الفصل 10 | من 11 فصل

رواية ام البنات الفصل العاشر 10 - بقلم مونت كارلو

المشاهدات
18
كلمة
1,391
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 91%
حجم الخط: 18

انتابت جدتهم أحلام مظلمة في الآونة الأخيرة، كانت تفيق مذعورة كأنها خرجت من الجحيم للتو، بأنفاس متقطعة وحشرجة، تلهث ولا تهدأ إلا بعد وقت طويل. كانت البنات يسمعن صدى صراخها من قبوهم، أرعبهم الأمر في البداية ثم اعتادوا الأمر. "تلك طريقة الحياة، نحن نستصعب الأمور، نقسم بأن حياتنا لن تستمر ساعة بعدها، ثم نعتاد الأمر ببساطة. هكذا يرسخ الظلم أقدامه بالمجتمعات المتخلفة، لأن العدل يحتاج تضحيات، نحن أجْبن من أن نقدم عليها."

"تصادفنا نقاط فاصلة، إشكاليات، خيانات، سقطات، نقسم حينها بأن حياتنا لن تستمر، ثم بعد مرور عام ربما نجد أننا لا زلنا أحياء، والأسوأ بأننا اعتدنا حياتنا الجديدة. الإنسان البشري يضرب مثالاً على قدرته على التلون مثل الحرباء الصحراوية." ينتصف الليل، تشعر الجدة بالظمأ تطلب ماء. ابنها في غرفته غير مبالٍ وزوجته تلعنها في سرها. تتوكأ على عصاها، تصطدم بالأواني تسقط أرضًا، تشكو لربها ضعف قوتها وجحود ابنها. "أين تذهبين؟

" سألت الفتيات أختهن الصغرى. "سأذهب لأسقي جدتي." "لكنها كانت تضربنا؟ "نعم، لكنها تتألم مثلما كانت والدتنا تتألم." "لكنها تستحق ذلك؟ "يجب أن نشكر الله على استجابته لدعائنا، أن نثبت له بأننا أشخاص جيدون." "وما فائدة ذلك؟ " سألها إخوتها. "إذا كنا جيدين، سيستجيب لنا مرة أخرى عندما ندعوه."

في صف، يسرن الفتيات نحو جدتهن الممدة على الأرض، يسندونها نحو سريرها، يسقينها الماء. تشكرهم وتدعو لهم، مع ذلك لا تتوقف عن البكاء، بكاء حارق لمن أعطى حياته لأناس لا يستحقون. "أبعدي السكين يا امرأة، ماذا تخالين نفسك فاعلة؟ "سأقتلك." "لا داعي لذلك، أرجوك." "أرجوك... " تردد الكلمة بينها وبين نفسها، تستطعمها، تتلذذها، تمتصها مثل رحيق.

تجلس على السرير بعد أن تزيحه على الأرض، يتكوم مثل كومة تبن. بعد أن استردت أنفاسها، جرتْه من ذراعه نحو الخارج. "ماذا ستفعلين؟ "سأقيدك مع المواشي." "شرفي يا زوجتي؟ "وشرفي أنا، هل فكرت به؟ "الرحمة، الرحمة، الرحمة... " كلمة ذات وقع جميل، تشعرك بالقوة للحظات، تعطيك انطباعًا بسيطرتك على الأمر. لكن الشخصية الأخرى التي تملكتها لا تعترف بالرحمة. تتابع جره، تلعنه، تشتمه، لا يرد.

"غريب أمر الإنسان، وشتان بين الموقفين عندما تقارن بينهما." جرتْه نحو باحة المواشي، تلطخ وجهه بالروث، ملابسه. سحبت القيد قربته من قدمه، لم ينطق بكلمة. تركت القيد وجلست بجواره. "أتدرين، ذلك هو الفرق بيني وبينك يا كيس القمامة! لا زلت زوجي على كل حال، لذلك شرفك من شرفي، ما يمسك يمسني، ما يشوه صورتك يشوهني. هل تعلم ما تعني تلك الكلمات؟

نعم، تركتْه وسارت للداخل غير مسرورة بما اضطرت لفعله. يزحف خلفها نحو الداخل. وجدها راقدة على السرير، اكتفى بالنوم على الأرض مثلما اعتادت زوجته أن تفعل. اقتربت تحية من جدتها في الفترة الأخيرة، شعرت بعاطفة جامحة نحوها. كانت تتذكر آلام والدتها بجدتها. هناك ميزة واحدة للطفولة، هي القدرة على النسيان والصفح. كانت تنام بجوارها وتخدمها على قدر استطاعتها.

كانت تنتاب جدتها نوبات هلوسة، تحكي لحفيدتها عن أيام طفولتها، عملها بالحقول، زواجها، الأيام الماضية. عندما كانت تتألم، كانت تخبر حفيدتها بأن الله يقتص منها للآثام التي اقترفتها. مع ذلك، لم تذكر تلك الآثام ولا حتى مرة واحدة. كانت تحفظها بقبو عميق بداخلها. تدهورت حالتها أكثر، التهمتها الأمراض، تضاريس الحياة. تحية كانت تستمتع بقصص جدتها عن أيام شبابها، لا تمل منها لأنها تذكرها بأيام طفولتها المجحفة.

حل الشتاء ببرده وعواصفه، كانت تتكور تحية بجوار جدتها لتشعر بالدفء. يشعر الإنسان بقرب أجله أكثر من غيره، تتملكه رغبة قوية للاعتراف بجرائمه، أخطائه، رغبة متأخرة لنيل الصفح والغفران. "سامحني يا عواد، لقد اضطررت لذلك. كانت ثروتك ستذهب لإخوتك، ثم أنك كنت ضعيف. كانت نزوة وحيدة أنجبت من خلالها وريثك صابر. نعم، هو ابني لكنه وريثك."

تحية الطفلة لم تدرك معنى تلك الكلمات، كل ما تعرفه أن عواد جدها. تلك الاعترافات المقيتة، هل تريح الإنسان قبل موته؟ نحن لا نعلم ذلك إلا عندما تداهمنا سكرات الموت، عندما نتعرض لنفس الموقف. بعض الأسرار تذهب معنا ل قبورنا، ربما كانت تلك إحداها. ماتت جدتها في إحدى ليالي الشتاء العاصفة، تجمدت أطرافها وسكنت حركتها. تحية حاولت في الصباح إيقاظها، لكنها كانت قد رحلت. صراخ وهلع لا يغني من شيء.

لم يدفن صابر والدته بالمنزل، بل طلب صهره لنقلها للمدافن. عندما حضر صهره كان منهكًا ومتعبًا، وجهه متورم، وجسده يرتعش. عندما سأله عن السبب قال: "سقطت من فوق حماري." الرجال لا يعترفون أبدًا بسيطرة نسائهم عليهم، يعتبرونه سلوكًا شاذًا وعارًا. أما عندما يضربون زوجاتهم، أخواتهم، فإنه فعل رجولي يستوجب المدح. كأن قدر المرأة أن تكون تابعة، تكتفي برد الفعل. أي شيء غير ذلك يعتبر خروجًا عن نظام الحياة.

دفنوها قبل الغروب، صلى عليها إمام المسجد، وبكت تحية عليها كثيرًا. تدور الدائرة دائمًا، الزمن يكرر نفسه بكل دقة. حملت زوجة صابر الجديدة، انتابته سعادة مثل تلك التي انتابت والدة عواد من قبل. فرح بزوجته وعمل على راحتها. كان يدللها ولا يسمح لها بالعمل.

البنت الكبرى مضت أيامها الأولى بعد تلك الحادثة بسلام. لم يضايقها زوجها وشعرت نحوه بالأمان. لكن الثعبان لا ينتج رحيقًا، بل كل ما بداخله سم قاتل. إنه يكمن وينتظر لحظات ضعف فريسته.

بعد شهر، استيقظت البنت الكبرى لتجد نفسها مقيدة بالأغلال بسريرها. أيقظها زوجها، حاولت التملص دون جدوى. تركها وخرج ثم عاد بعد قليل تتبعه امرأة عجوزة. أجبرتها على فتح قدميها ووضعت إصبعها على موطن عفتها واخترقته. شعرت بألم مبرح جعلها تتقيأ. رحلت المرأة العجوز وتركتها مع زوجها الماكر المبتسم المتلذذ بعذابها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...