيه، حضرتك طلبتني." فيجيبها بابتسامة: "أكيد يا ياسمين هانم، اتفضلي." فتجلس على الكرسي المقابل وتقول: "تصديق؟ أنا بكره أوي كلمة ياسمين هانم دي، وعمري ما حبيتها."

فيقول بجدية: "بس لازم تتعودي عليها، لأنك هتسمعيها كتير. المهم، أنا عندي لكِ مفاجأة." فتقول بحماس: "مفاجأة إيه؟ فيخرج من درج مكتبه علبة مربعة يقدمها لها. فتفتحها بحماس لتجد جهاز محمول من أحدث طراز. فيقول ممازحًا: "طبعًا أنا عارف إنك رافضة للجهاز الكافر ده، بس لازم يكون معاكي عشان أطمن عليكي، وخاصة في الليل." ويغمز بعينيه. ياسمين: "بس انت عارف إني مش بفهم في المحمول."

فيجيبها بابتسامة: "أنا موجود، هعلمك عليه. بس ده مش المفاجأة اللي عندي." فتقول بدهشة: "المحمول مش المفاجأة؟ طيب إيه هي؟ شوقتني." فيرفع الجريدة من على المكتب ويقدمها لها ويقول: "هيا دي المفاجأة." فتحت ياسمين الجريدة اليومية لتجد في الصفحة الأخيرة صورة عائلتها بحجم جيد واضح، ومكتوب: "مكافأة مالية قدرها عشرون ألف جنيه لمن يدلنا عن مكان هذه العائلة، مع ذكر اسم الأم وأسماء الأبناء الثلاثة: محمد ومها وآية."

لتسقط الدموع من عيونها وهي ترى صورة أهلها. فكم تشعر بالامتنان لأحمد لأنه وعدها بالبحث عن أهلها، وقد قدم لها أول خطوة. فهي مدينة له بالكثير ولم تعرف كيف تعبر عن امتنانها إلا أنها انحنت لتقبل يده، وقد غرق وجهها بالدموع حتى سقطت على يده، والتي سحبها بسرعة ليشعر بالحزن والغضب الشديد من ياسمين ومن نفسه. ليقول بألم: "ليه يا ياسمين؟ حرام عليكي." فترد: "تستاهل يا أحمد، تستاهل أكتر من كده. ربنا يخليك ليا يا رب."

فيقبل رأسها ويربت على خدها بحنان ويقول: "ده حقك يا ياسمين، وأقل من حقك كمان. أرجوكي أوعي تكرري الحركة دي مرة تانية، فاهمة." فتهز رأسها بالإيجاب وتقول بابتسامة محاولة تغيير الجو: "فاكر المطعم اللي رحناه أول مرة؟ فيهز رأسه فتقول بحماس: "خلاص يالا نروح هناك عشان بصراحة نفسي آكل الكيكة اللي فيها شوكولاتة." فيقول بيأس: "يا ربي! اسمها كيكة برضه يا جاهلة! يا رب صبرني." فتنظر له بملل بمعنى "خلص كلامك يا ممل".

فيقول: "خلاص خلاص، بلاش النظرة دي. يالا عشان أنا كمان نفسي في اللحمة الخضراء."

فتمسك تحفة من على المكتب لتحاول ضربه بها، فيضحك وهو يمد يده ويمسك بكفها، وهم يسيرون متجاورين. وكلما مروا على موظف أو موظفة إلا وتوقف ليرى أحمد بيه وخطيبته. وكالعادة انقسم الجميع بين مؤيد لهذه الخطبة، وهم العمال والموظفون الصغار الذين يرون في ياسمين حلمًا بأن تكون واحدة منهم زوجة لصاحب الشركة. والبعض ينظر لها بحقد وأنها لا تستحق واحد كأحمد بيه، وهذا رأي معظم الموظفات في المكاتب الكبرى، فكلهن يرين أنهن أجمل من ياسمين وأكثر منها أناقة ولباقة، فهن أحق بأحمد بيه.

أما من مروا عليها وشعرت بحزن وألم شديد، كانت هايدي. فقد أحبت أحمد بصدق، لكنها لم تعرف الطريقة الصحيحة في التعبير عن هذا الحب، متأكدة أن أحمد لم يحبها أبدًا. حتى في الماضي كان يطاردها ليل نهار يتغزل بها، لكنه لم يكن بهذا القدر من السعادة. ففي الماضي أحبها بطيش، لكنه أحب ياسمين بعقله وقلبه. بعد يومين، استدعاها أحمد كالعادة لتدخل عليه المكتب فتجد عددًا من الضيوف. فلما

رآها استقبلها بابتسامة: "أهلاً وسهلاً يا ياسمين، اتفضلي." ياسمين: "قلقتني يا أحمد، فيه حاجة؟ أحمد: "اتفضل، تعالي أعرفك." فيمسك يدها ويقدمها: "لهذه عم رجب، ده يبقى السواق الخاص بيكي." (فتنظر له) ليقول موضحًا: "ما هو مش معقول تكوني خطيبة أحمد بيه ولسه بتركبي مواصلات، عشان كده جهزت لكِ عربية خاصة هتكون تحت أمرك، وعم رجب هيوصلك للشغل ويرجعك، ويكون معاكي في كل مكان وتحت أمرك ٢٤ ساعة في اليوم. Okay؟

فتهز رأسها بالإيجاب وتقول: "إزيك يا عم رجب؟ فيرد عليها باحترام: "الحمد لله، تحت أمرك يا ياسمين هانم." فينتقل أحمد للسيدة الأنيقة الجالسة وتضع ساقًا فوق الأخرى ليشير إليها لتنزل ساقها وتقف بشموخ. ليقول: "دي تبقى مدام فريدة، وهي مدرسة الإتيكيت، وهتكون مسؤولة عن تعليمك كل شيء: المشي، الأكل، الكلام، والبروتوكولات الخاصة بالحفلات والسهرات، وطبعًا هتعلمك إنجليزية وفرنسية." فتقول بخفوت: "ليه كل ده؟

فيقول: "إنتي هتكوني مراتي، وظروف شغلي بتحكم تكوني معايا في حفلات فيها رجال أعمال ووزراء من كل مكان في العالم، فلازم تكوني قد المسؤولية." فتبتسم لها ياسمين وتصافحها لتقول مدام فريدة: "اتشرفت بمعرفتك يا هانم، وإن شاء الله هيكون بينا تعاون كبير."

ينتقل أحمد للمرأة التالية: "دي مدام فيفيان، وهي صاحبة أكبر وأشهر دار أزياء في مصر، وهي هتكون الاستايلست الخاصة بيكي، هتكون مسؤولة عن لبسك، إكسسواراتك، والمجوهرات الخاصة بكل مناسبة." فتتبادل مع ياسمين الابتسامة. ثم ينتقل للمرأة الأخيرة: "دي تبقى آنسة جينا، وهي هتكون الميك أب أرتست الخاصة بيكي، وهتكون مسؤولة عن المكياج والشعر والبرفانات وكل أدوات التجميل الخاصة بيكي."

فتقوم جينا وتقول: "عُيونك كتير حلوين، بتاخد العقل، ما شاء الله. راح نعمل مكياج كتير حلو يبين جمالك. أما شعراتك كتير طوال، فراح نقصن من هون ونعملهن ويفي و... فيصرخ أحمد وياسمين: "لأ! فتخاف جينا وتقول: "شو غلط؟ فيقول أحمد: "أوعي تقصي الشعر ولا سنتيمتر واحد! أنا عايزاه زي ما هو طويل وبنفس لونه الذهبي." فتقول جينا: "Okay." فيقول أحمد في نفسه: "مجنونة دي! عايزة تقص شعرها؟

وأنا بحلم كل يوم باليوم اللي أفرش فيه شعرها على مخدتي وفي حضني."

بعد مرور أسبوع، تحدد اليوم اجتماع مجلس الإدارة مع المستشارين القانونيين لإنهاء المسائل القانونية الخاصة بنقل ملكية الشركة لأحمد. وقد أصر أحمد أن تحضر ياسمين الاجتماع لتدخل معه قاعة الاجتماعات لتجد كل أعضاء مجلس الإدارة متواجدين. ولأنهم عرفوا بضعف موقفهم مع أحمد، فلم يجدوا إلا تملق ياسمين. فأقبل أول عضو ليقبل يد ياسمين ويهنئها بالخطوبة السعيدة، والآخر قدم لها هدية فاخرة، والثالث أحضر باقة ورد فاخرة، وهناك من قدم علبة من الشوكولاتة الفرنسية المغلفة بالذهب عيار ١٨ قابل للأكل.

أما أحمد، فقد كان يبتسم بسخرية من هذا التملق المكشوف. أما أمنية هانم، فقد كانت تغلي من الغضب، فكل هؤلاء كانوا يقبلون يدها ليل نهار حتى ترضى عنهم، لكن دوام الحال من المحال. انتهى الاجتماع بأن يقدم أحمد لأمنية هانم ربع قيمة الأسهم كدفعة أولى، وتقسم الباقي على عشر دفعات في خلال مدة قدرها عامين.

أما المشروعات المشتركة، فقد تركتها أمنية هانم مقابل أن تأخذ نصف قيمتها نقدًا، ليقدم أحمد شيكًا بمبلغ ٢٠ مليون جنيه. وفي المقابل، فقد مضت أمنية هانم على أوراق تنازلها عن الشركة لتصبح كلها وباقي المشروعات باسم أحمد. ولكن في المقابل، فقد قدم لها أحمد كل السيولة الموجودة في الشركة، إلى جانب مبلغ كبير من ماله الخاص.

في المساء، في فيلا أمنية هانم، جالسة على كرسيها الأنيق، تضع فنجان قهوة تركية أمامها، وبين أصبعيها سيجارة، وجالسة تنتظر دخوله بفارغ الصبر. فدخل بهدوء ملقيًا التحية لها: "مساء الخير." لتضع ساقًا فوق الأخرى وتقول: "مساء النور. ياترى ارتحت لما قسمت الشركة وأخدتها كلها؟ فأشار أحمد للخادمة لتحضر له كوبًا من القهوة، ويخلع جاكت البذلة ويرميه بإهمال على الكرسي، ويجلس مقابل لها ويقول بهدوء: "ارتحت جدًا."

أمنية: "وإنت بتظن إني ممكن أنسحب بالبساطة دي؟ أكيد إنت غلطان. الشركة دي بتاعتي، حتى ولو بعت نصيبي، ومش هسمح للبتاعة دي إنها تنتصر عليا." أحمد: "مشكلتك إنك أعلنت الحرب، لكن ضد نفسك. لأني مش هحارب ضدك أبدًا. إنتي أمي، حتى ولو كانت علاقتنا مش زي أي أم وابنها، لكنك أمي. ونفسي تكون علاقتنا طبيعية، أنا وإنتي وياسمين." أمنية هانم: "مستحيل أقبل البنت دي. لو عايز علاقتنا تكون طبيعية زي ما بتقول، ابعد البنت دي عننا."

أحمد: "مش ممكن يا أمي، مستحيل أسيب ياسمين. أنا بحبها بجد." أمنية هانم بسخرية: "يبقى إنت اخترت. وعلى العموم، أنا مستحيل أقبل البنت دي في بيتي. أوعي تفكر إنك لو اتجوزتها هتجيبها هنا في فيلتي." أحمد: "على الرغم إني ٧٥٪ من الشركة باسمي، لكن متخافش، أنا مقرر من الأول إن ياسمين مش هتعيش هنا في الفيلا." أمنية هانم: "وإنت؟ أحمد: "هعيش مع ياسمين." فتقول بألم: "وأنا؟ أحمد: "هبقى أزورك كل فترة." في سيارة أحمد.

ياسمين: "طيب، مش تعرفني رايحين على فين؟ أحمد: "هخطفك، عندك مانع؟ ياسمين: "لأ يا عم، ما عنديش. اتكل على الله." فيضحك ويقول: "الله يرحم المناحة اللي عملتيها وإحنا رايحين الفيوم." ياسمين: "كل وقت وله أدانه. بجد، إحنا رايحين على فين؟ يوقف أحمد السيارة ويقول: "وصلنا، اتفضلي." لتراه يقف أمام عمارة كبيرة حوالي عشرة أدوار، جميلة وراقية وتطل على النيل. فتقول: "إحنا هنا ليه؟

فينظر لعينيها ويقول: "مش عايزة تشوفي شقتك اللي هنتجوز فيها؟ " ويأخذها ويتجهو للداخل. ويقول: "بابا اشترى العمارة دي من زمان، كانت مبنية ومش متشطبة، فشطبها وباع جزء وأجر جزء، لكنه احتفظ بالدور الثالث كله لنا. خدي وأهداني الشقة دي بمناسبة نجاحي في الثانوية العامة." ويفتح الباب لتدخل ياسمين الشقة. وتقول: "للمرة المليون هقولها، باباك كان عبقري. بس إنت جبت كام في الثانوية عشان يهديك باباك الشقة دي؟

فيبتسم بحرج ويقول: "بلاش فضايح. المهم اتفرجي عليها وقولي إيه رأيك." وتركها تتجول في الشقة. كانت ياسمين منبهرة جدًا، فالشقة كبيرة جدًا ويغلب عليها طابع شبابي في الألوان العصرية والفرش العصري المودرن. فسألته: "الشقة كام غرفة؟ أحمد: "الدور كله ثلاث شقق، ففتحت الشقة اللي جنبنا مع الشقة دي، فبقت حوالي خمس غرف وصالتين وثلاث حمامات ومطبخين. إيه رأيك؟ ياسمين: "تحفة، حلوة أوي."

فأخذ بيدها وقال: "تعالي شوفي البرندة هتعجبك أوي." وفتح بابًا زجاجيًا لتجد مشهدًا رائعًا للنيل والمركب الشراعية تسير فيه، وعلى الجانب السفن السياحية الضخمة. فأجلسها على أرجوحة شبابية وجلس بجوارها. وقال: "إن شاء الله من بكرة هسلمها لمهندسين الديكور يغيروا كل حاجة فيها من الألوان لحد الفرش، وبعد ما تنتهي نتجوز على طول." ياسمين: "ليه التكاليف دي كلها؟ الشقة حلوة أوي وينفع نتجوز فيها."

أحمد: "مستحيل نتجوز في الشقة بالشكل ده، ومستحيل أتجوزك على الفرش ده. لازم كل شيء يتغير." ليقول في نفسه: (مستحيل أتجوزك على فرش شاف أيام طيشي وغبائي، ومستحيل تنامي على سرير نامت عليه بنات ليل ورقصات) لاحظ أحمد سرحانها، فسألها: "مالك يا ياسمين؟ فتبسمت وقالت: "ولا حاجة، بس فيه حلم كنت بحلم بيه زمان. بس مش مهم." أحمد: "حلم إيه يا ياسمين؟ يهمني أعرفه."

فتقول: "كنت بحلم بإحساس العروسة المشغولة بشقتها على ذوقها، ولما يسألني الناس ليه مش بنشوفك كتير، فتقول: فرحي قرب وورايا مليون حاجة. ده أنا لسه هركب الستاير وهشتري طقم الخروج، وماما قبضت جمعية هنجيب بها شنطة المعلق وكوبايات كرستال." تنظر له وتقول: "كان نفسي أحس بإحساس العروسة اللي بتفرج أصحابه على شقتها وتقول: شوفوا ذوقي، كل ركن في الشقة دي من ذوقي أنا، وأنا اللي اخترته. بس خلاص، مش مهم."

(صمت قليلاً وهو يشاهد أحد أحلامها الضائعة والتي حرمها منها) وهو أن تعيش حياة أسرية طبيعية مثل أي بنت. لقد حرمها أهلها، لكنه لن يحرمها جزءًا من حلمها. فقام ومد يده لها وقال: "تعالي معايا نحقق حلمك، وتختاري عفش بيتك بنفسك." في الفيلا. دخلت الخادمة على أمنية هانم تخبرها بحضور الأستاذ شاكر. فسمحت لها بدخوله. فيدخل رجل في الأربعين من عمره، له شعر أحمر وعيون بنية تميل للأخضر، ويبدو عليه المكر والذكاء الشديد.

أقبل عليها وقبل يدها وقال: "سعيد جدًا إنك اتصلتي بيا. تحت أمرك يا أمنية هانم." فتبتسم له وتقول: "وأنا أكتر يا أستاذ شاكر. أكيد عايز تعرف أنا ليه طلبتك." جلس الأستاذ شاكر ووضع ساقًا فوق الأخرى وقال بثقة: "أكيد." فقدمت له ملفًا وقالت: "اتفضل." فنظره وقرأه على عجل وقال: "ياسمين سعيد. طيب، إيه المطلوب؟

أجابت بخبث: "كل حاجة. أنا عايزة اعرف عنها كل حاجة من يوم ما اتولدت لحد اللحظة دي. أكلت إيه، شربت إيه، مين أهلها، عيلتها، كل حاجة. فاهمة؟ أكمل عنها: "وأركز على... قالت: "الفضايح، فاهم؟ كل حاجة غلط عملتها مهما كانت بسيطة. حتى لو مخالفة مرور، أو حتى كسرت إشارة بعربيتها. أي غلطة، أي حاجة تخصها." فأكمل عنها: "وإن طلعت خالية ف... أكملت: "هنلفق لها." فيضحك شاكر بصوت عالٍ ويقول: "إنتي أكيد بتكرهيها أوي. عملت إيه لكل ده؟

أمنية هانم: "خدت حاجة ملكي." فيقول: "Okay. عاوز شهر، وكل المعلومات هتكون عندك." فتخرج دفتر الشيكات وتكتب له شيكًا بمبلغ عشرة آلاف جنيه وتقدمه له وتقول: "لك زيهم بعد انتهاء المهمة. أنا واثقة فيك، إنت أشهر تحري في البلد، وكلت ليك المهمة دي. بس عاوزة كل شيء يتم في سرية تامة."

في الناحية الأخرى، كان أحمد سعيدًا جدًا وهو يحقق لياسمين أمنيتها، لكن سعادته اختفت بعد مرور عشر دقائق فقط، لأنه اكتشف أنها لا تمتلك أي حس ذوقي أبدًا، لكنها مثل الأطفال تبحث عن الأشياء المبهرة ذات الألوان الزاهية والزخارف الكبيرة. فاختارت طقم أنتريه بلون بنفسجي فاتح به نقوش زهور بيضاء، وطقم آخر بلون أزرق به نقوش ذهبية. ليحاول معها، لكن جنّي الشراء قد لبسها، فقد اشترت أشياء غريبة وغير مرتبطة ببعض. فتركها تختار ما تريد، فقلبه لم يحتمل هذه الكارثة الشرائية، وخاصة عندما مر عليه أحد

العاملين في المعرض فسأله: "لو سمحت، الأنسة اللي كانت معايا اشترت غرفة النوم؟ فأجابه العامل بسعادة: "أيوه." فسأله أحمد بقلق: "طيب، عايز أعرف لونها إيه؟ فقال العامل وهو يخفي ابتسامته: "بني غامق." فقال أحمد ببعض الهدوء: "كويس." فقال العامل: "مضاف إليه الأخضر والبرتقالي والذهبي، وستاير وردي فيها ورود حمراء كبيرة."

فأشار للعامل بيده ليرحل. أما أحمد، فقد خلع جاكيت البذلة وخلع الحذاء لينام على كنبة الأنتريه الأزرق ويعطي ظهره للناس ووجهه للكنبة في صورة سخيفة. ليأتيه مدير المعرض ويقول له: "لو سمحت، عيب حضرتك، فيه ناس ميصحش." فيلتفت له أحمد في هدوء ويقول: "أنا خطيبتي اختارت غرفة نوم لونها بني في أخضر في برتقالي في دهبي، فاهم؟ دهبي وأخضر مع البني، فاهم؟ " لينظر له مدير المعرض ثم يرحل دون كلام.

فيناديه أحمد ليكمل له: "نسيت، فيه ستاير وردي وورد أحمر كبير، فاهم؟ ليضحك مدير المعرض ويقول أحمد: "حسبي الله ونعم الوكيل." وبعد عدة ساعات، انتقلوا فيه من معرض لمعرض، واختارت ياسمين كوارث غريبة. جلسوا معًا في أحد المطاعم المطلة على النيل ليقول بألم: "أنا غلطان إني وافقتك تشتري، بقالنا عشر ساعات يا مفترية رجلي ورمت." فتقول بسعادة: "دي مرة واحدة في العمر، فليه بتعترض؟

المهم إحنا اشترينا كل حاجة عايزينها، شفت قد إيه اخترت حاجات حلوة أوي، إيه رأيك؟ فيضحك ويقول: "حلوة إيه؟ حرام عليكي، لكن مش مهم. أنا عارف مهندس ديكور شاطر أوي بيفهم في الفسيخ والشربات، هينفعنا." فتقول بدهشة: "يعني إيه بيفهم في الفسيخ والشربات؟ فيجب: "يعني هيحول الفسيخ اللي اشتريتيه لشربات، وهيحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه." فتقول باستنكار: "فسيخ! لعلمك أنا اشتريت حاجات حلوة أوي، وبكرة لما تشوف الشقة

هتندم على كلامك ده وهتقول: كان عندك حق، دي أحلى شقة شفتها في حياتي." لم ينتبه لكلامها لأنه ضاع في عينيها، فقد كانت تلمع بشدة لمعة سعادة جعل زرقتها براقة وجمالها ساحر، كأنه لم يرَ عيونًا أجمل من عيونها. لتنتبه له تقول: "فيه حاجة يا أحمد؟ فيجيبها: "سبحان الله، سبحان من أبدع عيونك." فتبتسم بخجل. فيسألها مغيراً مجرى الكلام حتى لا يزيد حرجها: "المهم، غير الحصان اللي بيرقص، إيه تاني بتحلمي بيه في فرحك؟

فابتسمت وقالت: "إنت لسه فاكر؟ على العموم، أنا كنت بحلم بفرح كبير أوي." فيبتسم بحماس لتكمل بنفس الحماس: "كان نفسي في زينة كبيرة والأنوار تملي الحارة كلها من أولها لآخرها." فيقول: "فرح في الحارة؟ ما أظنش." فتكمل وكأنها لم تسمعه: "وأعزم كل أهل الحارة على فرحي، أما المسرح فيكون بعرض الحارة." فيقول: "مسرح كبير وأنوار، أقدر أعملها. بس أنا أقصد شكل الفرح، عايزة مين يغني، مين يرقص، كده؟ فتقول: "كان نفسي في فرح شعبي."

فيقول براحة: "أخيرًا قلتي حاجة معقولة. عايزة أغاني شعبية زي حكيم وسعد الصغير مثلًا؟ فقالت له: "لأ طبعًا، أنا عايزة فرح شعبي. يعني مداحين شعبيين، مش مطربين." فيقول: "تقصدي زي الريس متقال ومحمد طه؟ ياسمين: "الله يرحمهم، بس أكيد هنجيب ناس عايشة." لتكمل بحماس: "مش بس مداحين، أنا عايزهم بالمزمار والربابة ورقاصين التنورة و... أحمد: "بس بس بس! إنتِ عايزة مولد مش فرح." ليضحك

ويقول من جمال الأحلام: "يا سوسو، إنه حلو في الحلم، بس صعب في الحقيقة. تخيلي فرح كبير في فندق سبع نجوم بيحضروا كبار رجال الأعمال ووزراء وسفراء، ويدخل عليهم راجل بجلبية ومزمار وواحد يغني على الربابة؟ مستحيل." فتنظر له بابتسامة شقية وتقول: "فيه حاجة لسه ما قلتها." فقال بمرح: "الله يسترك. قالت: بصراحة، آخر أحلامي تزفني لبيتي ((((الفرقة النحاسية) )))" فقال بعدم فهم: "الفرقة النحاسية؟ ده اسم كويس. مين اللي بيقودها؟

فتبتسم أكثر، ليركز في عينيها ويقول: "لأ." تهز رأسها بالإيجاب. فيقول: "مستحيل." تهز رأسها بالإيجاب، فيصرخ: "على جثتي! عايزة فرقة (((((((((((( حسب الله) )))))))))))" مر شهر من أجمل ما يكون بين أحمد وياسمين، والتي انتظمت في دروس الإتيكيت عند مدام فريدة، وجلسات العناية بالبشرة والشعر عند آنسة جينا، وباقي الوقت مع أحمد.

أما وضع الشركة، فقد كان سيئًا. بالرغم من حماس أحمد للعمل، إلا أن وضع الشركة المالي في خطر. فهو ملزم بدفع أقساط إلى أمنية هانم، وملزم بمشروعات لم تكتمل تحتاج إلى رأس مال، وملزم برواتب موظفين عنده. هذا ما دفعه لطلب قرض كبير من البنك بضمان المشروعات، ولكنه لا يعلم أن أمنية هانم لن تتركه في حاله. في الفيلا. دخل الأستاذ شاكر لأمنية هانم وهو يبتسم وقبل يدها وقال: "أنا جيت في ميعادي بالظبط."

فتقول بترحيب: "أهلاً. ياريت تكون عندك أخبار كويسة." فجلس وقال: "وحضرتك متوقعة إيه؟ فترد: "اكيد هتقول عنها ملاك ومثالية، بتساعد الفقراء وبتتبرع بالدم، صح؟ فيضحك شاكر بصوت عالٍ وهو يقدم لها ملفًا ويقول: "طيب، اقرأي الملف ده، وإنتي هتدفعي لي باقي أتعابي. ده إنتي هتدفعي لي مكافأة كمان." فتأخذ منه الملف وتبدأ في قراءته، لتتسع عيونها من الصدمة وتقول: "الكلام اللي في الملف ده صحيح؟ فيرد بثقة: "ميه في الميه." فتضحك بصوت عالٍ

وتقول بارتياح: "هايل." ثم تخرج دفتر الشيكات وتكتب شيكًا بمبلغ خمسة عشر ألف جنيه وتقول: "مكافأة خمسة آلاف جنيه عشان أخبارك الحلوة." ليرحل شاكر وتقف وهي ممسكة بالملف وتقول: "أخيرًا نهايتك على إيدي يا ياسمين." في الأرشيف. تعمل مع زملائها في المكتب ليدخل عليها الفراش بسرعة: "إلحقي يا آنسة ياسمين، أمنية هانم عند أحمد بيه من حوالي نصف ساعة وهما بيتخانقوا وبيزعقوا وصوتهم عالي وواضح أن الموضوع كبير أوي."

فتقول سلمى بقلق: "ربنا يستر. أنا بقيت بخاف من أمنية هانم، وعارفة إن أكيد فيه مصيبة وراها." فتقوم ياسمين مسرعة، فقد أوجعها قلبها، فهي تعلم أن أكيد أحمد محتاجها بجانبه. لتصعد للدور السابع، فتجد حشدًا كبيرًا من الموظفين بجوار المكتب. فتقول بحزم بصوت عالٍ: "كل واحد يروح على مكتبه بسرعة." (فيلتفت الموظفون لبعضهم) "لتكمل بصوت عالٍ: فيه أي حد عنده اعتراض؟

اللي معترض يعرفني بنفسه، وأنا بنفسي هوصله لأحمد بيه، وإنتوا أكيد عارفين الباقي." لينظر كل واحد للآخر ثم يرحلون بالتدريج. فتقول: "مش عايزة أي حد يكون في الطرقة هنا." لتدخل المكتب فتجد السكرتيرة تتصنت عليهم، فتقول لها بحزم: "بره، اطلعي بره المكتب." لتقول السكرتيرة بخوف: "بس يا فندم، أنا... فتقاطعها ياسمين: "اعتبري إنك أخذتي اليوم إجازة. اتفضلي، تعالي بكرة، ولو مش عاجبك، فـ اتفضلي وإنتي مرفودة."

لتأخذ السكرتيرة حقيبتها وتخرج مسرعة. أما ياسمين، فقد جلست على الكرسي بهده، فقد خلعت رداء القوة المزيف، فقد سمعت من بعيد صرخات أمنية هانم وعرفت السبب، فجلست على الكرسي تسمعها تصرخ في أحمد وتقول: "إنت اتجننت وإلا مش حاسس بالمصيبة دي؟ بقولك سفاحة مجرمة قتلت واحد ودخلت السجن، تقول لي: عارف، عارف إيه؟ إن الجوهرة بتاعتك رد سجون." أحمد: "يا أمي، أنا ما يهمني حد، أنا عارف وراضي." فتقول بغضب: "راضي بإيه؟ بالفضيحة؟

عارف لو أي حد من الصحفيين عرف هيعمل إيه؟ سمعتك هتبقى عاملة إزاي؟ الناس هتقول عنا إيه؟ هتقول أحمد بيه خاطب سفاحة ورد سجون." أما ياسمين، فقد اظلمت الدنيا من حولها وهي تسمع كلمات أمنية هانم القاسية، وتسمعها تقول: "شكلك هيبقى عامل إزاي يا راجل الأعمال يا اللي سمعتك راس مالك؟ متوقع إن البنك هيقبل يديك القرض بتاعك؟ متوقع إن رجال الأعمال هيقبلوا يدخلوا معاك في أي مشروع لما يعرفوا الكارثة دي؟ متوقع إن شركتك هيبقى لها اسم؟

لا والله، دي سمعتها هتبقى في التراب زي سمعتك إنت كمان لما تنتشر الفضيحة والناس تعرف بالمجرمة اللي إنت مصر عليها." لتسيل الدموع من عيني ياسمين وتقول: "عندها حق. أنا وجودي كارثة في حياة أحمد. أنا بدمر له شغله وسمعته. هتكون على كل لسان. ذنبه إيه عشان يتحمل ده كله عشاني؟ أنا خلاص لازم أدخل وأنهي كل شيء. لازم أسيب أحمد. أنا عار عليه وعلى كل اللي يعرفني." لتتقدم من الباب، لكنها تقف عندما

تسمع صرخة أحمد العالية: "يا ماما خلاص! ارحميني! ارحميني وسيبيني! أنا عمري ما هسيب ياسمين. عارفة ليه؟ لأن ياسمين أنضف مني مليون مرة. ياسمين بريئة، بريئة وملهاش أي ذنب في حاجة." أمنية هانم بصراخة: "ودخلت السجن ليه وهي بريئة؟ كانت بتزكي عن صحتها؟ وياريت اتحبست. بس دي سمعتها، استغفر الله! تحب تعرف بيقولوا عنها إيه؟

بيقولوا شغالة في عصابة، هي تغري الرجالة والعصابة تسرقهم وتقتلهم، والناس بتقول قتلته عشان ما أخذتش أجرتها بعد ما نام معاها. هي دي الإنسانة اللي بتدافع عنها؟ مجرد بنت ليل ساقطة وسافلة." لتضع ياسمين يدها على فمها لتمنع شهقاتها العالية. فما قالته أمنية هانم أول مرة تسمعه. هل لهذه الدرجة تشوهت سمعتها؟

لهذا السبب رفض عبدالله العودة إلى الحارة حتى لا يعرف أن سمعتي متشوهة وأسمع كلام الناس عني. لهذا السبب اختفت عائلتي بسبب الفضيحة. لتنتبه لصوت أحمد يقول: "دي كلها إشاعات. ياسمين بريئة، أنا متأكد إنها بريئة." لتصرخ فيه وتقول: "كل الأدلة بتقول مجرمة، ليه إنت بس مصر إنها بريئة؟ ليصرخ في هستيريا: "عشان هي ضحيتي أنا! أنا اللي قتلت، مش ياسمين! أنا المجرم! فتقول ياسمين: "ليه يا أحمد؟ عايز تشوه سمعتك وتتهم نفسك عشاني؟

لتسمع أمنية هانم تقول: "إنت أكيد اتجننت. بتتهم نفسك بالتهمة دي بدالها؟ هي أكيد عملت لك غسيل مخ." ليصرخ أحمد: "لأ! أنا ما بتهمش نفسي بالباطل، لأن هيا دي الحقيقة. أنا اللي قتلت! فتمسك ياسمين كرة الباب وتقول: "أنا لازم أنهي المهزلة دي وأسيب أحمد بدل ما يتهم نفسه بالباطل عشاني." لكن يدها تحجرت عندما سمعته يقول: "عارفة يا ماما؟ ياسمين منهمة بقتل مين؟ ياسمين اتسجنت بتهمة قتل عماد الهادي. فكراه يا ماما؟

عماد الهادي المحامي." فتجلس الأم على الكرسي بذهول وتقول: "مين؟ "مستحيل." ليقول بنفس الحدة: "عماد اللي كان عاوز العشرة مليون. فاكرة اليوم اللي أخدت فيه السبعة مليون ورحت عشان أقابله في الجيارة؟ عارفة إيه اللي حصل؟ (لتنظر ياسمين حولها في ضياع وهي تسمع له) ليقول: "لما رحت اتخانقنا وضربته بالسكينة غصب عني، ما كنتش أقصد. ومن حظ ياسمين الوحش إنها كانت في نفس المكان، واتهموها واتحبست. عرفتي ليه ياسمين بريئة؟

لأنها ضحيتي أنا. أنا اللي قتلت، وهي اللي انحبست وخسرت سمعتها وأهلها بسببى أنا." لتقول أمه: "أوعى تقول الكلام... فأوقفها صوت سقطة قوية وارتطام على الأرض. ليخرج أحمد مسرعًا من الغرفة ووراءه أمنية هانم، ليجدوا ياسمين قد دارت الدنيا من حولها، فأظلمت وأنارت واهتزت، لتسقط على الأرض بعيون متسعة تنظر حولها دون القدرة على استيعاب ما سمعته. تنظر حولها دون القدرة على استيعاب ما سمعته.

ليقترب أحمد منها ويقول: "ياسمين، اسمعيني أنا... لتنظر له بذهول وتهز رأسها بالرفض، وقد تشوشت الرؤيا. ليقترب منها محاولًا مسك يدها، لتنتفض بسرعة وتفتح الباب وتجري مسرعة. فحاول أحمد ملاحقتها، لكن منعته أمه، والتي تشبثت بذراعه وهي تشل حركته وتقول: "سيبها يا أحمد تمشي، أحسن لنا ولها." فيصرخ أحمد حتى تسمعه ياسمين، لكن أمه

مازالت متمسكة به وتقول: "لو كنت أعرف إنك متمسك بها عشان ضميرك يرتاح، كنت اديتها فلوس مش خطبتها وعملتها هانم." فيحاول أحمد الهروب من قبضتها، لكنها متمسكة به بشدة، ليقول مثل الأسد الأسير المجروح: "سيبيني يا ماما، أنا لازم ألحقها. مستحيل تسيبني بعد ما سمعت كلامنا. أنا كده دبحتها. سيبيني ألحقها، دي هتموت." أمنية هانم: "أوعي تكرر الكلام ده تاني. لو سألك حد، إحنا ما نعرفش عماد. سامعني؟

فينفض نفسه منها ويسرع بالجري، لعله يلحق بها. في نفس الوقت، اتصلت أمنية هانم بأمن البوابة وسألتهم: "هيا الآنسة ياسمين خرجت من الشركة؟ فأجابها الأمن بالإيجاب. فتقول: "يبقى تقفل البوابات كلها، وامنع أي حد يدخل أو يخرج من الشركة." أما أحمد، وصل لخارج المبنى وركب سيارته واتجه للبوابة ليجدها مغلقة والأمن يمنع دخول أو خروج أحد منها. فينزل من السيارة ويصرخ: "افتحوا البوابات! افتحوا بسرعة!

" وهو يضرب البوابة بيديه وقدميه، ليخاف الحرس منه ويفتحوا البوابات بسرعة، ليركب سيارته ويخرج مسرعًا لعله يلحق بها. تايهة في الشوارع، ظلت تجري وتجري إلى أن أنهكها التعب، لكنها لم تتوقف. دموعها تسيل بشدة، فقد مرت ساعات لا تعرف عددها، تسير في شوارع وطرقات لا تعرف اتجاهها. كل خلية في جسدها تصرخ من شدة الألم، لكن ألم النفس أشد بكثير من ألم الجسم. لا تزال كلمات أحمد تتردد بداخلها: "ده دموع (🙂 أنا اللي قتلت.....

ياسمين ضحيتي...... خسرت سمعتها وأهلها بسببى." تذكرت مرارة موت أبيها وفراق أهلها. تذكرت السجن وظلمته وسوكه وقسوتها. تدفعها جموع الناس في كل اتجاه، وكلمات أحمد السامة تفتك بقلبها. فتصرخ وهي تغلق أذنيها بيديها. فتجمع حولها الناس، وحاول البعض تهدئتها، والبعض خاف منها، لكنها تركت الكل وعادت تسير في الشوارع وتحدث نفسها: "عرفت ليه أصر الأستاذ عبدالله إن أخضع لفحص العذرية، وأكد لي ضرورة الفحص ده للمحكمة؟

لتقول بألم: "كنت حزينة وأنا أراه يعرض شهادة العذرية في المحكمة، لكنى متأكدة دلوقتي إنه عرضها على أهل الحارة، عرضها على جيراني وأهلي اللي ظنوا فيا السوء. أكيد أمي وإخواتي سابوا الحارة من كلام الناس عني. أمي متحملتش طعنهم ليا في شرفي." لتضع يديها على رأسها وتصرخ بكل قوتها: "آآآآه يااااااااامااااااا! الناس ينظرون لها بشفقة.

لتجلس على الرصيف وتسند رأسها على عمود الكهرباء. وفجأة، توقفت الدنيا من حولها واختفى الجميع وساد الكون هدوء غريب، وهي تراها. إنها هي فعلًا سر عذابها وسبب آلامها، إنها جنونها ونارها. أمها. نعم، أمها. حبيبة تسير في الناحية الأخرى، ترتدي نفس عباءتها السوداء وتضع على رأسها حجابها الأسود، وتحمل على ذراعها أختها الصغيرة آية، ويسير بجوارها إخوتها محمد ومها يحملون حقيبة كبيرة يرفعونها معًا.

مسحت الدموع من عينيها وقامت مسرعة، تحاول أن تنادي عليهم، لكن صوتها ضعيف مبحوح من كثرة البكاء. وقد ارتفعت الأصوات من حولها، لتجري وسط الزحام وعيونها تتابعهم خوفًا من أن يضيعوا منها بعد أن وجدهم، وتنادي عليهم بصوتها الضعيف. لتراهم من بعيد يدخلون بوابة، فأسرعت ورائهم لتدخل من نفس البوابة، لتجدها محطة قطارات.

فتلفتت بسرعة لترى أمها وإخوتها يصعدون السلم ويتجهون لرصيف القطارات. عرفت الآن لماذا لم تجدهم الفترة السابقة، لأنهم يعيشون خارج القاهرة. ستذهب معهم في أي مكان ولن تتركهم أبدًا. فجريت تلحق بهم، لتراهم يركبون أحد القطارات. فأسرعت لتدخل ورائهم وهي تنادي، ليضيع صوتها بين زحمة الناس وصوت القطارات، وتبحث عنهم بين الركاب بلهفة، وتتلفت وتنادي، فلم تجدهم في هذه العربة. فانتقتت لعربة أخرى وهي تنادي وتفتش عليهم بين الركاب، إلى أن رأتهم جالسين في ركن بعيد، فأسرعت لها وقالت بصوت

مبحوح وعيون مليئة بالدموع: "يا ماما، أنا ياسمين يا ماما، وحش... لتلتفت لها المرأة وتراها ياسمين عن قرب، لتصدم. من هذه المرأة؟ إنها سمراء بعيون سوداء، ليست أمها، حتى الأطفال فمعها ثلاثة أولاد ذكور. ما هذا الجنون؟ أين أمها؟ أين أخوتها؟ أين آية ومحمد ومها؟ كانت ياسمين مثل المجنونة تفتش عن إخوتها بينهم وهي تنادي، ليخاف الصبية منها، لتمسك المرأة من ملابسها وتصرخ فيها: "فين أمي؟ فين ماما؟

فتقول المرأة: "إنتِ مين وعايزة مني إيه؟ سبيني، خوفتي العيال." لتصرخ ياسمين: "فين أمي؟ راحت فين؟ إنتِ خبّيتي أمي عني؟ عايزة ماما، أنا عايزة ماما يا ماما، يا ماما! لتفقد السيطرة على أعصابها، وضغط اليوم كله يتجمع عليها، لبدأ في صفع وجهها بيديها وهي تصرخ وتقفز بهستيريا شديدة، وقد تجمع حولها الركاب ويحاولون منعها عن ضرب نفسها، لكنها كانت هائجة وفقدت السيطرة على نفسها، تضرب نفسها وتنادي: "ماما، ماما، أنا عايزة م...

" لتفقد وعيها وتسقط على الأرض. فيقوم بعض الرجال بحملها، لكن أوقف الجميع صوت قوي حازم من إحدى الراكبات، وقالت بلهجتها الصعيدية الحازمة: "إياك حد يمس البت." ليتوقف الجميع في دهشة. وهي تزيل الناس عن طريقها وتقول: "بعد يدك يا ولد، كتر خيركم." وأشارت بيدها لبعض الراكبات وقالت بحزم: "ما فيش راجل يمد يده، إحنا اللي هنحملها وهنفوجها. كل واحد يرجع مكانه عشان تعرف تاخد نفسها."

ليقم الراكبات بإطاعة المرأة، ليحملوا معها ياسمين، وتضعها المرأة على الكرسي، وتقوم راكبة بإخراج زجاجة مياه من حقيبتها وترش القليل على وجه ياسمين، لعلها تفوق، لكنها لازالت فاقدة الوعي. لتقوم أخرى بفتح أزرار بلوزتها لتدلك صدرها، لعلها تسترد وعيها، غافلة عن العيون المترصدة التي تعشق سرقة النظرات لما كشف من جسد ياسمين. فتنظر الحاجة فوزية إلى ابنها الواقف بعيد، فتنادي: "جاسر!

فيقترب جاسر منها ويعطيهم ظهره ليغطي بجسده على ياسمين والنساء، ويعطي نظرات من نار للرجال القريبين، فيخاف أصحاب النظرات الغير شريفة منه. ويا للعجب، خافوا من رجل مثلهم ولم يخافوا من الله، وهو العالم بما في نفوسهم. لتأتي امرأة ومعها زجاجة عطر وتقربه من أنف ياسمين، حتى بدأت أخيرًا في الاستجابة، لتفتح عيونها وتنظر حولها، لتري وجوهًا لا تعرفها. كانت عيونها مفتوحة، لكن عقلها غائب.

الحاجة فوزية: "حمدًا لله على سلامتك يا بتي. إنتِ مليحة؟ ردي عليا يا بتي، كيفك وكيف حالك زينة؟ فتنظر لها ياسمين وتقول: "أنا عايزة ماما." الحاجة فوزية: "مالك يا بتي؟ ياسمين: "أنا عايزة ماما." الحاجة فوزية: "لا حول ولا قوة إلا بالله." (فقد علمت الحاجة فوزية أن البنت ليست بوعيها، فحمدت الله أنها قامت على الفور ومنعت الرجال عنها) لتحاول الحاجة فوزية تهدئتها وهي تغصبها على

شرب بعض الماء وهي تسايرها: "اشربي يا بتي، اشربي، الله يهديكِ." فيقول ابنها جاسر: "لا حول ولا قوة إلا بالله. هتعملي إيه يا أمي؟ فتقول بضيق: "ما خبرش يا ولدي، بس البت أكيد معاها حد في الجطر (القطار) لترفع صوتها القوي حتى يسمعه كل من في العربة: "فيه حد يعرف البنية دي؟ فيلتفت البعض حولهم، لعل أحد يجيب، ولكن بلا فائدة. لتقول ياسمين: "أنا عايزة ماما." لتقول

الحاجة فوزية بقلة حيلة: "يا چاسر يا ولدي، اسأل الناس في العربات التانية، يمكن حد بيدور عليها." فيقول جاسر بضيق: "وع أسأل الناس كمان." فتقول باستعطاف: "البت ما دريناش بحالها، عشان خاطري يا ولدي." فيقوم جاسر مضطرًا يسأل الناس عنها في بعض العربات، ليعود مرة أخرى لأمه ويقول: "ما فيش حد بيدور عليها." بينما تنظر له ياسمين بضياع وتقول: "أنا عايزة ماما." فتحايلها

الحاجة فوزية وكأنها طفلة: "حاضر يا بتي، من عنيا، عأوديكِ لأمك." ليقوم من آخر العربة رجل يقترب منهم وينظر لوجه ياسمين ثم يقول: "هو إنتِ؟ حرام عليكي! إيه اللي جابك هنا؟ فتقول الحاجة فوزية بأمل: "تعرفها يا ولدي؟ فيقول: "طبعًا، دي تبقى (( صفاء) ) من بلدنا." (فتنظر له الحاجة بتشكيك) فيكمل الرجل ببعض الثقة: "أصل أمها يا عيني ماتت من أربع شهور، فجالها لطف بعيد عنكم." (وأشار بيده علامة الجنون ليكمل حكايته ويقول)

: "وكل شوية نلاقيها في الشوارع تنادي على أمها." لتقول ياسمين: "أنا عايزة ماما." فيبتسم بثقة، فقد أكدت له بجملتها صدق كلامه. لتقول الحاجة فوزية: "يعني تعرف أهلها يا ولدي؟ فيقول بتأكيد: "طبعًا، دي من بلدنا، وأنا بنفسي هوديها بيت أبوها."

ليأخذها من ذراعها ويسحبها معه، ويجلسها بجواره ويلتصق بها، وهو يحاول منع ابتسامته عن الظهور، فهذه أسهل طريقة حصل فيها على فتاة لن تكلفه شيئًا ولن تطالبه بمال مثل فتيات الليل. لا يحتاج إلا أن يأخذها تحت أي كوبري أو إلى الحقول البعيدة عن العمران، أو حتى للمقابر، المهم أن تكون المنطقة خالية حتى يستمتع بها بمزاج، وبعد أن ينتهي منها، لا يحتاج إلا أن يعود لمحطة القطارات ويركب القطار التالي ويعود لبلده. فحتى لو وجدها الناس، فلن يعرفه أحد، وحالتها ستساعده كثيرًا، فحتى لو عاد لها وعيها، فلن تذكره.

شعر بنشوة كبيرة، فمد يده يتلمس جسدها. أما ياسمين، وإن كانت غائبة عن الوعي، إلا أن جسدها يفرّ ويشمئز من هذه اللمسات المنتهكة لحرمته. فتلملمت منه وقالت: "أنا عايزة ماما." فيضحك بصوت عالٍ ويقول بوقاحة: "دي ماما هتدعيلي النهارده." على الجانب الآخر، كانت الحاجة فوزية تتلفت كل فترة تنظر في اتجاه ياسمين والرجل الملتصق بها. فيقول جاسر: "مالك يا أمه؟ فتلتفت ناحية ياسمين وتقول: "ما ارتحتش يا ولدي، جَلبي (قلبي) مش مرتاح."

جاسر: "ليه يا أمه؟ البت وهتروح مع الراجل لأهلها؟ فتتنهد الحاجة فوزية وتقول: "ربنا يستر يا ولدي." فيمر بعض الوقت، فتقوم الحاجة فوزية من مكانها وتقول: "ما أستحملش يا ولدي." لتقف أمام الرجل وبسرعة تسحب ياسمين من جواره. فيقول الرجل بسرعة: "فيه إيه يا حاجة؟ أخدتي البت ليه؟ هو أنا مش قلت هروحها؟ فتقول الحاجة فوزية: "عارفة يا ولدي." فيقول: "طيب ليه خدتيها؟ هاتيها، أنا هنزل المحطة الجاية." فتقول: "ماهو أنا وولدي هننزل معاك."

فيقول بخوف: "ليه يا حاجة؟ هيا دي محطتك؟ فتقول: "لأ يا ولدي، بس ع أنزل معاك." فيقول: "ليه بس؟ فتقول: "هتستلمها بس مش هنا. هأسلمهالك في نقطة القطر ((المقصود به مكتب الشرطة الموجود في كل محطة) )." فيقول بخوف: "ليه بس؟ المحاضر والشوشرة؟ ماهو أنا هوصلها من غير محاضر و... فتقول: "دي أمانة يا ولدي، وما ارتاحش إلا لما نكتب المحضر، وإنت خايف ليه؟ كلها خمس دقايق بس تمضي ع التعهد وتتوكل." فيصيبه الحقد على هذه الصعيدية

الماكرة ويقول بمكابرة: "وماله؟ هو أنا هاخاف يعني؟ فتقول الحاجة فوزية: "القطر بجيله عشر دقايق ويوصل المحطة، يالا يا چاسر يا ولدي." ليقوم جاسر بضيق، وقبل أن ينطق، تفاجأ هو وجميع الركاب بالرجل يقفز من القطار قبل أن يدخل المحطة. ليضرب جاسر كفًا بكف بعد هروب الرجل، ويشاركه الجميع الدهشة بعد أن عرفوا أنه كاذب وأدركوا سوء نيته. فيقول جاسر بدهشة: "كيف عرفتي إنه ملاوع ونيته مش زينة؟ فتسحب الحاجة فوزية

ياسمين من ذراعها وتقول: "ما عرفش يا ولدي، بس جلبي ما ارتاحش إلا دلوجتي." فتقول ياسمين: "أنا عايزة ماما." فتبتسم الحاجة فوزية وتقول: "الظاهر أمك ع تدعيلك بالستر، عشان كده ربنا مفضحكيش." ليجلس جاسر وتجلس أمه وهي تحتضن ياسمين، ويسألها جاسر: "طيب، هنعمل إيه بيها؟ فترد عليه: "لما نوصل لمحطتنا، هنكتب المحضر في النقطة، وبعديها ناخدها معانا طوالي. البت دي مش وش بهدلة، وربنا بعتنا في سكتها عشان نحميها." وبعد عدة ساعات،

أيقظتها الحاجة فوزية: "يالا يا بتي، وصلنا خلاص." فتفتح ياسمين عيونها وتنظر بضياع وتقول: "أنا عايزة ماما." فتبتسم الحاجة فوزية وتقول: "اسم الله عليكي يا بتي، تعالي معايا. يالا يا چاسر، اسبقنا وإحنا وراك." فيتقدمهم جاسر بطوله الفارع، ليخرج من القطار ووراءه أمه وياسمين، ليدخلا المحطة وقد انتصف الليل. ليقول لأمه: "استنوا هنا، هدخل أنا الأول أعرف الظابط، وبعديها تدخلي مع الغريبة نعمل المحضر."

الحاجة فوزية: "اتوكل يا ولدي، في أمان الله." ليدخل جاسر، في حين سحبت الحاجة فوزية ياسمين وأجلستها على أحد الكراسي وجلست بجوارها تنتظر خروج جاسر. لتسمع صوت هاتفها المح

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...