الأطفال يتألمون من الضرب. وعندما يشبون، يؤلمهم الإحباط. وعندما يهرمون، يبكون سنين عمرهم الضائعة. كان فقد والدتهم صفعة اختارتها الحياة بعناية. لكنهم لا يشعرون بالفقد إلا حين يكبرون أكثر. رحلت الوالدة، وتكفلت الابنة الكبرى برعايتهم وقضاء الحاجات الأساسية. والتي ليس من ضمنها الحنان.
لم يبدل الوالد معاملته. كان موت زوجته راحة له من سخرية زوجته الجديدة وتهكمات والدته العجوز. زوجته الجديدة وجدت فرصتها سانحة، وبدأت بإظهار وجهها الآخر. كانت تضربهم عندما يخطئون، توبخهم، تشتمهم، وتمنع عنهم الطعام. كلما طالت فترة عدم حملها، ازدادت غضباً وكرهاً، وكأن البنات ضرر لها. الجدة العجوز بعصاها التي تتكئ عليها، كانت تبرحهم ضرباً كلما رأتهم يلعبون. وكانوا يدعون عليها سراً أن تتعفن مثل والدتهم وتنتفخ بطنها.
حضر عريس الابنة الكبرى. باع الأب ابنته نظير الحصول على محصول فدانين قمح وعشرة أحمال من التبن. كانت صفقة هائلة، سعدت من أجلها الجدة. زُفّت الابنة الكبرى بعد مدة الأربعين يوماً من تاريخ وفاة الوالدة. حملها زوجها في عربة يجرها حماران نحو منزلها الجديد. لوحت لأخوتها قبل رحيلها، والدموع تنهمر من عينيها بصمت، خشية أن يسمع صوت بكائها زوجها الجديد.
كان منزلها مبني بالطوب اللبن. ساحة بها فرن وبئر، وغرفة مسقوفة بجريد النخل. جرها الرجل من خلفها وهي تتأمل هيئته. شاربه الناحل، عينيه الغائرتين، لحيته الخفيفة، قدمه العرجاء، شعر رأسه الذي يشبه القنفذ، أسنانه الصفراء المتفرقة، أظافر أصابعه المتروثة السوداء. عبر الباحة ودخل الغرفة الوحيدة ذات السقف الواطي. وجدت سريراً من الخشب مغطى بكبرتة بالية وقديمة، وشرفة لا بأس بها. بعض الأواني مبعثرة هنا وهناك.
بعد أن عبر الباب، اتسعت حدقة عينيه ورسم ابتسامة ذات مغزى ماكر. جلس على السرير. وانحنت الفتاة لتنزع قبقابه المهتريء الملوث بالطين. أحضرت طست وصبت به ماء بعد أن أشعلت الحطب وسخنته. وضع قدميه في الطست، وأخذت الفتاة تغسل الجلخ الملتصق بقدميه.
أمسك بيديها وأوقفها. ضمها نحوه وأخرج لسانه الطويل والذي يعلو سطحه فطريات بيضاء ذات رائحة كريهة. لعق رقبتها ووجهها والتصق بها لعابه اللزج. جز على أسنانه وأجلسها على قدميه. ارتجفت الفتاة وتعرق جسدها. كانت ثابتة مثل الحجر، باردة مثل الثلج، بائسة ومحطمة. طلب منها أن تنزع ملابسها بعد أن استلقى على السرير. تأملها ثم طلب منها النوم أسفل قدميه على الحصير. ثم أخذ يحدق بها حتى نام. هل هناك شيء أقسى من الموت؟
نعم، الحياة عندما تدير وجهها المشرق وتظهر وجهها الأسود. عندما تكشر أنيابها وتقضمنا دون رحمة. يرتفع حاجز عالٍ من عدم الرحمة يعزلنا عن باقي العالم.
لكزها بقدمه. خدشها أحد أظافره. "أفيقي يا امرأة، زوجك لديه أعمال كثيرة." قامت مفزوعة، تناولت لباسها وسترت به نفسها. نظرت من حولها، لم تكن الشمس قد أشرقت بعد، كان ظلام الليل يكافح ضوء النهار. "خلال لحظات أريدك أن تسخني الماء، تصنعي الشاي، تعلفي الحمار وتضعي فوقه السرج. سأسمح لك مرة واحدة في حياتك، وقد مضت. بعد ذلك أريدك أن تستيقظي قبلي، تجهزي كل شيء."
أومأت برأسها. خرج زوجها لقضاء حاجته وعاد بعد قليل. كانت قد أشعلت النار، سخنت الماء وصنعت الشاي. "عندما تشرق الشمس، تسحبين المواشي من خلفك نحو منطقة المراعي ولا تعودي إلا بعد أن تمتلئ بطونها. هل تسمعين؟ "نعم." تناول إفطاره وخرج. كان يعمل بدفن الموتى، مع ذلك لم يسمح له والدها بنقل والدتهم فوق عربته الخشبية نحو المدفن.
بعد أن رحل، سحبت المواشي خلفها وسارت بين الحقول نحو المراعي. مرت بطريقها على منزل والدها وأرادت أن ترى أخوتها، لكنها لم تكن راغبة برؤية وجه والدها ولا جدتها، لذلك أكملت المسير. شردت بفكرها بالليلة الماضية. لم تكن تعلم بما يحدث بين كل عروسين ليلة زواجهم، مع ذلك كرهت ما حدث. لم يروقها أن تقضي ليلتها عارية مثل الحيوانات. إذا طلب ذلك مني مرة أخرى، سأعارضه، وليكن ما يكن.
"قفن صف يا لعنات." اصطفت البنات بترتيبهن في صف أمام جدتهن. "لقد تزوجت أختكم ولست أنا الخادمة التي ستقوم برعايتكم. ستقضون أعمالكم بأنفسكم علاوة على الأعمال المنزلية. والآن لتمد كل واحدة منكن يدها." مدت كل فتاة يدها أمامها. تناولت عصاها النخرة التي أكلها السوس وقامت بضربهن. "تلك الضربات لا تعتبر شيئاً نظير ما سينالكم إذا أحدثتم أي خطأ. قبل أن تعود زوجة والدكم من الخارج، أريد كل شيء أن يكون جاهزاً." انصرفن الفتيات.
"لماذا لا تخدم نفسها تلك الزوجة اللئيمة؟ " تمتمت البنت الصغرى بتلقائية. "لم يكن والدنا يسمح لوالدتنا بالخروج. أين ذهبت أصلاً؟ تفرقت البنات بأرجاء المنزل يغسلون ويمسحون ويكنسون. بينما خرجت أكبرهن لجلب العشب لإطعام المواشي. كانت أيامهم متشابهة وضعف أجسادهم أكثر من كثرة العمل. الأطفال بمثل عمرهن لا يقومون بمثل تلك الأعمال. هن يلعبن وينعمن بالحنان والرحمة.
بعد أن نال التعب من الطفلة الصغرى، كان أخواتها قد نمن. رفعت يديها للسماء مثلما كانت ترى والدتها تفعل.
"والدتي، حيث رحلتِ، حيث كنتِ، فأنا لا أعلم مكانك بالضبط. أعلم بأنك منشغلة، لكن إن كان لديك شيء يمكنك فعله، فأرجوك أن تحدثي والدنا ليخفف عنا أعمالنا. انظري ليدي، لقد تقشفت وتورمت. ثم إني لم أتناول الطعام منذ ليلتين وأنا كما تعلمين أجوع بسرعة. والدتنا الجديدة، والتي يجبرنا والدنا وجدتنا بمناداتها بذلك الاسم، مع أني أتمتم سراً بعدها بأنها ليست والدتنا، تضربنا ضرباً مبرحاً ولا تمنحنا أي طعام. تقول بأننا لا نستحق. أعلم
بأنك تسمعينني وستحققين أمنيتي. كنت أتمنى أن أعرف مكانك لأزورك، لكنهم يقولون بأنك رحلت بعيداً جداً. مع ذلك، لو أخبروني بمكانك، فأنا مستعدة للسير طوال يوم وليلة لأقبلك. لقد تعبت من الكلام، كما أني جائعة جداً ويجب أن أنام. تلك المرأة توقظنا بعد الفجر كل يوم."
"قبلاتي لك، ولا تنسي ما طلبته منك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!