تحميل رواية «اليتيمة» PDF
بقلم اميرة خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بصوت عالٍ تقول الأم: أنت عارف كويس أوي إن البنت دي مش بنتنا، وإننا جايبينها من الملجأ عشان نربيها قبل ما نجيب ابننا، ربنا يخليه. لتدخل سلمى في ذلك الوقت: ماما، انتي بتقولي إيه؟ الأم: بقولك اطلعي برا خلاص، انتي ولا بنتي ولا أعرفك، وكمان ابني خلاص معايا، انتي اطلعي برا. سلمى: ماما، أرجوكي لا يا ماما، انتي عارفة إني معرفش حد غيرك، بابا، ارجوك كلمها. نظر لها الأب بأسى وخرج من الغرفة بدون كلمة. الأم: خلاص، مش هينفع تفضلي عايشة معايا هنا أكتر من كده، خلاص يلا اطلعي برا. سلمى ببكاء وهي تقرب عليها لجعله...
رواية اليتيمة الفصل 0 0 - بقلم أميرة خالد
الفصل الاخير
نظرت له سلمي بحب و بفرحه : عيونك هي الاحلي يا أسر يا حبيبي
قام أسر من مكانه و امسك يدها و اجلسها أمامه : ممكن بقي تفهميني انتي كنتي فين و ايه اللي حصل ؟
سلمي بعناد : مش قبل ما تقولي ازاى سمحت لنفسك انك تجيب ستات في البيت غيرى يا أسر، ازاى يا أسر انت بتخوني ؟
أسر بضيق : و لا اقدر اخونك ابدا و الله بس انتي دوستي عليا جامد يا سلمي، و هتفتحي في قلبي ذكريات مش عايز افتكرها و لا اعرفها ..!
سلمي : أسر انت لو مطلعتش اللي في قلبك، كده هيجرالك حاجه، أسر انا مرأتك و اللي هتشاركك حياتك اللي جايه، و لا انت عندك رأي تاني ؟
أسر : و لا اقدر يكون عندي رأي تاني، هقولك و هحكيلك يا سلمي كل اللي انتي عايزاه
سلمي : و خليك عارف أن انا هفضل جنبك و هسمعك و هقبل اي حاجه تقولها
أسر بغضب و بوجه قد اوشك علي أن ينفجر من الغضب : كانت بتخوني يا سلمي، كانت مفهماني أن هي بتحبني لكن هي كانت بتخوني مع صاحبي و اليوم اللي عرفت فيه ده كنت هقتلها لكن هي قررت تهرب و اللي نجاها مني هي الحادثه اللي عملتها و أنها كمان لما هربت عربيتها عملت حادثه و ماتت، انا مش بحب حد يدخل اوضه المكتب بتاعتي دي لانها بتفكرني بيها و بكل حاجه ليها علاقه بخيانتها السافله، كنت بحبها اوي يا سلمي لكنها مقدرتش ده و لا احترمتني كجوزها، اوضه المكتب دي انا مش بدخلها و لا بقرب منها و اللي بيدخلها بيكون يومه اسود، ساعتها انا قلبت عليكي، الخدامه بتدخل تنضف الاوضة دي مرة في الشهر و بعد كده بتكون مقفولة و تقريبا بحاول اني حتي معديش عليها، انا مخونتكيش يا سلمي و لا اقدر اخونك و أنا اكتر واحد عارف أن طعم الخيانه دي مرّ طعمه بيجرح فينا كل ثانيه بنفتكره، كان نفسي اقتلها يا سلمي و اخلص عليها بأيديا علشان اشفي النار اللي جوايا بس ربنا رحمها مني و اخدها ليه، كنت بثق فيها أوي يا سلمي و اي حد بحبه بيأخد الثقه دي لكنها استهترت بيها و كسرتنى، لما كنت باخدها في خروجاتي مع اصحابي كنت باخد بالي أنها بتتعامل بانفتاح شويه، حاولت اني اتغاضي عن الموضوع و قولت يمكن متعودة علي كده، بس كل مرة كنت بحذرها و اقولها احذري مني و من قلبتي و لمي نفسك مع أصحابي و احترميني، كانت تقولي انت قافل اوي و انا زهقت من خنقتك، كنت بخاف عليها لاخسرها يا سلمي و بروح اصالحها ...
كانت سلمي تسمع كل ذلك و هي تبكي علي ما مر به، ففي حياة كلاهما مر الكثير و الكثير و بالفعل بالنسبه للرجل الخيانة تكون اصعب شىء في الدنيا، فهي تجرحه في كرامته و في رجولته ....
و في لحظه لمحت أسر أيضا و هو يبكي، كان أسر يلقي كل ذلك بسرعه و كأنها ذكرى مريرة كلما مرت عليه، أعادت عليه شعور تلك الأيام مجددا
اقتربت سلمي منه و أخذته في حضنها، أسر : كنت عايز اقتلها يا سلمي، لقيت صور مرأتي بتتبعتلي من واحد صاحبي بيقولي الحق مرأتك بتخونك و الحيوان اللي عمل معاها كده هو اللي باعتله الصور علشان ينبسط، الدم فار في عروقي جريت عليها و في اليوم ده، كان هو نفسه يوم الحادثه اللي حصلت و اللي بردو اديتها فرصه أكبر علشان تهرب و هربت فعلا و مشيت، و ملحقتش اقتلها يا سلمي، ملحقتش اقتلها ....
كان أسر يقول كل ذلك و هو في حضن سلمي و يبكي، أخرجته سلمي و مسحت له دموعه..
سلمي : انا اسفه
نظر لها أسر صامتا ثم قال : خلاص يا سلمي، يلا علشان نروح
أمسك أسر عمر الصغير و نزل به الي أسفل و ترك سلمي تحضر اشيائها لتنزل خلفهم، بعد قليل صعد اسر و اخذ منها الحقائب و لكنه لم ينظر إلي عيني سلمي حتي و نزل و نزلت سلمي خلفه ...
في السيارة كان أسر ملتفت لطريقه لا ينظر لها و لا حتي يداعب عمر كما اعتادت منه
سلمي : أسر انا اسفه بجد اني خليتك تفتكر كل ده و ترجع كل ده تانى
أسر : انا قعدت شهر يا سلمى بحاول أخرج من اللى انا فيه و ساعتها اللي خرجتني من الموضوع ده كانت سلوي و اللي كانت خطيبتي بس هي كمان مشيت زي ما شوفتي و ما استحملتنيش .....
سلمي : انا اسفه يا أسر و الله معلشي انا اسفه بجد .....
أسر : عرفتي يا سلمي كل حاجه و فهمتي و لا لأ ...
سلمي : بس عندي سؤال بسيط انت عملت ايه مع اللي عمل مع مرأتك كده
أسر بغضب : كنت هموت و اقتله ابن الكلب و فعلا فضلت فترة ادور عليه بس اختفاء و هرب الجبان
سلمي : خلاص يا أسر خلاص ....
وصل سلمي و أسر الي المنزل و ادخلت سلمي عمر ابنها لينام ...
سلمي : أسر انا بجد اسفه اني فكرتك بكل ده، بس الفضول و التفكير الكتير انا اسفه اللي خلاني اعمل كده انا اسفه
أسر : خلاص يا سلمي و لا يهمك، و علي فكرة علشان أكدلك انا مخونتكيش يا سلمي...
امسكها أسر من يدها و صعد بها الي اعلي
أسر : انا كنت باخد البنت و اطلع بيها فوق و هي تنام في اوضه و انا في اوضه، و بالنسبه لحوار اني سكران و كده، ده كان حوار فكسان تحت تمثيلي، محسوبك جيه عليه فترة كان عايز يدخل التمثيل و ده لانه كان النجم الاول في جامعته
غمز لها أسر : مستحيل اخونك و لا بطيق طعم الخيانه اصلا، الخيانه دي بالنسبه لي عامله زي العلقم و انتي اللي ساعديتني اكتر و اكتر في اني اتخلص منه في حياتي و ساعديتني أقف تاني علي رجلي و ارجع تاني شغلي و حياتي اللي كانت واقفه، و كل ده بيكي انتي يا سلمي يا أرق انسانه و اكتر انسانه حبيتها بجد
سلمي بعناد و غيرة : اكتر من سلوي
لم ترضَ سلمي أن تأتي له بسيرة زوجته السابقه فقد علمت جيدا أن ذلك المكان بالنسبه له هو النار التى ستكويها و تكويه ....
أسر بضحكه : سلوى ... سلوى مين اصلا اللى تتقارن بيكي
ضحكت سلمى بخجل على اطرائه ....
كانت سلمى تريد الكلام إلا أنه قد قطعها رنين هاتفها
أسر بتلصص على الاسم : مين ؟
سلمى باستغراب : مش عارفه ده رقم غريب، خد انت شوف مين ؟
اخذ أسر منها الهاتف : الو
- رقم الأستاذة سلمي ده
أسر : ايوة هو بس انت مين
- انا خلف بدر المحامي المسئول عن عيله ابراهيم والد اسلام، و اللي بكلمها النهاردة علشان افهمها حقها الشرعي في ميراث الاستاذ ابراهيم الله يرحمه و اللي ساب ليها ميراثه كله باسمها، بس اللي حصل حاجه غريبه اوي أن لقيت الأستاذ اسلام نفسه هو اللي بياخد الفلوس و حولها لحسابه و وراني التوكيل اللي هو كان عملوا، فأنا شكيت أنه ممكن يكون مزور فاتصلت استفسر منها، و ده طبعا بعد ما اخدت رقمها من استاذ اسلام بالعافيه و بعد إلحاح لفترة طويلة
أسر كان يسمع كل ذلك و هو لا يفهم شىء و فتح السماعات الخارجيه لتسمع سلمي أيضا : ثانيه واحده اولا بس مين ابراهيم
المحامي : يا فندم ابراهيم ده والد اسلام و هو نفسه الأب اللي كان متبني سلمي من و هي صغيرة
أسر : طيب اديك بتقول اهو أن هو متبنيها ايه علاقه سلمي بقا بالورث و الجو ده
المحامي : يا استاذ اللي بحاول افهمه لحضرتك أن الاستاذ ابراهيم اللي كان متبني الأستاذة سلمي كتب ليها كل حاجه باسمها قبل ما يموت ..
نظرت له سلمي بصدمه، و اكمل أسر : طيب انت دلوقتي بتقول أن اسلام هو اللي اخد الميراث طب ازاى ده كده تزوير
المحامي : مش عارف يا فندم والله بس هو جالي و هو معاه توكيل ممضي من الأستاذة سلمي و باسمها و بدأ بالفعل ينقل الاملاك دي كلها باسمه ...
أسر : طيب ماشي شكرا لحضرتك جدا و انك قولتلنا و فهمتنا شكرا جدا
المحامي : العفو يا فندم علي ايه ده واجبي
اغلق أسر الهاتف مع المحامي و نظر إلي سلمي
أسر : دلوقتي المحامي بيقول انك ليكي حق عند اللي اسمه اسلام ده، انتي ممكن تفهميني ايه اللي حصل هناك و ايه التوكيل ده اللي انتي مضيتي عليه
نظرت له سلمي بتوتر متذكرة قوله لها بأن تمضي ورقه التوكيل من أجل أن يتم طلاقها : ااا .... توكيل ... مش عارفه هو فعلا جابلي ورقه و قالي أمضي عليها
مسح أسر علي وجهه : ممكن افهم انتي ايه اللي خلاكي تسيبي البيت اصلا
سليم بدموع أوشكت علي السقوط : انت السبب يا أسر انت اللي عملت فيا كده انت اللي جرحتني يا أسر، انت اللي كنت بتجيب ستات في البيت، حبستني في اوضه ضلمه بعيد عن ابني اللي اسلام بجبروته مقدرش يعمل كده لكن انت عملتها، خوفت علي ابني يا اسر خوفت عليه لتفضل كده بتقلباتك الغريبه لمجرد دخوله المكتب بتاعك، ابني يا اسر كنت عايزاه يتسمي علي اسم أبوه و اسلام مكنش هيوافق بالسهولة دي، أسر انا مش عايزة عمر لما يكبر يلومني او يقولي انتي ليه عملتي كده، انا هفهمه و هعرفه كل اللي أبوه عمله فيا و ازاى هو عذبني و ازاى بهدله هو كمان ....
أسر : طيب اهدي، اهدي بس يا سلمي و احكيلي هو ايه الورقه دي اللي خلاكي تمضي عليها و ازاى خلاكي تمضي اصلا عليها ....
سلمي بتوتر : هو قالي علشان أسمي ابني بأسمي امضي علي الورقه دي علشان اوافق و لقيته بيقولي ده توكيل مع أن انا مش عارفه ايه لازمه التوكيل بس مضيت علشان يوافق أن هو يسمي الولد
أسر : طيب يا سلمي، انا بعتبر عمر ابني و انا عايز اسميه انا و اوعدك أن هو مش هيعرف اي حاجه و بما أن احنا متجوزين عمر يكون ابني و ابنك يا سلمي و نربيه سوا و يكون ابني و ابنك و السر ده يكون معانا احنا و بس ....
سلمي بدموع : و انت هتقبل يا أسر ..
أسر : هقبل يا سلمي و هيكون ابني قبل ما يكون ابنك ..
سلمي : ربنا يخليك ليه يا أسر و ابو عمر ..
حضنها أسر بفرحه : و يخليكي ليا يا ام عمر
أسر : قوليلي بقا انتي محتاجه ورثك يرجع من الحيوان اللي اسمه اسلام ده و لا لأ ...
سلمي : مش عارفه يا أسر اللي انت شايفه صح، اعمله انا مش فارق معايا حاجه بعد كده، انا خلاص تعبت و مش عايزة اشوفه تاني و لا أعرفه تاني و انهي صفحته من حياتي نهائياً ...
أسر : طب ليه مفكرتيش أن الورث ده يكون حق عمر، بس انا عايز اعرف ايه اللي خلاكي تمضي علي الورقه دي و هو قالك ايه علشان يقنعك بيها ...
نظرت له سلمي بتوتر : كان بيقولي أن هو .... لو انا مضيت علي الورقه دي ..... هيرفع عليك قضيه طلاق و تطلقني ....
نظر لها أسر بغضب و انقلب وجهه : و انتي وافقتي يا سلمي .....
في مساء اليوم التالي ....
عند اسلام، فتحت صافي الباب لترى أمامها رجل بملابس مبعثرة بها تراب و علي ملابسه دماء و دماء علي سكينه يده
أسر بصوت عميق : اسلام فين
صرخت صافي في وجهه : انت ميييين و عايز ايه الحقوووووني، الحقووووني
جاء اسلام بسرعه علي صراخها، ليصدم من هيئة ذلك الرجل الواقف أمامه
اسلام : انت مين يا راجل انت و عايز ايه ؟
أسر : انا عملك الاسود اللي جاى اخد منك الفلوس اللي عليك قبل ما اقبض روحك ..
اسلام بخوف : ايه تقبض روحي ليه بس فهمني ايه اللي حصل بس انت عايز ايه و انا اديهولك
أسر : عايز الفلوس اللي عليك لحبيبتك السابقه
اسلام بعدم فهم : حبيبتي السابقه مين انت قصدك ايه ؟
أسر : سلمي حبيبتك كانت بتخوني و هو ده جزائها زي اي خاينه حقيرة ..
لينظر له اسلام و صافي بخوف و توتر ..
أسر : بس للاسف قبل ما تموت المحامي كلمها و بلغها بالنصبه اللي عملتها عليها، فأنا جاي علشان اخد حقها و فلوسها
بضحكه شيطانيه، أسر : الله مش مرأتي يا عالم
اسلام و هو يحاول تمالك نفسه و يبتلع ريقه : بس انت ملكش حق عندي انا اخدت كل حاجه منها في تاني يوم هي مضت فيه علي الورقه من قبل ماهي تموت ...
أسر : لا ماهو انا موتها من بعد ما رجعت لي علي طول و دلوقتي ياما تجيب اللي عليك ياما مصيرك الأول البوليس بتهمه النصب و السرقه و التانيه هيكون قدرك اللي هو الموت اللي هتلاقيه علي ايدى
اسلام بتوتر بالغ : صدقني انت متعرفش تعمل حاجه
و بحركه خاطفه كانت سكين اسر علي رقبه صافي لتصرخ منتفضه، أسر : متجربنيش ..!
توتر اسلام أكثر و أكثر و خاصه مع صراخ صافي : لا لا ابعد عنهههها خلاص هديك اللي انت عاوزة
صافي بصراخ : الحقني يا اسلااااام، الحقني و النبي هيموتني
دخل اسلام سريعا ليحضر من الداخل شنطه كبيرة، أسر باستفسار : ايه ده ؟
اسلام بتوتر منه : دي الفلوس انا طلعتها و حطيتها في بيتي ...
ضحك أسر علي سذاجته : طب هات يا حلو هات
أسر : قسما بالله لو عرفت انك جيت ورايا و لا حاجه و لا جيبت سيرة البوليس هيكون اخر يوم في حياة حبيبتك، سلااام
و شد منه أسر الشنطه و ذهب سريعا علي سيارته و منها علي منزله : سلمي، سلمي
سلمي : نعم يا أسر
أسر : فلوسك اهي رجعت تاني و هتكون معاكي و حقك رجعلك
سلمي : انا مش عايزة اي حاجه يا أسر انا اهم حاجه أن انت تكون معايا و انك تفضل جنبي انت و عمر ابننا
أسر : يعني خلاص مش عايزة طلاق
سلمي : ولا عمرى اقدر اقولها اصلا، و لا اقدر اعيش من غيرك يا ابو عمر .
رواية اليتيمة الفصل الأول 1 - بقلم اميرة خالد
بصوت عالٍ تقول الأم: أنت عارف كويس أوي إن البنت دي مش بنتنا، وإننا جايبينها من الملجأ عشان نربيها قبل ما نجيب ابننا، ربنا يخليه.
لتدخل سلمى في ذلك الوقت: ماما، انتي بتقولي إيه؟
الأم: بقولك اطلعي برا خلاص، انتي ولا بنتي ولا أعرفك، وكمان ابني خلاص معايا، انتي اطلعي برا.
سلمى: ماما، أرجوكي لا يا ماما، انتي عارفة إني معرفش حد غيرك، بابا، ارجوك كلمها.
نظر لها الأب بأسى وخرج من الغرفة بدون كلمة.
الأم: خلاص، مش هينفع تفضلي عايشة معايا هنا أكتر من كده، خلاص يلا اطلعي برا.
سلمى ببكاء وهي تقرب عليها لجعلها تلتفت لها: ماما، أرجوكي، أرجوكي يا ماما، أنا بنتك سلمى، بصيلي يا ماما، أنا بنتك اللي أخدتيها من الملجأ زمان، آه، بس ربتيني على إني بنتك يا ماما.
الأم: أيوه فعلاً ده حصل، بس خلاص، وقتك خلاص هنا، وابني كمان مش هينفع يتربي معاكي كده، هو شاب والمفروض إنه مينفعش إنه يكون فيه بنت غريبة معانا في البيت كبيرة.
ركعت سلمى تقبل قدمها: أبوس رجليكي، خليني عايشة معاكي هنا، بس، وأنا، وأنا هعيش خدامة تحت رجليكي يا ماما، أرجوكي، أرجوكي يا ماما.
الأم وهي تركلها بقدمها: متقوليش كلمة يا ماما دي تاني، ويلا بقا اطلعي برا، ومش عايزة أشوف وشك هنا تاني، وإلا هجيب الأمن يطلعك من هنا، انتي فاهمه، يلااااا اطلعي براااااااااا.
خرجتني من البيت وأنا مكسورة القلب، مكسورة الخاطر، تايهة، مش عارفة هعمل إيه ولا هروح فين، هي صحيح مش أمي وعمرها ما عاملتني زي الأمهات ولا أي حاجة، لكن كنت بحبها كأنها أمي، على الأقل رحمتني من بهدلة الملاجئ اللي أهلي حطوني فيه ومشوا وسابوني، أنا حبيتها بس هي دايماً كانت بعداني عنها، بس أنا مكنتش ممانعة، أنا بس كنت عايزة أعيش معاها وبس في بيت يحميني ويحافظ عليا من الضلمة وكلاب الشوارع، خلفت ابنها واعتبرته زي أخويا وأكتر من كده، لكن هي معاملتها معايا بدأت تسوء أكتر وأكتر، الوحيد اللي كان بيحنن عليا هو إسلام أخويا أو ابنها، لأنه حبني وكان عايز يتجوزني، لكن هي بدأت تلاحظ ده وطردني برا من العيشة معاه أصلاً، وأنا دلوقتي مش عارفة أعمل إيه ولا أروح فين، مفيش حل غير إسلام، أنا هروحله.
ركبت سلمى العربية وراحت على مكتب إسلام.
سلمى: لو سمحت، أنا عايزة أدخل لإسلام بسرعة.
السكرتيرة: طب لحظة واحدة يا فندم، هبلغه.
سلمى وهي تأخذ نفسها: ماشي.. ماشي.
السكرتيرة دخلت إلى مكتب إسلام، وبالداخل:
إسلام بصوت عالٍ: روحي قولي لها تمشي من هنا ومش أشوف وشها هنا تاني، بنت الملاجئ دي، ويلا خليها تطلع براااا.
كانت سلمى تسمع كل ذلك في الخارج، وكادت أن تنهار من الصاعقة التي قد نزلت عليها، فأخر أملها لها قد ذهب.
اقتحمت سلمى المكتب ودخلت بدموع على عينيها: يعني إيه مش عايز تشوفني تاني يا إسلام؟ يعني إيه انت مش كنت... مش كنت بتقول إنك بتحبني، وبضحكة أسى من وسط دموعها: مش كنت بتقول إنك بتحبني وهتتجوزني، يعني إيه، يعني عايزني أمشي؟
نهض إسلام من كرسيه رازعاً على مكتبه بعنف بصوت عالٍ: أنا مش قولت اطلعي برا مكتبي يا زبالة، ومش أشوف وشك هنا تاني، برااااا.
انتفضت سلمى من وقع كلماته عليها، حتى أنها ظنت أنها قد وقعت مغشية عليها من هول ما هي فيه الآن.
ذهبت سلمى من أمامه، ليضحك إسلام من خلفها، وسلمى على الجانب الآخر غير مستوعبة لكل ما يحدث لها، أين ستذهب الآن لا تعلم، هل يوجد مكان لها يمكنها أن تنام فيه حتى؟ لا... حتى أنها لا تعمل ولا تملك من الشهادات ما يجعلها تعمل، فوالدتها منعتها عن التعليم، ضحت سلمى بأسى على كلمة والدتها، وهل هناك والدة تفعل بها ذلك؟
تركتها في وسط الشارع بملابس منزلية، يتعجب الجميع من شكلها.
خرجت سلمى من المكتب وهي متعجبة من القدرة الهائلة التي تملكها للسير على قدميها، وللحظة شعرت بدوار يعصف برأسها، ورأسها تدور وتدور وتدور، وإذا بها فجأة تسقط، ولكن في سقوطها كانت هناك عربة قادمة في الناحية التالية.
لتنحرف عن مسارها فجأة، وإذا بها فجأة تنقلب، وسلمى في منتصف الطريق فاقدة للوعي.
وصل الاثنان إلى المشفي، ودخل الشاب سائق السيارة إلى العمليات، بينما سلمى فقدانها لوعيها في غرفة أخرى.
بدأت سلمى في استعادة وعيها، محاولة فتح عينيها، ولكن شعرت فجأة بألم في عينيها من النور الذي يغمر الغرفة، فأغلقتها مرة أخرى مسرعة، ثم حاولت مرة أخرى فتحها حتى اعتادت على النور.
الممرضة: الحمد لله على السلامة يا مدام.
سلمى: الله يسلمك، هو إيه اللي حصل؟
الممرضة: انتي أغمي عليكي في الشارع بسبب الهبوط اللي جالك من الحمل، المفروض تأخدي بالك بعد كده وتأكلي كويس.
سلمى بصدمة: إيه حمل!!!
الممرضة: أيوه يا مدام، انتي حامل في الشهر التاني....!!
رواية اليتيمة الفصل الثاني 2 - بقلم اميرة خالد
كانت سلمى تنظر لها بصدمة غير مستوعبة.
"يعني إيه حامل؟ طب إزاي؟ أنا كنت عاملة حسابي كويس أوي."
"هو انتي مش متجوزة يا مدام؟"
"هاااا، آه، آه بس أصلي كنت عاملة حسابي إني مخلفش الفترة دي يعني وكده."
"يا مدام دي الأرزاق بتاعت ربنا، أمال هو فين؟"
"هو مين؟"
"جوزك يا مدام مجاش ليه يشوفك؟"
"سافر.... سافر امبارح شغل بقا وكده."
"ربنا معاه، طيب انتي دلوقتي تقدري تمشي وتروحي تدفعي المصاريف عند الاستقبال تحت."
"مصاريف إيه؟"
"مصاريف علاجك يا مدام، انتي قضيتي هنا تقريبًا تسع ساعات بعد ما جيتي انتي والأستاذ اللي عمل حادثة."
"حادثة، حادثة إيه؟!"
"الحادثة اللي حصلت امبارح لما عربية اتقلبت علشان يتفاداكي بعد ما وقعتي اغمي عليكِ في الشارع في طريق العربيات."
"إيه يتفاداني وأنا وقعت في الشارع، هو الأستاذ اللي عمل حادثة ده كان بسببي أنا بسبب إني وقعت في الشارع في الطريق؟"
"أيوه يا مدام، هو تفاداكي وبعد عن مسارك وراحت العربية بتاعته اتقلبت في الطريق وهو يا عيني دلوقتي في العناية المركزة، ادعيله يقوم بالسلامة."
"طب هو مفيش أي حد جه ليه أو حتى ليا؟"
"ولا انتي ولا هو، كأن محدش ليكم يسأل عليكم."
"عندك حق، هو فعلاً محدش ليا يسأل عليا، طب أنا عايزة أشوفه ممكن؟"
"تشوفيه إزاي يا مدام، بقولك في العناية المركزة دلوقتي."
"طب يعني هو هيكون كويس ولا إيه اللي هيحصل له؟"
"الله أعلم، إن شاء الله يقوم بخير إن شاء الله."
خرجت الممرضة من غرفة سلمى، فاستغلت سلمى فرصة ذهابها وخلعت جميع الأجهزة الطبية المتصلة بها والمحاليل، حتى أن يديها قد تأذت من بعد أن خلعت حقنة المحلول من يديها. ذهبت سلمى من الغرفة ببطء حتى لا يلاحظها أحد، وما أن وصلت على باب الغرفة حتى ركضت مسرعة. سمعت سلمى صوت الممرضة تنادي عليها ولكنها لم تلتفت لها وركضت بسرعة خارج المستشفى.
في أحشائها طفل، تعلم جيدًا من هو أبوه، ولكن للأسف تعلم أيضًا أن أبوه لن يرضى أبدًا أن يعترف به. كانت تفكر في إجهاضه وتنزيله، ولكنها فكرت قليلاً ثم استعاذت بالله من الشيطان الرجيم، كيف لها أن تقتل روح، وتلك الروح هي ابنها، ابنها الذي وعدها أبوها بالزواج منها آلاف المرات في كل مرة يقترب منها، متذكرة كلامه ووعوده.
"ما خلاص بقا يا سمسم، ما قولتلك هتجوزك."
"ابعد عني يا إسلام، إنت مش هتقرب مني غير لما نتجوز."
"خلاص بقا يا سمسم، ما قولنا هتجوزك، بس بس أقولك خدي اشربي العصير ده يلا."
"أكيد لا طبعًا، وهايكون فيه مخدر، وأكيد مش هشربه."
"أهو يا ستي، اديني شربت أهو، ومليش حاجة حصلت."
"بجد يا إسلام؟"
"بجد جدًا يا روح إسلام."
"مش مرتحالك."
"وهو فيه واحدة محترمة تقول لجوزها المستقبلي مش مرتحالك؟"
"آه طبعًا، لما يكون قليل الأدب."
كانت سلمى تشرب في العصير لتثبت لإسلام أنها تثق فيه، وبالفعل كان في العصير مخدر جعلها شبه واعية، وكان إسلام في كل مرة يتبع معها تلك الطريقة حتى يقترب منها. كانت سلمى تتذكر كل ذلك وهي تذرف من الدمع ما قد ظنت أن عيونها قد فاضت وماءها قد جف.
توجهت سلمى إلى مكتب إسلام لتخبره بتلك المصيبة التي حلت عليها، فبالرغم من ذلك هو أبوه وعليه أن يجد لها حل مع ذلك الطفل.
"أنا عايزة أدخل لإسلام."
"مش هينفع يا فندم، مستر إسلام مش فاضي."
تركتها سلمى واقتحمت مكتب إسلام، وكانت السكرتيرة تحاول إيقافها ولكنها لم تستطع.
"محتاجة أتكلم معاك في موضوع ضروري."
نظر إسلام لها شزرًا وقام بإخراج كل من معه في الغرفة.
"أنا مش قولتلك متجيش هنا تاني يا بنت الـ..."
"أنا حامل."
صمت إسلام مرة واحدة ناظرًا لها بصدمة.
"إيه؟ طب إزاي؟"
"هو إيه ده اللي إزاي؟ إنت نسيت أنت كنت بتعمل فيا إيه؟"
"لا منستش، بس أنا كنت بحطلك حبوب منع الحمل مع العصير."
"وأهو منفعتش."
"الطفل ده لازم ينزل."
"أكيد لأ، ده ابني يعني مش هقتله."
"يبقى هتأخديه لوحدك يا سلمى، وتربيه لوحدك في الشوارع."
"انت إيه يا أخي، إنت مش بني آدم، يعني ابنك ومش عايز حتى تعترف بيه، ولا انت خايف من ماما؟ يا حبيب ماما."
نهض إسلام بغضب ضاربًا إياها كفًا على وجهها.
"اخرسي."
"شوفلي حل تاني يا إسلام، أنا مش هينفع أنزل وأموت ابني، يا أخي خليك بني آدم ولو لمرة واحدة."
"موافق."
"موافق بجد هتجوزني؟"
"لأ."
"أرجوك يا إسلام، وأنا مستعدة أعيش خدامة تحت رجلك إنت وأمك وابننا إن شاء الله."
ضحك إسلام بخبث.
"مفيش جواز، بس هجيبلك بيت تعيشي فيه إنت وابني، أنا بردو مقدرش أرمي ابني في الشارع."
"لا بني آدم أوي إنت، طب وأنا هعيش فين؟"
"هلاقيلك بيت كده تعيشي فيه لحد ما أشوف هعمل إيه معاكي."
"أيوه اللي هو هتعمل إيه؟"
"خلاص يا سلمى، هلاقيلك شقة تقعدي فيها، يلا اقعدي استنيني برا لحد ما أخلص شغل وأشوف هتصرفلك في مكان تنامي فيه."
"طب ما تخليني عايشة هنا في المكتب معاك على جنب هنا."
"قولت أطلعي برا بقا."
نهضت سلمى من مكانها بحزن.
"حاضر."
جلست سلمى خارجاً وانتظرته كثيرًا حتى غفت.
"سلمى يلا نمشي."
استيقظت سلمى ونهضت معه وركبوا السيارة. واصلوا بها إلى شقة في آخر دور بدون أسانسير.
كانت سلمى تتنفس بصعوبة من ذلك السلم الطويل.
"إيه ده يا إسلام؟ إيه ده كله؟"
"يلا خلاص قربنا."
دخلوا إلى الشقة لترتمي سلمى على أول كرسي وجدته أمامها. نظر لها إسلام بشهوة.
"منورة يا أم ابني."
سلمى، وقد فهمت نظراته، لم تجد أمامها سوى أن ابتعدت عنه لتجد بجانبها غرفة دخلتها وأغلقت الباب خلفها.
"هتروحي مني فين يا سلمى؟ مسيرك تشربي عصيري تاني."
خرج إسلام من المنزل وسلمى في الغرفة، وبدأت تبكي تذرف دمعًا على نفسها وما وصلت إليه، طفل قادم لحياتها وهي لا تعرف ما الذي ستفعله مع والده. قررت سلمى أن تفكر في أن تحنن قلب إسلام عليها، يمكن أن يقع في حبها كما يحدث في الروايات.
خرجت سلمى من الغرفة وبدأت في تأمل هذا المنزل الذي ستجلس فيه بعد أن كانت تجلس في فيلا وتحت أمرها سائق وخدم وحياة لم تحلم يومًا أن ينتهي كل هذا في مجرد يوم. بكت سلمى وذرفت من الدمع ما غسلها وغسل روحها. ذهبت إلى ربها، لجأت له فهو خير وكيل، اشتكته ظلم حياتها وظلم ما تمر به، اشتكته ضعفها، بكت ضعفها، بكت انكسارها.
نامت سلمى في ذلك اليوم دون أن تأكل أي شيء، لتستيقظ شاعرة بجوع يقرص معدتها. ذهبت لتبحث عن الطعام في ثلاجتها فلم تجد أي شيء لتأكله.
بعد نصف ساعة، وجدت سلمى أحدًا يفتح عليها الباب. توجهت سلمى على الباب لتتفحص إسلام وهو يفتح الباب، لتجده شخصًا آخر غير إسلام.
"إيه ده؟ إنت مين؟"
"إنتي اللي مين وبتعملي إيه في بيتي هنا؟"
"نعم، بيتك إزاي يعني؟ ده بيت إسلام جوزي."
"جوزك!"
"وماله!"
نظرت سلمى له بخضة لتجده يقترب منها. حاولت سلمى إيجاد أي مكان لها لتهرب فيه، لم تجد أمامها سوى الحمام لتختبئ به.
"تعالي يا موزة، بس ده أنا هشربك عصير حلو أوي."
رواية اليتيمة الفصل الثالث 3 - بقلم اميرة خالد
كانت سلمى ترتجف بداخل الحمام. من هو ذلك الوحش الذي اقتحم منزلها؟ وكيف له أن يعلم بموضوع العصير؟
كان الشخص يحاول أن يفتح الباب، ولكن سلمى من الداخل كانت تقاوم وتحاول جاهدة ألا تجعله يفتحه. لم تجد مفتاحاً لتغلق الباب به.
ظل ذلك الشخص في الخارج لمدة تقرب الساعة منتظراً أن تخرج سلمى، ولكن سلمى في الداخل ترتجف بكاءً. لم تكن لتخرج أبداً. ولكن كيف لإسلام أن يفعل بها ذلك؟
مرت الساعة والساعة الثانية، حتى ملَّ منها ذلك الشخص وذهب.
الشخص: راجعلك تاني يا قطة.
كانت سلمى بالداخل تبكي. ما الذي فعلته بحياتها حتى تصل بها إلى ذلك؟ ظلت سلمى بالداخل خوفاً من عودته. لم تطمئن سلمى لتخرج حتى سمعت صوت إسلام بالخارج.
خرجت سلمى من الحمام لتركض على إسلام حاضنة إياه خوفاً. لم يكن ذلك الحضن حباً فيه أو أماناً له، لكنها فقط كانت خائفة وتحتاج لمن يطمئن قلبها. هدأت سلمى ثم ابتعدت عن إسلام ناظرة له بعتاب وبحزن.
إسلام بخبث: إيه يا موزة عاملة إيه؟
لم يكن رد سلمى سوى أنها ضربته على وجهه كفاً. تركته سلمى في دهشته ثم دخلت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها. كان إسلام ينظر لها بصدمة من جرأتها.
إسلام عند باب الغرفة بصوت عالٍ: بقا أنا يا بنت الـ*** تضربيني أنا؟ طب وحياة أمك لأخليكي هنا كده زي الكلبه ولا أكل ولا شرب، وريّني بقا هتفضلي عايشة إزاي انتي واللي في بطنك.
خرج إسلام من المنزل رازعاً الباب خلفه ثم أغلقه بالمفتاح. ظلت سلمى في مكانها تبكي متذكرة كيف لها أن تتزوج ممن كان أخاها الصغير. عندما وصل إسلام لسن العشرين، كانت حينها سلمى في الثانية والعشرين.
إسلام بتوتر: سلمى أنا عايز أقولك حاجة.
سلمى: نعم يا إسلام، عايز حاجة يا حبيبي؟
إسلام بضحكة: سلمى... أنا... أنا بحبك.
ضحكت سلمى قائلة له: وأنا كمان بحبك يا أخويا.
إسلام بتوتر مرة أخرى: لا ما هو أنا عايز أتزوجك.
نظرت له سلمى بصدمة. لم يكن إسلام طفلاً صغيراً ليقول كلام كهذا عبثاً، وإنما قال ذلك وهو مفكر جيد لذلك الكلام. انقلب وجه سلمى ونظرت له بغضب ثم ضربته على وجهه.
سلمى: اخرس، أنا أختك يا إسلام أنت فاهم يعني إيه أنا أختك؟ أنا آه يمكن أكون من الملجأ بس أنا هنا معاك أختك يا إسلام، أختك وبس.
نظر لها إسلام بغضب على ذلك الكف، وتركها وخرج من الغرفة.
أعاد إسلام بوح مشاعره على سلمى مرة أخرى. كانت سلمى في كل مرة تصده وتبعد عنه. فكرت في ذات يوم أن تخبر أمها على ما يقول لها إسلام. ضحكت الأم على تصرفات ابنها الطائشة وأسكتتها قائلة لها أنه يضحك معها وليس أكثر.
كان إسلام كل فترة يعترف لسلمى بمشاعره في كل مرة يشتري لها ورداً، وسلمى مع كل مرة تصده، وأمها تضحك على كلامها. حين تضربها أمها، يقترب منها إسلام ويحنن عليها، فشعرت حينها أنها ابنته وليست أخته الكبرى.
ظل إسلام يقول لها من الكلام المعسول لمدة تقرب السنتين حتى بدأ قلب سلمى يرق. ولكنها لم تكن لترد على إسلام، وتتركه يقول لها ما يقول ويرسل لها من الرسائل. لم تكن سلمى تود أن ترد عليه، ولكن قسوة قلب أمها عليها ولا يوجد في حياتها أي أحد ولا حتى أصدقاء، فأمها لم ترضَ لها أن تكمل تعليمها، وتركتها وحيدة. بغير قصد لها حنت، وأحبت إسلام.
كانت سلمى تتذكر كل ذلك وهي تبكي. تركها إسلام هكذا بدون طعام لمدة يومان. كادت سلمى حينها أن تموت جوعاً فيهما.
في اليوم التالي فتح إسلام عليها الباب وفي يده أكياس من الطعام. أخذتهم سلمى منه خطفاً وبدأت في تناولهم بشهوة وبجوع.
كان إسلام ينظر لها ضاحكاً على ما وصلت له. فبطنها بدأ يظهر قليلاً ولكن جسمها كان نحيف جداً، وجهها يفتقر إلى أي حيوية. كانت سلمى تأكل بسرعة محاولة سد جوعها الذي دام ليومين.
إسلام وهو يضع يده على وجهه: علشان تمدي إيدك عليا كويس يا سلمى.
نظرت له سلمى بغضب ثم تركت الطعام ونهضت لتقترب منه. نظر لها إسلام بصدمة.
إسلام: إيه عايزة إيه؟
سلمى: وحشتني يا إسلام.
رفع إسلام حاجبه منها، وبدأ يقترب منها.
سلمى: أنت رايح فين؟
إسلام: إيه مش وحشتك؟
سلمى: آه طبعاً بس أنت عرقان كده وريحتك مش لطيفة.
رفع إسلام حاجبه ونظر لها بغضب: لا والله.
ضحكت سلمى: آه والله، ادخل خد شاور كده ولا حاجة.
إسلام: ماشي.
أكملت سلمى تناول طعامها وتركت إسلام يدخل إلى الحمام ليأخذ شاور. سلمى بتفكير: لا يمكنها أن تعيش هنا أكثر من ذلك، كما أنها لا تأمن لإسلام على ابنها. أصبح الآن لا يهمها أن تعيش في الشارع، فعيشتها في ذلك المنزل بدون طعام وتحت ذل إسلام.
دخل إسلام إلى الحمام وفتح الماء ليتحمم. تسحبت سلمى من مكانها وذهبت بسرعة لتخرج من المنزل وأغلقت الباب خلفها ببطء.
ركضت سلمى على السلم ونزلت من المنزل. خرجت من ظلم إسلام ومن حياة ذلك المتجبر الذي يكسرها كل يوم عن الآخر. ابنها ستتمكن من تربيته بمفردها. ظلت سلمى لتركض، وفي طريقها وهي تركض وجدت بعض الأطفال في الشارع. جلست سلمى بجانبهم. ظلت سلمى بجانبهم تأكل مما يأكلون لمدة 3 شهور، وبطن سلمى بدأت تكبر أكثر وأكثر. بدأ الأولاد بالتعلق بها قليلاً هي وبطنها الكبيرة ينتظرون طفلها الصغير ويجعلونها لا تعمل ويحضرون لها معهم الطعام.
وفي يوم كانت سلمى تسير مشتتة الذهن بنفس ملابسها البيتية التي اعتاد الناس أن يروا بها معظم أطفال الشوارع.
وقف فجأة أمامها سيارة. نزل منها شاب وهو ينظر لها بغضب. أدخلها الرجل السيارة لتنظر بالداخل وجدت رجل آخر.
سلمى: إيه ده أنت مين وأنا بعمل إيه هنا وعايز إيه مني؟
: يا اهلا بالحلوة اللي كانت السبب في عجزي.
رواية اليتيمة الفصل الرابع 4 - بقلم اميرة خالد
سلمي بصدمة واستغراب: عجزك! عجزك إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة. أنا بعمل إيه هنا؟ خرجوني من هنا، وإلا هصرخ وهلم عليكم الشارع كله.
حاولت سلمي فتح الباب، ولكن الباب أغلق عليها. نظرت سلمي مجددًا للذي كان بجانبها وبدأت بالبكاء.
سلمي: طب أنا عملتلك إيه طيب؟ والله أنا ما عملتش حاجة. طب أنت تبع إسلام طيب؟ والله أنا هبعد عنهم وماليش دعوة بيهم، أهم حاجة أربي ابني وبس. أرجوك أرجوك نزلني وأنا مش هكلم إسلام ولا هاجي جنبه تاني.
أسر مسكها من شعرها: إسلام مين ده يا بت اللي بعتني ليكي؟ واضح إن ليكي أعداء كتير بقا.
سلمي: أعداء إيه يا باشا؟ أنا مش فاهمة حاجة. هو فيه إيه؟ أنت مين؟
أسر وهو ينظر إلى بطنها المنتفخة: هههه، أنتِ لسه ما جبتيش الولد ده. ولا صحيح، اللي عدى على آخر مرة شوفتك فيها ست شهور.
سلمي وهي تنظر له بخوف واضعة يدها على بطنها: شفت مين حضرتك؟ أنا معرفكش أصلاً ولا شوفتك قبل كده. وبعدين، نزلني بقا يا باشا، أنا مش حمل بهدلة واللي أنت بتدور عليها دي مش أنا.
أسر: اطلع يا ابني.
سلمي: يطلع، يطلع فين يا باشا؟ أنا عايزة أنزل. نزلووووني، نزلووووني.
خبطت سلمي على زجاج السيارة محاولة الصراخ بصوت عالٍ حتى يلتفت لها أي حد، ولكن لا نفس ولا صوت.
تجاهلها أسر وظلت السيارة تسير، وسلمى بجانبه تصرخ محاولة أن يسمعها أي أحد، ولكن هيهات، لا أحد هنا ليسمعها. ظلت سلمى تصرخ حتى خارت قواها وجلست تبكي بجانبه.
وصل السائق بها وبأسر إلى منزل فخم كان يشبه منزلها قبل أن تطرد منه.
أسر: انزلي يلا.
سلمي: انزل فين يا باشا؟ والنبي سيبني أمشي خلاص، أنا تعبت.
أسر بغضب: بقولك انزلي.
نزلت سلمي بخوف منه لتجد أحد الخدم يأتي عند بابه ويفتح الباب وفي يده كرسي بعجلات، ليعاونه في النزول من السيارة وبقدميه المشلولتين التي لا يقدر أن يحركهما. كانت سلمي تنظر له باستغراب، كيف له أن يكون جبارًا هكذا وهو في نفس الوقت قعيد، ابن جاء بتلك القوة؟
رفع أسر صوته: يلا امشي قدامي.
سلمي: امشي فين يا باشا؟ أنا هنا جاية أعمل إيه؟
أسر: أنتِ جاية هنا عشان تخدمي اللي كنتِ سبب في عجزه.
دخل أسر ورجل آخر أمسك سلمي وبدأ في شدها لداخل المنزل، وهي لا تستوعب ما الذي يحدث ومن الذي عجزته وكيف لها أن تخدمه، ومن هو أصلًا وما الذي تفعله هنا؟ كانت تلك هي كل الأسئلة التي عصفت برأس سلمي ولم تجد لها من إجابة شيئًا.
تقدمها أسر وأدخلوه إلى المنزل أولًا، وسلمي خلفه يشدها أحد رجال أسر.
أسر بصوت عالٍ وهو ينادي على أحد الخدم: يا فوزية، فوووووزيه.
فوزيه: أيوه، أيوه حاضر يا باشا، حاضر.
أسر وهو ينظر بقرف لسلمى: خدي المعفنة خليها عندك في المطبخ وشوفي لها أي حاجة تلبسها بدل القرف اللي بقالها شهرين لابساه.
فوزيه: لا مؤاخذة يا باشا، هي مين دي؟
أسر وهو ينظر لسلمي بتشفي: دي الخدامة الجديدة.
نظرت له سلمي بصدمة: نعم! خدامة إيه؟ أنت بتقول إيه أنت؟ أنا ولا خدامة ولا نيلة، أنا عايزة أمشي، مشوني، سيبوني أخرج من هنا.
أسر: على فين يا حلوة بس؟ وأنتِ فاكرة أن خروج الحمام زي دخوله ولا إيه؟
بكت سلمي ثم نزلت على الأرض بتعب من الحمل: أرجوك يا باشا، أرجوك أنا تعبانة وحامل ومش قد حمل البهدلة، ومش قد شغل البيت. أنت لو عايزني أوطي على رجلك أبوسها دلوقتي، بس سيبني أمشي من هنا يا باشا وأنا آسفة على أي حاجة ممكن أكون عملتها لك.
ضحك أسر على سذاجتها: يا مرحب بيكي يا حلوة في مملكتي.
رواية اليتيمة الفصل الخامس 5 - بقلم اميرة خالد
نظرت له سلمى بحزن: طب أنا عملت لك إيه طيب وليه تعمل فيا كده؟
التفت أسر عنها، ولف وجهه عنها، وتحرك بكرسيه.
أسر: يلا يا فوزيه، خلي الخدامة الجديدة تشوف شغلها.
نظرت لها سلمى بحزن، واستندت عليها محاولة القيام من على الأرض، ودخلت معها بضعف إلى المطبخ.
أدخلتها فوزيه إلى الحمام لتأخذ حمامًا، وجلبت لها عباءة واسعة لتناسب بطنها الكبيرة.
فوزيه: نامي أنتِ دلوقتي يا بنتي، والصبح إن شاء الله تشتغلي معايا، وهحاول ما أجهدكيش عشان الحمل اللي في بطنك يا بنتي، ربنا يقومك بألف سلامة.
سلمى ببكاء: طب يا دادة، أنا عملت إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.
فوزيه: والله يا بنتي، مانا عارفة، هو من ساعة الحادثة اللي عملها، وهو حاله انقلب تمامًا.
سلمى بتفكير: حادثة؟ حادثة إيه يا دادة، وإيه اللي حصله؟
فوزيه: العربية بتاعته اتقلبت يا بنتي، ربنا ما يوريكي، وقعد في المستشفى شهر كامل، ومن ساعتها وهو عاجز كده على الكرسي اللي هو فيه ده، ومن ساعتها وحاله اتبدل وبقى بالمنظر اللي أنتِ شايفاه ده.
سلمى بهمس مع نفسها: معقولة يكون هو نفس اللي عمل حادثة لما أنا وقعت في الشارع؟ لا... لا، إن شاء الله لا، مش هو.
نامت سلمى في ذلك اليوم بتعب مما مرت به في يومها هذا.
استيقظت سلمى على مياه تنزل على وجهها.
سلمى بخضة: أييييه، أييييه، فيه إيه؟
أسر: قومي يا هانم، كل ده نوم، يلا قومي.
خرج أسر من المطبخ، وسلمى خلفه تنظر له بغل.
فوزيه: معلش يا بنتي، أنا قلت له هصحيكي، هو أصر إن هو اللي يجي يصحيكي ويعمل فيكي كده، معلش حقك عليا.
سلمى: خلاص يا دادة، حصل خير، بس معلش ممكن تجيبي لي عباءة تانية عشان دي اتغرقت من المياه.
فوزيه بتوتر: لا... ما هو أصل أسر بيه قالي متديهاش عباءة تانية.
سلمى: يعني إيه يا دادة؟ هفضل قاعدة كده بهدومي المبلولة، طب إزاي يا دادة؟
فوزيه: سامحيني يا بنتي، والله هو اللي أمر بكده، وفي الحالة اللي هو فيها دي لو رفضتله أمر، هيرفدني من هنا، سامحيني.
كادت سلمى أن تنزل الدموع من عيونها، ولكنها مسحتها سريعًا، فالبكاء لا فائدة منه بعد الآن، أخذ من وقتها الكثير ويكفي ذلك.
دخلت سلمى الحمام، وبدأت في عصر ملابسها، على قدر كبير حتى ظنت أنها جفت بالكامل.
خرجت سلمى للدادة فوزيه، التي بدأت في إعطائها مهامها لهذا اليوم، من مسح للغرفة هذه وهذه، وتنظيف ذلك الصالون من الأتربة.
حذرتها فوزيه من دخول المكتب، لأن أسر لا يحب أبدًا أن يحرك أحد أشياءه، وإذا حدث ذلك انقلب المنزل كله غمًا وهمًا من انقلاب وجه أسر.
سمعت سلمى كلامها، وبدأت في العمل بالفعل، وتنظيف هذا وذاك.
كان أسر يأمر خدمه بتخريب كل ما تفعله، لكي يجعلها تفعله مرة أخرى.
كانت سلمى تحزن في البداية، ولكنها اعتادت، كلما خربوا شيئًا عدلته مرة أخرى.
ظلت سلمى هكذا طوال اليوم.
انتهت سلمى من شغل هذا اليوم، وأسر طوال اليوم في غرفته لا يخرج منها.
أنهكتها الأعمال المنزلية، تناولت لقيمات بسيطة لها، ثم ذهبت سريعًا لتنام من التعب.
في صباح اليوم التالي، أيقظها أسر بنفس الطريقة، وهو ينظر لها بتشفي.
نهضت سلمى من مكانها، ودخلت الحمام لتفعل بملابسها كما فعلت بالأمس.
ذرفت سلمى دمعتين، ثم مسحتهما.
ذهبت سلمى لتؤدي الأعمال المنزلية المطلوبة منها كالعادة، ولكن في ذلك اليوم طلبها أسر في الغرفة.
سلمى: أفندم.
أسر: أنتِ اسمك إيه يا بت أنتِ؟
سلمى: بت!! سلمى، اسمي سلمى.
أسر وهو ينظر لبطنها: الواد اللي في بطنك ده ابن مين يا سلمى؟
سلمى وهي تضع يدها على بطنها: ابني.
أسر بضحكة: لا والله!! أنتِ هتستعبطي عليا يا بت، مين أبو الواد ده؟
سلمى بخوف منه على طفلها: جوزي... جوزي الله يرحمه.
أسر: هممم، الله يرحمه، أمال مين إسلام اللي كنتي بتقولي عليه في العربية ده؟
سلمى بتوتر: ده... ده أخو جوزي.
أسر: جوزك ميت من امتى؟
سلمى بتوتر أكبر: ميت من شهرين، من شهرين.
أسر: ولما أنتِ جوزك ميت من شهرين، إيه اللي مقعدك في الشارع كده؟
سلمى: ظ...ظروف يا باشا، ظروووف.
أسر: وإيه بقا الظروف اللي تخلي واحدة حامل تبيت في الشارع؟ أنتِ بتكذبي عليا يا سلمى، أنتِ عارفة يا سلمى إيه أكتر حاجة بكرهها في حياتي، الكذب ياااا...
قطع كلام أسر دخول إحدى الفتيات الجميلات، والتي أعجبت سلمى بهيئتها وطلتها الجميلة وإطلالتها العصرية.
سلوى: بتكذب عليك في إيه يا أسر؟ أنا أسيبك يومين، ألاقيك جايب ستات في البيت وكمان حوامل؟ مين دي يا أستاذ...
أسر بخضة: سلوى، إنتِ إيه اللي جابك دلوقتي يا سلوى؟ أنتِ مش كنتي مسافرة؟
سلوى: أيوه كنت مسافرة يا أستاذ، بس أديني رجعت، رجعت أهو عشان أشوفك على حقيقتك.
ثم نظرت إلى سلمى بقرف: مين المعفنة اللي أنت جاي بها البيت دي يا أستاذ، وبتعملوا إيه في الأوضة هنا؟ ويا ترى بقا الطفل اللي في بطنها ده ابنك، ولا أنت بتداري على فضيحتها؟
كانت سلمى تستمع إلى كل تلك الإهانات، وكان تلك الإهانات وكلامها اللاذع كالسكاكين التي تقطع بها.
لم تحتمل سلمى كل تلك الإهانات، ومرة واحدة ضربتها كف على وجهها.
سلمى ببكاء: اخررررررسي.
رواية اليتيمة الفصل السادس 6 - بقلم اميرة خالد
نظرت له سلوى بصدمة: بقا أنت تضربيني أنا يا معفنة؟
ضربتها سلوى كف على وجهها، وبدأت في شد شعرها.
أسر بصراخ: بس يا سلوى، بس.
كان أسر عاجزاً بينهم، لم يستطع أن يفرق بينهم.
سلوي: أنا يا كلبة.
كانت سلوى تضرب سلمى، وسلمى تحت يدها تناجي وتتألم.
نادى أسر على أحد خدمه ليفكهم عن بعضهم.
لم تتحمل سلمى كل ذلك، فهي منذ أيام وهي تأكل من اللقمات القليل منها، ومع العمل الزائد عليها وعلى جسدها الضعيف وابنها القادم للحياة، لتسقط سلمى في إغماءة لساعات قليلة، ولكنها كانت كفيلة لراحتها من إرهاق بدني لا ذنب لها فيه.
رفعها خدم أسر وأدخلوها غرفة لترتاح فيها حتى يأتي الطبيب، وذلك تحت أمر أسر.
أسر بصوت عالٍ: إيه اللي أنت عملتيه ده يا سلوى؟
سلوي: بصراحة بقا أنا زهقت منك ومن قرفك. وأقولك على حاجة؟ أنا مش عايزة أكمل مع واحد مشلول وكمان بتاع ستات. وادي دبلتك أهي.
خلعت سلوى الدبلة وأخذت شنطتها وخرجت من الغرفة ومن المنزل بأكمله.
كان أسر ينظر لطيفها بصدمة: هاهي شخص آخر يتركني ويذهب. وكله بسبب عجزي وشللي. وكل ذلك بسببها. أقسم لكِ ستندمين على كل ثانية عشتها في حياتك يا سلمى.
بداخل الغرفة، سلمى تنام في سبات عميق بعد ما أعطاها الطبيب مهدئاً.
الطبيب: المدام محتاجة راحة، ومحتاجة متابعة مع الدكتور بتاعتها، لأن واضح أن الحمل تاعبها.
فوزية: حاضر يا دكتور، ماشي.
الطبيب: هاتولها الدواء ده، ومتنسيش المتابعة مع الدكتور.
فوزية: حاضر، حاضر يا دكتور.
خرج الطبيب وخرجت معه فوزية، تاركين سلمى في سباتها وأحلامها وعالمها الخيالي الهيِّن عليها ولو كان قليلاً.
مرت الأيام على سلمى بعد ذلك وهي تعمل في المنزل، لا تختلط مع أسر ولا تحاول الاختلاط. كلما رأته في مكان في البيت، تلفت وجهها وابتعدت عنه. كان خدم أسر يفعلون مثلما أمرهم أسر دائماً بتخريب كل ما تفعله سلمى. كانت سلمى لنهاية اليوم تجلس بالجانب تبكي، تبكي حظها، تبكي ما تمر به في أيامها، تبكي مستقبل ابنها كيف سيمر؟ كيف ستربيه وحدها؟
في ذات يوم دخل أسر عليها وهي تبكي.
مسحت سلمى دموعها بسرعة وحاولت جاهدة بصعوبة النهوض من مكانها.
أسر: خليكي مكانك.
جلست سلمى مرة أخرى، لكنها لم تكن تنظر إليه.
أسر: بتعيطي ليه يا سلمى؟
سلمى بجمود: مش بعيط.
أسر وهو يقترب منها بكرسيه: جفنك المبلول ده مش عياط، عنيكِ المنفخة دي مش عياط.
سلمى وهي تنظر له بقسوة: فكك يا باشا من الدمعتين دول والجفون المبلولة دول. وقولي أنا هفضل هنا هعمل إيه يا باشا؟ أنت عايز إيه مني يا أسر باشا؟
أسر: أسر.. قوليلي أسر بس.
سلمى: يا أسر باشا أنت عايز إيه مني؟
أسر: انتي هنا عشان تتعذبي يا سلمى.
سلمي: لا، وأهنيك أوي يعني. عذاب من النوع الثقيل. تجيبني هنا خدامة ليك وللخدم بتوعك. تعب وإهانة. طلوع ونزول بحملي وتعبى ومش مهم. رجلي الوارمة اللي مبقتش عارفة هي وارمة من الحمل ولا من الشغل والمرمطة في البيت ده. ميه تترمي عليا كل يوم. لا، وبشرط مفيش أي عباية تانية ألبسها. لا، خليكي بالمبلول على جتك لحد ما تبردي وتموتي يا سلمى انتي وابنك. كل ما اشتغل في البيت خدمك يبهدلوا تاني، واعدلي تاني يا سلمى، وإلا تتهزقي. لا، وتجيب الهانم الكبيرة تيجي وتهزقني. لا، بجد برافوووو برافوووو يا باشا. عملت اللي انت عايزه صح، وبهدلتني صح الصح. تصدق اللي انت عملته فيا معملهوش فيا إسلام وأمي اللي طردتني من بيتها.
كانت سلمى تلقي كل ذلك على مسامعه، وعيناها انفجرتا في بكاء ودموع لروحها وعلى روحها، وكأنه خزين حزنها طوال تلك المدة، وذلك لجانب حملها الذي بدأ يشتد عليها في تلك اللحظة. لم تكن تعلم في أي شهر هي ولا تتابع مع أي أطباء.
على الجانب الآخر كان أسر يستمع إلى ذلك في صدمة. أفعل كل ذلك بها؟ أذنها لتلك المرحلة؟ استغل ضعفها واستغل سكوتها وداس عليها.
أسر بضعف: أنا ا..... أس.... أسف.
ألقى أسر تلك الكلمة على مسامعها، وهي لم تتلقاها، بل كانت في ألم آخر. آلام الولادة قد بدأت عليها.
وبصرخة فزع منه: الحقننننننني مش قاااااااادرة.
كان أسر عند سلمى في المساء والخدم قد ناموا. لم يستطع أسر أن يفعل لها شيئاً بعجزه وقدميه.
أمسك أسر بيديها: اهدي اهدي، يا فوووووزيه يا محممممممممد أي حد هنااااااا يا فوووووزيه.
كان أسر يصرخ في محاولة لأن يسمعه أحد، ولكنهم لم يسمعوه حتى الآن.
حاول أسر أن يساعدها بأي شيء، ولكن فجأة إذا به يسقط عن كرسيه المتحرك جالساً على الأرض بجانبها.
كانت سلمى تبكي بشدة وتصرخ: الحقننننننني.
سقط أسر بجانبها من عجزه. ود أسر لو أسقط دمعتين على ما وصل به حاله الآن، ولكن ليس الآن، فالبكاء مساءً في غرفته أهون عليه. تعالت صراخ سلمى واستيقظ الخدم وبدأوا بمساعدتها بالفعل وطلبوا الإسعاف الذي وصل وأخذها على المستشفى.
في وسط تلك الانشغالات والصريخ، كان كلٌ يجري محاولاً اللحاق بها، ولكنهم تركوا أسر، مما جعله يبكي على حاله وضعفه. نظر أسر إلى قدمه بضعف، محاولاً تحريكها، ولكن لا فائدة. ضرب أسر عليها أكثر من مرة، ولكن لا حياة، وكأنك تضرب بجسد ميت لا حياة فيه.
انتبه له أحد الخدم وبدأوا في مساعدته ورفعوه على كرسيه متحركين به إلى غرفته.
أسر: أنت رايح فين؟
الخادم: هوديك على أوضتك يا باشا.
أسر: لا، وديني المستشفى وراها. ندخل بس أغير ونروح.
الخادم: حاضر.
في المستشفى
كانت سلمى تصرخ بألم وبتعب من أثر ولادة طفل. أبوه لم يكن يوماً يريده، كان يريد فقط شهوته وسلطته وجبروته. بأي ذنب يولد طفل يتألم في حياته وأبوه لن يعترف به من الأساس، لن يعترف بوجوده. كيف يمكن لأم أن ترد على ابنها عندما يسألها: أين أبي؟ وهي تعلم بمكانه، ولكن هو لا يريده، لا يريد حياته. لا مانع في أن ترى أب يطلب موت ابنه.
وصل أسر المستشفى وكان يسمع صرخات سلمى بالداخل التي دامت لفترة. كان أسر متوتراً، وكأن ذلك ابنه وتلك هي زوجته.
خرج الطبيب ليقترب منه أسر بكرسيه: خير يا دكتور، هي سلمى كويسة ولا إيه اللي حصل؟
الدكتور: هي المدام كويسة، بس فقدت دم ومحتاجين لها نقل دم لأن فصيلة دمها نادرة للأسف.
أسر: أنا... أنا ممكن أتبرعلها.
الدكتور: طيب حضرتك ممكن تروح مع الممرضة وهي تعرف هي مطابقة ولا لأ.
أسر وقد استمع الطبيب مرة أخرى من البالطو الأبيض: دكتور، طب والطفل؟
الدكتور: الطفل للأسف اتولد ضعيف جداً، ده هيخليه يقعد في الحضانة شوية.
أسر: دكتور، هي سلمى هتكون كويسة؟
الدكتور: إن شاء الله.
ذهب الطبيب من أمامه، ولكن ما زال يشعر بتوتر وخوف كبير عليهما. يشعر بالذنب عليها وعلى حالتها. وجدها في الشارع بثياب منزلية ببطن تحمل بداخلها طفلاً يحتاج لغذاء. يعلم أنها سبب حادثته، ولكن أشفق عليها وعلى حالتها. في منزله كان يعاملها بسوء، ولكنها على الأقل معه تحت سقف يحميها هي وطفلها، ولقمة يجدها في نهاية كل يوم، وملابس تسترها من كلاب الشارع تنهش ولم ترحم يوماً.
تبرع أسر بالدم وجلس خارجاً قليلاً حتى طلب منهم أن يدخل إلى سلمى.
أسر بجانب سلمى: سلمي.
لا صوت، فقط صفير أجهزة كهربائية. كان يعلم أهميتها في كل يوم عمل له قبل عجزه وجلوسه في المنزل كالنساء بلا عمل. كان يقدر الحياة ويحبها، ولكن الآن يتألم جلوسه في منزله.
نام أسر على كرسيه بجانبها لتبدأ شمس اليوم التالي تداعب جفنيهما.
أفاق أسر ليلقي نظرة على سلمى، التي بدأت هي الأخرى بتحريك بؤبؤ عينيها من أسفل جفنها، عينان تفتحهما ببطء استقبالاً لضوء وأشعة شمس تزعجها كثيراً فتغلقهما. حياة تبدأ في استيعابها مع لحظات أخيرة من ألم ولادة طفلها.
فتحت سلمى عيناها فجأة قائلة بتعب وصوت ضائع من صراخ استمر لقرابة الساعة: ابني... ابني فين؟
أسر: انتي كويسة يا سلمي؟
سلمي: أسر باشا، أنت هنا؟
أسر: قولتلك أسر بس يا سلمي.
سلمي: ابني فين يا أسر باشا؟
أسر: اهدي يا سلمي، ابنك تعبان شوية وحاطينه في الحضانة.
سلمي بفزع: أييييييييه.
رواية اليتيمة الفصل السابع 7 - بقلم اميرة خالد
أسر في محاولة لتهدئتها: اهدي يا سلمي، ابنك اتولد ضعيف شوية واتحط في الحضانه وهيكون كويس اوي ان شاء الله.
سلمي بدموع: يعني هو هيكون كويس صح؟
أسر: ايوة يا سلمي، متخافيش.
سلمي وهي تبكي في صمت: هو هيكون كويس، هيكون كويس، انا ماليش غيره في الدنيا دي وهو مستحيل يروح مني.
كان أسر يسمع كل ذلك وهو مشفق عليها. على ما وصلت له، بالفعل ليس لديها سوى طفلها هذا. منذ أن جئت إلى منزله لم يرى في يدها هاتف أو مكالمة من أحد أقاربها، بالتأكيد ليس لها أقارب، وإلا كيف لها أن تبيت هكذا في الشارع بطفلها. وماذا عن والد الطفل، هل كانت ضحية اغتصاب أم ضحية لزوج ظالم أم ضحية لشاب طائش مجنون؟
كان أسر ينظر لها وهي تبكي في صمت إلى أن دخل الطبيب عليهم.
الطبيب: مدام سلمي، أخبارك إيه النهاردة؟
كانت سلمي تبكي ثم التفتت له في لهفة: دكتور، ابني يا دكتور عامل إيه وهقدر أشوفه امتى؟
الدكتور: اهدي يا مدام سلمي، ابنك كويس وبخير بس هو للأسف اتولد ضعيف ومحتاج يفضل في الحضانه شوية.
سلمي: طب... طب أنا عايزة أشوفه، أرجوك عايزة أشوفه.
الدكتور: طيب، أنا هخلي واحدة من الممرضات تأخذك توديكي تشوفيه من بعيد.
سلمي بفرحة أطفال ولهفة: ماشي... ماشي.
كان أسر يراقب كل ذلك، يراقب زعلها على طفلها. تمنى للحظة لو وجد أمه خائفة عليه ولم تتركه بعد عجزها.
جاءت الممرضة وأحضرت معها كرسياً لجعل حركة سلمي أسرع وأسهل، خاصة بعد ولادتها وحملها. جلست سلمي على الكرسي تسابق الطرقات بعينيها لهفة للوصول إلى ابنها. أوصلتها الممرضة على ممر به ألواح زجاجية بداخلها غرفة تحمل العديد من الأطفال الصغار. أشارت لها الممرضة على مكان طفلها وخرجت من المكان تاركة إياها مع طفلها تراقب حركاته البسيطة وتبكي بدموع من خلف الزجاج. تتلمس الزجاج وكأنها تلمسه، ترى بشرته المحمرة وتفاصيله الصغيرة جداً وتتعلق بها أكثر وأكثر، تحفرها ببطء وهدوء في ذكرياتها وتبكي بحسرة متمنية لو كان بين يديها فتملك بها الدنيا وما فيها بنظرة في عينيه الصافيتين والصغيرتين.
دخل أسر إلى نفس مكانها ووضعه الخادم بجانب كرسي سلمي. انتبهت له سلمي ولكنها لم تلتفت له. يراه معها ناظراً له بلهفة وكأنه طفلها. يضحك أسر بمجرد رؤيته وينظر إلى سلمي وإلى أعينها المتعلقة به وكأنه حبل نجاة حياتها وآلامها.
أسر: جميل أوي.
سلمي: أوي أوي، بس للأسف...
أسر: مين أبو الولد ده يا سلمي؟
سلمي وقد انقلبت ضحكتها: عايز تعرفه ليه يا أسر باشا؟ أنا ابني هربيه لوحدي ومش مهم عندي لا أب ولا أخ ولا أم وزوج، أنا ابني معايا بالدنيا وما فيها.
أسر: طب وابنك ده مش هتحتاجي تدخلي له مدرسة وهتسجلي شهادة ميلاده إزاي؟ لما يكبر ويسألك فين أبويا هتردي تقولي إيه يا سلمي؟
سلمي بحزن: مش عارفة، مش عارفة يا أسر باشا مش عارفة.
أسر: قوليلي يا سلمي يمكن أقدر أساعدك.
سلمي: مش دلوقتي يا أسر باشا مش دلوقتي. لما أمشي هفهمك كل حاجة، وأنا إن شاء الله ابني يخرج من الحضانه وأنا هاخده وهمشي بيه إن شاء الله، وشكراً ليك على إنك خليتني في بيتك كل ده.
سمع أسر منها ذلك حزيناً وللّحظة شعر أنه لا يريد ذهابها.
عادت سلمي إلى غرفتها بعد أن أجبرها الممرضون على الخروج من المكان، لتعود في اليوم التالي إلى المنزل بدون طفلها. عودتها إلى المنزل بدون طفلها كانت كفتيلة انطفاء بالنسبة لها. أصبحت أكثر صمتاً، أقل شغفاً، لا تبتسم. وكلما نظرت إلى أسر يرى في عينيها نظرة تمني أن يأخذها لرؤية طفلها، فيستجيب لنداء عينيها آخذاً إياها لرؤية طفلها وليراه هو الآخر، فقد تعلق به كما تعلقت هي به.
بعد مرور أسبوعين.
الدكتور: الحمد لله يا مدام، ابن حضرتك بقى كويس وتقدرى تاخديه معاكي وتروحي.
نظرت له سلمي بفرحة، ثم خرّت ساجدة لله شاكرة إياه. وبفرحة أطلقت زغروطة خارجة من قلب أم يعود ابنها معها لأول مرة منذ ولادته.
نظرت سلمي إلى أسر الذي كان في المقابل سعيداً هو الآخر، ولكن فجأة انقلب وجهه حزناً. لم تفهم سلمي تعابير وجهه ولم تفهم سبب تقلب وجهه ومزاجه المفاجئ، ولكنها لم تهتم وذهبت مسرعة إلى طفلها لتلمسه وتشتم رائحته للمرة الأولى.
عادت إلى المنزل وهي تضم على طفلها بحب أم عاد إليها طفلها أخيراً. ينظر لها أسر بفرحة، ولكن بداخله حزناً يمكنك أن تراه في عينيه.
في المنزل، بمجرد أن رأتهم فوزية، أطلقت زغروطة عالية وأمسكت الطفل منها بحب وفرحة وبدأت في مداعبته واللعب معه. كانت عيون سلمي على الطفل بخوف وعلى مستقبله، ولكنها طردت الحزن منها لتلك اللحظة لتستمتع بعودته.
مرت الأيام وسلمي بدأت تستعيد صحتها وعافيتها وبدأت تستعد للرحيل بابنها، حتى وإن كانت لا ترغب، لكنها لا يمكنها الاستمرار هنا أكثر من ذلك في ذلك المنزل.
أسر: انتي رايحة فين يا سلمي؟
سلمي: أنا خلاص مش هقدر أفضل عايشة هنا تاني يا أسر باشا.
أسر: أولاً أنا اسمي أسر بس، ثانياً هتروحي فين بابنك يا سلمي؟ هتربيه في الشارع؟ هتأكليه منين وهتشتغلي إزاي وهتخلي بالك منه؟
سلمي بدموع: ما هو أنا مش هينفع أفضل هنا أكتر من كده يا أسر، أنا بعمل إيه هنا؟ إيه مكاني هنا؟
أسر: منكرش إني أول ما جبتك البيت هنا كنت عشان أعذبك وأدمرك لأنك كنتي السبب في قعدتي دي على الكرسي.
سلمي: قعدتك دي على الكرسي نصيبك يا أسر، ده اختبار من ربنا عشان يشوف إيمانك بيه وأنا ماليش ذنب، أنا كنت مجرد سبب، لكن انت سمعت لصوت نفسك وبس وجبتني هنا وهزقتني وعيشتني هنا خدامة تحت رجلك.
أسر: الحادثة اللي انتي كنتي سبب فيها دي بعدت عني ما اللي كانوا بيحبوني سابوني ومشوا وأنا قاعد على الكرسي ده عاجز ولا عارف أروح لهم ولا عارف أعاتبهم ولا عارف حتى إني أنزل شغلي اللي كنت بحبه.
سلمي: مفيش حد بيحبك يا أسر يقبل على نفسه إنه يسيبك وانت في حالتك دي وده مجرد اختبار من ربنا. وربنا هيقويك وأكيد ليك علاج وهتقدر ترجع تمشي تاني على رجلك. خلي انت بس عندك إيمان بربنا وهو واقف جنبك.
أسر بضعف: طب وأنتي كمان هتسبيني وتمشي؟ انتي كمان هتمشي زيهم انتي وابنك عمر. أنا صحيح معرفكيش كويس بس اتعلقت بابنك يا سلمي، اتعلقت بيه وبخوفك عليه وبحبك ليه ومش عايزاه يمشي يا سلمي.
سلمي: طب وإزاي يا أسر أنا مكاني إيه هنا؟ هعمل إيه هنا ولا هعيش إزاي هنا وبصفتي إيه؟
أسر: انتي ممكن تفضلي هنا مع الخدم هنا.
نظرت له سلمي بعتاب، ليصحح أسر كلامه مسرعاً: انتي هتفضلي هنا قدامهم إنك لسه عايشة معايا على إنك الخدامة بس خلاص انتي مش هتخدمي تاني وهتخلي بالك من ابنك ويفضل هنا معايا عشان أنا حبيته أوي ومش هقدر أعيش من غيره.
سلمي وهي تربت على ظهر طفلها الصغير مفكرة في كلامه، فهي بالفعل لن تستطيع أن تترك المنزل وتذهب، ابنها صغير وجلوس الشارع بالنسبة له أصعب مما يكون.
سلمي: ماشي أنا موافقة يا أسر باشا بس بشرط.
تهللت أسارير أسر: أولاً أسر بس بقا، ثانياً إيه هو الشرط؟
سلمي بعند: تتعالج يا أسر باشا عشان ترجع تقدر تمشي على رجليك وترجع شغلك تاني وترجع لكل اللي بتحبهم، أو اللي بيقولوا إنهم بيحبوك.
ضحك أسر على كلامها: يبقى اتفقنا يا سلمي.
فرحت سلمي حاضنة طفلها بسعادة لترى لهفة أسر عليها، ليحمل الطفل فأعطته له سلمي وأجلسته على قدمه. سَعُد أسر به كثيراً وبدأ في اللعب معه بفرحة وسعادة. لاحظت سلمي هدوء ابنها معه وسكونه لتضحك لهما في سعادة.
أخذت سلمي كرسيه وتحركت به إلى غرفته لتدخله لينام. أعانته سلمي لينام على سريره بهدوء. أعطاها أسر الطفل إلى أن عدل نفسه على السرير وأخذه منه ثانية. نظرت له سلمي باستغراب، فوقت نوم ابنها قد حان ولكنّه هادئ بين يدي أسر. قبلت سلمي رأس طفلها ودثرتهما جيداً وتركت ابنها ينام بسلام بين يديه. تعلم أنها بعد دقائق ستأتي لتأخذه يصرخ من بين يدي أسر، لذلك ظلت بالخارج تنتظر أن تأتي لتأخذه.
نامت سلمي في مكانها لتستيقظ صباحاً مبكراً على صوت بكاء ابنها. دخلت سلمي الغرفة لتجد أسر قد اعتدل بصعوبة ليحمل الطفل وبدأ في هدهدته وإسكانه.
مرت الأيام على سلمي وأسر وابنها عمر بتلك الطريقة، ولكن أسر قرر بعد إصرار سلمي أن يتعالج وأن يستعيد قدرته على السير مجدداً ليعمل مرة أخرى. لم تحاول سلمي أن تطرق إلى موضوع والد عمر، ولكنّه كان يشغل تفكيرها دائماً. ما الذي ستفعله في شهادة ميلاده التي لن يقبل إسلام أن يسميه على اسمه.
مر على ذلك ثلاث سنوات استعاد فيها أسر قدرته على السير مجدداً وممارسة عمله. كان أسر سعيداً بذلك كثيراً، وسلمي أكثر سعادة منه. فعلى الأقل هناك حياة لأحدهما يمكنها أن تصلح وتُعدل.
أسر: إيه رأيكم نخرج النهاردة؟
سلمي: معنديش مانع وما أظنش الأستاذ عمر عنده أي مانع، صح يا عمور؟
كان عمر الصغير ملهياً في ألعابه لا يرد عليها ولا يلتفت حتى لها.
ضحك أسر على تجاهل عمر لها.
أسر: إحنا نسمع الكلام ونقوم نخرج بقا ودي أحسن حاجة، وأظن الأستاذ عمر موافق بردو.
خرجوا سوياً، من يراهم من الخارج يظنهم عائلة واحدة، لا يعلم أنهم متشابكين ببعضهم بعضاً، كل منهم لا يمكن لحياته أن تكتمل بدون الآخر، وكأنهم أحبة ولكن مع إيقاف التنفيذ.
أسر: أنا هروح أجيب حاجات من السوبر ماركت أنا وعمر، تيجي معانا؟
سلمي: مش مشكلة، ممكن تروحوا، أنام وأنا هفضل قاعدة هنا مستنياكم.
أسر: خلاص أوك، وإحنا هنيجي على طول.
أسر محدثاً الطفل عمر: يلا يا عموري نجيب حاجة حلوة.
اقترب عليه عمر بفرحة، وسلمي وأسر يضحكان عليه.
ذهب أسر وعمر، وسلمي تراقب طيفهم من بعيد وهو يذهب عنها، متمنية من الله أن يدوم تلك السعادة على وجه طفلها.
إسلام: وحشتيني أوي يا سلمي ووحشني ابني، وبحبك وعايز أرجعلك وموافق اتجوزك.
رواية اليتيمة الفصل الثامن 8 - بقلم اميرة خالد
نظرت له سلمى بصدمة: "إنت بتعمل إيه هنا؟ وإيه اللي جابك؟"
رد إسلام: "أنا كنت بدور عليكي بقالي كتير أوي، وأخيرًا لقيتك عشان أقولك كل اللي نفسي فيه."
كانت سلمى تتلفت حولها خشية أن يأتي أسر وابنها، وهي لا تضمن تصرف هذا المجنون أمامهما.
قالت سلمى بعصبية: "أنا مش عايزة أسمع منك أي حاجة، ولا عايزة أتكلم معاك أصلًا. ولو سمحت امشي من هنا ومشوفش وشك تاني، ابعد عني بقى يا أخي."
رد إسلام بضحكة: "سلمى، أنا عارف إنك مضايقة مني ومش طيقاني، لكن متنسيش إن اللي معاكي ده ابني. وهتلف الأيام وهو هيعرف إني أبوه، وأنا مش عايز ابني يعرف بطريقة تضايقه حاجة زي اللي حصلت معانا."
"أنا بقولك أهو، أنا مستعد أتزوجك وأسمي ابني على اسمي."
قالت سلمى باستغراب لكل ما يقال: "إنت عاقل للي بتقوله؟ ابني، ابني! ولا كأنك كنت حابس أمه في شقة بعيدة وحرمتها من الأكل أربع أيام وكان في بطنها ابنك؟ وأمك اللي طردتني من البيت مع إن هي اللي كانت مربياني! إنت عاقل يا إسلام ولا إنت في إيه؟"
"أنا مش مستوعبة كلامك، وبعتبر نفسي مسمعتش أي حاجة. وإنت انسى إن ليك ابن أصلًا، وأنا هربيه لوحدي غصبًا عنك وبعيد عنك إنت وأمك المريضة اللي قبلت على نفسها ترمي اللي كانت مسمياها بنتها في الشارع."
كانت سلمى تقول كل هذا ودموع تنزل على وجنتيها من صدمات وانكسارات مرت على حياتها. قد تكون قوية، لكن في هذا الوقت هي حزينة على كل ما حدث بها. انتبهت سلمى مرة واحدة أن أسر عائد هو وابنها.
قالت سلمى: "إسلام، امشي من وشي ومش عايزة أشوف وشك تاني يا إسلام، وانسى إنك تعرفني أصلًا."
قال إسلام ببرود: "مستحيل أنسى إنك إنتي حبيبتي، وإنك إنتي أم ابني. ومتنسيش إن إنتي لازم تسمي ابنك باسمي لأني أبوه. مش هتلاقي حد يوافق يشيل شيلة مش شيلته. على العموم، خدي الكارت ده فيه رقمي، ووقت ما تهدي وتفكري كلميني في أي وقت عشان أجي آخدك."
قالت سلمى متسرعة: "ماشي، ماشي. يلا امشي بقى."
مسحت سلمى دموعها سريعًا إلى أن جاء أسر وعمر ابنها.
قال أسر: "متأخرناش أهو."
قالت سلمى محاولة الضحك: "آه، آه فعلًا متأخرتوش."
قال أسر: "طب إيه؟ مش يلا بينا نمشي؟"
قالت سلمى وقد وضعت الكارت الذي في يدها في جيبها: "أيوه فعلًا يلا عشان أنا زهقت."
كان إسلام في الناحية الأخرى ينظر لها نظرة انتصار، ثم ذهب من المكان عائدًا إلى منزله وإلى أمه.
قال إسلام لأمه: "لو تعرفي أنا شوفت مين النهاردة هتموتي من الفرحة."
قالت أمه: "مين يعني؟ وإنت من إمتى معاك أخبار عدلة؟ ولا معاك حاجة تبسطني إنت ولا أبوك اللي قصف عمري قبل ما يموت ولا بعد ما يموت؟"
قال إسلام بضحكة انتصار على وجهه: "لا صدقي، أنا شوفتها النهاردة."
قالت أمه: "شوفت مين؟ أوعى تكون اللي في بالي، مين بسرعة؟"
قال إسلام: "شوفت سلمى يا أمي."
فرحت الأم جدًا حتى أنها أوشكت على الرقص من السعادة والفرح: "يااااااه، أخيرًا! أخيرًا هيرجعلي حقي، وشقا السنين اللي قضيته مع أبوك، وفي الآخر الواطي ولا عبرني. احكيلي إيه اللي حصل بسرعة يا واد."
حكى إسلام ما حدث معه لتبتسم أمه له في سعادة.
على الجانب الآخر عند سلمى، كانت سلمى تركب السيارة وعقلها مشتت، تفكر بما حدث معها ومع إسلام وما المفترض أن يكون تصرفها الآن، وما مصير ابنها وتسميته. لاحظ أسر تشتتها وقرر تركها كما هي كذلك حتى يعود إلى المنزل ليفهم ما الذي يحدث معها وما الذي حدث هناك جعل وجهها ينقلب كذلك وعيناها تمتلئ بالدموع الدفينة.
عادوا إلى المنزل، وكأن سلمى كانت تحاول الهرب من أي محاولة للحديث مع أسر، وكأن حديث إسلام شتت عقلها، فدخلت بابنها إلى غرفتها لتنيمه ولتنام بجانبه.
دخل أسر عند غرفة سلمى بعد أن نام عمر وطلب منها الحديث معها قليلًا بالخارج.
قال أسر: "مالك يا سلمى؟ فيه إيه؟"
قالت سلمى وهي تحاول أن تهرب بعينها بعيدًا عنه: "مالي؟ مفيش أي حاجة، أنا بس يمكن تعبت شوية من المشوار النهاردة."
قال أسر: "عينيكي بتكدب يا سلمى. ومع ذلك، هنقول إنك تعبتي. إنتي متأكدة إني مفيش أي حاجة عايزة تحكيها لي؟"
قالت سلمى: "ل...لا مفيش."
قال أسر بجدية: "طيب واللي إنتي كنتي واقفة معاه النهاردة ده كان مين؟"
نظرت له سلمى بتوتر: "ده....ده..."
وأمسك أسر يد سلمى ليهدئها: "سلمى، احكي لي بقى، إنتي هتفضلي شايلة كل ده جواكي؟ هتفضلي مخبية كده كتير؟"
نظرت سلمى إلى عينيه وبدموع: "ده أبو عمر."
قال أسر وقد استوعب كلامها محركًا رأسه: "ماشي، أنا عايز أعرف يا سلمى مين أبو عمر. أنا عايزك تحكي لي إيه اللي حصل معاكي."
بدأت سلمى تبكي وتحكي له كل ما حدث معها منذ أن كانت في الملجأ، وعندما جاءت أم إسلام لتتبناها، وكيف أنها لم تكن تعاملها كأم، ولكن سلمى قبلت ذلك لتعيش. ابتلعت سلمى غصتها عندما تذكرت كلمات الحب والرومانسية التي كان إسلام يخبرها بها بكل حب وغرام، وكيف أنه أوهمها أنه سيتزوجها، إلى أن جاء اليوم الذي طردتها فيه أمها من المنزل، وقد قبلت على نفسها أن تتركها مشردة في الشارع بلا مأوى، بعدما لاحظت القرب الذي بدأ يحدث بين ابنها وابنة الملجأ اليتيمة. وكيف أنها اكتشفت في يوم الحادث أنها حامل وتحمل في أحشائها ابنًا له.
كان أسر يسمع كل هذا مشفقًا عليها وعلى حالتها. أخبرته سلمى أيضًا أنها ذهبت إليه واعترفت له، ولكن في المقابل أسكنها في منزل بعيد منعزل عن الناس، في أعلى دور حتى لا يصل أي مما سيفعله بها للناس. وأنه سمح لنفسه أن يعطي لصديقه المفتاح حتى يأتي إلى المنزل، تاركًا إياهما في المنزل وحدهما. كانت سلمى في وسط كل ذلك تذرف دموعها، وإسلام يطبطب عليها، حتى أنه طلب منها أن تتوقف عن الحديث حتى تهدأ، ولكنها كانت تريد أن تلقي كل ما في داخلها، فقد تعبت وامتتلأ قدر قلبها من الحزن.
أكملت سلمى حديثها بعد أن قررت أن تهرب من هذا المنزل بعد أن كان يحبسها فيه ويمنع عنها الطعام هي وابنه، ولم يهمه ذلك وتركها وحدها في الشقة المنعزلة عن الناس، غالقًا الباب عليها بالمفتاح، لا أحد يسمعها ولا طعام يأويها في عزلتها. وعندما قررت الهروب، ظلت في الشارع لمدة ثلاث شهور، ثلاث شهور تأكل من الطعام ما يسد جوعها، سواء كان من القمامة أو بقية فتات يتركه المارون لها، إلى أن وقعت في يديه وجاء هو ليكمل عليها.
شعر أسر للحظة بوحشيته وظلمه. توقفت سلمى مرة واحدة عن الحديث بعدما ألقت ما في جعبتها من حديث ثقل حمله على قلبها وحدها.
ضمها أسر إليه لتكمل بكاءها في صمت وتفرغ ما بها.
قال أسر: "أنا آسف."
قالت سلمى وهي تبكي: "آسف على إيه يا أسر؟ على الأقل إنت استحملتني وخليتني هنا معاك في بيتك أنا وابني، مع إنك متعرفناش."
قال أسر: "أنا آسف يا سلمى على إني كمان استغليت ضعفك زيهم وجرحتك إنت كمان، وإنتي متستحقيش أي حاجة من اللي حصلك دي."
قالت سلمى: "خلاص يا أسر، اللي حصل، وإنت اعتذرت فعلًا وسددت كل اللي عليك، وأنا اللي آسفة إننا لسه هنا معاك بالرغم من إن مفيش أي حاجة توصلنا ببعض."
قال أسر: "إنتي بتهزري يا سلمى؟ ده إنتوا كل حياتي."
نظرت له سلمى ليتوتر أسر: "قصدي يعني عمر ده كل حياتي، وأنا بحبه وبموت فيه ومقدرش أعيش من غيره. المهم يا سلمى، إيه اللي رجع الزفت ده تاني؟"
غَمَّ وجه سلمى من الحزن مجددًا: "مش عارفة يا أسر، راجع عمال يقولي بحبك وعايز أرجعلك تاني، وهتجوزك وهسمي ابني باسمي وكلام كتير مستغربه ومش فاهمه، هو بيعمل ليه كل ده؟"
قال أسر وقد حزن وجهه: "طب وإنتي يا سلمى عايزة إيه؟"
قالت سلمى: "يعني إيه عايزة إيه؟"
قال أسر: "يعني ممكن في يوم ترجعيله؟ وتسيبيني؟"
نظرت له سلمى بتشتت وصمتت.
حزن أسر من صمتها وصمت هو الآخر.
دخلت سلمى لتنام مفكرة في كل ما قيل ذلك اليوم والأحداث التي مرت بها في هذا اليوم، ونامت بجانب ابنها وهي تنظر له بحزن مما يفعله فيها أبوه.
مرت الأيام على أسر وسلمى وعلاقتهما مذبذبة، ولكن اهتمام أسر بعمر لم يقل ولم يتأثر. وسلمى تضحك على لعبهم سويًا، محاولة نسيان ما مرت به والالتفات فقط إلى مستقبل ابنها.
في يوم من الأيام، كان أسر في العمل، وسلمى في المطبخ مع الدادة فوزية تعد الطعام، وعمر من المفترض أنه يلعب أمامهما. فجأة لم تجد سلمى عمر الصغير. فسكتت قليلًا تنهي هذا الذي بيديها، فهو سيعود مجددًا، أو ستذهب هي لتأتي به بالتأكيد.
مرت ربع ساعة وعمر لم يعد، فذهبت سلمى لتبحث عليه.
قالت سلمى: "عمر، عمر، إنت روحت فين يا حبيبي؟"
بدأت سلمى في البحث عنه في أرجاء الدور الأرضي، فهي تعلم أنه طفل صغير لا يستطيع الصعود إلى الأعلى.
وجدت سلمى غرفة مفتوحة، تعجبت من شكلها في البداية، ولكنها عرفت أنها غرفة المكتب وعمر الصغير بداخلها. دخلت سلمى إليه لتحضره وتغلق الدرة الذي فتحه، ولكنها فجأة فتحته مرة أخرى وأخرجت منه ورقة. نظرت إليها بحزن وصدمة وذرفت عليها دموع.
رواية اليتيمة الفصل التاسع 9 - بقلم اميرة خالد
تركت سلمى الورقة وأعادتها في مكانها وأغلقت الدرج. حملت ابنها وخرجت به من الغرفة، مغلقة الباب خلفها.
عاد أسر إلى المنزل بعد عمله وجلس ليتناول الطعام كعادته مع عمر وسلمى. لكنه تلك المرة لاحظ شرود سلمى وكأنها مغيبة عن الواقع. تأكل عمر ولكنها لا تأكل هي.
أسر: سلمى.
لم تنتبه له.
أسر: سلممممي.
التفتت له سلمى بتشتت: همم.
أسر: مالك يا سلمى؟ مش في المود ليه؟ بتفكري في إيه ومخليكي مش مركزة كده خالص.
سلمى، وقد غضب وجهها، قامت من الأكل: لا مفيش.
تعجب أسر من تصرفاتها وجعل يسأل في نفسه عن سبب تغير حالتها بتلك السرعة. جلس يداعب عمر قليلاً تاركاً إياها، علّه يتغير حالها بعد قليل وتعود كما كانت.
مر اليوم عليهم وسلمى في غرفتها لم تخرج منها أبداً. وأسر في الخارج مع عمر يلعب معه. دخل أسر عند غرفتها ليلاً لينيم عمر، وجدها نائمة ولكن كان يشعر بدموعها وبكائها وشهقاتها الخفية تحت الغطاء.
خرج أسر من الغرفة وهو غاضب، فهو لا يعلم ما الذي أصابها وما الذي جعلها تتغير هكذا.
مرت الأيام على سلمى وهي مشردة ولا تتحدث مع أسر ولا تلتفت له في حديثه. وكلما حاول الحديث معها صدته ولم تكمل حديثها معه.
أسر: سلمى.
سلمى وهي لا تنظر له: نعم.
أسر: بصيلي بعد إذنك يا سلمى. أنا عايز أتكلم معاكي.
سلمى، وقد التفتت إليه بزهق: أفندم.
أسر: مالك يا سلمى؟ حالك اتغير واتشقلب كده ليه؟ إيه اللي حصل؟
سلمى: مفيش حاجة حصلت. وممكن بقى تسيبني في حالي.
أسر: انتي متغيرة أوي يا سلمى وأنا مش فاهم فيه إيه ولا إيه اللي حصل لتغيرك ده؟
سلمى: وأنا مش عايزة أتكلم يا أسر. وخلاص تعبت.
أسر: طيب خلاص. بس أنا كنت عايزك تغمضي عينك كده بسرعة في الخطفان.
نظرت له سلمى باستعجاب: انت بتهزر يا أسر؟ وأنا بجد مش فايقة للهبل ده.
بلع أسر غصته: معلشي يا سلمى. تعالي على نفسك وغمضي عيونك علشان خاطري.
سلمى بغضب: ماشي يا أسر. اديني اتنيلت وقْفلت عيني. عايز إيه؟
غضب أسر من طريقتها ولكنه حاول أن يتمالك أعصابه. أخرج من جيبه علبة قطيفة ونزل على رجل واحدة ووقف أمامها في مشهد رومانسي شوهد في كل الأفلام. ولكنه حاول أن يعوضها عما مرت به في حياته، وكانت بدايته هي الليلة مع ذلك الطلب البسيط ولكن بطريقته الرومانسية.
أسر: افتحي عينك.
نظرت له سلمى بصدمة: أسر! انت بتعمل إيه؟
أسر: بحبك يا سلمى. وعايز أتجوزك. انتي أحسن حاجة حصلتلي في حياتي وأحسن حد وقف جنبي ودعمني في وقت عجزي، على عكس ناس كتير سابوني وموقفوش جنبي. حبيتك أوي انتي وابنك عمر. اعتبرته أنا ابني وأنا كل ما ليا وحبيته. وفي نفس الوقت حبيت حبك ليه واهتمامك بيه. انتي اتظلمتي كتير في حياتك يا سلمى وأنا هعوضك عن كل حاجة حصلت في حياتك. صدقيني، وانتِ جنبي هتعيشي حياة عمرك ما حلمتي بيها. وهكون ليكي العوض إن شاء الله. موافقة تتجوزيني يا سلمى وتكوني كل حاجة في حياتي؟
كانت سلمى تسمع كل ذلك وتذرف دموعها: م...موافقة.
نهض أسر من مكانها وحضنها ودار بها في مكانه.
أسر: ربنا يخليكي ليا يارب يا أحسن حاجة حصلتلي.
ضمته سلمى وقررت أن تنسى كل شيء لتلك اللحظة، فهي متيمة بأسر ولا تحبه فقط، فهو لها كان نعم السند والضهر في كل سنوات التي عاشت بها معه.
في صباح اليوم التالي.
أسر: صباح الخير يا سلمى. جاهزة؟
سلمى: جاهزة لإيه؟
أسر: جاهزة علشان نروح نجيب الفستان بتاعك والبدلة بتاعة عمر والبدلة بتاعتي.
سلمى بفرحة: أفهم من كده إن انت هتعملي فرح؟
أسر: أكيد يا سلمى. الفرح دي حاجة أي بنت في الدنيا بتتمناها وبتحلم بيها. وانتِ بالنسبة لي زي كل بنت حلمها الفرح. وأحسن فرح هيكون جاهز علشانك.
سلمى بفرحة أطفال: بجد يا أسر؟
أسر بضحكة: والله العظيم بجد.
خرجت سلمى مع أسر وعمر، وعلى وجهها ضحكة ظنت أنها أنستها همها وحزنها.
عادت سلمى مع أسر وعمر وهي في ذلك اليوم عيونها سعيدة وراضية. وكل فترة تنظر إلى أسر وكأنها تتأكد بالفعل أنه موجود وأنه هنا بجانبها ويحبها.
في اليوم التالي استيقظت سلمى على غرفتها مليئة ببلالين كثيرة في الأرضية ومعلقة على الحائط والسقف. نظرت سلمى لهم بسعادة بالغة وبدأت في تحريكهم واللعب بهم مع ابنها عمر.
أسر، وقد دخل إليهم ليسعد من منظرهم وهم يلعبوا بالبلالين: يلا جهزي نفسك. النهاردة المأذون هييجي علشان كتب الكتاب.
نظرت له سلمى بسعادة، ثم فجأة تذكرت شيئاً أرّق صفو بالها وفرحتها.
لاحظ أسر انقلاب حالتها وحالة وجهها.
أسر: مالك يا سلمى؟ انتي مش مبسوطة؟
سلمى: لا مبسوطة. بس أنا لازم أسألك سؤال.
أسر: طيب طالما مبسوطة يا سلمى ليه تضيعي فرحتنا في اللحظة دي بالأسئلة دي؟ النهاردة يعدي على خير وأوعدك إن ليكي من الأسئلة اللي انتي عاوزاه.
قبلها أسر على جبينها وقبل عمر أيضاً وخرج، تاركهم في الغرفة. تاركاً خلفه الدادة فوزية والتي كانت قادمة ومعها مجموعة من الفتيات الجميلات الذين سيقومون بتزيين سلمي لذلك اليوم.
أخرجت سلمى تنهيدة استسلام مع رؤيتها لطيف أسر وهو يخرج من الغرفة، تاركة سؤالها معلقاً لوقت لاحق، ربما سيكون الأنسب.
كانت الفتيات يزينن في سلمى التي اشترطت عليهم أن يكون مكياجها الأخف على الإطلاق. فهي لم تكن من محبي تلك البهرجة الزائدة من المكياج وذلك الكلام. وقاموا بمساواة شعرها وتنعييمه، جاعلين فيها توكة صغيرة تناسب خصلاتها السوداء والتي تجعلها أكثر جمالاً مع كحل أسود يكحل عيناها البنية مع لمسة من ذلك الوردي على الجبينين والحمرة الخفيفة لتلائم بشرتها البيضاء الصافية والجميلة.
تعجبت سلمى من شكلها، فعلى الرغم من قلة كمية المساحيق التي تضعها إلا أنها جعلتها كالملكة. فصدق من قال: "الأرق هو الأجمل".
خرجت سلمى من الغرفة بعدما ارتدت فستانها الزهري الجميل والذي كان يصل ليعد الركبة قليلاً، وقد كان من اختيار أسر والذي لم يقبل أبداً عليها أن تلبس ماهو أقل من ذلك، زاعماً بأنه لم يحب تلك الفساتين القصيرة ليس إلا.
انبهرت سلمى أيضاً بشكل أسر والذي كان يرتدي بذلة سوداء جميلة وتصفيفة شعره أضافت جمالاً مع عطره الأخاذ والذي يجذب الأنظار بلؤلؤتيه الزيتونيتان، اللتان تجذبان كل من يراهما.
حضر المأذون بعدما أمسك أسر يد سلمى وأجلسها على الكرسي بعد ما لثم يدها وأجلس بجانبها عمر والذي قد ارتدى أيضاً البدلة التي اشتراها له أسر وأعجبت سلمي كثيراً عليه، فأخذته في حضنها.
أسر: شكلك زي القمر يا سلمى.
سلمى بتوتر وبضحكة على وجهها: ميرسي.
المأذون: طيب نبدأ يا ابني.
أسر: نبدأ يا مولانا.
المأذون: العروسة فين الوكيل بتاعها؟
استقبلت سلمى سؤاله بصدمة وحاولت أن تتماسك حتى لا تبكي.
أسر، وقد استوعب حزنها: مفيش يا مولانا. أنا وكيلها وجوزها إن شاء الله وأبوها كمان وأخوها وكل حاجة.
المأذون: لا حول ولا قوة إلا بالله. طيب يا ابني هما متوفيين يعني ولا إيه؟
أسر، وقد بدأ يضيق خلقه: أيوه يا مولانا. أيوه ميتين.
المأذون: ماشي يا ابني. فين الشهود؟
أسر، وقد ابتسم: موجودين يا مولانا.
المأذون: طيب يا بنتي انتي موافقة على الجوازة دي؟
سلمى بتوتر: موافقة يا مولاي. بس بعد ما يجاوبني على سؤال واحد.
المأذون: سؤال إيه يا بنتي؟
نظر إليها أسر باهتمام: سؤال إيه؟
سلمى: أسر، انت متجوز حد غيري؟