جلس كلا من مها ونها تنظران نحو نبيلة التي تضع رأسها على الطاولة وتطرق على رأسها بقبضة يدها بغيظ. لتقول مها، علها تغير من تلك الطاقة السلبية: "حسنا، إن تترك نهاية الروضة وتلتحق بالمدرسة لهي فرصة لها." ثم وجهت سؤالها لنبيلة: "أنتِ، ما سبب خيانتك لي وعملك معها؟! كانت نها تحاول أن تسكتها وهي تضرب فوق فمها، لكن الأوان قد فات. فقد سمعت كلمات مها لترفع وجهها المحمر غضباً وإحباطاً، وشعرها أصبح مشعثاً لدرجة مخيفة.
لتقول: "خنتك بسبب هيام وتيم، يرتادان المدرسة ذاتها، هل أخذتِ الإجابة؟! عضت مها على شفتيها ما أن فهمت. لتسألها نها بتوجس: "حسناً، لقد اتصلتِ بنا منذ ما يقارب الساعة ونحن نجلس ولا نفهم شيئاً، ماذا حدث؟! "ماذا حدث؟! " سألتها نبيلة، "اسألي ما الذي لم يحدث." قالت نبيلة وهي ما
تزال تحاول ترتيب خصلاتها: "أخبرتني هيام أنهم ذاهبون إلى مطعم أبيها المفضل لتناول الطعام، أردت أن أجعلها صدفة ونتقابل هناك، لتجنب الإحراج، سيقوم بدعوتي على طاولتهم تحت إلحاح الصغار ونتحدث! نتحدث بضع كلمات وقد يحدث شيء! نظرت الفتاتان لبعضهما بقلق. لتقول نها: "وبعد؟! قالت نبيلة بأسى: "لم يكن وحيداً، كانت معه عروس المستقبل وأبوها." *** وقفت تطالعها مبهوتة.
لقد حاولت أن تعرف مَن مِن أبناء عمومته كبير ولديه فتيات في سن الزواج، ولم تجد سوى مأمون الذي لديه ابنة واحدة وولدان. أبعدت وجهها عنهم حتى لا ينتبه أحد لتعابير وجهها. فإقتربت منها هيام هي الأخرى مبتسمة لها بحماس وهي تتحدث معه. بينما توقف سامر يطالعهم بتعجب. يالها من صدفة أن تأتي لذات المطعم بذات اليوم والتوقيت تقريباً! قاطع شروده جلوس ابن عمه بعدم رضا لرؤيتها. وهو يطلب منهم بخشونة: "هلا جلستما، وأنت أحضر أطفالك!
سمعته نبيلة التي اهتزت عيناها قليلاً. لتترك تيم بسرعة وتوتر تخبرهم أن يذهبوا إلى أبيهم. رفعت عيناها له بعدها لتحييه، حين وجدته ينظر لها بتعبير مغلق. فرد عليها بذات التحية الرسمية. تذمرت هيام لتقول لأبيها: "أرجوك، سأجلس مع معلمتي لأتناول معها الطعام، إنها تأكل بمفردها، أبي أرجوك." كاد سامر أن يجيب، ليقول مأمون بحنق: "اجلسي يا هيام! كفي حديثاً فارغاً." نظرت غيداء إلى طاولة نبيلة على أثر كلماتهم. وما أن تعرفت
عليها حتى قالت بصدمة: "أوليست تلك المعلمة التي دافعت عن تيم وبسببها انقلب الرأي العام على المعلمين أجمع؟! أومأت لها هيام بحماس لتقول بعتاب: "أليس من الواجب شكرها؟! كان عليكِ دعوتها لمشاركتنا في تناول الطعام بدلاً من تناوله وحيدة." أعقبت قولها بأن وقفت واتجهت صوب نبيلة الشاردة. لتحمحم حتى انتبهت لها نبيلة وتنظر لها بهدوء. عكس نيران الحزن واليأس التي تسير بأوردتها حالياً. فقالت
غيداء بابتسامة واسعة: "السلام عليكم، أنا غيداء ابنة عم تيم وهيام. لقد رأيت شجاعتك في الفيديو وحقاً كنتِ رائعة ومثالاً مشرفاً للمعلمين وأولياء الأمور كذلك." أجفلت نبيلة من لطف الفتاة فرسمت ابتسامة هادئة بصعوبة وهي تشكرها. فأكملت غيداء: "نحن جميعاً يشرفنا لو انضممتِ إلينا لتناول الطعام، الأطفال أيضاً يريدون الجلوس معك، هل تسمحين؟! توتر فمها، لكن غيداء سحبتها من يدها نحو طاولتهم.
فجلست بإستحياء على الكرسي المقابل لمأمون الذي كان يطالعها بنزق. تعجبت له غيداء. كان الصمت خانقاً. فتحدثت غيداء مجدداً تقول: "أنا حقاً معجبة بما فعلتِ ذلك اليوم، حتى الكلمات لا تصف لكِ انبهاري، أحيكِ على شجاعتك منقطعة النظير." ابتسمت لها نبيلة، لكن ماتت ابتسامتها حين سمعت تعليق مأمون الصلب: "لقد قامت بواجبها كمعلمة يا غيداء، أعتقد أنكِ كنتِ لتتصرفين بذات الطريقة لو تعرض طفل آخر غير تيم لهذا الأمر، صحيح؟
توترت من عدائيتها التي تفهمها للواقع. لكنها تحلت بالثقة لتجيبه بهدوء: "أجل معك حق سيد مأمون، هذه لم تكن المرة الأولى لولاء، لقد كسرت إصبع طفلة من مدة أيضاً ومع التساهل والتغاضي لم تُعر الأمر اهتماماً." عادت بظهرها للوراء وهي تمد كف يدها على الطاولة تطرق عليها بلا صوت.
لتكمل: "للحقيقة أن جميعنا لدينا ضغوط وهموم تجعلنا قابلين للإنفجار بأي لحظة، وهذا للأسف ما حدث مع ولاء، رغم أني أعذرها لظروفها الشخصية، لكن هذا لا يعني أن تنفجر تلك الضغوط في وجه الأطفال، ستشوههم وتشوه نفوسهم دون أن تدري." تلألأت عينا غيداء بتأثر من حديثها. لتقول بتشجيع: "أنتِ عظيمة حقاً، أتمنى من الله أن يكثر من أمثالك حتى يصبح المجتمع أفضل." ضحك مأمون بسخرية. أجفلت الجميع
ليقول بنبرة ذات مغزى: "لديك كل الحق سيدة نبيلة، أحيكِ لضميرك اليقظ وقلبك الكبير الذي يتسع لأطفال العالم أجمع، وكما يقال، فاقد الشيء هو من يعطيه، صحيح؟! زجره سامر بهدوء ونظرة لوم وجهها له على كلماته السامة تلك. وهو لا يدري كيف ينهي هذا النقاش البائس. وما زاد من غيظه تجاه مأمون صوتها المرتجف
رغم صلاته وهي تقول: "لديك كل الحق سيد مأمون، فاقد الشيء هو أكثر من يعطيه، لكن هناك شيء آخر يتحكم في تلك النقطة وهي الضمير الحي، وأنا لدي ضمير حي، لذا واجهت تلك المعلمة بفعلتها يومها. أعذروني، تذكرت موعداً هاماً علي اللحاق به، شكراً لدعوتكم اللطيفة، تشرفت بمعرفتك غيداء، وداعاً." كانت واقفة بالفعل وهي تتكلم. لتجذب حقيبتها وهي تودع الطفلين. ودون إرادتها نظرت إلى سامر بحنق لتسير مبتعدة عنه. نظرت
غيداء لأبيها بضيق لتقول: "أكان عليك أن تتحدث بتلك الطريقة؟! وأنت سامر! لما تركتها ترحل بتلك السهولة." ثم نهضت ممسكة يد تيم الذي لوث يديه بالكاتشب. لتذهب به للحمام بغية تنظيف يده. أغمض سامر عينيه بتعب. لينظر نحو مأمون متحدثاً من بين أسنانه: "هل كان من شيمنا أن نتنمر على خلق الله؟! أأنت مجنون لتقول تلك الكلمات السامة؟! قال
مأمون بضيق من نفسه ومنها: "رؤيتها ذكرتني بهيئتك ممدداً لا حول لك ولا قوة في المستشفى بسبب فعلة طليقها ثم تخليها عنك وسفرها للخارج أيضاً. ثم تعود بكل صلف تظهر أمامك فب كل مكان! لم أقصد قبل ذلك لكني حقاً حين رأيتها وعرفتها كان بودي لو أنني أطلقت عليها الرصاص حتى تلفظ أنفاسها." انتفض سامر من مكانه ليقول بصدمة وهلع: "أعوذ بالله، أستغفرك ربي وأتوب إليك، ليبعد الله عنها وعنا جميعاً كل الشرور. ماذا دهاك!!
لقد نسيتها ونسيت ما حدث ولم أتمنى لها الشر يوماً، كيف تفكر بتلك الطريقة حتى لو كنت حزيناً على ما حدث لي؟! إياك أن تفكر بهذا الشكل مجدداً يا مأمون، إياك! ثم ما ذنبها فيما فعله رائف بي؟ أنا واثق من أنها لم تعلم سوى عندما عادت من ألمانيا. أرجوك كف عن التفكير بالأمر. ثم لا تنسَ ما فعلته بولدي." أبعد مأمون وجهه بضيق لما حدث دون رد. *** تهدل كتفا نبيلة بإحباط. بينما نظرت نها ومها لبعضهما بقلق وحزن.
"الأمر صعب ويزداد تعقيداً." "أجل، اجلسن كالمساكين لا تفعلن شيئاً حتى يتزوج من أخرى! قالتها السيدة صفية، والدة نبيلة، بغيظ ما أن سمعت ما حدث. مما أجفل الفتيات اللاتي نظرت لها بصدمة. فأكملت بتأكيد: "سأتبرأ منكِ إن جعلتِ تلك الفتاة ابنة ذاك الغليظ تأخذ ما هو من حقك، سنفعل المستحيل حتى تستعيدي سامر." عادت نبيلة للإحباط من جديد. لتضع رأسها مجدداً على الطاولة لتقول: "وكيف ذلك وهو لا ينظر إلى وجهي حتى؟!
صفعتها أمها بحدة على رأسها. فرفعتـه بسرعة لتقول بغضب: "توقفي عن العويل يا غبية! احتفال عيد الأم الذي يحضره أولياء الأمور في المدرسة ويستمر إلى المساء ويتحول لحفل خيري، ألا يحضره يا نها؟! أومأت نها بسرعة لتقول: "يحرص دائماً على المجيء منذ أصبحت بإمكانه المساعدة." تنهدت السيدة صفية لتقول: "حسناً، هذا جيد. سنحتاج فستاناً جديداً وبعض اللمسات لهذا اليوم يا صبايا، هيا بنا! قطبت نبيلة لتقول: "لدي بالفعل فساتين كثيرة جميلة."
قالت أمها بغيظ: "يا غبية! نريد فستاناً أكثر احتشاماً. أعلم أن ثيابك لا تصف بالعري، ولكننا نريد شيئاً أكثر احتشاماً! فكرت نبيلة بكلام والدتها وتذكرت غيداء! بالفعل، غيداء محجبة! قالت ببؤس: "ماذا إن أحضر غيداء معه؟! تساءلت أمها قائلة: "هل تلك الفتاة كسبيل هكذا؟! إن كانت كذلك سأطحنها أرضاً، لا تقلقِ." ضحكت نبيلة ببكاء، فبدا شكلها غريباً. لتقول: "الفتاة كتلة من البراءة والجمال واللطف!
طوال جلوسي معهم كانت بمنتهى الأدب والرقة. ألا يقال إن الحجاب لستر زينة المرأة وجمالها؟! تخيلن كم هي رائعة الجمال بالحجاب! مالكن حين تصبح حلاله وتظهر أمامه بلا حجاب! سيجن! ... "لقد رفضته! يال للسخرية أن ترفضه طليقته لأجل رجل بائس كسامر، رجل مهما ارتفع شأنه لن يكون شيئاً هاماً بجانبه! حتى انتقامه منه لم يشف غليله! رؤيته مضجراً بالدماء يكاد يلفظ أنفاسه لم تجعله يهدأ ولو شيئاً يسيراً." تنهد عائداً بظهره للخلف.
وهو يتذكر أن كل ما استطاع الحصول عليه هو محضر عدم تعرض. ومن يومها وهو اختفى ليظهر فجأة بشركته السخيفة. "فاشل، مهما حاول أن يفعل هو فاشل." دون إرادته قال الجملة بصوت ظاهر وصل لوالدته. التي دخلت عليه بالصدفة تراه شارداً وعلامات الشر تظهر على وجهه بوضوح. فقالت بهدوء: "بل إنه أنجح شخص قد يراه الإنسان. لقد وقف على قدميه من جديد وابتعد عنكم وعن أمراضكم ولم يحاول الإنخراط بها. أتعلم!
ولأول مرة سأقولها، كنت أتمنى لو أن لي ولداً في مثل أخلاقه ورزانته وذوقه. اخرس واستمع إلي، لقد سأمتك وسأمت تصرفاتك الحقيرة تلك، فضحتنا وجعلت سمعتنا في التراب. لقد ذهبت إلى سامر وهو بالمشفى في أعز لحظات حاجته للناس لأقدم له المال ومساعدته بأي شكل حتى لا يسبب المشكلات لنا. توقعت أن يثور أو أن يطردني، لكن أتعلم ماذا فعل؟! كان رائف ينظر لها بصدمة وغضب. لتكمل من
بين دموعها وهي تمسد يدها: "كنت أجلس إلى جانبه وحين رأيت وجهه المدمى أبكي وأنا أراه يطالعني بضعف وأنا أمسح برفق على رأسه، فقبل يدي رافضاً المال أو أي مساعدة تأتي من جانبنا. أتعلم أيضاً، لقد أخبرني بمنتهى الأدب أنه سوف يحرر محضراً ضدك هدفه الوحيد أن يجعلك به إمضاؤك بعدم التعرض خوفاً على أبنائه وأنه سينسى تماماً ما حدث! هو ليس ضعيفاً وقد رأيت بنفسك ما فعله بك حين تحدثت وخضت بعرض طليقتك!
لكنه شخص لا يحب المشكلات ومرت السنوات وابتعد. ونبيلة أيضاً سنوات عمرها تمر وهي وحيدة. زوجتك المصون أصبحت مجنونة مثلك وليس لديكم أطفال حتى الآن، وتلك إشارة من الله لعلّك تتعظ وتترك الناس بحالها. دمرت حياة الشاب وحياة نبيلة وحياتك أنت الآخر. كفى! تركته ورحلت باكية. تاركة إياه يفكر في كل ما قالته. كان حديثها كله.. صحيح مع الأسف! *** يوم الحفل كان عطلة على أن يأتي الحاضرون من الساعة السادسة مساءً.
كانت نبيلة ترتدي فستاناً أسود طويلاً ساتراً بأكمام طويلة. كان ضيقاً لكن لا يحدد جسدها بذات الوقت. تقف بين الأطفال لتدربهم آخر مرة على الحركات التي سوف يؤدونها على المسرح. وهي بين الحين والآخر تنظر نحو الباب لتراقب مجيء هيام وتيم اللذان تأخرا عن التمرين. عدة دقائق ووجدتهم يدخلون بصخب ينادونها بحماس. فتركت باقي الأطفال للمعلمة الأخرى وذهبت نحوهم مبتسمة. تتأمل ملابسهم الجميلة بابتسامة وهي تمطرهم بالتعليقات الجميلة.
لينظر تيم بحماس إلى شقيقته التي نظرت له بذات النظرة. لتخرج من الحقيبة التي كانت بيدها علبة هدايا كبيرة بعض الشيء. وتعطيها لنبيلة التي اتسعت عيناها بصدمة. والتمعت الدموع بعينيها وهي تجد الصغيرين يقتربان منها يضمانها بحب. يخبراها بصوت واحد: "كل عيد أم وأنتِ سعيدة." بكت بصدمة وهي تضمهما إليها بحب. فلم ترَ الذي توقف بعيداً يتابع ما حدث بابتسامة بسيطة. ليستدير راحلاً إلى المكان المخصص له.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!