نظرت له سلوى بصدمة: بقا أنت تضربيني أنا يا معفنة؟ ضربتها سلوى كف على وجهها، وبدأت في شد شعرها. أسر بصراخ: بس يا سلوى، بس. كان أسر عاجزاً بينهم، لم يستطع أن يفرق بينهم. سلوي: أنا يا كلبة. كانت سلوى تضرب سلمى، وسلمى تحت يدها تناجي وتتألم. نادى أسر على أحد خدمه ليفكهم عن بعضهم.
لم تتحمل سلمى كل ذلك، فهي منذ أيام وهي تأكل من اللقمات القليل منها، ومع العمل الزائد عليها وعلى جسدها الضعيف وابنها القادم للحياة، لتسقط سلمى في إغماءة لساعات قليلة، ولكنها كانت كفيلة لراحتها من إرهاق بدني لا ذنب لها فيه. رفعها خدم أسر وأدخلوها غرفة لترتاح فيها حتى يأتي الطبيب، وذلك تحت أمر أسر. أسر بصوت عالٍ: إيه اللي أنت عملتيه ده يا سلوى؟ سلوي: بصراحة بقا أنا زهقت منك ومن قرفك. وأقولك على حاجة؟
أنا مش عايزة أكمل مع واحد مشلول وكمان بتاع ستات. وادي دبلتك أهي. خلعت سلوى الدبلة وأخذت شنطتها وخرجت من الغرفة ومن المنزل بأكمله. كان أسر ينظر لطيفها بصدمة: هاهي شخص آخر يتركني ويذهب. وكله بسبب عجزي وشللي. وكل ذلك بسببها. أقسم لكِ ستندمين على كل ثانية عشتها في حياتك يا سلمى. بداخل الغرفة، سلمى تنام في سبات عميق بعد ما أعطاها الطبيب مهدئاً.
الطبيب: المدام محتاجة راحة، ومحتاجة متابعة مع الدكتور بتاعتها، لأن واضح أن الحمل تاعبها. فوزية: حاضر يا دكتور، ماشي. الطبيب: هاتولها الدواء ده، ومتنسيش المتابعة مع الدكتور. فوزية: حاضر، حاضر يا دكتور. خرج الطبيب وخرجت معه فوزية، تاركين سلمى في سباتها وأحلامها وعالمها الخيالي الهيِّن عليها ولو كان قليلاً.
مرت الأيام على سلمى بعد ذلك وهي تعمل في المنزل، لا تختلط مع أسر ولا تحاول الاختلاط. كلما رأته في مكان في البيت، تلفت وجهها وابتعدت عنه. كان خدم أسر يفعلون مثلما أمرهم أسر دائماً بتخريب كل ما تفعله سلمى. كانت سلمى لنهاية اليوم تجلس بالجانب تبكي، تبكي حظها، تبكي ما تمر به في أيامها، تبكي مستقبل ابنها كيف سيمر؟ كيف ستربيه وحدها؟ في ذات يوم دخل أسر عليها وهي تبكي.
مسحت سلمى دموعها بسرعة وحاولت جاهدة بصعوبة النهوض من مكانها. أسر: خليكي مكانك. جلست سلمى مرة أخرى، لكنها لم تكن تنظر إليه. أسر: بتعيطي ليه يا سلمى؟ سلمى بجمود: مش بعيط. أسر وهو يقترب منها بكرسيه: جفنك المبلول ده مش عياط، عنيكِ المنفخة دي مش عياط. سلمى وهي تنظر له بقسوة: فكك يا باشا من الدمعتين دول والجفون المبلولة دول. وقولي أنا هفضل هنا هعمل إيه يا باشا؟ أنت عايز إيه مني يا أسر باشا؟ أسر: أسر.. قوليلي أسر بس.
سلمى: يا أسر باشا أنت عايز إيه مني؟ أسر: انتي هنا عشان تتعذبي يا سلمى.
سلمي: لا، وأهنيك أوي يعني. عذاب من النوع الثقيل. تجيبني هنا خدامة ليك وللخدم بتوعك. تعب وإهانة. طلوع ونزول بحملي وتعبى ومش مهم. رجلي الوارمة اللي مبقتش عارفة هي وارمة من الحمل ولا من الشغل والمرمطة في البيت ده. ميه تترمي عليا كل يوم. لا، وبشرط مفيش أي عباية تانية ألبسها. لا، خليكي بالمبلول على جتك لحد ما تبردي وتموتي يا سلمى انتي وابنك. كل ما اشتغل في البيت خدمك يبهدلوا تاني، واعدلي تاني يا سلمى، وإلا تتهزقي. لا، وتجيب الهانم الكبيرة تيجي وتهزقني. لا، بجد برافوووو برافوووو يا باشا. عملت اللي انت عايزه صح، وبهدلتني صح الصح. تصدق اللي انت عملته فيا معملهوش فيا إسلام وأمي اللي طردتني من بيتها.
كانت سلمى تلقي كل ذلك على مسامعه، وعيناها انفجرتا في بكاء ودموع لروحها وعلى روحها، وكأنه خزين حزنها طوال تلك المدة، وذلك لجانب حملها الذي بدأ يشتد عليها في تلك اللحظة. لم تكن تعلم في أي شهر هي ولا تتابع مع أي أطباء. على الجانب الآخر كان أسر يستمع إلى ذلك في صدمة. أفعل كل ذلك بها؟ أذنها لتلك المرحلة؟ استغل ضعفها واستغل سكوتها وداس عليها. أسر بضعف: أنا ا..... أس.... أسف.
ألقى أسر تلك الكلمة على مسامعها، وهي لم تتلقاها، بل كانت في ألم آخر. آلام الولادة قد بدأت عليها. وبصرخة فزع منه: الحقننننننني مش قاااااااادرة. كان أسر عند سلمى في المساء والخدم قد ناموا. لم يستطع أسر أن يفعل لها شيئاً بعجزه وقدميه. أمسك أسر بيديها: اهدي اهدي، يا فوووووزيه يا محممممممممد أي حد هنااااااا يا فوووووزيه. كان أسر يصرخ في محاولة لأن يسمعه أحد، ولكنهم لم يسمعوه حتى الآن.
حاول أسر أن يساعدها بأي شيء، ولكن فجأة إذا به يسقط عن كرسيه المتحرك جالساً على الأرض بجانبها. كانت سلمى تبكي بشدة وتصرخ: الحقننننننني. سقط أسر بجانبها من عجزه. ود أسر لو أسقط دمعتين على ما وصل به حاله الآن، ولكن ليس الآن، فالبكاء مساءً في غرفته أهون عليه. تعالت صراخ سلمى واستيقظ الخدم وبدأوا بمساعدتها بالفعل وطلبوا الإسعاف الذي وصل وأخذها على المستشفى.
في وسط تلك الانشغالات والصريخ، كان كلٌ يجري محاولاً اللحاق بها، ولكنهم تركوا أسر، مما جعله يبكي على حاله وضعفه. نظر أسر إلى قدمه بضعف، محاولاً تحريكها، ولكن لا فائدة. ضرب أسر عليها أكثر من مرة، ولكن لا حياة، وكأنك تضرب بجسد ميت لا حياة فيه. انتبه له أحد الخدم وبدأوا في مساعدته ورفعوه على كرسيه متحركين به إلى غرفته. أسر: أنت رايح فين؟ الخادم: هوديك على أوضتك يا باشا. أسر: لا، وديني المستشفى وراها. ندخل بس أغير ونروح.
الخادم: حاضر. في المستشفى كانت سلمى تصرخ بألم وبتعب من أثر ولادة طفل. أبوه لم يكن يوماً يريده، كان يريد فقط شهوته وسلطته وجبروته. بأي ذنب يولد طفل يتألم في حياته وأبوه لن يعترف به من الأساس، لن يعترف بوجوده. كيف يمكن لأم أن ترد على ابنها عندما يسألها: أين أبي؟ وهي تعلم بمكانه، ولكن هو لا يريده، لا يريد حياته. لا مانع في أن ترى أب يطلب موت ابنه.
وصل أسر المستشفى وكان يسمع صرخات سلمى بالداخل التي دامت لفترة. كان أسر متوتراً، وكأن ذلك ابنه وتلك هي زوجته. خرج الطبيب ليقترب منه أسر بكرسيه: خير يا دكتور، هي سلمى كويسة ولا إيه اللي حصل؟ الدكتور: هي المدام كويسة، بس فقدت دم ومحتاجين لها نقل دم لأن فصيلة دمها نادرة للأسف. أسر: أنا... أنا ممكن أتبرعلها. الدكتور: طيب حضرتك ممكن تروح مع الممرضة وهي تعرف هي مطابقة ولا لأ. أسر وقد استمع الطبيب مرة
أخرى من البالطو الأبيض: دكتور، طب والطفل؟ الدكتور: الطفل للأسف اتولد ضعيف جداً، ده هيخليه يقعد في الحضانة شوية. أسر: دكتور، هي سلمى هتكون كويسة؟ الدكتور: إن شاء الله.
ذهب الطبيب من أمامه، ولكن ما زال يشعر بتوتر وخوف كبير عليهما. يشعر بالذنب عليها وعلى حالتها. وجدها في الشارع بثياب منزلية ببطن تحمل بداخلها طفلاً يحتاج لغذاء. يعلم أنها سبب حادثته، ولكن أشفق عليها وعلى حالتها. في منزله كان يعاملها بسوء، ولكنها على الأقل معه تحت سقف يحميها هي وطفلها، ولقمة يجدها في نهاية كل يوم، وملابس تسترها من كلاب الشارع تنهش ولم ترحم يوماً.
تبرع أسر بالدم وجلس خارجاً قليلاً حتى طلب منهم أن يدخل إلى سلمى. أسر بجانب سلمى: سلمي. لا صوت، فقط صفير أجهزة كهربائية. كان يعلم أهميتها في كل يوم عمل له قبل عجزه وجلوسه في المنزل كالنساء بلا عمل. كان يقدر الحياة ويحبها، ولكن الآن يتألم جلوسه في منزله. نام أسر على كرسيه بجانبها لتبدأ شمس اليوم التالي تداعب جفنيهما.
أفاق أسر ليلقي نظرة على سلمى، التي بدأت هي الأخرى بتحريك بؤبؤ عينيها من أسفل جفنها، عينان تفتحهما ببطء استقبالاً لضوء وأشعة شمس تزعجها كثيراً فتغلقهما. حياة تبدأ في استيعابها مع لحظات أخيرة من ألم ولادة طفلها. فتحت سلمى عيناها فجأة قائلة بتعب وصوت ضائع من صراخ استمر لقرابة الساعة: ابني... ابني فين؟ أسر: انتي كويسة يا سلمي؟ سلمي: أسر باشا، أنت هنا؟ أسر: قولتلك أسر بس يا سلمي. سلمي: ابني فين يا أسر باشا؟
أسر: اهدي يا سلمي، ابنك تعبان شوية وحاطينه في الحضانة. سلمي بفزع: أييييييييه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!