ظلت واقفة وحين نظر إلى عينيها، نظرت أرضًا بخجل من فعلتها معه سابقًا. فتحدث هو ببرود لم تتوقعه: "أهلاً وسهلاً، تفضلي." اتسعت عيناها بصدمة وهي ما تزال ترمق الأرض بنظراتها، لتخطو نحو الداخل جالسة أمامه تقول بتوتر: "مرحباً." أجاب سامر بذات البرود واللباقة: "بخير، شكراً لك. كيف أخدمك؟! "لا أعتقد أنكم بحاجة لحراسة، فالسيد حلمي لا يغيرهم سوى نادرًا." ابتلعت لعابها لتقول بخفوت والخجل والإحراج قد وصلا بها إلى ذروته:
"لم آتِ من أجل عمل ما، أتيت أعتذر، وإن كان الاعتذار لا يوفي حقك." كانت ملامحه هادئة لا تنم عن شيء وهو يسمعها، ليقول بصوت ممتلئ بالسخرية وهو يلمح الخاتم الرفيع في يدها: "لا والله، جزاك الله خيراً. دائماً سباقة بالخير، ولك من اسمك نصيب في شخصيتك، نبيلة.. حسناً، واعتذرت، ماذا بعد؟! بهت وجهها وهي تفرك يديها بتوتر لتقول بإرتجاف وهي تبعد خصلاتها عن وجهها:
"أعلم أنني أستحق أن تقف وتلقي بي خارجاً الآن دون كلمة، لكن، أنا هنا للاعتذار، فهلّا ساعدتني؟! أرجوك، اسمع ما لدي! ترك قلمه بملل ليضع يده أسفل ذقنه قائلاً: "سيدتي العزيزة، لقد انتهى الأمر منذ سنوات، وقد صارت النار التي أحرقَت كل شيء رماداً واختفى. لا داعي لإتعاب نفسك وإرهاقها بالتفكير في شيء. أنرتِ المكان سيدة نبيلة، وسلامي للعائلة."
التمعت عيناها بالدموع لتنهض مرتجفة، تأخذ حقيبتها وتترك المكتب قبل أن يحدث معها شيء يجعلها مثيرة للشفقة أكثر من ذلك. لم يرها مجدداً بعد ذلك اللقاء، وهذا أفضل، وقد أقساها تماماً عن تفكيره. لكن ما إن يأتي الليل ويذهب إلى النوم، يأتِ وجهها الباكي أمام عينيه. وهذا ما حدث معه اليوم أيضاً، ليزفر بضيق وهو جالس على طرف الفراش ينظر لقدمه بشرود مفكراً: "معرفته بها لم تأتِ عليه سوى بالكوارث، وآخرها ساقه!
رفع وجهه مستغفراً، يحمد الله على أن الأمر لم يتطور لأكثر من هذا وأصبح مقعداً. وحتى إن كان حدث ذلك، لن يقنط أبداً من رحمة الله وسيحارب في هذه الحياة حتى آخر نفس به، لأجل أبنائه ولأجل نفسه.
رفع وجهه ليطالع صورة امرأة بهية الجمال، تيم يشبهها لدرجة كبيرة. كانت صورة زوجته المتوفاة علياء. اسمها علياء، وكان لها من اسمها نصيب. وقفت بجانبه تدعمه حتى آخر أنفاسها، ذات عزة نفس وكرم وطيبة لم يرها بحياته. بذكر نصيب الأسماء، تذكر بسخرية ما قاله لنبيلة بهذا الشأن، ليحرك رأسه بيأس متسطحاً على سريره، يحمد الله على ما وصل إليه وتمنى عدم زوال النعمة. "أخيراً تكرمت جلالتك واتيت أنت وصغارك لنا؟!
قالها الحاج شريف، عم سامر، بإمتعاض. فاقترب سامر منه يحتضنه قائلاً: "أنا حقاً آسف يا عمّاه. لدي عملي ومدرسة الأطفال وما إلى ذلك، اعذرني." أومأ له العم مبتسماً وهو يحتضن الصغيرين ليقول: "تعال لتتناول الغداء ثم نتكلم بأمر هام." أومأ له سامر بترقب وجلس هو وصغاره بين أفراد الأسرة المرحبين بتواجدهم. وما إن انتهوا، حتى قال العم شريف:
"حاجة هناء، خذي الأطفال ليرتاحوا أو ليلعبوا، لأني أريد أباهم في أمر ما. وقولي لغيداء أن تصنع لنا الشاي المميز الذي تعده وتحضر لنا." أومأت له مبتسمة ليسير متجهاً للشرفة الكبيرة ومعه سامر. وبعد جلوسهما قال: "تفضل أولاً، هذا إيجار الأرض لهذا الموسم، وذا ثمن بيع محصول فواكه البستان الذي اشتريته العام الماضي. بارك الله لك في رزقك يا بني."
ابتسم له سامر وهو يأخذ المال يطالعه بشرود وهو يتذكر الأيام التي كان ينام بها بلا طعام ليوفره لطفليه. أفاق من شروده على ربتة أحس بها على ساقه، فرفع عينيه لينظر إلى عمه الذي يطالعه بحزن ليقول: "لا تذكرني بما حل بك وأنا بعيد عنك لا أعرف عنك شيئاً. لكنه مضى وانتهينا."
أومأ له بهدوء ليقاطعهم دخول غيداء بالشاي وهي تبتسم بإستحياء، متقدمة من الحاج شريف أولاً تعطيه الشاي، ثم اقتربت من سامر الذي ابتسم لها يحييها بهدوء، لترحل بعدها فوراً. رفع الكأس لفمه كي يشرب، لكنه لاحظ نظرات عمه الفضولية مع ابتسامة واسعة مترقبة، فازداد الشك بقلبه ليقول: "ما الأمر يا عمي؟! ما بال تلك النظرة؟! اتسعت ابتسامة العم أكثر ليقول:
"غيداء أنهت دراستها منذ عامين، وجميلة للغاية كما ترى، وتربية مأمون ابن عمك، على لا غبار عليها. ما رأيك؟! اتسعت عينا سامر، باصقاً الشاي من فمه بصدمة ليقول: "رباه! عمي، هل أنت واعٍ لما تقوله لي؟! غيداء ابنة مأمون؟! إنها طفلة، كنت منذ سنوات أحملها على كتفي! امتعض وجه عمه ليقول: "يا غبي، أخبرتك أنها أنهت جامعتها منذ عامين، أي أنها ليست قاصر أو طفلة كما تقول. ثم ماذا في ذلك؟!
العديد من الأشخاص يتزوجون أبناء أبناء عمومتهم. أم أنك مازلت تضع ابنة القاضي في حسبانك؟! قال سامر منهياً الجدال: "لا ابنة القاضي ولا ابنة السجان حتى يا عمّاه. لقد أدركت خطئي حين نظرت لأخرى بعد وفاة علياء رحمها الله. أخذت نصيبي من الحياة معها وانتهينا." "كيف تقول ذلك وأنت مازلت شاباً؟ لماذا تحرم نفسك من حقك في العيش؟
قالها مأمون ابن عمه الذي دخل في نهاية الحديث. وخشي سامر أن يكون قد عرف ما اقترحه عمه، لكن الواضح من معالم وجهه هو الحزن على حاله فقط. تحدث الحاج شريف موجهاً حديثه لمأمون: "أخبره يا بني، لقد جف حلقي من كثرة الكلام. إنه لا يدرك قيمة نفسه، شاب مميز، خلوق، مستواه الاجتماعي والمادي ميسور، والكل يشهد له بالخلق، وأي عائلة تتمنى نسبه."
أومأ مأمون موافقاً عمه وهو يعيد الحديث مجدداً إلى سامر، الذي ظل ينظر لهما بملل من الحديث الذي يسمعه منهم جميعاً ألف مرة تقريباً، وإجابته دائماً واحدة: أنه اكتفى بصغيريه. "أخشى أن تنتكس حالتها مجدداً يا أكرم! قالتها والدتها نبيلة بقلق لأخيها الذي يستمع لها بغضب قائلاً: "أتدرين! أود لو أنني أخنق زوجك بيدي هاتين على ضياع تلك الفرصة من يدها بهذه الطريقة! "وما الذي يمنعك؟! قالها حلمي بإمتعاض ولوم، لينظر
له أكرم بذات الغضب يقول: "كانت الفرصة سانحة أمامها أن تبني أسرة صغيرة وسعيدة. سامر، وجمعنا نعرفه، رجل شهم يعتمد عليه. يكفي أنه من أعادها لطبيعتها بعد انفصالها من ذاك الجرذ اللعين. لقد عرفت من صفية أنك عينت شخصاً يتبع خطواتها خارج المنزل وأخبرك بذهابها لسامر في مقر عمله وخروجها بعد مدة قصيرة باكية. تعلم جيداً أن سامر نفسه عزيزة ولن يتراجع ويتصالح وكأن شيئاً لم يكن! غضب حلمي من تلك الجملة ليقول: "أكرم!
ابنتي لا ينقصها شيء، وألف رجل يتمنى أن أقبل به ليتزوجها. لا تجعلني أذهب وأدق عنقه. كلامك يغيظني. أعرف سامر وأنه شخص جيد، لكن من يكون ذاك السامر لتتحدث عنه وكأنه أعلى شأناً من ابنتي أنا؟! مسح أكرم وجهه بتعب، مدركاً تماماً سبب غضب صديقه وأنه يخشى أن تصبح كرامة ابنته فخراً.
"كانت الفرصة سانحة أمامها أن تبني أسرة صغيرة وسعيدة. سامر، وجمعنا نعرفه، رجل شهم يعتمد عليه. يكفي أنه من أعادها لطبيعتها بعد انفصالها من ذاك الجرذ اللعين. لقد عرفت من صفية أنك عينت شخصاً يتبع خطواتها خارج المنزل وأخبرك بذهابها لسامر في مقر عمله وخروجها بعد مدة قصيرة باكية. تعلم جيداً أن سامر نفسه عزيزة ولن يتراجع ويتصالح وكأن شيئاً لم يكن! غضب حلمي من تلك الجملة ليقول: "أكرم!
ابنتي لا ينقصها شيء، وألف رجل يتمنى أن أقبل به ليتزوجها. لا تجعلني أذهب وأدق عنقه. كلامك يغيظني. أعرف سامر وأنه شخص جيد، لكن من يكون ذاك السامر لتتحدث عنه وكأنه أعلى شأناً من ابنتي أنا؟! مسح أكرم وجهه بتعب، مدركاً تماماً سبب غضب صديقه وأنه يخشى أن تصبح كرامة ابنته فخراً.
"استمع إلي، وضع كيء جانباً. نبيلة لن تقبل بغير سامر، وسامر لا يوافق على الزواج من أياً كانت بسبب سيادتكم أن وابنتك. لكن قد يتغير الوضع. سامر شاب مهذب، ولا شائبة تشوب حياته، وهناك الكثير من الأشخاص يلمحون له بخطبة بناتهم لها." "قترب أكثر من أكرم ليقول وهو يلمح غيظ حلمي الذي ما زال غاضباً يرفض إهانة كرامة ابنته:
"منذ بضعة أيام تقابلت أنا والحاج عادل، أحد أعمامه، وقد أخبرني أن أخاه الأكبر الحاج شريف يريد تزويجه لابنة ابن عم سامر. فتاة في منتهى الجمال، صغيرة السن، مهذبة وهادئة، وذات شخصية قوية تلتف لها الأعناق. وإن الفتاة لا مانع لديها، لكن ما يوقفهم هو إخبار سامر وربما الضغط عليه ليكمل حياته." وضع كف يديه فوق بعضهم أعلى صدره في حركة درامية مستنكرة ليقول:
"أخبرني إذا يا ذا الكرامة والكبرياء، ما الذي سيصيب ابنتك إن تزوج سامر من تلك الصغيرة بمواصفاتها تلك؟ تذكر ما حدث معها حين تزوج عليها رائف أنثى اليربوع تلك التي مازالت زوجته، وما جرى لابنتك وهي أعلى من تلك بمراحل. تخيل فقط، تخيل ما الذي سيحدث لها هذه المرة وهي ترى غريمتها الفائزة بكل تلك المميزات تفوز بسامر." خبط حلمي بيده على الطاولة بغضب ليقول: "انتبه للسانك يا أكرم!
ابنتي ليست قليلة وليست سلعة. ثم من هذا السامر الذي تصر على جعله أعلى مكانة منها؟ إنها ليست ابنتك تتكلم عمها بهذا
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!