نظرت له سلمى بصدمة: "إنت بتعمل إيه هنا؟ وإيه اللي جابك؟ رد إسلام: "أنا كنت بدور عليكي بقالي كتير أوي، وأخيرًا لقيتك عشان أقولك كل اللي نفسي فيه." كانت سلمى تتلفت حولها خشية أن يأتي أسر وابنها، وهي لا تضمن تصرف هذا المجنون أمامهما. قالت سلمى بعصبية: "أنا مش عايزة أسمع منك أي حاجة، ولا عايزة أتكلم معاك أصلًا. ولو سمحت امشي من هنا ومشوفش وشك تاني، ابعد عني بقى يا أخي."
رد إسلام بضحكة: "سلمى، أنا عارف إنك مضايقة مني ومش طيقاني، لكن متنسيش إن اللي معاكي ده ابني. وهتلف الأيام وهو هيعرف إني أبوه، وأنا مش عايز ابني يعرف بطريقة تضايقه حاجة زي اللي حصلت معانا." "أنا بقولك أهو، أنا مستعد أتزوجك وأسمي ابني على اسمي." قالت سلمى باستغراب لكل ما يقال: "إنت عاقل للي بتقوله؟ ابني، ابني! ولا كأنك كنت حابس أمه في شقة بعيدة وحرمتها من الأكل أربع أيام وكان في بطنها ابنك؟
وأمك اللي طردتني من البيت مع إن هي اللي كانت مربياني! إنت عاقل يا إسلام ولا إنت في إيه؟ "أنا مش مستوعبة كلامك، وبعتبر نفسي مسمعتش أي حاجة. وإنت انسى إن ليك ابن أصلًا، وأنا هربيه لوحدي غصبًا عنك وبعيد عنك إنت وأمك المريضة اللي قبلت على نفسها ترمي اللي كانت مسمياها بنتها في الشارع."
كانت سلمى تقول كل هذا ودموع تنزل على وجنتيها من صدمات وانكسارات مرت على حياتها. قد تكون قوية، لكن في هذا الوقت هي حزينة على كل ما حدث بها. انتبهت سلمى مرة واحدة أن أسر عائد هو وابنها. قالت سلمى: "إسلام، امشي من وشي ومش عايزة أشوف وشك تاني يا إسلام، وانسى إنك تعرفني أصلًا."
قال إسلام ببرود: "مستحيل أنسى إنك إنتي حبيبتي، وإنك إنتي أم ابني. ومتنسيش إن إنتي لازم تسمي ابنك باسمي لأني أبوه. مش هتلاقي حد يوافق يشيل شيلة مش شيلته. على العموم، خدي الكارت ده فيه رقمي، ووقت ما تهدي وتفكري كلميني في أي وقت عشان أجي آخدك." قالت سلمى متسرعة: "ماشي، ماشي. يلا امشي بقى." مسحت سلمى دموعها سريعًا إلى أن جاء أسر وعمر ابنها. قال أسر: "متأخرناش أهو." قالت سلمى محاولة الضحك: "آه، آه فعلًا متأخرتوش."
قال أسر: "طب إيه؟ مش يلا بينا نمشي؟ قالت سلمى وقد وضعت الكارت الذي في يدها في جيبها: "أيوه فعلًا يلا عشان أنا زهقت." كان إسلام في الناحية الأخرى ينظر لها نظرة انتصار، ثم ذهب من المكان عائدًا إلى منزله وإلى أمه. قال إسلام لأمه: "لو تعرفي أنا شوفت مين النهاردة هتموتي من الفرحة." قالت أمه: "مين يعني؟ وإنت من إمتى معاك أخبار عدلة؟ ولا معاك حاجة تبسطني إنت ولا أبوك اللي قصف عمري قبل ما يموت ولا بعد ما يموت؟ قال إسلام
بضحكة انتصار على وجهه: "لا صدقي، أنا شوفتها النهاردة." قالت أمه: "شوفت مين؟ أوعى تكون اللي في بالي، مين بسرعة؟ قال إسلام: "شوفت سلمى يا أمي." فرحت الأم جدًا حتى أنها أوشكت على الرقص من السعادة والفرح: "يااااااه، أخيرًا! أخيرًا هيرجعلي حقي، وشقا السنين اللي قضيته مع أبوك، وفي الآخر الواطي ولا عبرني. احكيلي إيه اللي حصل بسرعة يا واد." حكى إسلام ما حدث معه لتبتسم أمه له في سعادة.
على الجانب الآخر عند سلمى، كانت سلمى تركب السيارة وعقلها مشتت، تفكر بما حدث معها ومع إسلام وما المفترض أن يكون تصرفها الآن، وما مصير ابنها وتسميته. لاحظ أسر تشتتها وقرر تركها كما هي كذلك حتى يعود إلى المنزل ليفهم ما الذي يحدث معها وما الذي حدث هناك جعل وجهها ينقلب كذلك وعيناها تمتلئ بالدموع الدفينة.
عادوا إلى المنزل، وكأن سلمى كانت تحاول الهرب من أي محاولة للحديث مع أسر، وكأن حديث إسلام شتت عقلها، فدخلت بابنها إلى غرفتها لتنيمه ولتنام بجانبه. دخل أسر عند غرفة سلمى بعد أن نام عمر وطلب منها الحديث معها قليلًا بالخارج. قال أسر: "مالك يا سلمى؟ فيه إيه؟ قالت سلمى وهي تحاول أن تهرب بعينها بعيدًا عنه: "مالي؟ مفيش أي حاجة، أنا بس يمكن تعبت شوية من المشوار النهاردة."
قال أسر: "عينيكي بتكدب يا سلمى. ومع ذلك، هنقول إنك تعبتي. إنتي متأكدة إني مفيش أي حاجة عايزة تحكيها لي؟ قالت سلمى: "ل... لا مفيش." قال أسر بجدية: "طيب واللي إنتي كنتي واقفة معاه النهاردة ده كان مين؟ نظرت له سلمى بتوتر: "ده.... ده... وأمسك أسر يد سلمى ليهدئها: "سلمى، احكي لي بقى، إنتي هتفضلي شايلة كل ده جواكي؟ هتفضلي مخبية كده كتير؟ نظرت سلمى إلى عينيه وبدموع: "ده أبو عمر." قال أسر وقد استوعب كلامها محركًا
رأسه: "ماشي، أنا عايز أعرف يا سلمى مين أبو عمر. أنا عايزك تحكي لي إيه اللي حصل معاكي."
بدأت سلمى تبكي وتحكي له كل ما حدث معها منذ أن كانت في الملجأ، وعندما جاءت أم إسلام لتتبناها، وكيف أنها لم تكن تعاملها كأم، ولكن سلمى قبلت ذلك لتعيش. ابتلعت سلمى غصتها عندما تذكرت كلمات الحب والرومانسية التي كان إسلام يخبرها بها بكل حب وغرام، وكيف أنه أوهمها أنه سيتزوجها، إلى أن جاء اليوم الذي طردتها فيه أمها من المنزل، وقد قبلت على نفسها أن تتركها مشردة في الشارع بلا مأوى، بعدما لاحظت القرب الذي بدأ يحدث بين ابنها وابنة الملجأ اليتيمة. وكيف أنها اكتشفت في يوم الحادث أنها حامل وتحمل في أحشائها ابنًا له.
كان أسر يسمع كل هذا مشفقًا عليها وعلى حالتها. أخبرته سلمى أيضًا أنها ذهبت إليه واعترفت له، ولكن في المقابل أسكنها في منزل بعيد منعزل عن الناس، في أعلى دور حتى لا يصل أي مما سيفعله بها للناس. وأنه سمح لنفسه أن يعطي لصديقه المفتاح حتى يأتي إلى المنزل، تاركًا إياهما في المنزل وحدهما. كانت سلمى في وسط كل ذلك تذرف دموعها، وإسلام يطبطب عليها، حتى أنه طلب منها أن تتوقف عن الحديث حتى تهدأ، ولكنها كانت تريد أن تلقي كل ما في داخلها، فقد تعبت وامتتلأ قدر قلبها من الحزن.
أكملت سلمى حديثها بعد أن قررت أن تهرب من هذا المنزل بعد أن كان يحبسها فيه ويمنع عنها الطعام هي وابنه، ولم يهمه ذلك وتركها وحدها في الشقة المنعزلة عن الناس، غالقًا الباب عليها بالمفتاح، لا أحد يسمعها ولا طعام يأويها في عزلتها. وعندما قررت الهروب، ظلت في الشارع لمدة ثلاث شهور، ثلاث شهور تأكل من الطعام ما يسد جوعها، سواء كان من القمامة أو بقية فتات يتركه المارون لها، إلى أن وقعت في يديه وجاء هو ليكمل عليها.
شعر أسر للحظة بوحشيته وظلمه. توقفت سلمى مرة واحدة عن الحديث بعدما ألقت ما في جعبتها من حديث ثقل حمله على قلبها وحدها. ضمها أسر إليه لتكمل بكاءها في صمت وتفرغ ما بها. قال أسر: "أنا آسف." قالت سلمى وهي تبكي: "آسف على إيه يا أسر؟ على الأقل إنت استحملتني وخليتني هنا معاك في بيتك أنا وابني، مع إنك متعرفناش." قال أسر: "أنا آسف يا سلمى على إني كمان استغليت ضعفك زيهم وجرحتك إنت كمان، وإنتي متستحقيش أي حاجة من اللي حصلك دي."
قالت سلمى: "خلاص يا أسر، اللي حصل، وإنت اعتذرت فعلًا وسددت كل اللي عليك، وأنا اللي آسفة إننا لسه هنا معاك بالرغم من إن مفيش أي حاجة توصلنا ببعض." قال أسر: "إنتي بتهزري يا سلمى؟ ده إنتوا كل حياتي." نظرت له سلمى ليتوتر أسر: "قصدي يعني عمر ده كل حياتي، وأنا بحبه وبموت فيه ومقدرش أعيش من غيره. المهم يا سلمى، إيه اللي رجع الزفت ده تاني؟
غَمَّ وجه سلمى من الحزن مجددًا: "مش عارفة يا أسر، راجع عمال يقولي بحبك وعايز أرجعلك تاني، وهتجوزك وهسمي ابني باسمي وكلام كتير مستغربه ومش فاهمه، هو بيعمل ليه كل ده؟ قال أسر وقد حزن وجهه: "طب وإنتي يا سلمى عايزة إيه؟ قالت سلمى: "يعني إيه عايزة إيه؟ قال أسر: "يعني ممكن في يوم ترجعيله؟ وتسيبيني؟ نظرت له سلمى بتشتت وصمتت. حزن أسر من صمتها وصمت هو الآخر.
دخلت سلمى لتنام مفكرة في كل ما قيل ذلك اليوم والأحداث التي مرت بها في هذا اليوم، ونامت بجانب ابنها وهي تنظر له بحزن مما يفعله فيها أبوه. مرت الأيام على أسر وسلمى وعلاقتهما مذبذبة، ولكن اهتمام أسر بعمر لم يقل ولم يتأثر. وسلمى تضحك على لعبهم سويًا، محاولة نسيان ما مرت به والالتفات فقط إلى مستقبل ابنها.
في يوم من الأيام، كان أسر في العمل، وسلمى في المطبخ مع الدادة فوزية تعد الطعام، وعمر من المفترض أنه يلعب أمامهما. فجأة لم تجد سلمى عمر الصغير. فسكتت قليلًا تنهي هذا الذي بيديها، فهو سيعود مجددًا، أو ستذهب هي لتأتي به بالتأكيد. مرت ربع ساعة وعمر لم يعد، فذهبت سلمى لتبحث عليه. قالت سلمى: "عمر، عمر، إنت روحت فين يا حبيبي؟ بدأت سلمى في البحث عنه في أرجاء الدور الأرضي، فهي تعلم أنه طفل صغير لا يستطيع الصعود إلى الأعلى.
وجدت سلمى غرفة مفتوحة، تعجبت من شكلها في البداية، ولكنها عرفت أنها غرفة المكتب وعمر الصغير بداخلها. دخلت سلمى إليه لتحضره وتغلق الدرة الذي فتحه، ولكنها فجأة فتحته مرة أخرى وأخرجت منه ورقة. نظرت إليها بحزن وصدمة وذرفت عليها دموع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!