الفصل 7 | من 17 فصل

رواية اليمامة و الطاووس الفصل السابع 7 - بقلم منى الفولي

المشاهدات
22
كلمة
5,034
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

بهت ياسر من السرعة التي تجري بها الأمور، خاصة وهو يشعر بذلك الألم يعتصر قلبه، فتهور كعادته ليقبض على يد سلوى، قائلاً باندفاع: "لا يا سلوى استني." نزعت يدها منه بمرح: "أوعى تقولي أبلغها أنا، إحنا صعيدة يا حبيبي والحال المايل ميعجبناش، وملناش في الدلع ده، [متطلعة لغرفة نجوى بخبث] ولو إنه باين أنها مبقيتش محتاجة حد يبلغها."

ترك يدها وهو يبتسم ابتسامة باهتة، ولكنه لم يستطع الاعتراض وزيادة جرح تلك المتلصصة، حتى لو ازداد ألم قلبه، ليتابع دخول سلوى لغرفة شقيقتها، لتزداد معاناته وهو يستمع لهمس شقيقه ذا المغزى: "هما دول بنات الأصول بجد، اللي توافق بظروفك عشان شاريك، مش عشان توفر لأهلها، بس لو إنت اللي هتغرم تبقى عايزة تدفعك دم قلبك وياريته في الآخر طمر."

على الرغم من أن كلمات شقيقه تبدو بمحلها، ولكن رغم ذلك انتفض قلبه ثائراً لساكنته، ليجد نفسه ينسحب غاضباً منصرفاً لمحراب حبهما الذي هجرته، يتطلع لكل ركن بعشهم لا يتخيل أن تشاركه فيه غيرها، فمابال بأن يجبر أن تشاركه فيه ما لم يراها يوماً سوى أخت وصديقة طفولة، ولكن بقدر اشتياقه لها سخطه عليها، فهي من باعته بسبب أوهامها والآن ستدمر حياته هو ونجوى ثمناً لرعونتها وسوء فعلها.

اشتد ألم قلبه الذي يتنازعه حنينه إليها وسخطه عليها، فعالت صرخاته وهو يحطم كل ما طالته يداه، لينهار فجأة باكياً، يهذي بسباب مختلطاً بمناجاته: "منك لله يا دعاء، منك لله، وحشتيني قوي يا حبيبتي، وحشتيني." -بعد مرور شهر بشقة ياسين فغر ياسر فاهه بصدمة وهو يتطلع لتلك الدعوة بيده، هو يغمغم بخفوت: "إيه دي." لتجيبه سلوى ببساطة: "دعوة فرحكم، إيه رأيك شيك قوي." صاح بانفعال:

"فرح إيه وبتاع إيه، إنتوا حجزتم إزاي وإمتى، وكمان حددتم الميعاد وجايين تبلغوني." نظرت له نجوى بقهر، ثم فرت لغرفتها مهرولة دون أن تتفوه ببنت شفاة، لتلتفت له سلوى مقرعة: "عجبك كده." حاول التماسك، فخرج صوته متهدج من الانفعال: "إنتوا اللي بتفكروا إزاي، مين قال إني هاعمل فرح، وإزاي لاقيتي حجز في مكان زي ده في وقت ضيق زي ده." انفلتت أعصاب سلوى فصاحت به موبخة:

"حرام عليك يا أخي بقى كفاية كده، مش كفاية إنك شيلت إيدك من كل الترتيبات وقلت اعملوا اللي إنتوا عايزينه، جاي تعترض على إيه دلوقتي." بهت من انفعال سلوى المفاجئ، فتمتم بخفوت: "في إيه يا سلوى مالك، قلبتي مرة واحدة." انتفضت بغضب وهي تلقي بالدعوات فوق الطاولة صائحة: "عشان زهقت، وقلبي وجعني على أختي ونصيبها الأسود." حمحم بحرج، محاولاً تهدئتها: "كل ده عشان قلت مش عايز فرح." لوحت بيدها أمام وجهه هادرة بغضب:

"لا عشان هي خسرت كل حاجة بسببك إنت والهانم، الكلية اللي حلمت بيها، طارت بسببكم، كتب الكتاب كان سكيتي وكأنها عاملة عاملة، وحتى الجواز، هتتجوز واحد سبق له الجواز وطليقته حامل، وبعد ده كله مستكتر إني أعمل للغلبانة دي حاجة تفرحها، [ممسكة بدعوى الفرح تنوي تمزيقها] أقولك يا ياسر بلاه الفرح وبلاها الجوازة كلها، وطظ في كلام الناس، اللي يكسر فرحة أختي، ويدفنها مع واحد مش طايقها."

قبض على الدعوى بيدها يمنعها من تمزيقها، وقد ألمته كلماتها، وذكرته بمدى الأذى الذي تعرضت له تلك الصغيرة بسببه وبسبب حبيبته الغادرة، فأردف معتذراً بخزي: "آسف والله يا ساسو ما قصدتش، أنا بس اتفاجئت ومتخيلتش تلاقوا حجز في مكان راقي زي ده بالسرعة دي." ابتسمت بمرارة، وهي تهمس بقهر: "ربنا حنين، وحب يفرحها ويعوضها القهرة اللي هي فيها." وضع الدعوات بمكانها وهو يغمغم باعتذار:

"أنا آسف يا ساسو، اعملوا كل اللي يفرحها، وأنا أوعدك إني أنا كمان هاحاول أعوضها عن أي أذى حصلها بسببي." تحرك باتجاه الخروج منكس الرأس، لتستوقفه كلماتها الكارثية بالنسبة له: "على فكرة متستغربش لما ترجع شقتك ومتلاقيش حاجة دعاء." التفت إليها بصدمة، مغمغماً بذهول: "ليه حاجتها راحت فين." أجابته سلوى ببساطة: "اتصلوا بأخوك وهو اتكلم معاهم، وهو اللي خلا أم سليمان تلم الحاجة ووداها لهم." هتف بحدة وهو يلوح بيده بعصبية،

وقد تلبسته شياطين الغضب: "ده على أساس إني خيال مآتة، إزاي ياخد خطوة زي دي من غير ما يقولي، إزاي يلغيني كده." ضغطت على حروف كلماتها بلهجة ذات مغزى: "مش بيلغيك يا ياسر، بس تقدر تقول خاف عليك من الصدمة وحرقة الدم." تمتم بتوتر من ما وراء كلماتها: "ليه هما قالوا إيه." حركت كتفيها بلا مبالاة، وهي تردف بغموض:

"مش مهم، المهم إن أخوك وقف طمعهم عند حد، وفهمهم بالذوق إن ملهمش غير الحاجة اللي كانوا جايبنها، لأنك إنت اللي مجهز ومكنتش ماضي على قايمة، وكمان نزل من المبلغ اللي طلبوه، وبعتهولهم مع حاجتها، وقالهم إنه هيوصلهم مبلغ أول كل شهر، لحد ما تقوم بالسلامة وساعتها يحلها ربنا."

غص حلقه ووغزه قلبه بشدة، لا يصدق أن كل ما يهمها واتصلت من أجله هو الماديات، بينما هو يحترق يومياً بنار شوقه إليها، لم يجد بنفسه أي قدرة على الحديث، فأومأ برأسه موافقاً وهو يتحرك بتثاقل تجاه شقته، يجر قدميه جراً، لا يصدق أن محبوبته التي عشقها بهذه القسوة والجحود.

-دلف لشقتته بنفس التثاقل ليلقي بجسده المنهك على أقرب مقعد قابله، يسترجع كل لمحة وذكرى لهما سوياً، لم يعرفها يوماً مادية مستغلة، فهل غيرها انتقالها لمستوى مادي أعلى أم أنها كانت هكذا ولكن غشاوة الحب أعمت عينيه.

تعلقت عيناه باتجاه غرفة نومهما، لا يستطيع أن يتخيل أن يدلف إليها فلا يجد أغراضها بها، بل كلها أياماً معدودة وتحتل غيرها مكانها، تمحو شذاها الذي أصبح أوكسجينه الذي يحيا على تنفسه منذ رحيلها، ألمته مجرد الفكرة فتحامل على نفسه لينهض متجهاً للغرفة، ورغم معرفته بالأمر ولكن هاله خلوها من أي أثر لمحبوبته، شاعراً بالاختناق بعدما خلى المكان من متعلقاتها، فاقترب من الفراش يتحسس جانبها منه، وهو يدفن وجهه بوسادتها يتلمس أي من عبقها، وقد تيقن بأن الأمر أصعب مما تخيل مئات المرات.

-بعد عدة أيام وقفت سلوى أمام باب شقتها المفتوح، تتطلع بصدمة لهولاء العمال ينقلون تلك الغرفة العصرية لشقة ياسر، تمتمت متعجبة: "فجأة كده، ووديت أوضتك فين." غمغم باضطراب: "إيه رأيك في المفاجأة دي، [بفرحة مصطنعة] مش قولتك هاعمل كل حاجة ممكن تفرح نجوى." قضبت حاجبيها بحيرة: "تسلم يا يويو، بس برضو إزاي مشفتكش وأنت بتنزل الأوضة القديمة، امال إنت ودتها فين؟ تحمحم ياسر بارتباك:

"أنا اتصلت بجمعية خيرية جم خدوها، بس جم بدري عشان كده محستيش بيهم." تفحصته سلوى بشك: "ربنا يجعله بميزان حسناتك يا قلبي." ارتبك ياسر من نظراتها المتفحصة، فاتجه لشقته محاولاً التهرب منها وهو يصيح باستياء: "براحة يا رجالة الأوضة هتتجرح." تبعته بنظرها بحيرة وهي تشعر بأنه يخفي أمراً ما. -مساء اليوم بشقة ياسين

بعد سهرة تعتبر سعيدة للبعض وعبء ثقيل على آخر، ناقشوا فيها استعداداتهم للأيام القادمة التي تفصلهم عن الزفاف، استأذنهم ياسر في العودة لشقته. نهض ياسر عن مقعده وهو يلقي تحيته بروتينية: "طيب يا جماعة تصبحوا على خير." اعترض ياسين بهدوء: "رايح فين، بات الكام يوم اللي باقيين هنا، [مشاكساً] مينفعش تفتتح الأوضة الجديدة لوحدك يا بتاع المفاجأت." ابتسم بمجاملة وهو يحاول مجاراة شقيقه:

"لا متخافش محدش هيفتتح الأوضة غير العروسة، أنا هانام في أوضة الأطفال." ابتسمت سلوى برضا: "وليه يا يويو ما تبات هنا وخلاص." متحركاً باتجاه الباب، رافضاً العرض بحسم: "لا طبعاً ميصحش، الوضع مش مقبول حتى لو مكتوب كتابنا، تصبحوا على خير."

ردوا تحيته، فخرج من شقتهم متنفساً الصعداء وكأن صحبتهم كانت حملاً ثقيلاً، توجه لشقته ولكن لم يدلفها بل اكتفى بفتح الباب وغلقه مصدراً ذلك الصوت الدال على فتحه، ليقف مكانه لبرهة وحين تأكد من عدم اتباع أحدهم له، تحرك بخفة تجاه الدرج، متجاهلاً المصعد، ليهبط بحذر محاولاً ألا يصدر عنه أدنى صوت، لينقبض صدره وتصدره عنه آهة ألم عندما وصل لذلك الموضع الذي عثر عليها به مخضبة بالدماء، ولكنه انتزع نفسه من الذكرى الأليمة وهو يتابع

الهبوط حتى وصل لذلك الدور الذي يحوي عيادة أخيه، فتجاهلها متجهاً لتلك الشقة المجاورة لها، حيث ساوى والده بينه وبين شقيقه، فترك لكل منهما شقة للسكن وأخرى للعمل وأن كان مات دون أن يعلم بأي كلية سيلتحق صغيره، وها هي هبة أبيه تنفعه، لا في مجال عمله، ولكن كصومعة للذكريات، فتح الباب، ودلف لإحدى الغرف حيث احتلتها غرفة نومه القديمة، ليأخذ شهيقاً قوياً، وكأنه في تلك اللحظة فقط عاد للتنفس.

-بعد عدة أيام، بحفل الزفاف

جلس ياسر ببرود، يفتعل الابتسام من وقت لآخر رداً على تهنئة أحدهم، وهو ينظر لنجوى التي ترقص بكل حماس وسعادة بوسط رفيقاتها، مندهشاً من انسجامها الكامل وسعادتها الطاغية وكأنها عروس حقيقية تزف لحب حياتها، ولكن رغم اندهاشه كان شاكراً أنه قد فك أسره أخيراً، فمنذ بداية الحفل وهو مضطر لمجاراتها بالرقص وكلما ظهر على ملامحه خبايا نفسه من بؤس وقنوط، حاصرته نظرات سلوى اللائمة المتهمة له بإفساد مخططهم في إشعار مدعويهم بطبيعية سير

الأمور علاوة على إفساد فرحة شقيقتها التي تخرج من حزنها لأول مرة منذ ما حدث، وكان لالتفاف رفيقاتها حولها يوددن مشاركتها فرحتها الفضل للسماح له بالانسحاب بعيداً لالتقاط الأنفاس، ولكن لم تدم راحته طويلاً، وسرعان ما تقدم بعض الشباب لسحبه لمشاركتهم الرقص مرة أخرى.

تقافزته أيدي كثيراً صعوداً وهبوطاً كأنه غريق تتقاذفه الأمواج، ليجد نفسه أخيراً وقد رسى بحضن سحابة بيضاء ناعمة، انفصل عن الواقع وهو يتخيل تلك التي بحضنه هي محبوبته، وأن ذلك الحفل هو عرسهما الذي حرم نفسه منه لاعتبارات واهية لم يكن يوالي بها اهتماماً لو كانت بأحضانه، ولو التهم ضيوفها الصحون عوضاً عن الطعام، حاول التشبث بحلمه حتى لا تضيع منه ثانية، فشدد من احتضانها وهو يرفعها عن الأرض ليدور بها عدة دورات سريعة، ليقف فجأة

مترنحاً مقترباً من شفتيها الكرزية، ليروي عطشاً طال مداه، فارتفعت الصيحات المشجعة الفرحة، لينتبه لما كاد يفعله وأن من بين يديه إنما هي نجوى، لا محبوبته الذي يطارده طيفها حتى بعرسه على غيرها، فرفع وجهه بسرعة مستبدلاً القبلة الحميمة المنشودة، بأخرى على جبينها، لترتفع الصيحات المتذمرة، ليبتسم مرتبكاً متصنعاً الرغبة بعدم إحراجها، وهو يكذب عينيه برؤية تلك الرغبة بعينيها.

-مساءاً، أمام شقة ياسر وقفت سلوى باكية، تحتضن شقيقتها بفستان زفافها وهي توصي ياسر عليها، بينما ياسين يجذبها إليه محاولاً تخليص نجوى من أحضانها، بينما ياسر يقف جامداً يشاهد الجميع وكأن الأمر لا يعنيه. احتضانها ياسين بعدما استطاع تفريقهما، ليردف بمرح: "حرام عليكي بقى، فعصتي البنت، [مشاكساً شقيقه] خد عروستك وأهرب يا عريس دي مش هتخليك تتهنى على فرحك، ولا تاخد فرصتك."

علت وجه ياسر ابتسامة مرسومة، وهو يتحرك ببطء فاتحاً باب شقته ليخطو لداخلها وهو مازال ممسكاً بابها، داعياً نجوى للدخول، لتنظر هي لشقيقتها بدهشة، فتبتسم لها الأخيرة مشجعة، فتزفر نجوى بتوتر وهي تلبي دعوته، فيحييهم مغلقاً بابه على دنياه الجديدة، دنيا غير راغب بها ولا يعلم هل سيستطيع تقبلها أم سيظلم نجوى مرة أخرى. -بعد عدة ساعات

تمدد ياسر بحوض الاستحمام، لا يصدق ما قام به منذ ساعات، لقد وضع عدة احتمالات ليوم زفافهما، منها أن ترفضه هي نهائياً وتصر على أن زواجهما صوري حتى تنسى الناس ما أثير من أقاويل فيتطلقا، أو ربما أن تطلب منه مهلة ليتقاربا فيها حتى يستطيعا ممارسة حياتهما كزوجين، حتى أنه من طرح تلك الفكرة الأخيرة خشية أن تخجل من طرحها، ليُفاجأ بها ترفضها بل و تتصرف كعروس أكثر من مرحبة بقربه، حتى أنها تقريباً من طلبت ذلك بشكل مستتر حياءاً،

وحاصرته بغنجها وأنوثتها حتى لبى مطلبها ضعفاً وحرجاً؛ ضعفاً كرجل طبيعي أمام أنثى تحل له تتقرب منه بكل أسلحة أنوثتها، وحرجاً من أن يردها فيزيد من جراحها منه جرح الرفض والنفور خاصة وأنها لم تطلب سوى حقها ولا ذنب لها أنه يستصعب ذلك الحق، تذكر توددها إليه فعادت كلمات دعاء المتشككة عن نظرة نجوى له تطن بأذنيه، ولكنه طرد تلك الهواجس وهو يؤكد لنفسه أن الأمر خطأه هو، فمنذ قرار زواجهما غاصت هي بكل كيانها بدوامة الإعدادات حتى

تقبلت الأمر واستطاعت بشكل تدريجي أن تستبدل صورته كأخ بصورته كخطيب وزوج مستقبلي، ساعدها في ذلك خلو قلبها من سواه، بينما هو قد نأى بنفسه عن التفكير بالأمر وكأن عدم التفكير به سيحول دون وقوعه، ليصدم الآن على هذا النحو بوضعهما الجديد، خاصة ومازال قلبه مشغولاً بغيرها، لا يقبل سوى محبوبته بديلاً حتى لو كانت تلك المحبوبة هي من أوصلته لهذا الوضع الشائك.

-بعد مرور أسبوع، بشقة ياسر تمددت نجوى فوق الفرش تتطلع بسخط لذلك الذي يرتدي ملابسه استعداداً للذهاب، لتتبرم بضيق: "يعني كان هيحصل إيه لو أجلت الموضوع أسبوع ولا أسبوعين." حاول التهرب فافتعل الضيق وهو يعاتبها: "ده بدل ما تشجعيني، عشان أبدأ حياتي وأهتم بمستقبلي." نجحت محاولته، فاندفعت تبرر موقفها:

"لا والله أنا بس مش شايفة إن في فرق، ما بين دلوقتي وكام أسبوع، أونكل شوقي عمره ما هيعترض خصوصاً وهو عارف إننا لسه متجوزين من أسبوع." أغلق باب النقاش وهو يردف بحسم: "أيوه بس مش معنى كده إني أحرجه وأكسل من أولها، وخصوصاً إن شغلانة في بنك زي ده ألف غيري يتمناها، يبقى أقل حاجة أعملها إني أهتم وأجتهد." غمغمت بلا اقتناع وببسمة زائفة: "ربنا يوفقك يا حبيبي."

رغم معرفته بعدم تصديقها له، وأنها رضخت للأمر الواقع لا غير، ألا أنه اقترب يقبل وجنتها وهو يودعها بفتور: "سلام يا قلبي، أنا لسه مش عارف هارجع من البنك إمتى؛ فاتغدى أنت مع الجماعة لحد ما أظبط أموري." وأسرع يهرول من أمامها، متلهفاً للمرور على صومعته قبل الذهاب، وقد قتلته الحنين لشذى محبوبته وذكراها. -بعد مرور شهران على مائدة الغداء بمنزل ياسر جلسا يتناولان طعامهما بسكون، حاولت نجوى إنهاءه، وهي تتساءل بتودد:

"إيه رأيك مش هنا أحسن." ابتسم بمجاملة: "اللي يريحك، هنا وهنا واحد." استاءت من رده، فاعترضت متدللة: "ياسلام، يعني مفيش فرق إننا نتغدى معاهم، وإننا نحس بخصوصيتنا ونبقى على حريتنا في شقتنا."

أحيت كلماتها فكرة راودته منذ اقترحت أن يتناول الطعام بشقتهما، لما حرم نفسه هذه المتعة مع من أحب، وهل يستحق اتكاله على غيره أن يحرم نفسه تلك اللحظات الحميمة، يعلم أنه وقتها رأى أن الأمر يستحق ولكنه الآن نادم أشد الندم، يتمنى لو استجاب لها واكتفى بدخله لإعالتهما، وتمتع بتلك الخصوصية التي حرمت منها بسبب تواكله، متسائلاً هل كان وقتها سيجلس جامداً كما يجلس الآن، بالطبع لا فهما كانا يملآن الدنيا صخباً ولهواً وهما يتناولان الطعام الخفيف أثناء سهرهما لمشاهدة التلفاز، كما أنه كان يشاكسها كثيراً أثناء غدائهما لدى أخيه فماذا لو كانا بمفرديهما.

انتزعه من أفكاره ذلك الضجيج الصادر من اصطدام أدوات الطعام بطبقها بعنف وهي تنظر بضيق لشروده الذي تعلم سببه جيداً، بينما الدموع تحتبس بعينيها، حاول أن يتفوه بأي شيئ يطيب خاطرها فوقف عاجزاً، لتهرول من أمامه فارّة لغرفتها وقد سكن القهر عينيها. زفر بضيق وهو يلقي بملعقته على المائدة وقد فقد شهيته تماماً. -بعد مرور شهر بشقة ياسين عقدت سلوى حاجبيها مستنكرة: "طيب وأيه لازمته." ابتسم وهو يردف بهدوء:

"بس فرصة كويسة جداً، أنا محتاجها." تساءل ياسين باهتمام: "إنت محتاج فلوس يا ياسر." تنحنح ياسر بحرج، وهو يغمغم: "لا مش حكاية فلوس، الحمد لله مرتب البنك كويس ده غير الإيجار، أنا قصدي إن الشغل في مكتب محاسبة كبير زي ده هيفيدني كتير ويديني خبرة." تبرمت نجوى متذمرة: "بس ده كتير عليك أو يا ياسر." قرر ألا يسمح لأحد بإدارة حياته مرة أخرى، كما أنه وجد بكثرة العمل مهرباً مما يعانيه، فقال بحزم:

"مش كتير ولا حاجة، أنا في بداية حياتي وطبيعي إني أتعب دلوقتي عشان أرتاح بعدين، [نهض منهياً الحوار] لو حابة تساهري يا نوجا خليكي، أنا هدخل أنام عشان عندي شغل الصبح، تصبحوا على خير." -بعد عدة أسابيع، خارج أسوار الجامعة.

جلس ياسر داخل سيارته، بنفس المكان الذي اعتاد مراقبتها منه قبل زواجهما، ينتظر خروجها باشتياق بموعده الأسبوعي، فهو منذ بداية العام الدراسي لم يستطع كبح شوقه لها، فتحصل على جدول محاضراتها ليجد أنه يوجد يوم يتوافق موعد إنهاء محاضراتها مع موعد إنتهاء عمله بالبنك، فهيأ ظروفه لينتظرها بهذا اليوم متتبعاً لها كما الأيام الخوالي، ليكتمل يومه بجلسة مطولة بصومعته، بعدما استبدل إجازته الأسبوعية بمكتب المحاسبة بهذا اليوم دون علم أحد، ليصبح هذا الموعد الأسبوعي زاده منها يقتات عليه طوال الأسبوع حتى الموعد التالي، وها هو بانتظارها كالمعتاد.

لم يطل انتظاره كثيراً لتطل عليه مالكة قلبه تتهادى بحملها الثمين الذي برز باستحياء يعلن عن وجوده بأحشائها، كان يبدو عليها الإرهاق والشحوب الشديد، رغم اكتسابها لبعد الوزن الزائد، ليسأل نفسه بحزن هل تعاني من ألم فراقه، وهل تشتاقه مثلما يشتاقها. وقفت بعيداً عن تزاحم الراغبين باستقلال إحدى المركبات العامة، تحتضن بطنها بحرص كلما اقترب أحدهم من موقعها، خوفاً أن يدفعها أحدهم فيؤذي صغيرها.

كان قلبه يعنفه بقسوة؛ يخبره بأن هذا الوضع غير مقبول بالنسبة له، لا يتقبل أبداً أن يكون على بعد خطوات منها ولا يقترب ليروي شوقه إليها، أو بأسوأ الأحوال يذهب إليها ليقلها بسيارته لمنزلها، راحماً لها ولصغيره من تلك المعاناة، ولكن لعقله رأي آخر؛ أفعالها هي سبب معاناة الجميع، تغييرها وانعدام ثقتها بنفسها كانوا سبباً في إفساد سعادتهما معاً، وتهورها وجموحها ورطتهما في معاداة أسرة شقيقه، وكذبها وتجنيها هددا سمعة فتاة بريئة وورطته بالزواج منها، ليحيا بلا قلب بعدما سلبته إياه وانسالت من حياته.

تشنجت كل عضلات جسده بتحفز؛ وهو يرى تلك السيارة تقف أمامها مباشرة، والمعيد اللزج يهبط منها متجهاً نحوها، يدعوها لركوب سيارته، لم تخمد نيرانه برفضها لطلبه، وإسراعها بإيقاف إحدى سيارات الأجرة واستقلالها، ولم يستجب لنداء قلبه باتباعها لقرب بيتها ككل مرة، بل قاد بأقصى سرعته باتجاه بيته وكأنه يخشى أن يضعف ككل مرة، ليتغلب على ضعفه هذه المرة وقد نحى قلبه جانباً، بعدما تلبسه شيطان الغيرة مثيراً بعقله الهواجس، هل أحبته حقاً أم أنه منذ البداية كان بمنافسة مع ذلك المعيد، يفوز فيها من يعجل بطلبها للزواج ويتحمل عن أهلها نفقاته، وهل خلت الساحة الآن لذلك الكريه، وإلا لما عاد لملاحقتها أن لم تكن هي من أحيت بقلبه الأمل.

وصل لمنزله واستقل المصعد، ليجد نفسه رغماً عنه قد سجل رقم طابق صومعته، فادعى لعقله أن ذلك لمجرد أن يهدأ بدلاً من أن يثير شكوك نجوى بعودته المبكرة، وهيئته الغاضبة، خدر عقله ذاك المبرر، ليفتح باب صومعته ببطء آخذاً ذلك الشهيق بكل قوة، لعله يطفئ نيران قلبه. -بعد ساعات، بشقة ياسر

دلف ياسر لشققته، ملقياً نفسه على أول كرسي بإجهاد، فلأول مرة لم تريحه صومعته قلبه، وتهدأ باله، فمنذ دلفها تتقاذفه ظنونه، وسؤال واحد يتردد بذهنه، هل سيأتي يوماً وتكون دعاء لغيره، ليزفر بحرقة وهو يشيح بوجهه برفض، لينتبه لتلك النائمة على الأريكة بوضع غير مريح نهائياً، تردد في إيقاظها؛ فقد أصبحت شديدة العصبية مؤخراً، ويعلم أن بمجرد إيقاظها ستصب عليه اتهاماتها بالإهمال والتهرب منها، وهو ما يحاول نفيه، رغم علمه بأنه كبد الحقيقة، ولكن لا ضير من كذبة يطيب بها خاطرها، ويخفف بها عن ضميره المثقل بذنبها، اقترب يربت عليها برقة هامساً باسمها، فرغم ثقل مواجهتها ألا أن الأثقل على ضميره أن تعذب بنومها ليلاً، كما تعذب بهجره نهاراً.

استقامت من نومها لتتكأ على حافة الأريكة وهي تنظر له بحزن متمتمة بانكسار: "حمد الله على السلامة." رد بحذر استعداداً لسيل اتهاماتها: "الله يسلمك يا نوجا، ادخلي نامي جوه." اعتدلت في جلستها وهي تغمغم بقهر: "لا مفيش داعي، خليني هنا بدل ما تهرب من النوم في الشقة زي ما بتهرب من القعدة فيها معايا." لم يحاول جدالها حتى لا تدخل بإحدى نوبات جنونها المستحدثة والذي يعززها لإحساسها بنبذه لها، فأردف مدللاً:

"كده برضه يا قمر، في حد يبقى متجوز قمر كده ويهرب منها." ابتسمت نجوى متهكمة: "ما عشان أنا قمر مينفعش تشوفني طول اليوم، ومبترجعش غير بليل، حتى يوم الجمعة والسبت." تعجب لصبره معها وهو الذي لطالما اتهم محبوبته بالكآبة واصطناع الأزمات، حينما كانت تشكو تباعده بسبب تلك المتذمرة الآن، لتهيج ذكرى محبوبته أعصابه المستهلكة سلفاً، فتعلو نبرته بمواجهتها:

"هو إحنا مش هنخلص من موال كل يوم ده، امال لو مكنتش عارفة إني كنت في الشغل وطلباني ألف مرة وقايلك إن عندنا ميزانية وهنتأخر." اندلعت ثورتها المنتظرة، لتهدر بغضب: "النهاردة الميزانية، طيب وامبارح وأول امبارح والأسبوع اللي فات، والشهر اللي فات، ده حتى الإجازات اللي كنت ما بتصدق تريح فيها في البيت زمان، بقيت تنزل تروح لأصحابك، مع أنهم طول عمرهم هما اللي بيجولك." زفر بضيق، محاولاً إنهاء الموقف:

"زمان كنت عازب لكن دلوقتي ميصحش." قالت بلهجة ذات مغزى: "بس السنة اللي فاتت لا كنت بتروح لهم ولا بتخليهم يجولك، ولا إحنا حتى كنا بنشوفك، يا كنت بتفضل في شقتك يا بتخرج تتفسح طول النهار وترجع طاير من الفرحة." اضطربت أنفاسه وهو يعلم أنها تشير لفترة زواجه من دعاء واختلاف تعامله مع كلا منهما، وهم بنفي ما تقوله ولكنه فوجئ بها وقد هدأت فجأة كما ثارت فجأة لتنظر بعينيه، وهي تهمهم بقهر:

"ياسر أنا بكرة هاروح أركب وسيلة لتأجيل الحمل." صدم من ما قالته ومن أسلوبها في قوله، فهمهم بذهول: "إيه." زادت من حيرته وهي تتخطاه متجهة لغرفة جانبية وهي تهمهم بانكسار: "ادخل نام أنت جي تعبان، تصبح على خير." تتبعها بنظرات متعجبة، وكأنه يراها لأول مرة، تبدو كحطام امرأة، فأي جرم معلق برقبته لإطفاءه تلك الروح المشتعلة، وتكبيلها بجحيم النبذ والنفور، بينما روحه تهيم بمن كبلتها بالهجر والغدر.

عاد لمقعده وقد هجره النوم يؤنبه ضميره على ما اقترفه بحق تلك المسكينة، يعلم بأنها على حق وأنه يتعمد التهرب منها، وأنه لا يوالي بها ولو جزء من ذلك الاهتمام الذي كان يواليه لدعاء الذي للأسف كانت شاهدة عليه، بل وشاركته فيه؛ فكم من مرة طلب منها المساعدة لتحضير مفاجأة رومانسية لها، وكم ساعدته باختيار هداياه لها. استغفر ربه يرجو المغفرة فهو يعلم بأنه وأن كان لا سيطرة له على العدل فيما في قلبه، فكان عليه العدل فيما غير ذلك.

-بصباح اليوم التالي بشقة ياسر استيقظت نجوى على ربتات رقيقة على خدها وصوت ياسر الهامس باسمها: "نونو، نوجا اصحي يا قمر." تململت غير واعية لما حولها لتنتبه لنومها بغرفة الأطفال فتتذكر ما حدث بينهما بالأمس، فاتعدلت جالسة وهي تزفر بضيق مغمغمة: "صباح الخير." ابتسم ياسر وهو يرد تحيتها بحنان: "صباح الخير على شمس حياتي الصبح وقمرها بليل." ابتسمت متهكمة وهي تهمهم بنعاس: "ياسلام." اتسعت ابتسامته وهو يجلس بجوارها مشاكساً:

"وأكتر والله، ولولا أن النهاردة مينفعش أبداً آخد إجازة من البنك عشان فعلاً في مشكلة هناك، كنت قعدت وريتك، بس أنا بليل بعد ما أجي من الشغل هاثبتلك." ردت بجفاء وهي تتخيل أنه يحاول إثناءها عن القرار الذي اتخذته: "ياسر أنا مصممة على اللي قولته، وطريقتك دي مش هتغير حاجة."

شعر بغصة بحلقه لا يعلم بما يجيبها، فهو لا يعارض قرارها أبداً؛ فهو لم يتقبلها بعد كزوجة حتى يتقبل فكرة الإنجاب منها، ولكنه بالطبع لن يصرح بذلك ويزيد من جراحها، فأردف متحايلاً: "مع إن أحسن حاجة ممكن تحصل لي، إن ربنا يرزقني ببنوتة قمر زيك، بس أنا شايف إن الفكرة مش وحشة، مش عشان العبط اللي قولتي امبارح، بس عشان إنت لسه في سنة أولى وكليتك عملي ومحتاجة تفرغ."

احتلت عينيها نظرات غامضة، ثم أشاحت بوجهها بعيداً وهي تتملل بسخط، فاقترب يقبل وجنتها، مدللاً بتفهم: "بلاش تروحي الكلية النهاردة، وارتاحي لحد ميعاد الدكتورة، ولما أرجع نتكلم." لم يمهلها الرد وانسحب مهرولاً كمن يخشى أن يفتضح أمره، ويخسر محاولته لإرضائها. لتنهض هي ناظرة باتجاه خروجه بقهر ثم تنهار باكية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...