الفصل 6 | من 11 فصل

رواية ام البنات الفصل السادس 6 - بقلم مونت كارلو

المشاهدات
21
كلمة
1,687
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

كان نومها عميقًا تتخلله بعض التأوهات. لو نظر شخص نحوها لتملكه التعجب، كيف لميت أن يتألم؟ لكننا ميتون بمنازلنا، بمقاهينا، بأزقتنا، بحوارينا، بجامعاتنا، بمدارسنا، بأعمالنا، مع ذلك نتألم. لقد خُلقنا ويحمل كل منا صك الألم على عنقه. السرطان ينهش الجسد، يمزقه مثل خرقة بالية. قبل الفجر اختنقت، ضيق تنفس وسعال مدمى. كانت تستجدي الهواء، لكن غرفتها بقبو ونافذتها ضيقة. أخذتها حشرجة الموت ورعشته بين ظلمة ليل وقبو.

الابنة الصغرى استيقظت مرعوبة. احتضنت والدتها بعنف، صرخت وصرخت. استيقظت الأخريات، يفركن أعينهن غير مدركات لما يحدث. ضوء لمبة الجاز يرتعش بضعف، لم يسعفهن برؤية والدتهن التي تلمظ لعابًا أبيض يشبه المخاط. لكن الدائرة لا تتسع للفقراء، بل تضيق وتضيق حتى تقتلهم محصورين بركن ضيق ومظلم. "أمي، والدتي، أماهُ... كلها مسميات لشخص يحتضر."

أخذت الأم تشهق مثل دجاجة قُطع عنقها. عيونها بارزة حمراء برحت مرابطها. كل شيء وارد عند الموت، لأننا لا نعلم كيفيته ولا نختار الطريقة التي يُقضى بها علينا. استطاعت التنفس أخيرًا. كانت نوبة قاسية لا أكثر. تجربة لكيف ستزهق أرواحنا. لكنها كانت منهكة جدًا والدماء تغطي فمها ووجهها. هرع الأب مسرعًا مفزوعًا لصوت الصراخ الذي سمعه. وجد زوجته مسجاة تسعل دماء، لكنها تتنفس، وذلك المهم. "في الصباح سنحضر لك حكيم الصحة."

الأم المطيعة شكرته. أتى الصباح ولم يذهب الزوج لإحضار حكيم الصحة. وظلت الأم راقدة على حصيرتها تنتظر الفرج. أذن الظهر، لم يصلِ الأب، بل سار متثاقلًا تجاه الوحدة الصحية القديمة. الوحدة الصحية ذات الجدران القديمة المتعفنة مثل المجتمع، تحيط بها البرك. دلف الزوج لحكيم الصحة، والذي لم يكن طبيبًا كما درجت العادة، بل ممرض (تمرجي)

كان التمرجي جالسًا على مقعده عندما توسل الرجل للكشف على زوجته. بعد أن فتل شاربه ونال بعض المدح والثناء، صحب الرجل تجاه منزله. كان الزوج يحمل المخلة الجلدية ويسير خلف التمرجي الذي ينال تحية الرجال الجالسين أمام منازلهم باحترام مخبر أمن دولة. نزل القبو وعاين الجسد مثلما تعلم. نزلة برد شديدة، لقد قتلت الرطوبة تلك المرأة. يجب نقلها لأعلى. وصف لها بعض الدواء مع ضرورة أن يُدهن جسدها بليمونة وملح.

بعد أن رحل التمرجي، قطعت البنت الكبرى ليمونة ودهنت بها جسد والدتها. ووعدها الأب بأن ينقلها لأعلى صباح اليوم التالي. لكن الموت لا ينتظر صباحًا ولا مساءً. إنه أقرب مما نشعر. يطوف حول أحبتنا دون أن نشعر، يخطفهم دون أن يمنحنا الوقت لتوديعهم، تقبيلهم، إخبارهم للمرة الأخيرة أننا نحبهم وأن فراقهم سيؤلمنا. تلك حكمة الموت الأبدية، اختيار الوقت الذي لا يناسبنا.

دهن البنات جسد والدتهن بليمون كثير، لكن صحتها لم تتحسن وعزوا ذلك لعدم صلاحية الليمون وفساده. "الليمون شرير مثل والدنا." قالت البنت الصغرى بصوت خافت. "بل مثل جدتنا الحمقاء." قالت الفتاة الكبرى. الموت لا يأتي فجأة، تسبقه مقدمات. سقوط ورقة شجر، نعيق غراب، نباح كلب، فنجان يكسر. الموت يحيط بنا في كل وقت، لكن مقدرتنا محدودة. "وجهك يا والدتي مثل البرتقالة الحامضة." تبسمت الوالدة لابنتها الشقية الصغرى.

"عندما تموتي سندفنك بجوار أختنا الصغرى وسآتي لزيارتك كل يوم. لن أتركك بمفردك مثل والدنا." أردفت الصغرى. اشتد المرض بالوالدة. لم يكن من الغريب أن تصرخ من شدة الألم أثناء الليل. نحف جسدها أكثر وظهرت عظام وجهها. تلون شعرها بالأبيض ثم بدأ يتساقط مثل أوراق الأشجار بفصل الخريف. كانت الفتاة الصغرى تجمع الشعر المتساقط وتزين به عروستها التي صنعتها من الطين.

طالت رقدتها وظهرت القرح بجسدها. لم تكن قادرة على التحرك. قرح قاتمة مملوءة بالصديد. الذباب يطن من حولها ويلتصق بها بمحبة كأنها فرد من العائلة. لم تقو على القيام لقضاء حاجتها، وكانت ابنتها الكبرى تساعدها، والتي كانت تقوم أيضًا بأعمال المنزل نيابة عن والدتها.

بأحد زيارات أخ زوجة والدها الجديدة رآها. أعجب بها وطلب من والدها الزواج بها. تعلل الأب بصغرها، فلم تكن قد بلغت الخامسة عشر بعد. بعد أن رحل، وبخته زوجته الجديدة وتمنعت عليه. والدته أيضًا وبخته. "لديك ستة أفواه مفتوحة تحتاج لطعام وملابس." لم يجد حلًا إلا الموافقة على الزواج.

استدعى الأب ابنته الكبرى. أخبرها بأن هناك شخصًا تقدم للزواج بها وأنه قد منحه الموافقة. لكنها لم تكن تعلم ماذا تعني كلمة زواج، لم تسمع بها قبل ذلك. مع هذا، كانت تكره الرجال مثلما تكره والدها. لكنها لم تكن تمتلك حق الرفض ولا العصيان. سيهشمها والدها بعصى الخيزران اليابسة التي يضرب بها المواشي. أخبرت والدتها بقرار والدها فزاد مرضها ضعفَيْن.

"ما زلت صغيرة يا ابنتي. الزواج منهك ومتعب. أنت لا تمتلكين القدرة بعد لتحمل مزاجية رجل ونزواته الحيوانية. إنهم لا يرحمون." كانت تعلم بأنها غير قادرة على المعارضة، لكن بداخلها اشتعلت حرائق كبيرة. غيظ مكتوم خانق يدمرها ويفسخها من الداخل.

تلك الليلة ماتت أم البنات. لم يقتلها المرض، بل الغيظ والظلم وعدم القدرة على الدفع عن النفس. ماتت أم البنات تاركة خلفها ست فتيات صغيرات لا يعلمن من أمر الحياة شيئًا. كل أملهن يتمثل بوجبة عشاء كاملة غير الفتات الذي يمنحهن إياه والدهن القاسي. "أمي أريد أن أتبول." قالت البنت الصغرى بعد أن أمسكت بذراع والدتها وجذبته. لكن الأم لم ترد، وكيف ترد وقد تركت الأرض، الحياة، العالم، البشرية القذرة.

"أمي، أمي." لم ترد الأم. "حسنًا سأتبول هنا وعليك ألا تعنفيني في الصباح." تبولت وأكملت نومتها. أشرقت الشمس وتخللت نافذة القبو بعض ضوئها بصعوبة. استيقظت الفتيات، بدأ بعضهن باللعب، بينما همت الكبرى بإيقاظ والدتها لدهن جسدها بمزيد من الليمون الحامض الفاسد. كان جسد والدتها باردًا عندما مرت يدها عليه. جذبتها، هزتها، لكن الوالدة لم تستيقظ.

تجمعت الفتيات من حولها، كل واحدة منهن أمسكت بجزء من جسدها تهزه وتجذبه. جهشت البنت الصغرى بالبكاء، كانت تصرخ "أريد طعامًا يا والدتي." تسللت البنت الكبرى نحو المنزل. أحضرت رغيف خبز، قسمنه بينهن والتهمنه في جوع. تركن جزءًا من الرغيف لوالدتهن، كانوا يظنون أنها بغفوة وستفيق بعد لحظات. لكن الأم لم تفق. أذن المؤذن للظهر. كانت البنت الكبرى قد أنهت أعمالها ونزلت للقبو.

"أفيقي يا والدتي، أصبحنا الظهر. يبدو بأنك متعبة. تحتاجين لمزيد من الراحة." التزمن الصمت ليوفرن لها سبل النوم. أكل الليل النهار. ظهرت النجمات، تعالى القمر في السماء. نامت الفتيات بجوار والدتهن. قبل منتصف الليل، لكزت البنت الصغرى أختها الكبرى لكزة قوية. سألتها الكبرى: "ماذا هناك؟ "لقد تعفنت والدتنا." كانت رائحة جسد الوالدة قد بدأت بالظهور. تعفن جسدها وأكل بعضه الدود. "الأمر غريب، كيف للدود أن يعرف الجسد الميت؟

هل يعيش بداخلنا ينتظر تلك اللحظة، أم أنه يعيش معنا ولا نراه؟ صرخت البنت الصغرى بصوت مرعب. صعدت الدرجات مجهشة بالبكاء نحو والدها تصرخ: "لقد تعفنت والدتنا."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...